ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 5 من 5
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,271

    مجموعة خطب عن التربية / لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ حفظه الله

    ضرورة العناية بالنشء
    عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
    الرياض
    13/3/1426
    جامع الإمام تركي بن عبد الله

    ملخص الخطبة:

    1- مسؤولية الأبناء والبنات.
    2- أمر الأولاد بالصلاة لسبع.
    3- ضرب الأولاد على الصلاة لعشر.
    4- التفريق بين الأولاد في المضاجع.
    5- أهمية تربية النشء على الأخلاق والفضائل.
    6- أمر الأولاد بالاستئذان في البيوت.
    7- صيانة الإسلام للمرأة.
    8- خطورة انغماس المجتمع في الرذائل.
    9- استنكار برنامج ستار أكاديمي.



    الخطبة الأولى:
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

    أمّا بعد:
    فيا أيّها الناس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
    عبادَ الله، الأبناءُ والبنات أمانةٌ في أعناقِ الآباء والأمَّهات، استرعَى الله الأبَوَين على هذا النّشءِ، والله سائلٌ كلَّ راعٍ عمّا استرعاه، (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التحريم:6].

    أيّها المسلم، فعلى الأبِ وعلى الأمِّ واجبٌ كبير نحوَ تربيةِ هذا النشءِ في أوَّل أمرِه؛ لينشَأَ محِبًّا للخَير آلفًا له، ماقتًا للشرِّ كارهًا له.

    أيّها المسلم، في السّنَن عنه قال: "مُروا أولادَكم بالصَّلاة وهم أبناءُ سبع سنين، واضرِبوهم عليها وهم أبناءُ عَشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع"[1].

    أدبٌ نبويّ وتربيّة صالحة ودعوةٌ صادِقة للفضائلِ والأخلاق القيِّمة. هذا الحديثُ تضمَّن أمرَين:
    أوَّلهما: قولُه موجِّهًا الخطابَ إلى الأبوين: "مُروا أبناءَكم بالصّلاة وهم أبناءُ سبع سنين"، مروهم بالصَّلاة في هذا السّنِّ المبكِّر، يأمر الأب ابنَه أو بنتَه بالصلاة في هذا السن المبكِّر، لماذا هذه المبادَرة؟ أجل، لعِظَم الصلاة، لعَظيم شأنها في الإسلام، لأهمّيَّتها، لكبير قدرِها، إذ هي عمودُ الإسلام والرّكن الثاني من أركانه، بها تقوَى صِلة العبد بربِّه، وبها تزكو أخلاقه وتصلُح أعماله وتستقيمُ أحواله، (وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت:45]. إنَّها الفريضةُ التي يطالَب العبد بها في يومِه وليلتِه خمسَ مرّات، إنها البرهانُ الصادق على الإيمان، إنها البرهان الصادق على أنَّ في القلب إيمانًا بالله ورسولِه.

    أيّها الأب، أيّتها الأم، فأمرُ الأطفال بالصلاةِ لسبع سنين من الأمور المهمَّة حتى ينشأَ النشءُ محِبًّا لهذه الصلاة مرتاحًا لها عارفًا كبيرَ شأنها وعظيمَ قدرها في الإسلام.

    ثانيًا: "واضرِبوهم عليها وهم أبناءُ عشر"، يُنتقَل من الأمر إلى الضّرب، لماذا وهم لم يبلغوا سنَّ البلوغ والتكليف؟! لكن توطِئَة لأنَّ هذه الصلاةَ يجب أن يحافِظَ عليها العبد إلى أن يلقَى الله، ما دام عقلُه حاضرًا فهو مطالَب بها على أيِّ حالٍ كان لأنَّها التي توقِظ في قلبه ذكرَ الله والتعلُّقَ بالله جلّ وعلا.
    ثانيهما: "وفرِّقوا بينهم في المضاجع".

    أيّها المسلم، كُن معِي قليلاً في هذا الأمرِ الخاصّ، فرِّقوا بينهم في المضاجعِ بعد عشرِ سِنين، فرِّقوا بين الأبناء فلا يكن الابنان في مضجعٍ واحد، ولا الابن ولا البنتُ في مضجعٍ واحد، لماذا؟ السنُّ مبكِّر والغرائِزُ قد لا تكونُ ظاهِرة، والأبناء قد لا يتفكَّرونَ الأشياء، لكن حماية الأعراض حمايةُ الأخلاق حمايةُ المجتمع من الرّذيلة الأخذُ على أيديهم من الصِّغَر تنشئتُهم النشأةَ الصالحة وتربيتُهم على القِيَم والفضائل ممَّا يطالَب به الآباء؛ لأنَّ هذه وظيفتُهم حتى الآن، فليس الأمر متعدِّيًا لهم، بل الأمر هم مختصّون به، يختصّ بذلك الأمّ والأب، فيفرّقونَ بينهم في المضاجع؛ خوفًا من تسرُّب وساوِسِ الشيطان الذي يجرِي من ابنِ آدمَ مجرَى الدم، ولأنَّ الهدف أن تكونَ النشأة نشأةً صالحة صادِقة، ينشأ المسلم في مجتمَعٍ محافِظ، يؤمِن بالفضيلة، ويرفُض الرذيلة، ولا يقرُّها بنفسِه ولا بيتِه ولا مجتمعِه.

    أيّها المسلم، هذه التربيةُ للنشء لينشؤوا معظِّمين لحرماتِ الله، معظِّمين لأوامرِ الله، معظِّمين لحرمات الله بالبعدِ عنها، معظِّمين لأوامر الله بفِعلها والتمسّك بها.

    أيّها المسلم، إنَّ [النشءَ] إذا رُبِّي على الفضائل والأخلاق نشأَ نشأةً طيّبة، وصار بعد كِبَره ذا خلُق فاضل وعطاءٍ جزيل، يُعوَّل عليه في المهمّات، وتطمئنّ إليه أمّتُه، ويسعد به مجتمعُه، فيصبح ذا خلق ودينٍ وفضائلَ وأخلاق كريمة، همّتُه عليا، نفسُه زكيّة، طَلبُه للفضائل، هكذا ربَّى النبيّ مجتمعَ المسلمين تربيةً طيّبة، فلماذا خرَج الرعيل الأول؟ ليفتَحوا القلوبَ والبلاد، وليكونوا قادةَ البشرية، ذاك بدينهم وأخلاقِهم وقِيَمهم، وإنما تذلُّ الأمم وإنما تسقط كرامتُها وإنما يستخِفّ بها عدوُّها إن هي أهملَت فضائلَها وأهملت أخلاقَها وسمحَت للرّذيلة أن تروجَ في مجتمعِها.


    أيّها المسلم، "فرِّقوا بينهم في المضاجع"، فسبحان الحكيم العليم، هذا التوجيه العظيمُ يدلّ على عنايةِ الإسلام بالأخلاقِ وعنايتِه بالفضائِل ونأيه بمجتَمَعه عن الوقوعِ في الرذائل، ألا ترَى أنّه جلّ وعلا خاطبَ المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ) [النور:58].

    فأمَر من لم يبلغِ الحلم بالاستئذان في تلك الأوقاتِ التي يمكن أن يكونَ بين الرجل وامرأته شيء، كلُّ هذا لتربية أخلاقِهم، لإعدادهم الإعدادَ الصحيح، ثم قال: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [النور:59 وهذا رسولُ الله يقول: "فرِّقوا بينهم في المضاجع"، دعوةٌ للفضائل، وتربيةُ النشء إلى أن يعظِّموا حرماتِ الله، فيبتعِدوا عنها.

    أيّها الشابّ المسلم، أيّتها الفتاةُ المسلمة، أوصِي الجميعَ بتقوى الله والتحلّي بالفضائل والبعدِ عن دعاة الرذيلةِ والفَساد الذين يسعَونَ في الأرض فسادًا؛ لتدمير أخلاقِ الأمّة، لتدمير كيانها، لإفساد أخلاقِها، بإضعاف تمسّكِها بدينها.

    أخي المسلم، إنَّ الإسلامَ عندما أمرَ المرأة بالحجاب وحرَّم عليها التبرّجَ ونهاها عن السفرِ وحدها بلا محرم وحرَّم خلوتَها بالأجنبيّ الذي ليس من محارمها ونهاها من الخضوع بالقول خوفًا عليها من طمَعِ مرضى القلب بالشّهوة فيها، كلّ هذا حماية للأخلاقِ والفضيلة، حراسَة للفضيلة مِن أن تتطرّقَ إليها أيدِي العابثين والمفسِدين والمجرمين.

    أيّها المسلم، إنّ انغماسَ المجتمع في الرذيلة أمرٌ خطير وأمرٌ مشين، أمرٌ يحمل في طيّاتِه الدمارَ والبلاء.

    أخي المسلم، عندما تسمع التوجيهاتِ الإسلامية العاليَة وتسمع أحيانًا من بيئةٍ فاسدة تدعو إلى التقاء الذّكورِ والإناث في أماكنَ محدودة وزمان طويل ما الفائدة منه؟ الفائدةُ يقولون فيما يعلّل به دعاةُ الرذيلة والانحلال من الأخلاق: إنَّ هذا للتّعارُف بين الجنسَين وتحطيمِ الحواجز بين الجنسَين، وحدِّث ما شئتَ عن هذه اللِّقاءات المشبوهة وعن هذه القنوات الرّذيلة وماذا يُعمَل فيها، حقًّا إنها دعوةٌ للفُجور مهما تبرّرَ أهلُه ومهما قالوا، دعوةٌ للفجورِ والفسادِ والانحلال وفُقدان الغَيرة من القُلوب، فإذا فُقِدت غيرةُ العَبدِ على محارِمِ الله فإنَّ تلك مصيبةٌ، ولهذا قال رسول الله في خطبةِ يوم كسوفِ الشمس: "يا أمّةَ محمد، ما أحد أغيَر من اللهِ أن يزنيَ عبده أو تزنيَ أمَتَه"[2].

