أصناف الناس من المتكلمين في الردود ومسائل الجرح والتعديل


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين أمَّا بعد:

فقد كَثُر الكلام حول المهتمين بالردود و الجرح والتعديل لأهل المقالات والبدع  فيوصفون بالغلو وغير ذلك، والحمد لله فإن دين الله وسط ونحن أمَّة وسط، وقد وضع الشيخ الوالد المربي عبيد الجابري حفظه الله النقاط على الحروف في هذه المسألة التي كثر الخبط واللغط فيها ، وقد سئل الشيخ الوالد المربي عبيد بن عبد الله الجابري السؤال الآتي:

 أحسن الله إليكم وبارك فيكم، سائل يسأل ويقول: فضيلة الشيخ كثُر في الآونة الأخيرة الاشتغال بأشرطة وكتب الردود مع إهمالٍ لطلب العلم وإذا قام أحد بتوجيه الشباب وحثِّهم على طلب العلم يُمكِن أن يصنَّف من أتباع فلان أو علان فما هو الضابط في ذلك وما توجيهكم في التعامل مع هؤلاء الشباب في هذه المسألة مع نصيحة عامة للشباب في طلب العلم؟
الشيخ: قدمت لكم بارك الله فيكم ما يغني عن بعض ماجاء في هذا السؤال وعرفتم ما نصحتكم به من الكتب وما حذرتكم منه، وعرّفتُ لكم فيما قدمته لكم حدّ العلم الشرعي، والذي أزيده هنا أقول: الردود باب من أبواب الدعوة، فيها نشر للسنة ودفع للبدعة وصيانة لأهل السنة من خطر المبتدعة ولا أعرف عالما من أهل السنة فضلا عن الأئمة ينهى عن الردود أبدا، لا ينهَوْن عنها نهيا مطلقا، بل ينهون نهيا مقيدا، فإذا رأى العالم تلامذته أو أهل بلده تركوا الفقه في العقيدة والعبادة والمعاملة وانصرفوا إلى الردود فإنّه يحذّرهم ويقول لا تنـشغلوا بالردود، يعني لا تجعلوها شغلكم الشاغل، فهو يريد أمرين –أعني هذا العالم السني وكذلك الإمام من باب أولى- يريد من تلامذته ومُحبّيه من أهل بلده وغيرهم والذين جمعت بينه وبينهم السنة والمحبّة في ذات الله، تحابوا في ذات الله -يريد منهم أمرين:
الأمر الأول: التحصيل العلمي، فأنت إذا نظرت في الأئمة الذين حذروا من البدع وأهلها وفندوا شبه المبتلين وصانوا هذا الدين عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وجدتهم يتكلمون بعلم لا بعاطفة، وكذلك من ورثهم من أبنائهم وأحفادهم وإخوانهم على نفس النهج، وذلكم حرصا على تحقيق ما أخبر –حرصا على تحقيق ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أخبربه "من يرد إليه به خيرا يفقهه في الدين"، قال أهل العلم: ومن لا يرد الله به خيرا لا يفقهه في الدين، هذا مفهوم الحديث، وهذا صحيح.
والأمر الثاني: أن يأخذوا من الردود بقدْر، بقدر فقط بحيث لا تشغلهم عن ماذا؟ عن العلم، فأنتم تعلمون أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما ورّثوا دينارا ولا درهما بل ورّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر .هذا، هذه وصية نبينا صلى الله عليه وسلم .

وعلى هذا فإن من يتناول الردود ويطالعونها أصناف:

صنف عنده القدرة على الجمع بينها وبين مسائل العلم، فهذا لا يُردّ هذا يؤّيد ويُبارك له صنيعه ويشدّ أزره، ما دام عنده قدرة على تحصيل المسائل العلمية دقيقها وجليلها، وصغيرها وكبيرها، فهذا لا يُفنى ولا يجوز أن يفنى، ما دام أنه لم يهمل الجانب العلمي والتحصيل العلمي.

الصنف الثاني: من لا هَمّ له في تحصيل المسائل العلمية بل مطالعة ما يجري في الساحة وفلان قال وفلان قال، فهذا الذي يشدّد عليه لا من باب أنه ركب بدعة  ولكن من باب مصلحته هو، فيقال: أنت أهملت أمرا أكبر من هذا، فإذا ذهب العلماء الذين دفع الله بهم البدعة وأهلها وكانوا جبالاً، مَن يرثُهم إذا لم يكن لدينا علم؟ هل يرثهم الجُهّال يا أبنائي، هل يصلح الجهّال بعدهم لرئاسة الناس؟ لقيادة الناس وهداية الناس؟ أبدا، هؤلاء يُضِلّون، يَضِلّون ويُضِلّون، فمن هذه الناحية نشدد على أخينا هذا، ويقال له اتّق الله، أنت جعلت وقتك كله أو جلَّه في هذه الردود، وكان يكفيك أن تعلم بأن الإمام فلان أو العالم فلان ردّ على فلان من الناس، وكشف عن حاله وهتك شره، لما هو راكب إيّاه من البدعة والضلال، يكفيك هذا، يكفي.

