عن زكريا بن يحيى قال : سمعت أبا بكر بن عياش ، وقال له رجل : يا أبا بكر من السني ؟ فقال : « السني الذي إذا ذكرت الأهواء لم يغضب (وفي رواية : لم يتعصب) لشيء منها » . أثر ثابت رواه الآجري وغيره .

وقال الخلال : أخبرني محمد بن موسى قال : قال أبو جعفر حمدان بن علي أنه سمع أبا عبد الله قال : وكان يحيى بن سعيد يقول : عمر وقف ، وأنا أقف ، قال أبو عبد الله : وما سمعت أنا هذا من يحيى ، حدثني به أبو عبيد عنه ، وما سألت أنا عن هذا أحدا ، أو ما أصنع بهذا ؟ قال أبو جعفر فقلت : يا أبا عبد الله ، من قال : أبو بكر وعمر هو عندك من أهل السنة ؟ قال : لا توقفني هكذا ، كيف نصنع بأهل الكوفة ، قال أبو جعفر : وحدثني عنه أبو السري عبدوس بن عبد الواحد ، قال : « إخراج الناس من السنة شديد » إسناده صحيح: رواه أبو بكر بن الخلال في السنة (1/2/373) رقم513.

وقال الإمام الشاطبي في "الاعتصام" (2 / 200- 202) : « وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين ، وقاعدة من قواعد الشريعة ، لا في جزئي من الجزئيات . إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببه التفرق شيعا ، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية ؛ لأن الكليات نص من الجزئيات غير قليل ، وشاذها في الغالب أن لا يختص بمحل دون محل ولا بباب دون باب . واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلى فإن المخالفة فيها أنشأت بين المخالفين خلافا في فروع لا تنحصر ، ما بين فروع عقائد وفروع أعمال .
ويجرى مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات ، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة ، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضا ، وأما الجزئي فبخلاف ذلك بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة ، وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين حيث قال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - : "ثلاث يهدمن الدين زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون" ، ولكن إذا قرب موقع الزلة لم يحصل بسببها تفرق في الغالب ، ولا هدم للدين بخلاف الكليات ، فأنت ترى موقع اتباع المتشابهات كيف هو في الدين إذا كان اتباعا مخلا بالواضحات وهي أم الكتاب ، وكذلك عدم تفهم القرآن موقع في الإخلال بكلياته وجزئياته ، وقد ثبت أيضا للكفار بدع فرعية ، ولكنها في الضروريات وما قاربها ، كجعلهم لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ولشركائهم نصيبا ، ثم فرعوا عليه أن ما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله وصل إلى شركائهم ، وتحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى ، وقتلهم أولادهم سفها بغير علم ، وترك العدل في القصاص والميراث ، والحيف في النكاح والطلاق ، وأكل مال اليتيم على نوع من الحيل ، إلى اشباه ذلك مما نبه عليه الشرع ، وذكره العلماء حتى صار التشريع ديدنا لهم ، وتغيير ملة إبراهيم - عليه السلام - سهلا عليهم ، فأنشأ ذلك أصلا مضافا إليهم ، وقاعدة رضوا بها ، وهي التشريع المطلق ، لا الهوى ، ولذلك لما نبههم الله تعالى على إقامة الحجة عليهم بقوله تعالى : "قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ( قال فيها ) نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ( فطالبهم بالعلم الذى شأنه أن لا يشرع إلا حقا ، وهو علم الشريعة لا غيره ثم قال تعالى : أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ( تنبيها لهم على أن هذا ليس مما شرعه في ملة إبراهيم ، ثم قال : ) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ( فثبت أن هذه الفرق إنما افترقت بحسب أمور كلية اختلفوا فيها والله أعلم " . انتهى كلامه

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (96/24) :
« نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع » .
وقال كما في "مجموع الفتاوى" (35 / 414) : « والْبِدْعَةُ الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ ، وَالرَّوَافِضِ ، وَالْقَدَرِيَّةِ ، وَالْمُرْجِئَةِ ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ ، وَيُوسُفَ بْنَ أَسْبَاطٍ ، وَغَيْرَهُمَا قَالُوا : « أُصُولُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً هِيَ أَرْبَعٌ : الْخَوَارِجُ ، وَالرَّوَافِضُ ، وَالْقَدَرِيَّةُ ، وَالْمُرْجِئَةُ » ، قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ : فالْجَهْمِيَّة ؟ قَالَ : « لَيْسَتْ الْجَهْمِيَّة مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - » » .

