كتاب حقيقة التوحيد لمحمد حسان في ميزان النقد السلفي

إعداد: أبي عبد الرحمن رائد بن عبد الجبار المهداوي

إنّ الناظر في كتاب حقيقة التوحيد لمحمد حسان للوهلة الأولى ليعجب من كثرة نقوله عن سيد قطب في أخطر وأخص أنواع التوحيد: توحيد الألوهية.
ويعجب السنيّ أكثر عندما يرى أنّ أكثر تلك النقول عن كتاب سيد "معالم في الطريق" الذي يعد أسوأ واخطر كتاب كتبه سيد طوال حياته، بل هو زبدة فكره الخارجي، وعصارة تجربته الثورية، ولذا سمى هذا الكتاب أيمنُ الظواهريُّ الخارجيُّ التكفيريُّ الضالُّ: "الديناميتَ"
إضافة إلى تردده ـ حسان ـ على (الظلال) ونقله المتكرر منه.
فهل انتهت كتب التوحيد السلفية ولم يعد هناك سوى المعالم والظلال؟
أم أنّ لحسان دوافع أخرى تجعله يركّز على مثل هذه الكتب المنحرفة؟
الذي يظهر أنّ ثناء حسان على سيد قطب أتبعه بتبني أفكاره ونشرها خصوصاً في أهم موضوع ركّز عليه سيد قطب وهو موضوع الحاكمية(!)
ولما وُجد من العلماء من يفضح فكر سيد قطب ويحذّر منه سلك محمد حسان مسلكاً باطنياً خبيثاً في الترويج لفكر سيده ونشره، ويتمثل هذا المنهج في معلمين اثنين:
الأول: النقل عن سيد قطب أثناء الكلام على مسائل اعتقادية سلفية موهماً القراء بأنّه على السنة والجماعة.
الثاني: زج اسم سيد قطب بين أئمة الدعوة السلفية قديماً وحديثاً في معرض الاستدلال بأقوالهم على بعض المسائل موهماً القراء بأنّ سيد قطب مثل هؤلاء في العلم والفضل والاعتقاد والمنهج.
وخطورة هذا المنهج تكمن بالتلبيس والتغرير ودس السم بالدسم بطريقة غاية في الدهاء والباطنية.
فمحمد حسان إذن يسعى إلى نشر القطبية ولكن بصيغة سلفية.
نقلان مهمان من كتاب حقيقة التوحيد يبينان ما وضحت آنفاً:
أولاً: قال محمد حسان [ص(9ـ17) ط: مكتبة فياض سنة 1427]:
ومن مقتضيات كلمة التوحيد: الإقرار بتوحيد الألوهية ... ومن مقتضيات كلمة التوحيد: أن يكون الحكم لله ـ جل وعلا ـ وحده ... ومن مقتضيات كلمة التوحيد: أن يصاغ النظام الاقتصادي كله وفق معايير الإسلام بعيداً عن أنظمة الشرق الملحد، أو الغرب الكافر... ومن مقتضيات كلمة التوحيد: أن يكون المنهج التربوي والتعليمي والإعلامي والفكري والحضاري والأخلاقي والسلوكي منبثقاً من الإسلام ومن المعايير الربانية لا من المعايير الشيطانية التي يقننها البشر للبشر لتصطدم مباشرة مع تلك المعايير الربانية... وأنقل لكم هنا كلاماً رائعاً دقيقاً (!!) كان من آخر ما تكلم به الشيخ(!!) سيد قطب ـ رحمه الله تعالى ـ إذ يقول بعد كلام سبق: (ولا بد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة وهي إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول، وتربية من يقبل على هذه الدعوة وهذه المفاهيم الصحيحة تربية إسلامية صحيحة، وعدم إضاعة الوقت في الأحداث السياسية الجارية، وعدم محاولات فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي؛ لأنها عرفته على حقيقته وتريد أن تُحكم به ... ضرورة فهم العقيدة الإسلامية فهمًا صحيحًا قبل البحث عن تفصيلات النظام والتشريع الإسلامي، وضرورة عدم إنفاق الجهد في الحركات السياسية المحلية الحاضرة في البلاد الإسلامية للتوفر على التربية الإسلامية الصحيحة لأكبر عدد ممكن وبعد ذلك تجئ الخطوات التالية بطبيعتها بحكم اقتناع وتربية قاعدة في المجتمع ذاته) اهـ.