    أمّةَ الإسلام، إنَّ الدعاةَ إلى هذه الرذيلة والمعينون عليها والمحبِّذون لها والمساعدون لها والمنفِقون عليها والمدافِعون عنها لا شكَّ أنهم أعداءٌ للأمّة، أعداء لدينِها، وأعداء لأخلاقها، وأعداء لفضائلِها، وأعداء لكلِّ خلُقٍ قيِّم فيها، وإنَّ من يحول بين أولئك وبين مرادِهم ويردَعهم عن باطلهم ويحفِزُهم عن إجرامهم ويوقفُهم عند حدِّهم لدليلٌ على ما في قلبِه مِن خيرٍ وغَيرة على الإسلام وأهلِه.

    أيّها المسلم، إنَّ المجتمعات المسلمةَ ما ذلَّت إلا لمّا انحرَفت أخلاقها، وما هانت إلاّ لما فسَدَت فضائلها، وما ضعُفت إلاّ لما بعُدت عن دينها، فالدّين والأخلاق هما قوّةُ الأمة وعزُّها وسِلاحها القويّ الذي لا يستطيع قوّةٌ أن تهزِمَه. التمسُّكُ بهذا الدين قولاً وعملاً المحافظةُ على أخلاقه وفضائله أن لا يُسمَح لأيِّ رذيلٍ أن ينشُرَ رذيلتَه بين المجتمع أو يشيعها بين المجتمع المسلم، فعلى الفتَيَات المسلمات تقوَى الله في أنفسِهنّ، وأن لا ينخَدِعن بهذه الأفكارِ السيّئة وهذه الدعاياتِ المضلِّلَة، وأن يكونَ للفتاةِ المسلمة موقف مشرف؛ تمسُّكًا بالدّين والأخلاق وبُعدًا عن هذه الرذائل، وعلَى الشابِّ المسلم أن يتذكَّر ويتدبَّرَ في أمره ويعلَمَ أنَّ أولئك دعاةُ الرذيلة لا يريدون له خيرًا، لا يريدون به خَيرًا، هم دعاةٌ على أبوابِ جهنَّم، من أطاعهم ألقَوه فيها، هم أعداءٌ لك، أعداء لدينك، أعداء لأخلاقك، أعداء لفضائلِك، أعداءٌ لكلِّ خلُق قيِّم تتمسَّك به.

    إنها بيئةٌ فاسِدة ومجتمَعات سيِّئة تريدُ أن تنقلَ رَذيلَتَها إلى بلادِ الإسلام، ويأبى الله والمؤمِنون ذلك، فلنتمسَّك بأخلاقنا، ولنُرَبِّ نشأنا تربيةً صالحة، لنجدَهم إن شاءَ الله بعد غدٍ رجالاً في الميدان، ذوي دينٍ وأخلاقٍ وقيادةٍ للمجتمع على أسُسٍ من الفضائل والأعمال.

    أسأل الله أن يحفَظَ الجميع بالإسلامِ، وأن يثبِّتَنا وإيّاكم على صراطه المستقيم، وأن لا يزيغَ قلوبَنا بعد إذ هدانا، إنّه ولي ذلك والقادر عليه.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النور:19].

    بارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيمِ، ونفَعني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذّكر الحكيم، أقولُ قولي هذَا، وأستغفِر اللهَ العظيمَ الجليلَ لي ولكم ولِسائر المسلمين مِن كلّ ذنب، فاستَغفروه وتوبوا إِليه، إنّه هو الغفور الرحيم.




    الخطبة الثانية:
    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربنا ويرضَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه، وسلّم تَسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدّين.
    أمّا بعد:
    فيَا أيّها النّاس، اتَّقوا الله تَعالى حقَّ التّقوَى، وتمسَّكوا بآدابِ الإسلام؛ لتكونوا على المستوى اللائِق بكم، ربُّوا الأبناءَ والبنات التربيَة الصالحة، حذِّروهم من دعاةِ السوء، أبعدوهم عن دعاةِ السوء، بيِّنوا لهم ما في هذه من مفاسدَ وأضرارٍ في الدّين والدنيا، حذِّروهم من الانغماس في الرَّذائل، وأن تتعلَّق القلوب بأولئك الذين لا خلاقَ لهم ولا خيرَ فيهم، تعلُّقُ القلوب بمن لا خلاقَ له ولا خيرَ فيه مصيبةٌ عظيمة، فلتتَعلَّق القلوب بربِّها وبنبيِّها ثم بأخلاقِ دينها وكرامَتِها، لتجدَ العزَّ والتّمكين.

    أيّها الشابّ المسلم، فاتَّق الله، وحافظ على دينِك، ولا تكن إمّعةً يقودك أولئك إلى رذائِلِهم وفسادِهم، تمسَّك بدينك، فأنت في عزٍّ وكرامة، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:8].

    واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أَحسنَ الحديثِ كِتاب الله، وخيرَ الهَدي هدي محمَّد ، وشرّ الأمورِ محدثاتها، وكلّ بِدعةٍ ضَلالة، وعَليكم بجماعةِ المسلِمين، فإنّ يدَ الله علَى الجمَاعة، ومَن شذَّ شذَّ في النّار.

    وصلّوا ـ رحمكم الله ـ علَى عبد الله ورسوله محمّد كما أمركم بذلك ربّكم، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

    اللَّهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمّد، وارضَ اللَّهمّ عن خلَفائه الرّاشدين...


    ______________________________________

    [1] أخرجه أحمد (2/187)، وأبو داود في الصلاة (495)، والدارقطني (1/230)، والحاكم (1/311)، والبيهقي (2/228، 229) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، وصححه الألباني في الإرواء (247).

    [2] رواه البخاري في الكسوف (1044)، ومسلم في الكسوف (901) عن عائشة رضي الله عنها.
    المصدر
    التعديل الأخير تم بواسطة ; 08-Feb-2011 الساعة 09:56 PM سبب آخر: اضافة (يا )الى الاية 6 من سورة التحريم

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,271

    افتراضي

    التحذير من تضييع الأولاد
    عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
    الرياض
    22/7/1424
    جامع الإمام تركي بن عبد الله

    ملخص الخطبة:
    1- قتل الأولاد من أخلاق الجاهلية.
    2- نعمة الأولاد.
    3- وجوب العناية بالأولاد.
    4- هدي النبي مع الصغار.
    5- فضل النفقة على الأولاد.
    6- ظاهرة إهمال الأولاد وتضييعهم.
    7- الأولاد أمانة.