وقال الشيخ أبو عبد العزيز عبيد الجابري في شريط جناية التميع جوابا على السؤال العاشر: متى يخرج الرجل من المنهج السلفي ويحكم عليه بأنه ليس سلفيا؟ : « هذا بينه أهل العلم وضمنوه كتبهم ونصائحهم وهو ضمن منهجهم وذلك أن الرجل يخرج من السلفية إذا خالف أصلا من أصول أهل السنة، وقامت الحجة عليه بذلك وأبى الرجوع، هذا يخرج من السلفية، كذلك قالوا حتى في الفروع إذا خالف فرعا من فروع الدين فأصبح يوالي ويعادي في ذلك فإنه يخرج من السلفية، نعم » .

وقال الشيخ زيد بن هادي المدخلي - كما في "شرح الأفنان والعمل الأسنى" بتاريخ 10 / 3 / 1431 هـ - جوابا على قول السائل : متى يخرج الرجل من دائرة السلفية وأهل السنة والجماعة إلى دائرة أهل البدع والأهواء؟ . قال : « الخروج من السلفية ؛ المراد بالسلفية : ما كان عليه نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه الكرام الذين سلفوا ومضوا ، من اتباع الكتاب والسنة .
والخروج : إما أن يكون خروجا كليا ، وإما أن يكون خروجا جزئيا ؛ ليس كلياً ، وذلك بحسب الأعمال .
فالخروج الكلي من السلفية : أي من الدين الذي عليه السلف بالكفر الأكبر ، والشرك الأكبر ، والنفاق الاعتقادي ، والإلحاد المخرج من الملة ، لا يبقى الإنسان في دائرة الإسلام بحال من الأحوال ؛ فكيف أن يكون في دائرة السلفية ؟! .
والخروج بالبدع المخالفة لمنهج السلف ، سواءً في الاعتقاد ، أو البدع في الشعائر ، أو السلوك ، أو منهج الجهاد ، والدعوة إلى الله ، والأمر والنهي والنصيحة ، مخالفة السلف في ذلك خروج إلى دائرة البدع ، إلا أنها قد تكون بدعا لا تخرجه من الإسلام ، وإنما لا يصنف مع السلفيين الذين هم على العقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح ، لا يصنف معهم إذا كان مرتكباً بدعاً ، ويدعو إليها ، ويحارب من أجلها ، فإنه لا يصنف مع السلفيين ، ولكنه لا يخرج من دائرة الإسلام ، ما لم يرتكب ما يخرجه من دائرة الإسلام » . اهـ. فرغه محمد جميل حمامي كما في شبكة سحاب السلفية ، وتصرفت فيه بإصلاح بعض الأخطاء .

وقال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي - كما في فتاوى في العقيدة والمنهج - جوابا على سؤال ما هي البدع التي يعدُّ بها الرجل خارجا عن دائرة أهل السنّة والجماعة ؟ : « مثل بدعة القدر ، وبدعة الإرجاء ، وبدعة الرفض ، وبدعة الخروج ، والبدع الصوفية ، مثل الموالد الشركية ، وغيرها ، وشدّ الرحال إلى القبور ، والأشياء هذه - بارك الله فيكم - من هذا النوع .
تولّي أهل البدع يُصيِّر الإنسان منهم ، ومناصرتهم والذبّ عنهم ؛ فإنّ أحمد ابن حنبل - رحمه الله - قيل له : إنّ بعض الناس يجلس إلى أهل البدع ؛ فقال : انصحه , قال : نصحته ، فأبى , قال : ألحقه بهم .
فالذي يجالس أهل البدع ، ويُعاشرهم ؛ يُستدلّ عليه أنّه مريض ، وأنّه يُوافق هؤلاء ، وهذا فيه أدلّة :" الأرواح جنودٌ مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " , فهذا يأتلف مع أهل البدع ، دليل أن هناك توافقا وتشابها بين الأمرين والشخصين أو الجماعتين .
وعلى كلّ حال ما ذكرناه هو الذي يُخرج عن دائرة أهل السنّة والجماعة » .