قلت: وهذا الكلام عليه مؤاخذات علمية منهجية واضحة:
1- لم يوفق محمد حسان بتفسير التوحيد تفسيراً صحيحاً كما فسّره الأئمة والعلماء السلفيون بناء على نصوص الوحي؛ وذلك جرياً منه على أسلوب سيده (سيد قطب) ومحاكاة لمنهجه، وعصبية لدعوته.
فالتوحيد الذي جاء به القرآن - وهو دعوة الرسل جميعاً - هو إفراد الله في العبادة، ونقيضه الشرك.
أما محمد حسان فقد أدخل في التوحيد ما ليس منه.
أدخل فيه الإعلام، والاقتصاد، ونظم التربية، والأخلاق، مع أنّ هذه الأمور ليست المفهومة أصالة من كلمة التوحيد، وإنما هي من شرائع الإسلام لا من أصوله، أما التوحيد فهو الأصل.
وينبني عليه أن وجود بعض التقصير في الشرائع لا يلزم منه انتفاء الأصل وهو التوحيد خلافاً للخوارج والمعتزلة.
وصنيع حسان هذا فيه تسوية بين الأصل والفرع، على مذهب سيده الذي يساوي بينهما، فيترتب بناء على هذه المساواة انتفاء الأصل (التوحيد) بانتفاء بعض فروعه وشرائعه.
وكان من نتائج هذا المنهج المنحرف عدم احتمال وجود أخطاء ومعاص ظاهرة في المجتمع، وصار الشباب المتحمسون لفكر سيد قطب ينكرون مثل هذه المنكرات باليد ويبالغون في الإنكار ووصل الحد أن نشأت جماعات تكفّر بارتكاب المعصية.
ويزداد التشنيع والإنكار منهم عندما يصدر المنكر أو تصدر المخالفة من المسئولين أو الحكام.
ثم إن محمد حسان جعل توحيد الألوهية من مقتضيات كلمة التوحيد، وهذا من جهله وعمايته عن الحق وانسياقه وراء سيده؛ فإن كلمة التوحيد هي توحيد الألوهية وتوحيد الإلوهية هو كلمة التوحيد، وفرق بين مقتضى الشيء ونفس الشيء، وهذا يدركه كل عاقل.
2- نقله الكلام عن سيد قطب على سبيل التأييد والتبني والاستشهاد، وفيه دعوة سيد الحركات الإسلامية!! أن تبدأ من القاعدة...
وهذا فيه موافقة ضمنية من الحسان لسيده على مشروعية وجود الحركات الإسلامية التي فرّقت الأمة شذر مذر، واتخذت من المناهج الفكرية القطبية والبناوية والمودودية والتبليغية والتحريرية طرائق وسبلاً لإعادة الحياة الإسلامية وتحكيم الشريعة زعموا.
أهكذا فكر سيد أعماك عن لزوم فتاوى العلماء ـ التي لا يتسع المجال لذكرها ـ الكثيرة الشهيرة في تحريم التحزب والتفرّق؟
مابالك لم تمتثل ما في القرآن ـ الذي تحفظه ـ مثل قوله ـ تعالى ـ: "
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ" [الروم:31ـ32]
قال الإمام الطبري: في تفسيره: "ولا تكونوا من المشركين الذين بدَّلوا دينهم وخالفوه ففارقوه، (وكانوا شيعاً) يقول: وكانوا أحزاباً فرقاً كاليهود والنصارى.
وقوله ـ تعالى ـ: "
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ" [الأنعام : 159].
قال الإمام ابن كثير : في تفسيره: والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفاً له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه (وكانوا شيعاً) أي: فِرَقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برَّأَ رسوله -صلى الله عليه وسلم- مما هم فيه
مابالك قدمت كلام سيدك على حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "
افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"
[أخرجه أبو داود وصححه الإمام الألباني. وفي رواية أخرى: "
هي الجماعة" أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر].
أم انّه الهوى الذي يتجارى بصاحبه، فيعميه ويُصِمُّهُ؟!