    الخطبة الأولى:
    إن الحمد، لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
    أمّا بعد:
    فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التّقوى.
    عبادَ الله، إنّ الله جلّ وعلا عاب على أهل الجاهليّة أعمالاً عمِلوها هي سوء وفسادٌ وظلم وقَسوة في القلب، عابَ عليهم هذه الأخلاقَ محذِّرًا للأمّة مِن شرّها وضررها، فمِن تلكم الأخلاق السيّئة ما كانوا عليه في جاهليّتهم من وأد البنات أي: قلتهنّ، خوفَ العار مرّة وخوفَ الفقر أخرى، (وَإِذَا ٱلْمَوْءودَةُ سُئِلَتْ بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ) [التكوير:8، 9]، (وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ) [النحل:58، 59]. وكانوا يقتلون الأولاد عمومًا خوفًا من ضيق المعيشة، قال تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ مّنْ إمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) [الأنعام:51]، وقال: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) [الإسراء:31]، وقال جلّ وعلا: (قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَاء عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) [الأنعام:140]، وفي الحديث لمّا عدّ كبائرَ الذنوب قال: "وأن تقتلَ ولدَك خشيةَ أن يطعمَ معك"[1].
    جاء الإسلامُ فعدم هذا الخلقَ الرّذيل، وأقام على أنقاضِه خلقًا كريمًا هو رحمة وعطفٌ وإحسان. فبيّن تعالى أنّ الولدَ هِبة من الله للعبد: (لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَن يَشَاء إِنَـٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء ٱلذُّكُورَ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً) [الشورى:49، 50]. وبيّن تعالى أنّ الأولادَ زينةٌ في هذه الحياة الدّنيا: (ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا) [الكهف:46]، (زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا) [آل عمران:14]. وامتنَّ الله على عباده بهذه النعمة، وبيّن تعالى في معرض ذمّه لمن خالف شرعَه ممتنًّا عليه بنِعمه قال: (وَبَنِينَ شُهُودًا) [المدثر:13]، فذكّره بنعمته أنّ أبناءه يشاهدُهم ويراهم.
    أيّها المسلم، فالولد نعمةٌ من الله على العبد، يشكر الله عليها ويثنِي بها عليه خيرًا.
    أيّها المسلم، وجاء الإسلامُ يدعو إلى العنايةِ بالأولاد تربيةً وأدَبًا، فهديُ محمّد رحمةُ الصّغار والإحسان إليهم ومداعبتُهم وإدخال السّرور والأنسِ عليهم. قبّل النبيّ بعضَ أولادِه وعنده رجل من الأعراب، قال: تقبّلون الصغار؟! إنَّ عندي عشرةَ ولدٍ ما قبّلتُ واحدًا منهم، قال: "ما آلو أن نزعَ الله الرحمةَ مِن قلبك؟!"[2]. وكان يداعِب الصغارَ، مرّ بطفلٍ فقدَ طائرًا معه فقال: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟"[3]. وكان يصلّي وهو حاملٌ أمامةَ بنت ابنتِه، إذا قام رفَعها، وإذا سجَد وضعَها[4]. ودخل الحسن أو الحسَين عليه وهو يخطب النّاس، فنزل من المنبر وحمله وقال: "صدَق الله: ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا"[5]. وأمَر بتربيتِهم وتأديبِهم: "مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناءُ عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع"[6]، وقال: "ما نَحلَ والدٌ ولدَه خيرًا مِن أدبٍ حسن"[7]، والله يقول: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ) [التحريم:6]. والولدُ الصّالح نعمة للأبِ بعد موته، فهو امتدادٌ لحياته، وأعمالٌ صالحة تجري على الأبِ في قبره، في الحديث الصّحيح: "إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو عِلم يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له"[8]. ومِن دعاءِ الصّلحاء من المسلمين: (رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًا تَرْضَـٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ) [الأحقاف:15].
    أيّها المسلم، والنّفقة على الأولادِ عمل صالحٌ وقربة تتقرّب بها إلى الله، عدَّ النبيّ أوجهَ النّفقة في الخير فقال: "الدنانيرُ أربعة: دينار تصدّقتَ به، ودينار أعتقتَ به رقبة، ودينار أنفقتَه على يتيم، ودينارٌ [أنفقته] على ولدِك، أعظمُها أجرًا دينارٌ أنفقتَه على ولدك"[9]، وقال لسعد بن أبي وقّاص: "إنّك لن تنفقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجرتَ عليها، حتّى ما تضع في في امرأتِك"[10]، وقال له أيضًا: "إنّك أن تذرَ ورَثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرَهم عالةً يتكفّفون النّاس"[11].
    أيّها المسلم، إذا تأمّل المسلمُ كلَّ ما ذُكر حقَّ التأمُّل يأسَف أحيانًا لتفريط بعضِ النّاس في أولادِهم ذكورًا وإناثًا، تفريطٌ في الرّعاية، تفريط في النّفقة، تفريط في العنايَة، لماذا هذا التصرّف الخاطئ؟ لأنّ الأبَ بعيدٌ كلَّ البعدِ عن أولادِه من بنينَ وبنات. متى يكون هذا البُعد؟ يكون ـ أيّها الإخوة ـ في تصرّف بعضِ النّاس شهوةٍ جامحةٍ تدعوه إلى أن يذهبَ هنا وهناك إلى أماكنَ بعيدة عن بلده ليضعَ شهوتَه في امرأةٍ ثمّ يعود ولا يدري ما النتائج؛ ولا هل حصل له ولدٌ أم لا؟ وقد يعلَم بوجودِ أولاد أو بناتٍ له، لكن لضعف الإيمان وقلّة الخوف من الله وعدم المبالاة أضاع تلك الذرّيّة وأهمَلهم وجنَى عليهم جنايةً هو يتحمّل وزرَهم يومَ لقاء الله.
    أيّها المسلم، تدبّر وتعقّل في أمرك، تدبّر واقعَك، ليس الهدفُ أن ترضيَ غريزتَك الجنسيّة على أيّ سبيل كان.
    تأمَّل ـ أخي ـ وتدبّر واحترِم أيّ نظامٍ وُضع لك مقصودٌ به خيرٌ لك في الحاضر والمستقبل، وضبطٌ للأحوالِ كلّها، أمّا مجاوزة ذلك وعدَم المبالاة والآمالُ والأماني الكاذِبة فتلك ـ والله ـ أمور تخالِف شرعَ الله. كم من إنسانٍ وضع شهوتَه في أيّ مكان كان ثمّ أضاع تلك الذرّيّة وتناساهم وأهملهم وضيّعهم، إمّا لعجزه، وإمّا لعدَم مبالاته وعدمِ اهتمامه وقيامه بالواجب.
    أيّها المسلم، إنّ هذا أمرٌ يخالف شرعَ الله، بل هو معصيةٌ لله ورسوله. كم طفلٍ رضيع أضعتَه في حجر أمّه، وكم فتاةٍ أضعتَها وتجاهلتها، تتخطّفها أيدِي العابثين وأنتَ المسؤول عنها يومَ القيامة. لا تُلقِ بالمسؤوليّة على غيرك، ولا تجعَل الأمرَ معلّقًا بيدِ غيرك. انظر نفسَك، فأنتَ السّبب في كلّ ما يجري، أنتَ السّبب في كلّ ما حصل، أنتَ السّبب فيما وقع، فتدارك الأمرَ وتُب إلى الله.
    أيّها المسلم، إنّ المؤمنَ حقًا من يتصوّر الأشياء، ويحاول جاهدًا وضعَ الأمور موضعها، وأمّا التجاوزات والتعدّيات والضربُ بكلِّ نظام وأمرٍ فيه مصلحةٌ عرضَ الحائِط بلا مبالاة، وإنّما تقوده شهوتُه إلى أمر يندَم عليه بعدَ حين، فتلك أمور لا تليق بالمسلم.
    هذا النشءُ من بنين وبناتٍ تركتَهم لمن؟ تركتَهم في بلادٍ لا قريبَ لهم، لا أخَ ولا عمَّ ولا غير ذلك. من يتولّى تربيتَهم؟ من يعتني بأحوالِهم؟ من ينفق عليهم؟ من المسؤول عنهم ذكورًا وإناثًا؟ أتدعُهم يشحتون النّاس ويستعطون النّاس؟! أتدعُهم لشياطين الجنّ والإنس يتخطّفونهم ويفسِدون قيَمَهم وأخلاقهم؟! أتتركهم لتتلقّاهم الأيدي العابِثة بالقيَم والفضائل؟! وأنتَ المسؤول أوّلاً وقبلَ كلّ شيء، ولا عذرَ لك، ولا تُلقِ بالمسؤولية على غيرك، وأنتَ السّبب الأوّل والآخر في ذلك.
    فاتّقوا الله عبادَ الله، واعتنوا بأبنائكم وبناتِكم، وتدبّروا في أمورِكم كلّها، والله جل وعلا أباح التعدّد بلا شكّ ولا ريب، ولكن في حقّ من؟ في حقّ مَن يقيم للأمور وزنَها، ومَن يقدّر الأمورَ قدرها، أمّا أولئك الذين لا يبالون ولا يهتمّون ولا يراعون فهؤلاء ظالمون لأنفسهم، مفسِدون وساعون في الفساد، هؤلاء لا يبالون ولا يهتمّون، إن هي إلا الشهوات فقط، وما وراء ذلك لا يتصوّرونه، وقد يتصوّرونه لكن يتجاهلون الأمرَ، ويتناسَون الأمر، ويُلقون باللّوم واللائمة على غيرهم، فيقولون: مُنِعنا وما مُكِّنّا وما أُذِن لنا، إلى غير ذلك. هذه أعذارٌ واهية، هذه أعذار غير مقبولة، ولا عذرَ لك أمام الله في تضييع أولادِك وبناتك.
    فاهتمَّ بالأمر، وأقِم لهذا الأمرِ شأنَه، وإيّاك والمماطلة، وإيّاك والإهمالَ والإضاعة، فإنّك بهذا تكون عاصيًا وآثمًا، وأيّ وزر فإنّك تتحمّله؛ لأنّك السّبب في كلّ ما جرى.
    أسأل الله للجميع التوفيقَ والهداية والعونَ على كلّ خير، إنه على كل شيء قدير.
    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا ءاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة:233].
    بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم لما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

    _________________

    [1] أخرجه البخاري في التفسير (4761)، ومسلم في الإيمان (86) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
    [2] أخرجه البخاري في الأدب (599، ومسلم في الفضائل (2317) عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي فقال: تقبلون الصبيان؟! فما نقبلهم، فقال النبي : "أوَأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟!".
    [3] أخرجه البخاري في الأدب (6129، 6203)، ومسلم في الآداب (2150) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
    [4] أخرجه البخاري في الصلاة (516)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (543) عن أبي قتادة رضي الله عنه.
    [5] أخرج أحمد (5/354)، وأبو داود في الصلاة (1109)، والترمذي في المناقب (3774) والنسائي في الجمعة (1413)، وابن ماجه في اللباس (3600) عن بريدة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله ، فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم قال: "صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ. رأيت هذين فلم أصبر"، ثم أخذ في الخطبة. قال الترمذي: "حسن غريب"، وصححه ابن خزيمة (1456، 1801)، وابن حبان (603، والحاكم (1059)، وهو في صحيح سنن أبي داود (981).
    [6] أخرجه أحمد (2/187)، وأبو داود في الصلاة (495)، والدارقطني (1/230)، والحاكم (1/311)، والبيهقي (2/228، 229) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، وصححه الألباني في الإرواء (247).
    [7] أخرجه أحمد (4/7، والبخاري في التاريخ الكبير (1/422)، والترمذي في البر والصلة (1952)، وعبد بن حميد في المنتخب من المسند (362)، والعقيلي في الضعفاء (3/30، وابن حبان في المجروحين (2/18، وابن عدي في الكامل (5/86)، والقضاعي في مسند الشهاب (1295، 1296، 1297)، والبيهقي في الكبرى (2/1 من طريق عامر بن أبي عامر الخزاز عن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده، وأعله البخاري والترمذي والبيهقي بالإرسال، وصححه الحاكم (7679)، وتعقبه الذهبي بقوله: "بل هو مرسل ضعيف، ففي إسناده عامر بن صالح الخزاز واه"، وذكر له الألباني في السلسلة الضعيفة (1121) علّة ثالثة.
    [8] أخرجه مسلم في الوصية (1631) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    [9] أخرجه مسلم في الزكاة (995) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه.
    [10] أخرجه البخاري في الجنائز (1296)، ومسلم في الوصية (162 عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
    [11] هو جزء من الحديث السابق.