وأنا أقول لكم أنا شخصيا والله ما قرأت كل ما كتبه الشيخ ربيع- حفظه الله- وحفظ جميع علماء الإسلام والسنة بالإسلام والسنة في الحياة وبعد الممات، ما كتبه الشيخ ربيع حفظه الله عن سيد قطب، والله ما قرأته كله، أبدا، ولكن فهمته، قرأت بعضه ففهمت البقية لأن الشيخ ربيع عندي صاحب راية يرفع بها لواء السنة ويذبّ عنها وعن أهلها، فما رفعها ولله الحمد في وجه محارب معاد للسنة إلاّ عادت هذه الراية منصورة مؤزّرة قوية ما لانت ولا عانت، وقد فضح بها ولله الحمد أهل البدع والضلال وأساطين أهل البدع والضلال، فكفاني أن الشيخ ربيع ردّ على فلان، أو أن الشيخ محمد بن العيثمين رد على فلان، كفاني.

 الصنف الثالث: من لا يدري عمّا يجري، فهذا نكون معه ونطلعه على ما واجه به علماء السنة أساطين الضلال وأئمة البدع حتى يكون على بصيرة ولا يؤتى من غِرّة.

هذا هو المنهج الصحيح، بارك الله فيكم، وأعطيكم مثالاً:

الشيخ محمد ابن العثيمين -رحمه الله- وهو من تعلمونه، لمّا سئل عن كتب سيد قطب قال: أنا لا أدري عنها، ما قرأت له كثيرا، قرأت أول الأمر حين كنت في الشباب.

 ومرة قال: كفانا فيها أخونا الشيخ ربيع. أحال به فهمتهم! أحال به.

وآخر أمره قال –رحمه الله-:" لولا الورع لقلنا بكفر سيد قطب" حدثني بهذا- وأنتم قولوا حدثنا عبيد الجابري- عرفتم اسمي ولاّ لا، عبيد ابن عبد الله بن سليمان الجابري المدرس بالجامعة الإسلامية سابقا حفظ الله الجامعة الإسلامية، وجامعات أهل الإسلام وصانها من كل مكروه، سمعتهم هذا!أنا أقول حدثني الدكتور عبد الله بن مسَلّم، عبد الله بن يزيد المسلم من أهل عنيزة ،بهذا الخبر، فأنتم قولوا:حدثنا عبيد الجابري قال حدثني عبد الله بن يزيد المسلم , وقد فهمتم الخبر.

 فالمقصود أنا أنهاكم يا أبنائي عن الشطط، أنهاكم عن الشطط وآمركم بالرفق فمن نهاني عن الاشتغال بالردود وترك المسائل العلمية أنا لا أشتطّ عليه إذا عرفت أنه من أهل السنة، أعرف أنه يريد نصحي ويريد أن أحصّل أبوابا من العلم، نعم، نعم أهل البدع هم الذين ينهون عن الردود نهيّا مطلقا: (اتركوا الردود، دعوا الردود، فيها مضيعة للوقت وفيها مشغلة عن العلم) نهيّا مطلقا، لكن أهل السنة لا ينهون نهيا مطلقا، وإنْ قال هذه العبارة مطلقا في وقت لكن جلّ وقته أو كثير من وقته يريد هذا، نعرف هذا من حاله ومقاله، نعم، فمثلا الشيخ بن العثيمين –رحمه الله- حينما يقول لتلامذته وأهل بلده والمسلمين، لا تنشغلوا بالردود، هذا ماهو؟ حاله على السنة، يقرّرها ويدعو إليها ويدفع عن أهلها بقدر ما أوتي، فلكل مقال، فلكلّ… وقرينة الحال تدل في الحقيقة على المقال، تدل على المراد من المقال، فإذا قال لك إخواني بنّائي أو إخواني سروري قطبي أو تبليغي، لا تشغلوا أنفسكم بالردود، إن هذه الردود مضيعة للوقت ومشغلة عن طلب العلم، فضع عليه علامة كبيرة ما يريد هذا منك؟ يريد أن يروّج للبدعة ويمّهد لنشرها، وتضليل أهل السنة، فبان بهذا أن الناهين عن الردود صنفان من الناس:


صنف هم أهل سنة وهؤلاء لا ينهون عنها نهيا مطلقا.


وصنف آخر هم أهل البدع وهم الذين يطلقون، وأهل البدع نعرفهم، نعرف الإخوان المسلمين، نعرف التبليغيين، نعرف السرورية القطبية، وهكذا، نعرفهم، ونعرف المتحزبة، نعرفهم، فإذا كان الذي نهى عن الردود من هؤلاء، نعم، هذا ليس له عندي كرامة ولا مكانة، أنا مُنتهٍ منه، لكن من كان من أهل السنة على ما أنا عليه فإن مراده واضح بارك الله فيكم، مراده واضح، نعم.

إنتهى بتصرف بسيط، وهذه المادة من تفريغ الأخ أبو عبد الله القسنطيني لشريط أسئلة شباب المغرب العربي،  أسأل الله أن يوفقنا إلى الفقه في الدين والبصيرة فيه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.