3- في كلام سيد الذي نقله حسان على الوجه الذي ذكرته آنفاً رغبة بالتربية على العقيدة الصحيحة، وتوجيه للناشئة إلى إحيائها في القلوب.
وأنا أتساءل؟ أيَّ عقيدة يقصدون؟
فإن كانت عقيدة السلف الصالح فسيد بعيد عنها بعد المشرقين.
فهو الذي قدمنا عنه تحريف الصفات، والقول بوحدة الوجود، وتكفيـر المجتمعات الإسلاميـة،
وسب الصحابة، وغيرها من الضلالات.
إن دعوى إحياء العقيدة والتربية عليها التي زعمها سيد وأيده فيها مقلده الحسان دعوى لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وينقضها واقع حياة سيد، ودعوته، وعقيدته.
فباسم العقيدة لبّست وغرّرت وكتمت وأسأت يا حسان، فهلّا توبة قريبة؟
4- قال الشيخ: محمود لطفي عامر في مقال له بعنوان:(محمد حسان يجدد فكر سيد قطب بصبغة سلفية) على شبكة سحاب السلفية:
إن تحديد غاية الدين من الأهمية بمكان، والجهل بها يؤدي إلى مثل هذه الترهات التي تضيّع الأوقات والجهود والإصلاح ، فلما جهل محمد حسان غاية الدين الحقيقية انساق وراء كلام سيد قطب بحجة البحث أو إقامة النظام الإسلامي، إذن يلزم من تجديد محمد حسان وغيره لكلام سيد قطب وإشاعته بين الناس والشباب - خصوصاً - أن يبقي الوضع متوتراً تجاه أي تجمع ديني طالما أن القصد هو إقامة النظام، وهي عبارة مستترة مرادفه للعبارة المقصودة وهي: قلب النظام ، لأن سيد قطب جعل تربية الناس إنما القصد منها أن يقوم الناس بالمطالبة بالنظام الإسلامي ، ولم يحدد لنا كيف ستطالب هذه الشعوب بذلك، ولم يحدد كذلك الخطوات التي ستأتي بعد الصبر على التربية العقدية وفق تصوراته وتكوين هذه القاعدة الشعبية ؟ وكذلك صار على دربه محمد حسان.
إن تأصيل هذا الكلام على أنه من صحيح المفاهيم الإسلامية ظلم للدين وظلم للمفاهيم الإسلامية الصافية النقية الواضحة وضوح النهار التي لا يزيغ عنها إلا هالك ، فالدعوة الإسلامية مطلوبة وفق أسس شرعية صار عليها الأوائل وخير القرون وعلى ضوئها سار الأئمة الأربعة حتى وصلت إلينا ، فما علمنا من كتب سلفنا الكرام دعوة أو تأصيلا ً لمنازعة ولاة الأمر وإن جاروا ، بل العكس تمامًا هو الصحيح وهو التحذير كل التحذير من منازعة ولاة الأمر تحت أي ذريعة من الذرائع ولو كانت باسم الدين؛ لأن في ذلك مهلكة عظمي ، فالنظام الإسلامي الكامل وفق أدلة الكتاب والسنّة وإن كان وجوده على أرض الواقع متعذراً ، إلا أن أصل الأمور موجود وقائم تلهث به ألسنة الناس وولاة أمورهم ألا وهو شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم سائر الشرائع التعبدية من صلاة وصيام وحج وزكاة واضحة للعيان، تؤدي بكامل الحرية ولا يضيق فيها على أحد. أما القصور الموجود في النظام القائم فإنه يُعالج بالنصح والإرشاد والتوجيه وليس بالإعداد والحشد بتأليب الشعوب على حكامها ، ولعل قارئًا يقول أين هي المنازعة وأين هي الحشود وأين هي الأسلحة المؤهلة لمنازعة ولاة الأمر ؟!!