    الخطبة الثانية:
    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
    أمّا بعد:
    فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
    أخي المسلم، أولادُك بنين وبنات أمانةٌ في عنقِك، والله سائلٌ كلاًّ عمّا استرعاه، فيقول : "كلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤول عن رعيّته، الرّجل راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيّته"[1]، راعٍ على أولادِه، والله سائله عن رعيّته، سيكون أبناؤك وبناتك خصماءَ لك أمامَ الله يوم القيامة، سيخاصِمك الأبناء والبناتُ بين يدي الله في ذلك اليومِ العظيم، عن تقصيرك، عن إساءَتك، عن إهمالك، عن تضييعِك، عن عدمِ مبالاتك، عن نسيانِك، عن هذه التصرّفات الباطلة اللاأخلاقيّة، ولكنّها تصرّفات الحمقى، تصرّفات من لا مسؤولية [له]، تصرّفات مَن لا يبالي ولا يرعوي.
    أيّها المسلم، كيف ترضى وتعلم أنّ فتاةً لك في بلادٍ لا تَرى أبًا ولا عمًّا وابن عمٍّ ولا قريبًا، تنادي: أين أبوها؟ أين ذلك الأبُ الذي تسبّب في وجودها؟ أين هو؟ أين الرّعاية؟ أين النّفقة؟ أين الحِفظ؟ أين العِناية؟ فكم من فتاةٍ تمسَح دموعَ الحزن دائمًا وأبدًا، وكم شابّ يعلم أنّ له أبًا، لكن هذا الأبُ غاب وأهمَل ونسِي وتجاهل.
    فاتّقوا الله في أنفسكم، واعلموا أنّ هذه التصرّفات الواقعة من بعض أفرادِ المسلمين تصرّفات خاطئة، لا ينبغي أن يُعانَ عليها ولا أن يسهَّل أمرُه فيها، بل ينبغي للمسلمين أن يتواصَوا بالحق، ويتعاونوا على الهدى. ومَن يعلمُ أنّ له أقرباء في بلادٍ لا ناصرَ ولا مؤويَ لهم فالواجب عليه أن يهبَّ ليسترجعَهم، فإنّ هذه مسؤوليّة الأب، فإن أهملَ الأب وضيّع وصار من الخائنين لأمانتِهم فمسؤوليّة الإخوان والأعمام والأقارب أن ينقِذوا هذا النسلَ من الضّياع والفساد والانحراف، لأنّ هذا من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومِن التعاون على البرّ والتّقوى، ومن صلةِ الرحم الواجبة، أمّا أن يقال: الأب ضيّع والأبُ أهمل فلا نبالي، فهذا خطأ بلا شكّ، بل الواجب الإنقاذ والسعيُ في إيجاد حلٍّ لهؤلاء الذين ضيّعهم أولئك الآباء المهمِلون الخائِنون لأماناتِهم.
    أسأل الله للجميع التوفيقَ والعون على كلّ خير.
    واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسن الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هدي محمد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
    وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على محمّد امتثالا لأمر ربّكم، قال تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].
    اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...
    ______________________

    [1] أخرجه البخاري في الجمعة (893)، ومسلم في الإمارة (1829) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,271

    افتراضي

    اعدلوا بين أولادكم
    عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
    الرياض
    10/11/1424
    جامع الإمام تركي بن عبد الله

    ملخص الخطبة:
    1- فضل العدل.
    2- نعمة الأولاد.
    3- التفريق بين الأولاد ظلم.
    4- مفاسد التفريق بين الأولاد.
    5- من صور التفريق بين الأولاد.
    6- حرص السلف على العدل بين الأولاد.
    7- التحذير من حرمان البنات من حقهن.
    8- لا مصلحة في التفضيل بين الأولاد.