قلت : إن أي دعوة لها هدف محدد مرتبط بإقامة حكم أو رياسة لا بد أن يسبقها فكر وتأصيل قبل التفعيل فإن استطعنا إيقاف هذا التأصيل بالتي هي أحسن أمنا التفعيل ، خاصة وأن الأمة لها تجارب مرة ومتلاحقة من جرَّاء هذه الأفكار، التي لم نجن منها إلا سفك الدماء، وزعزعة الأمن والاستقرار. والكلام هنا ليس دفاعاً عن نظام، أو تأييداً لنظام، وإنما الدفاع عن الإسلام؛ لتبقي مفاهيمه صافية نقية، بعيداً عن التكتلات، والتحزيب، والتفرق، والتشرذم، كل حزب بما لديهم
فرحون اهـ.
ثانياً: قال محمد حسان ص(12:
"وبالرغم من هذا كله فقد وقع المنكر الأعظم الذي لم يكن يخطر البتة لأحد على بال... وذلك بتنحية شريعة الله ﻷ ... وبالفعل لم يقتصر الأمر على حد القول فقط بل تعداه إلى إقصاء الشريعة وإبعادها عن حياة المسلمين - إلا من رحم ربك - وحل محلها القانون الوضعي الفرنسي، والأمريكي، والانجليزي، والاشتراكي ووو ... إلخ هذه القوانين الفاجرة" اهـ.
ومعلوم أنّ محمد حسان أخذ هذا النفس الغريب عن السنة من سيده (سيد قطب) الذي دافع عنه محمد حسان في كتابه المذكور ص(14 بأنه لم يكفر المجتمعات الإسلامية حكاماً ومحكومين بسبب غياب الشريعة وأن الأصل في الناس اليوم الكفر فقال: "بل لقد فرّق الشيخ سيد كثيراً بين الحاكم بغير الشريعة وبين المحكومين بغير الشريعة، واشترط الإرادة والرضى بغير شرع الله في الحكم على المحكومين بغير الشريعة، والإعذار بالإكراه لمن كان في ظل حكم بغير الشريعة"
ثم نقل عن سيده كلاماً في الظلال يدعّم مقالته:
"... فإذا اتبع الناس شريعة غير شريعة الله صح فيهم ما صح في اليهود والنصارى من أنهم مشركون لا يؤمنون بالله مهما كانت دعواهم في الإيمان، لأن هذا الوصف يلحقهم بمجرد اتباعهم لتشريع العباد لهم من دون الله، بغير إنكار منهم يثبت معه أنهم لا يتبعون عن إكراه واقع بهم لا طاقة لهم بدفعه وأنهم لا يقرون هذا الافتئات على الله"
لقد كذبت يا حسان عندما ادعيت أن سيدك يشترط في تكفير المحكومين الإرادة والرضى لحكم غير الشريعة، بل هو ـ كما هو واضح ـ يكفّر بمطلق الاتباع والعذر والوحيد ـ عنده ـ لدرء التكفير عن المحكومين هو الإكراه الذي لا طاقة لهم بدفعه.
فأين عذر الجهل؟
وأين عذر الشبهة؟
وأين عذر الخوف؟
وأين عذر التأويل؟
وواضح من نقلك أيها الحسان عن سيدك أنّكَ تقرّه على تكفير الحاكم بغير الشريعة بمجرد ترك الحكم بها أي: بمطلق الاستبدال، يوضحه النقل التالي:
قال محمد حسان ص(154 ـ 155):
"فلا يمكن بحال أن يتصور عاقل فضلاً عن عالم أنّ مؤمناً صادقاً يعتقد انّ دين الله ﻷ يفرض عليه حكماً ما، ولكنه مع ذلك يغيّر حكم الله ويعرض عنه ويستبدل به حكماً آخر بإرادته واختياره، ثم يحكم له بعد ذلك بإسلام أو إيمان!!! ومع ذلك فلابد ان نعلم أن مناط كفر المحكومين بغير الشريعة أن يقبلوا ذلك ويرضوْه كما تقدم" اهـ.
إذن من استبدل حكماً واحداً من أحكام الشريعة بحكم آخر من غيرها يكفر عند محمد حسان كفراً اكبر، ومن باب أوْلى ـ عنده ـ من استبدلها كلّها.
ومسألة التكفير بالاستبدال هذه يدندن حولها الخوارج ـ التكفيريون ـ كثيراً من أجل تكفير الحكام مطلقاً.
لقد وقع محمد حسان قيما وقع فيه غيره ممن تربّوْا على كتب سيد قطب فلم تسلم قلوبهم للمسلمين حكاماً ومحكومين، ولم يفرّقوا بين المصطلحات الشرعية، ولم يقفوا على حدودها، وحملوا كلام العلماء على غير وجهه ومحمله.
من ذلك الفرق بين تبديل الشريعة واستبدالها( ).
فالتبديل: أن يحكم بغير ما أنزل الله وهو يزعم أن ما حكم به هو حكم الله ـ تعالى ـ.
وهذا كفر أكبر بالإجماع؛ لأنّ مرده إلى جحود حكم الله ـ تعالى ـ الذي تركه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (3/267):
"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدّل الشرع المجمع عليه، كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء"
ثم بيّن شيخ الإسلام : ضابط التبديل المكفّر وهو المقرون بزعم المبدِّل أن حكمه الذي بدله هو شرع الله فقال:
"...
الثالث: الشرع المبدَّل: وهو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البيّن، فمن قال: إنّ هذا من شرع الله فقد كفر بل نزاع"
"فإن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر" [أحكام القرآن لابن العربي (2/625)، وأضواء البيان الشنقيطي (1/407)]
أما الاستبدال: فهو أن يبدّل حكم الله بحكم غيره، ولا يكون مستحلاً، ولا جاحداً، ولا مكذباً، ولا مفضلاً، ولا مساوياً، ولا ينسب الحكم الذي جاء به لدين الله.
وحكمه الكفر الأصغر؛ بدليل إجماع العلماء على عدم تكفير الجائر بالحكم مع أنّه في الحقيقة مستبدل لحكم الله بحكم نفسه.
قال الحافظ ابن عبد البَرِّ في (التمهيد) (16/35:
"وأجمع العلماء على أنّ الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمّد ذلك عالماً به# اهـ.
قال أبو عبد الرحمن المهداوي ـ أعانه الله على مقصوده ـ:
وبدليل أنّ تفصيل السلف معلوم في حكم من ترك الحكم بما أنزل الله وحكم بغيره؛ و مما قرروه في ذلك أنّ تارك الحكم بغير ما أنزل الله إن لم يقترن بالجحود لحكم الله، أو التفضيل لحكمه على حكم الله، أو المساواة بين حكمه وحكم الله، أو إدعاء النقص وعد م الصلاحية في حكم الله لا يكون كافراً كفراً أكبر خلافاً للخوارج قديماً وحديثاً الذين كفروا بالترك المطلق لحكم لله، وبالاستبدال المطلق له، آخذين بظاهر قوله ـ تعالى (
وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة : 44] الذي لم يفهمه السلف على ظاهره - بل أجمعوا على خلاف ظاهره في المعنى - كما فعلت الخوارج والمعتزلة.
قال الإمام الألباني : تعليقاً على قول الله ـ تعالى ـ: (
وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة : 44]: "من آمن بشريعة الله ـ تبارك وتعالى ـ، وأنها صالحة لكل زمان ولكل مكان، ولكنه لا يحكم ـ فعلاً ـ بها؛ إما كلاً وإما بعضاً أو جزءاً، فله نصيب من هذه الآية، له نصيب من هذه الآية، لكنّ هذا النصيب لا يصل به إلى أن يخرج من دائرة الإسلام" اهـ.
"وعلى ضوء ما ذكر سابقًا لا يحق لأحد أن يصف دعوة محمد حسان وأقرانه كمحمد حسين يعقوب أنها دعوة سلفية ، فالواضح من كلام محمد حسان الذي خطه بيده في كتابه "حقيقة التوحيد" أننا أمام مُنظِّر جديد للقطبية، وهذا يفسر لنا شعبية الرجل في مصر، والخليج، وإلا فليقل محمد حسان كلمة شافية في فكر سيد قطب فيما ذكرت بعضه سابقًا [آخر مقال الشيخ محمود لطفي عامر "محمد حسان يجدد فكر سيد قطب بصبغة سلفية" على شبكة سحاب السلفية].