    الخطبة الأولى:
    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
    أمّا بعد:
    فيا أيّها النّاس، اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
    أيّها المسلمون، لقد صحّ عن النبيّ أنّه قال: "المقسِطون يومَ القيامة على منابرَ من نور عن يمين الرّحمن عزّ وجلّ وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدِلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا"[1].
    أيّها المسلم، العدلُ خلُق المؤمن، والمؤمِن متّصفٌ بالعدل، متخلِّق بالعدل، بعيدٌ كلَّ البُعد عن الظّلم، سواء في الأحكامِ التي يصدِرها، أو في تعامُله في ولايتِه، أو في تعامُله مع أولاده. فالعدلُ مطلوبٌ منه في كلّ أحواله، (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ) [النحل:90]. فقد أمَر الله بالعدل ونهى عن الظّلم، فخلُق المؤمِن عدلٌ في كلّ أحوالِه، قليلِها وكثيرها، فلا ظلمَ ولا تعدِّي، ولكن عدلٌ وقِسط. وانظر مآلَ أهلِ العدلِ يومَ القيامة وأنّهم على منابرَ من نورٍ عن يمين الرّحمن، لماذا؟ لأنّهم عدَلوا في أحكامِهم، وعدلوا في ولاياتِهم، وعدَلوا في أهليهم.
    أيّها المسلم، فالعدلُ مطلوبٌ منك بَين أولادِك، فأحقّ النّاس بالعدل أولادُك الذين هم فلذةُ كبِدك، والذين أنعَم الله عليك بِهم، فإنّ الأولادَ نعمةٌ مِن نِعَم الله على العَبد، فهم بتوفيقٍ من الله امتدادٌ لحياته، يذكرون اسمَه، ويبقى اسمُه موجودًا ما دام الأولادُ موجودين، فهم ذِكرٌ له بعد موتِه، وحياةٌ ثانية له بعدَ مفارقتِه الدّنيا، فلذا أمِر بالعنايةِ بهم؛ بتربيّتِهم وتوجيهِهم وتأديبِهم بالآداب الحَسَنة حتى يكونوا عونًا له على كلّ خير وسببًا لسعادتِه في دنياه وآخرته.
    أيّها المسلم، الولدُ إذا أُحسِنَت تربيتُه وأُحسِن أدبه انتفَع في نفسِه، وانتفع به والداه، وانتفع به مجتمعُه، ولكن إذا أسيئَت التربيّة وأُسيءَ الأدَب فعند ذلك يشقَى الأبوان بهذا المولود، كما يشقى في نفسِه، ويشقى به مجتمعُه.
    أيّها المسلم، إنّ الله جلّ وعلا أخبرنا عن أنبيائِه المرسَلين وأنّهم طلبوا من ربِّهم العقِبَ الصالح، ها هو إبراهيم يقول: (رَبّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينِ) [الصافات:100]، وهذا زكريا يقول: (رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ) [الأنبياء:89]، ويقول: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) [مريم:5، 6]، وهذا أيضًا إبراهيم عليه السلام يقول: (رَبّ ٱجْعَلْنِى مُقِيمَ ٱلصَّلوٰةِ وَمِن ذُرّيَتِى) [إبراهيم:40].
    أيّها المسلم، إنّ الولدَ نعمة من الله على العَبد، يشكر اللهَ عليها، ويؤدّي حقَّ الأولاد عليه.
    أيّها المسلم، إنّ من ظلمِ الأولاد أن يفرّق الأبُ بينهم، وأن يبتعِد عن العَدل فيما بينَهم، فيظهر لهم محبّتَه لبعضهم وكراهيتَه لبعضهم، يميل مع هذا دونَ هذا، هذا يقرّبه ويدنيه ويهَب له الهباتِ ويذلِّل أمامَه الصِّعاب ويلبّي طلباتِه ويعطيه مِن أمر الدّنيا ما يعطيه، وأولئك أولادٌ قد أُبعِدوا وأُقصُوا وجُفوا وحُرِموا ولم يُعطَوا مثلَما أُعطِي إخوانهم، لماذا؟! ألستَ أبَ الجميع أيّها الأب؟! أليسوا جميعًا أولادَك؟! فلِمَ هذه التّفرِقة؟! ولم هذا التجنّي؟! ولِمَ هذا الظّلم والعدوان؟!
    أيّها الأب الكريم، فكِّر قليلاً في هذا التصرّف الخاطِئ، لتعلم أنّ النتائجَ نتائجُ سيّئة، عليك أوّلاً ثمّ عليهم.
    فعليك أوّلاً لأنّك عصيتَ الله فحابيتَ بعضَهم دونَ بعض، فارتكبتَ معصيةَ الله بظلمِك لهم وحرمانِك البعضَ وتفضيلِك للبعض، فأنتَ بهذا عاصٍ لله قبل كلّ شيء، ويومَ القيامة ترى مصيرَك السّيّئ، تلقى الله وأنت من الظّالمين.
    ثانيًا: تشقَى أيضًا في دنياك، فيعقّك أولئك الأولاد، ويجفونك، وتكون سببًا في عقوقِهم لك وقطيعتِهم لك ومعصيتهم لك وعدم رأفتهم بك؛ لأنّهم يرونَ منك القسوةَ والجفاء والغِلظة وسوءَ التصرّف.
    ثالثًا: ثمّ أولئك الأولاد الذين فضَّلتَ بعضَهم على بعض أوقدتَ بينهم نارَ العداوةِ، أشعلتَ بينهم الفِتنة، فرّقت قلوبَهم، مزّقتَ شملَهم، أحدثتَ بينهم القطيعةَ، تركتَهم متناحرين متقاطعين متباعدين، يبغِض بعضهم بعضًا، ويكرَه بعضهم بعضًا، فمَنِ المتسبِّب؟ ومَن الجانِي؟ إنّ الجاني أنتَ أيّها الأب، إذا لم تتَّق الله فيهم، إذا لم تعدِل بينهم، فإنّ النتائجَ السيّئة أنت تحمِل أوزارَهم؛ أوزارَ قطيعتِهم وتناحُرهم وشِقاقهم.
    أيّها الأب الكريم، إنّ مِن توفيق الله لك أن تعدِل بين أولادِك، وأن تُظهِر لهم جميعًا أنّ منزلتَهم منك منزلةٌ واحدة، ولا فضلَ لبعضِهم على بعض، لا تُظهر لهم تفضيلَ بعضِهم بأيّ سبب.
    أيّها الأب الكريم، قد تتعلَّل وتقول: هذا ابنٌ يسمَعُ ويطيع، هذا بارّ بي، وأولئك بعيدون عنّي، وأولئك لم أنتفِع بهم، وأولئك وأولئك... نعَم قد يكون مِن بعض الأولاد شيءٌ مِن هذا، وهذا ليسَ بمستبعَد، لكن هل الخطأ يُعالجَ بالخطأ؟! وهل القطيعة تُعالَج بالقطيعة؟! لأنّك إذا فضّلت بعضَهم فقد زِدتَ في القطيعة والبغضاء، أمّا إذا عدلتَ بينهم فإنّ عدلَك بينهم بتوفيقٍ من الله يقرّب قلوبَهم، ويجمَع شتاتَهم، ويحبّب بعضَهم إلى بعض، ثمّ هم ينظُرون إليك في المآل نظرَ الاحترام والتّقدير والإكرام، ويبرّون بك ويحسِنون إليك، وإن حصل ما حصَل فالمآل إلى خيرٍ بتوفيقٍ منَ الله.
    أيّها المسلم، إنّ نبيّنا نبيّ الرحمة الذي قال الله في حقّه: (وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ) [الأنبياء:107]. نبيّ الرّحمة أرشدَ الآباءَ إلى الطريق السَّويّ، وحذّرهم من الظلم والعدوان.
    أتاه بشير بنُ سعد أبو النّعمان بن بشير يقول: يا رسولَ الله، إنّ أمَّ هذا طلبَت منّي أن أنحلَ ابنَها نحلة وأشهدُك عليها، فماذا قال ؟ وجّه السؤالَ إلى هذا الأب قائلاً: "أكلّ ولدِك أعطيتَهم مثله؟" هل هذه العطيّة شملت كلَّ الأولاد؟ قال: لا، قال: "أُتحبُّ أن يكونوا لك في البرّ سواء؟!" قال: نعم، قال: "فلا إذًا"[2]، فإذا كنتَ ترجو أن يكونَ برُّهم جميعًا لك سواءً فلماذا تفضِّل بعضهم على بعض؟! وفي لفظٍ أنه قال له: "ألَه إخوة؟" قال: نعم، قال: "أكلاًّ أعطيتَ؟" قال: لا، قال: "فاسترجِعها"[3]، وفي لفظٍ قال له: "لا تشهِدني على جَور"[4]، وفي لفظ قال له: "إنّي لا أشهَد إلا على حقّ"[5]، وفي لفظ قال له: "أشهد على هذا غيري"[6]، يعني: إذا كان الرسولُ امتنَع عن الشهادةِ وطلبَ أن يكونَ غيره الشهيدَ ممّا يدلّ على قُبح ذلك التصرّفِ وقُبح ذلك العَطاء، وأنّ النبيَّ امتنع عن الشهادة عليه لفسادِه وظلمِه وجوره، وهو أبعدُ الخَلق عن الظلمِ والجور، وأحرصُهم على العَدل والإحسان.
    أيّها الأب الكريم، إنّ هناك خطأً من بعضِ النّاس؛ إمّا تفضيل بعض الأولاد بأيّ صورةٍ كان هذا التفضيل، حينًا يعطيه عطيّةً، وحينًا يجعلها في صورةِ بيعٍ ونحو ذلك، والله يعلم أنّه ما قصد البيعَ، ولكن قصدَ الهِبةَ، لكن يُخرجها مخرجَ البيع لأجل التّغطية على البقيّة، (وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ) [البقرة:220].
    أيّها الأب الكريم، قد يحمِلك على التفضيل أحيانًا جفاءُ بعضهم كما سبق، وقد يحمِلك أحيانًا حبُّك لأمّ بعضِهم وكراهيتك لأمِّ بعضهم، فتجعل حبَّك لإحدى الزوجات مسوِّغًا لأن تُغدِق على أولئك وتحجب أولئك، فإن أردتَ العدلَ فاتّق الله فيهم، وما في نفسِك من ميولٍ إلى بعضِهم لا تجعل هذا الميولَ ظاهرًا، اكتُمه في نفسك، وأمّا في الظاهر فأظهِر لهم أنّهم منك سواء، ولا فضلَ لبعضهم على بعض، لا في المجالِس، ولا في إصدارِ الكلام، ولا في التّخاطب، ولا في الزّيارة، ولا في كلّ شيء، اجعَل الجميعَ يشعرون أنّك الأب الحَنون الرّحيم الشفيق عليهم، كلٌّ يجِد في نفسِه أنّك كذلك.
    وإذا أردتَ وصيّةً أيضًا بعد الموت فانظر العدلَ في الوصيّة، ولا تجعلها لأحدٍ لمصلحةٍ ما، ولكن اجعَل الأمر لمَن يصلح لها وهو أهلٌ لها، مع إبراءِ ذمّتك وتوضيحِ تلك الوصيّة وما فيها حتّى لا يكونَ أحدٌ أفضلَ مِن أحد.
    أيّها الأب الكريم، إنّ سلفنا الصّالحَ التزموا هذا الأدبَ النبويّ في العدل بين أولادهم، حتّى قال بعض التابعين: كانوا يعدِلون بين الأبناء الصّغار في القُبَل، يعني: إذا قبّل الابنَ الصغير قبّل الآخرَ مثلَه حتّى لا يشعرَ هذا بأنّ هذا أفضلُ منه.
    إنّ غرسَ الفضائل في النفوس وتدريبَ الأبناء على الأخلاق وتنشئَتهم على الصلةِ والمحبّة أمرٌ بيَد الله ثمّ بيدِك أيّها الأب، فإمّا أن تفارقَ الدنيا والأولادُ كلّهم يقولون: رحمَ الله أبانا، غفر الله لأبينا، جزَى الله أبانا خيرًا، لقد ربّانا وأحسَن إلينا، وخلّف لنا من الخير ما ننعَم به، فكلٌّ يدعو لك ويترحّم عليك. و إمّا أن ترحلَ من الدنيا وذا يقول: لعَن الله ذلك الأب، وقطع الله ذلك الأب، وأراحَنا الله من ذلك الأب؛ لأنّ حبَّ الدّنيا متمكِّن في النّفوس، حبّ الدنيا بليّة والله يقول: (وَلاَ يَسْـئَلْكُمْ أَمْوٰلَكُمْ ؤإِن يَسْـئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَـٰنَكُمْ) [محمد:36، 37]. فالدّنيا تحدِث البغضاءَ والقطيعة؛ لأنّ الدنيا وسيلة من وسائِل إبليس ليُغويَ بها من يشاء مِنَ الخلق.
    فيا أخي المسلم، اتّق الله في أبنائك تقوًى تحمِلك على العدلِ والبُعد عن الظلم.
    أيّها المسلم، إنّ الله جلّ وعلا أعدلُ العادلين قسَم المواريثَ بين العباد، فقال: (يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِى أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأنْثَيَيْنِ) [النساء:11]، ثم قال: (ءابَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) [النساء:11].
    بعضُ الآباء أحيانًا قد ينظر إلى البناتِ نظرَ الاحتقار، لماذا؟ يحاوِل أنّ البنات لا نصيبَ لهنّ، الأولاد يزوّج هذا ويعطِي هذا مسكَنًا وهذا كذا وهذا كذا، والبنات قد لا يَنلنَ من نصيب أبيهنّ إلاّ القليل، يحاول في حياته توزيعَ التّركةِ وتخصيصَ الذكور، والإناث يقول: هؤلاء مع أزواجٍ آخرين، ينتقِل مالي إلى أولادِ الناس؟! فتراه يحاول جاهدًا حجبَ البنات، وإن لم يستطِع حجبهنّ ميراثًا، لكن في التصرّفاتِ في الحياة ما يدلّ على إرادةِ حرمانهنّ كثيرًا من الحقوق، وهذه معصيةٌ لله؛ لأنّ اللهَ قسَم الميراثَ بين الذكور والإناث، ثمّ ختمها بقوله: (تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [النساء:13، 14].
    فالبناتُ لهنّ حقٌّ في الميراث، ومَن حاول حرمانَهنّ أو تجزئةَ الأموال بالوقف والوصايا لأجل أن لا ينال البنتَ شيء ويعلم الله ذلك من نيّته فإنّه ظالمٌ ومسيء ومخطئٌ وعاصٍ لله ورسوله. لا يجوز للمسلم أن يتصرّف تصرُّفًا يعلَم الله من نيّته أنّ إرادتَه حرمان البناتِ وتقليل أنصبتهنّ والحيلولة بين أن يأخذنَ حقَّهنّ المشروع.
    فليتّق المسلم ربَّه، وليعلم أنَّ البرَّ والصّلةَ أسبابُ خيرٍ، من بدأ بها وسنّها في أولادِه اقتدَوا به وتخلَّقوا بأخلاقِه، وإن أحدَث بينهم القطيعةَ والعداوةَ وأشعل نارَ الفتنة بينهم فإنّه المتحمِّل لتلك الأوزار.
    أسأل الله لي ولكم الثباتَ على الحقّ والاستقامةَ عليه.
    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء:135].
    بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.

    ______________________

    [1] أخرجه مسلم في الإمارة (1827) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
    [2] هذه الرواية أخرجها مسلم في الهبات (1623) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
    [3] هذه الرواية أخرجها البخاري في الهبة (2586)، ومسلم في الهبات (1623) عن النعمان رضي الله عنه نحوه.
    [4] هذه الرواية أخرجها البخاري في الشهادات (2650)، ومسلم في الهبات (1623) عن النعمان رضي الله عنه.
    [5] هذه الرواية أخرجها مسلم في الهبات (1624) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
    [6] هذه الرواية أخرجها مسلم في الهبات (1623) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما.



    الخطبة الثانية:
    الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
    أمّا بعد:
    فيا أيّها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى، والزَموا العدلَ فإنّ في العدلِ بركةً ورحمة.
    أيّها المسلم، لا تظنَّ التفضيلَ سيزيد مالَ المفضَّل، فربَّما فضَّلتَ بعضَهم فأنزل الله المحقَ في مكسَبه، ونزعَ البركة ممّا نال، فعاد فقيرًا بعدَ غِناه. إخوانُه يدعون عليه ويبغِضونه ويمقتونه ويدعون عليك وعليه، كلّما نظروا إلى أموالِه وهي كثيرةٌ ولأنفسهم ولم يُعطَوا شيئًا فإنّهم يدعون عليه ويَرَونَه ظالمًا لهم ويرونَك ظالمًا لهم، فكم من دعوةِ مظلوم تصيبُ ذلك الظالمَ، وتمحَق بركة رزقه.
    فاتّق الله يا أخي، واعدِل في أولادك، والله جلّ وعلا هو الغنيّ الحميد، وكلّ الخلقِ فقراء لله، (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا) [النساء:135]. فالرّزق بيد الله، والبركةُ فيما بارك الله فيه، لا في ظلمِك وجورِك وسوءِ تصرّفِك.
    فاتقوا الله عبادَ الله، والزَموا آدابَ الإسلام، ففيها الخيرُ لكم في الدّنيا والآخرة.
    واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنَّ أحسنَ الحديثِ كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإنّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النّار.
    وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على عبد الله ورسوله كما أمركم بذلك ربّكم، قال تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].
    اللهمّ صلِّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد، اللهمّ ارضَ عن خلفائه الراشدين...

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,271

    افتراضي

    حقوق البنات
    عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
    الرياض
    12/8/1426
    جامع الإمام تركي بن عبد الله

    ملخص الخطبة:
    1- قسمة الذرية بين العباد.
    2- ظلم المرأة في الجاهلية.
    3- تكريم الإسلام للمرأة.
    4- فضل رعاية البنات.
    5- هدي النبي مع البنات.
    6- الوصية بحسن تربية البنات.
    7- حقوق البنت على الأب.
    8- التحذير من دعوة تحرير المرأة.