أقول: ولقد وصلني حديثاً بتاريخ (07/جمادى الأولى/1429 الموافق: 13/ 05/ 2008 وبعضَ إخواني الدعاة إلى منهج النبوّة والسلف في هذه البلاد المباركة مزاعم بعض طلبة العلم أنّ محمد حسان تعهد للشيخ علي الحلبي بالرجوع عن ثنائه ومدحه لسيد قطب، وبحذف نقولاته عنه في كتبه، وأنه يقبل النصيحة في هذا الباب، فأقول:
لا يؤبه بمثل هذا ولا يلتفت إليه حتى يصرح محمد حسان ويعلنها مدوّية على الملاً وفي الفضائيات التي يظهر فيها تراجعه عن ضلاله السابق، وبراءته من سيد قطب وفكره؛ لأن هذا الانحراف المنهجي كان معلناً بمحاضراته وكتبه ودروسه، ولم يكن سرّاً حتى تكون التوبة ويكون الرجوع سرياً بينه وبين الله.
وحتى الآن لم يحصل هذا الشيء مما يدل على أنّ صنيع هذا الحسان لعله يكون مناورة ومراوغة يتقنها هو وأمثاله من القطبيين.
فكما اشتهر عنه تراجعه عن سبه الصحابي ابن الحَمِقِ ت فلماذا لا يكون تراجعه معلناً مشهوراً بين الناس يعلمه العامة والخاصة؟
كلمة جامعة، ونصيحة صادقة:
وأختم هذا الرد بكلمة جامعة، ونصيحة صادقة، من إمام الجرح والتعديل في هذا الزمان الشيخ العلامة: ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ورعاه ورد كيد مناوئيه وحساده ـ في بيان بعض مسالك أهل الأهواء في التغرير بالسلفيين لضرب الدعوة السلفية، وبيان بعض أصول الجرح والتعديل؛ لعل من يسارع إلى تزكية أهل البدع ويدافع عنهم ويصفهم بالسلفيين يرعوي عن خطأه، ويرجع عن زلته:
قال ـ حفظه الله ـ:"ويجب أن يعلم علماؤنا الأفاضل أنَّ لأهل الأهواء والتحزب أساليب رهيبة لاحتواء الشباب والتسلط والسيطرة على عقولهم، ولإحباط جهود المناضلين في الساحة عن المنهج السلفي وأهله.
من تلكم الأساليب الماكرة:
استغلال سكوت بعض العلماء عن فلان و فلان، ولو كان من أضل الناس؛ فلو قدم الناقدون أقوى الحجج على بدعه وضلاله فيكفي عند هؤلاء المغالطين- لهدم جهود المناضلين الناصحين - التساؤل أمام الجهلة:
فما بال فلان وفلان من العلماء سكتوا عن فلان وفلان؟!
ولو كان فلان على ضلال لما سكتوا عن ضلاله؟!
وهكذا يلبسون على الدهماء ؛ بل وكثير من المثقفين.
وغالب الناس لا يعرفون قواعد الشريعة ولا أصولها التي منها:
أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين.
ومن أساليبهم: انتزاع التزكيات من بعض العلماء لأناس تدينهم مؤلفاتـهم ومواقفهم ونشاطهم بالبعد عن المنهج السلفي، ومنابذة أهله، وموالاة خصومه وأمور أخرى.
ومعظم الناس لا يعرفون قواعد الجرح والتعديل، وأن الجرح المفصل مقدم على التعديل؛ لأن المعدل يبني على الظاهر وعلى حسن الظن، والجارح يبني على العلم والواقع كما هو معلوم عند أئمة الجرح والتعديل.
وبـهذين الأسلوبين وغيرهما يحبطون جهود الناصحين ونضال المناضلين بكل سهولة، ويحتوون دهماء الناس بل كثيراً من المثقفين، ويجعلون منهم جنوداً لمحاربة المنهج السلفي وأهله، والذب عن أئمة البدع والضلال.
وما أشد ما يعاني السلفيون من هاتين الثغرتين التي يجب على العلماء سدهما بقوة وحسم؛ لما ترتب عليها من المضار والأخطار"اهـ. [خاتمة كتاب "الحد الفاصل بين الحق والباطل"].
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه:أبو عبد الرحمن رائد بن عبد الجبار بن خضر المهداوي
ظهر يوم الإثنين، 27 جمادى الأولى 1428 هـ الموافق: 02: 06/2008 ميلادية
رام الله - فلسطين