    الخطبة الأولى:
    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
    أمّا بعد:
    فيا أيّها النّاس، اتَّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
    عبادَ الله، حِكمةُ الرّبِّ جَلّ وعلا اقتضَت أن يَكونَ جِنس بَني آدمَ رجالاً ونِساء، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً) [النساء:1]. هذه حكمةُ الرّبِّ جلّ وعلا، خلَق آدمَ مِن تُرابٍ، خَلَق حوّاء من ضِلعِ آدَم، هو الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا. كوَّن جنسَ البشَر مِن والنساء والرجالِ؛ ليبقَى النوعُ الإنسانيّ وتَعمر الدّنيا وينفذ قضاءُ الله وقدَره.
    وأخبرنا جلَّ جلالُه أنّه قسّم العبادَ نحوَ هذا أقسامًا، فمِن عباده من جعل ذرّيَّته إناثًا، ومن عباده من جعل ذريّتَه ذكورًا، ومِن عباده من منحَه الجنسَين الذكورَ والإناث، ومِن عباده من جعَله عَقيمًا لا يولَد له، وكلّ ذلك بحِكمتِه وعدله ورحمتِه وكمالِ عِلمه، قال تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) [الشورى:49، 50]، فهو عليمٌ بهذه الأصناف كلِّها، وهو القادِر على إيجادِها، تعالى وتقدَّس (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23].
    أيّها المسلِم، لقد كانت الجاهليّة قبل الإسلام جاهليّةُ العرَب قبلَ الإسلام ـ وذاك معروفٌ عندهم ـ فقد كانوا قبل الإسلام في جَهالةٍ جهلاء وضلالةٍ عمياء، لا يعرفون معروفًا ولا ينكِرون منكرًا، كانوا في جاهليَّتِهم يكرَهون البنات، ويصِفون مَن ليس عنده إلاّ بنات بأنه أبتَر الذِّكر، ولِذا وصَفوا نبيَّنا بذلك لما رأَوا مَوتَ أطفالِه وبقاءَ بناتِه فقالوا: إنّه الأبتَر، فردَّ الله عليهم بقوله: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) [الكوثر:3]، فذكرُه باقٍ .
    كانوا في جاهليَّتِهم يكرهون البناتِ كراهيّةً شديدة، وإذا بشِّروا بالبنات ضَجروا وتأثَّروا وظهَر ذلك باسوِداد وجوهِهِم وتغيُّر ألوانهم كراهيةً للبنات واستِثقالاً لهنّ: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [النحل:58، 59]، يختفِي عن الناسِ حياءً مِنهم، ويفَكِّر: أيدسُّه في التراب؟! يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ.
    فإن أمسَك البنتَ أمسكها وهو محتقِرٌ لها، متسخِّط من وجودها، آيِس من نَفعها؛ لا يريد إلاّ ولَدًا ينفَعه ذهابًا ومجيئًا، أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ، فكان من أخلاقهم وأدَ البنات، ولِذا قال الله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [التكوير:8، 9]. يأخُذُها ويحفِر لها الحفرة ويهيل التّراب عليها قسوةً في قلبِه وكراهيّة لها، تتعلَّق به ولكن قسوة القلبِ وسوء التربية جعلَه يقسو عليها ويدفنها ويئِدها ويكرَهها ويستثقلها. هكَذا في جاهليّتهم.
    فجاء الإسلام بالخَير، وجاء الإسلام بالرّحمة، وجاء الإسلام بالعَدل، وجاء الإسلام بمكارمِ الأخلاق وفضائلِ الأعمال، وجاء الإسلام بما يَملأ القلبَ رحمةً وحنانًا وشفَقة. جاء الإسلام بكلِّ خير، وانتشَلَهم من ذلك الظلم والطغيان إلى ساحلِ الأمان والاستقرار، فجاءَ الإسلام بكتابه وسنّة رسولِه ليوضح ما للبناتِ مِن فضل ومكانةٍ في المجتمع المسلِم.
    فأوّلاً وقبل كلِّ شيء رغَّب النبي في كفالةِ البناتِ والإحسانِ إليهنّ وتربيتهنّ والقيام بحقهنّ وأنَّ وجودَهنَّ خَير للعبدِ في دينه ودنياه، سعادة له في دنياه، وسعادة له يوم لقاءِ ربِّه. تذكر عائشة رضي الله عنهما أنَّها أتتها امرأةٌ تسألها معها ابنتان لها، تقول عائشة: فلم تجِد عندي سوَى تمرتين فقط، تقول عائشة أمّ المؤمنين: لم يكن عندي في بيتِ رسول الله شيءٌ أطعِهما به سِوى تمرتين فقط، فأعطَت الأمَّ التمرتين، فأعطت كلَّ واحدةٍ تمرةً ولم تطعَم منها شيئًا، أتَى النبيّ بيتَه فأخبرته عائشة بما رأت قال : "من أعالَ جارِيَتين حتى يبلُغا كانتا له حِجابًا من النار"، وفي بعض الألفاظِ أنها أعطَتها ثلاثَ تمرات، فدَفعت لكلِّ بنتٍ تمرة، فأكَلَت البنتان التمرتين، وأرادتِ الأمّ أن تأكلَ الثالثة فاستطعمتها البنتان فأعطتهما ولم تأكل شيئًا، فصنيعُها أعجَب عائشةَ، فأخبرت بها النبيّ فقال: "إنَّ الله أوجَب لها بهنَّ الجنة وأعتقها بهنّ منَ النار"، فكونُها آثَرت البنتَين على نفسِها وأطعمَتهما وبقِيت جائعةً جعَلَها الله سَببًا للعِتق من النّار والفوزِ بدخول الجنّة، وفي الحديث: "الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحَموا من في الأرضِ يَرحمكم من في السماء".
    أيّها المسلم، لا تضجَر من وجود البنات، ولا تستثقِلِ البنات، واقصِد بذلك وجهَ الله والدارَ الآخرة، ربِّهِنّ فأحسِن التربية، وعُد عليهن بالخير، ألِنِ الجانبَ لهن، أنفِق عليهنّ، وابذُل جهدَك فيما يسعِدهنّ؛ فحسناتٌ مدَّخرة لك يومَ القيامة، قال بعض السّلف: "البنون نِعمة، والبَنات حسَنات، والله يحاسِب على النّعمة ويُجازِي على الحسَنات"، قال بعضُ السّلَف في قولِه: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا) [الشورى:49] بدَأ بهنّ ليبيِّنَ للعرب ما كانوا عليه من فسادِ الأخلاق في وَأد البناتِ، فجاء بِذكرهنّ حتى يُعلَم أهميَّتُهن في ذلك.
    والله جلّ وعلا أعطى أبانا إبراهيمَ ذكورًا ولم يعطِه إناثًا، وأعطى لوطًا عليه السلام البناتِ ولم يعطه ولدًا، وأعطى محمّدًا ذكورًا وإناثًا، لكن ماتَ إبراهيم آخِرُ أبنائِه في حياتِه، وماتَت بعضُ بناتِه بعدَ موته صلوات الله وسلامه عليه إلى يَوم الدّين.
    أيّها المسلم، فالبناتُ يرحمهنّ ذو القلبِ الرحيم ويشفِق عليهنّ ذو الخُلُق الطّيِّب ويحسِن إليهنّ صاحِب المروءَةِ والإحسان، لا ينظر إلى ما يَرجوه منهنّ، وإنما يرجو من الله الفضلَ والإحسانَ، في الحديث: "من كفَل ثلاثَ بنات أو ثلاثَ أخوات كنَّ سِترًا له من النار"، والنبي يرغِّب فيقول أيضًا: "من أعالَ جاريتَين حتى يبلغا جاء يومَ القيامة أنا وهو كهاتين" وجمع بين أصابعه.
    أيّها المسلم، إذا علمتَ هذا الأمرَ واستقرَّ في فكرك أنَّ تربيةَ البنات نعمةٌ وأنَّ وجودهنّ نعمة لك من اللهِ ورحمة من الله لك ليظهرَ كمال رضاك بقضاءِ الله وقدره، قال قتادةُ رحمه الله: "إنَّ الله بيَّن للعرب سوءَ أخلاقهم وسوءَ أفعالهم في كراهيّتهم البنات، فلَرُبَّ جاريةٍ خير من غِلمان، وربَّ غلام صار سببًا لهلاك أهلِه ومصائبهم"، وقال رحمه الله: "كان العربُ في الجاهليّة يغذِّي الرجل كلبَه ويقتل ابنتَه"؛ لأنهم يكرهون البنات في مجتمَعهم، فجاء الإسلام بعكس قلوبهم القاسيَة، جاء بالرحمة والشفقة والإحسان.
    هذا محمّد كان رقِيقًا مع البناتِ، محسنًا إليهنّ، رفيقًا بهنّ، كان يحمِل بنتَ بنتِه أمامة في صلاته، إذا قام رفعها، وإذا سجد وضعها، وكان يكرِم بناته ويرفق بهنَّ صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يومِ الدين. أسرَّ إلى فاطمةَ في آخر حياته فبَكت، ثم أسرَّ إليها فضحِكت، تقول عائشة: أحِبّ أن أسأَلَها فاستحيَيتُ حتى مات رسول الله فقلت: يا فاطمة، أسرَّ لك الرسول فبكيتِ وأسرّ لك فضحكتِ، قالت: أمّا الآن فنَعَم، أسرَّ لي فبكيتُ بأن أخبَرني بقربِ رحيله من الدّنيا فبكيتُ عليه، وأسرَّني بأنِّي سيّدةُ نساء العالمين في الجنّة فضحِكتُ، فرضي الله عنها وأرضاها.
    أيّها المسلم، أيّتها المسلمة، إنَّ إكرامَ البناتِ نِعمة، وإنّه حسناتٌ يسوقها الله لمن شاءَ من عباده.
    أيّتها الأمّ الكريمة، اعتني بالبناتِ العنايةَ الصحيحة واهتمّي بشأنها فهي الأمّ مستقبَلاً، هي الأمّ ومربّيَة الجيل، فإذا ربِّيَت تربيةً صالحة وأنشِئَت نشأة خيريّة ظهر أثَر تربيَّتها على بَيتها على أبنائِها وبناتها، فأعدِّيها للمستقبَل الإعدادَ الصحيح، أعدِّيها لأن تتحمَّل مسؤوليّتها وأن تكونَ راعية في بيت زوجها، تحسِن الرّعاية والقيادة، ولا تجعَليها كلَّةً عليك فغدًا تفقِد هذه الأمور، ربّيها تربية صالحةً، نشِّئيها على الخير، على العفّة والصيانة والحِشمة، على البُعد عن الرذيلة، على القيام بشأن المنزل، على التدبِير النافع، حتى إذا انتقَلَت إلى زوجها فهي الفتاةُ المربّاة المعدَّة، التي يسعَد بها زوجها بتوفيقٍ من الله، فتربِّي البنين والبناتِ التربية الصالحةَ النافعة.
    أيّها الأب الكريم، إنَّ حقوقَ البنات عليك كثيرةٌ، فأوّل حقٍّ عليك أن تشكرَ الله إذ وهب لك البناتِ، وتعلم أنّ قضاءَ الله لك وقسمَه لك خير من رأيِك لنفسك، فالله أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.
    أيّها الأب الكريم، إنَّ مِن حقوق بناتك عليك أوّلاً أن تزوِّجَهنّ إذا تقدَّم لهنّ الكفء الذي ترضَى دينَه وأمانته، يقول نبيّك : "إذا أتاكم من ترضَونَ دينَه وأمانتَه فزوِّجوه، إلاّ تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد كبير"، أجَل فتنة وفساد كبير، وكم من رجالٍ منعوا بناتهن الزواجَ، لماذا؟! البنتُ موظَّفَة ولها مرتَّب يريد أن يمتصَّ ذلك المرتَّب ويستولِي عليه وما يهمُّه البنت أصبحَت عانسة أم غير عانسة، كلّ ذلك لا يؤثِّر في نفسيّة هذا الأبِ اللئيم. ومنهم من يقول: أريد أن أقتَصَّ منها قدرَ ما أنفقتُ عليها قبلَ أن تتوظَّف، إذًا فهو لم يعمَل عملاً خالصًا لله ولم يكن صادقًا في تعامُله.
    أيّها الأب الكريم، صداقُ الفتاةِ إذا دفِع إليها هو حقٌّ لها وملك لها، (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) [النساء:4]. إذًا فصداقُها حقّ لها، وإن أخذتَ شيئًا فاتَّق الله في الأخذ، لا تأخُذ ما يضرّها ويضعف من مكانَتِها.
    في عهدِ النبي توفِّيَ رجل وترك ابنتَيه وزوجتَه فاستولى عمُّ البنتَين على المالِ ولم يعطِهما شيئًا، جاءَت الأمّ تقول لرسول الله: توفِّي سعد بن الربيع خلَّف بنتَين استولى العمّ على المال لا يمكِن أن تزوَّجا وليس لهما مال، فأنزل الله آيةَ المواريث، فأمرَه النبيّ أن يُعطيَ الزوجة الثمنَ والبنتَين الثلثَين ويأخذ ما بقِي، هكذا شرعُ الله.
    أيّها الأب الكريم، واختَر لها الصالح ممّا يغلب على ظنِّك أهليتُه لها ومناسبَته لها؛ لأن هذه أمانة في عنقِك، فلا تتساهل بالمسؤوليّة، والبعضُ قد يتقصَّى حقًّا للبِنت التي أمّها معه ويتساهَل في بنتٍ أمّها ليست مع الزّوج، فلا تنظر لهذا ولكن حقِّق الأمرَ بما يعود على الفتاةِ في خيرِها حاضرًا ومستقبلاً على قدرِ استطاعتك، والله يقضي ما يشاء.
    أيّها الأب الكريم، كم من أبٍ جعل زواجَ ابنته مصدَرًا لثرائِه، فهو لا يزوِّجها حتى يشرَط له قسمٌ خاصّ به، فيتحمَّله الزوج ولا مصلحةَ له من ذلك، يقول: الفتاة مهرُها أربَعون وأنا أريد نِصفَ المهر أو أريد أربعينَ مثلَ تلك الأربعين، لماذا؟! يقول: لا يمكن أن تذهبَ الفتاة منّي بلا شيء لا بدَّ أن أقتطِع من صداقِها أو يعطيني زوجُها مثلَ ما أعطاها، هذا كلُّه خطأ يفعله أحمقُ جاهل لأنّه يريد الاستغلالَ ولا يريد الخيرَ والصلاح.
    أيّها الأب الكريم، إذا طلِّقَت الفتاة ثم أرادتِ العودةَ إلى زوجها والطلاقُ أقلّ من الثلاث فلا تحل بينها وبين ذلك والله يقول: (وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) [البقرة:232].
    أيّها الأب الكريم، إنَّ المرأة تستأذَن في زوجٍ خطبها، وتخبَر بحالِ مَن تقدَّم لخطبتها، ويُشرَح الأمرُ لها ويوضَح الأمر أمامها؛ حتى تكونَ الصّورة واضحةً لها؛ ولذا كانوا في جاهليَّتهم يزوِّجون الفتياتِ على الأهواء لا على مرادِ الفتاة، فإنّ الحياة الزوجيّةَ تشقَى بها البنت والزوج دون الأمّ والأب، إذًا فسنّة محمّد تقول: "لا تنكَح الأيّم حتى تستأمَر ولا البِكر حتى تستأذَن"، قالوا: وما إذنها يا رسول الله؟ قال: "أن تسكتَ".
    أيّها الأب الكريم، إنَّ البعضَ من الناسِ ربما منَعوا البناتِ الميراثَ، ويقولون: البنت تقتطِع من مالنا ما تذهَب به إلى أولادِ الآخرين، فلا يورثونها فجاء الإسلام بهذه الآيات: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) [النساء:11]، (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) [النساء:32].
    أيّها الأب الكريم، في الجاهلية الباطلة الضالّةِ كانت المرأة إذا توفِّي عنها زوجُها يلقِي عليها أحدُ أقاربِه ثوبَها فيحجِزها عن كلّ أحَد، فجاء الإسلام ليمنعَ ذلك، وليجعل الأمرَ باختِيَارها. في جاهليّتهم أيضًا كانوا يتَّخِذون البنات وزواجَ البنات لمصلحة زواج الآباءِ أو الأولياء، فإذا خُطِب من أحدِهم ابنته لا يزوِّجها حتى يزوِّجوه هو، وقد يكون غيرَ مناسبٍ لتلك الفتاة الأخرى؛ ولذا جاء الإسلام فنهى عن نكاح الشِّغار، فيقول عبد الله بن عمر: إن النبيَّ نهى عن نكاح الشغار وقال: "لا شِغارَ في الإسلام". والشغارُ أن لا يزوِّج الفتاةَ الأبُ حتى يزوِّج الخاطِب منه بنته أو أخته، فإذا لم يفعل لم يفعَل، وهذا من الخطأ لأنَّ الأمرَ لا يرجَع فيه لمصالح الأب والأم، وإنما ينظَر فيه لمصالح الفتاة، فكم فتاة خاطِبُها خير وقد تكون أنتَ لست خيرًا لتلك الفتاة ولا ترغَب فيك، فلا تخضِع زواجَها لمصلحتك الخاصّة، وإنما انظر لمصلحتها فوق كل اعتبار.
    أيّها الأب الكريم، إنَّ العنايةَ بتربيّة البنات والقيامَ على ذلك خيرَ قيام مسؤوليّة الأب ومسؤوليّةُ الأم جميعًا، فيا أيّتها الأم رغِّبي البنت في الخير، وحثِّيها على التستُّر، وامنعيها من السّفور و[ترك] الحجاب، وقولي لها: إنّ هذا خلُق جاهليّ والحِجاب خلقٌ إسلاميّ، والله يقول: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) [الأحزاب:33]. مريها بالستر، وربِّيها على الحجاب، وحُثّيها على ذلك ورغّبيها، وكوني قدوةً صالحة لها في طاعة الزّوج وفي التستّر والعفّة والبعد عن رذائل الأمور، فتنشَأ الفتاة ترى أبًا صالحًا وأمًّا طيّبَة وبيتًا سعيدًا، فتنشأ النّشأةَ الطيّبَة، أمّا إذا كان الأب مستهتِرًا أو الأمّ مستهترة وربما كانا متساهِلين في الأخلاق لا يبالون فربما نشأ النشء على هذا الخلق السيّئ، فيكون الأب خائنًا لأمانتِه والأمّ خائنة لأمانتها.
    أيّتها الأمّ الكريمة، احرصي على التوفيقِ بين الزّوج والفتاة، ولا تكوني سببًا للتفريقِ بينهما، وكلما شعرتِ من الفتاة ضَجرًا من زوجها أو عدَم رغبة فلا توافقِيها في أوّل الأمر، حاولي التسديدَ قدرَ الاستطاعة، وحاولي حملَ البنت على الصبرِ والتحمل، وعالجي قضايَا الاختِلاف بين بنتِك وزوجِها بما أمكَنَ من العِلاج، ولا تفتَحي لها بابَ التمرّد على الزوج، ولا تغلقي عنها النصيحةَ والتوجيه، وكوني عونًا لها على الخيرِ مع الأب، فإنَّ السعيَ في الإصلاح والتوفيق خيرٌ من الفرقة والاختلاف.
    فلنتَّق الله في بناتنا وأبنائنا، ولنَقم بالواجب علينا، أسأل الله أن يوفِّق الجميع لما يرضيه.
    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


    الخطبة الثانية:
    الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مُباركًا فيهِ كَمَا يحِبّ ربّنا ويَرضَى، وأَشهَد أن لاَ إلهَ إلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهَد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصَحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
    أمّا بعد:
    فيا أيّها النّاس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
    عبادَ الله، مِن بَعضِ القضايا أنّ بعضَ الأمّهات أو بعضَ الآباء عندما تأتِيهم فتاتُهم مطلَّقة أو نحو ذلك يستثقِلونها ويسأَمون منها وربَّما خاطَبوها بالخطاب السيّئ وقالوا: أنتِ وأنتِ وفعلتِ وفرضت الزوج وإلى آخره.. فجاء الإسلام ليعالِجَ هذه القضيّة، فقال النبيّ لأحَد أصحابه: "ألا أخبِرك بأفضل الصدقة؟" قال: نعم يا رسول الله، قال: "نفقتُك على البنتِ المردودةِ عليك لا عائلَ لها غيرك"، يعني أنّ نفقتَك عليها إذا ردَّت إليك من أمرٍ بينها وبين زوجها وأنت العائِلُ لها بعدَ الله فتلك أفضلُ الصدقة خلافًا لمن يَنفر منها ويقرّعها بالكلام السيّئ والتوبيخ، فإنَّ القلوبَ بيد الله، الله الذي يجمعها والله الذي يفرّقها، والله حكيم عليم.
    أيّها المسلم، نسمَع دائمًا أو نقرَأ في بعض صحفِنا وفي قراءةِ بعض كتَّابنا هجومًا على المرأةِ المسلمة، هجومًا على أخلاقها، وهجومًا على قِيَمها، هجومًا على فضائلها، هجومًا على تمسّكها بدينها. فِئةٌ من أبنائنا ـ هداهم الله سواءَ السبيل ورزَقهم البصيرةَ في دينهم ـ أخَذوا على عاقِتهم الدعوةَ للفتاةِ المسلِمة أن تكونَ امرأةً سافرة متحلِّلَة من أخلاقها مقلِّدَة ومتشبِّهةً بغيرِها من نساءِ الكفَرَة الماردين ويرونَ هذا عِزًّا وشرفًا، بل المصيبةُ أن يقول بعضُهم: نظهِر صورَتَنا أمام الغرب بأن ندعوَ الفتياتِ إلى السفور والاختلاطِ بالرجال وعدم التفريق بينه وأنَّ المرأة مع الرّجل الأجنبيّ يكونان سواء يمارسون العملَ الواحد، هذه صورة الأمّة التي يريدون أن يخرِجوها صورةً حسنة، يأبى الله أن تكونَ صورة حسنة، فالصورة الحسنةُ للمجتَمَع المسلم أن يظهَر المجتمع متمسِّكًا بدينه، متمسِّكًا بقِيَمه وفضائله، مربِّيًا الأبناء والبنات على الخير، واضعًا كلَّ شيء في موضعه. وعندما ندعو أن تكون الفتاة المسلِمة فتاةً غربية تقلِّد غيرَها من نِساء الكافرات في ملبَسِها وفي عاداتها وأخلاقها إذًا نحن نسعى في نقلِها من فطرتها السليمة إلى أن نجعلَها توافِق الفطَرَ المنحلَّةَ المنحطّة.
    إنَّ مَن يكتب ويدعو إلى جنسِ هذه الأفكار لو راجَع نفسَه قليلاً لو عاد إلى تاريخِ إسلامه وأمّته ذاك التاريخ المجيد، إلى ذلك المجتمع الإسلاميّ الذي طال ما حكَم العالمَ قرونًا عديدة، إنما حكَمَهم بالقِيَم والفضائل، بهذا الدّين وأخلاقه القيِّمة التي تمكَّنت مِن نفوس أتباعه حتى صاروا صورةً حيّة، يمثِّلون الإسلامَ قولاً وعملاً في كلِّ المجالات.
    فليتَّق الله أيّ كاتب يكتب ويدعو إلى أن تخالطَ المرأة الرجالَ وأن تسافرَ وحدها وأن تكونَ ممثِّلةً لأمّتِنا أو تكون أو تكون، كلُّ ذلك مخالِف لشرعِ الله مخالفٌ لكتاب الله مخالف لسنّة محمد .
    فليتقِّ المسلمون ربَّهم في دينهم، ليتّقوا ربَّهم في أبنائهم وبناتهم، ليَعلموا أنَّ شرعَ الله هو الخلُق القيِّم وهو الخلق المثاليّ، وأنّ من يريد ببناتنا أمرًا خلافَ شرع الله فإنما هو داعٍ للباطل والضلال، داعٍ للفجور والفِسق والعصيان، نسأل الله أن يهدِيَ ضالَّ المسلمين، وأن يثبِّت مطيعَهم، وأن يحفظ على بناتِنا عوراتهنّ، وأن يجعلَهنّ فتياتٍ مسلمات متمسِّكات بدينهنّ ثابِتات على أخلاقهنّ، وأن يعمَّ الجميع بالتمسّك بهذا الدين علمًا وعملاً ظاهرًا وباطنًا، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
    واعلَموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسَنَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هَدي محمّدٍ ، وشرَّ الأمورِ محدَثاتها، وكلّ بِدعةٍ ضَلالة، وعليكم بجماعةِ المسلِمين، فإنّ يدَ الله علَى الجمَاعةِ، ومَن شذَّ شذَّ في النّارِ.
    وصلّوا ـ رحمكم الله ـ علَى نبيِّكم محَمّد كما أمَرَكم بذلِك ربّكم، قال تعَالى: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].
    اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك علَى سيدنا محمّد سيد الأولين والآخرين، وارضَ اللَّهمّ عن خلفائِه الرّاشدين...

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    1,271

    افتراضي

    نصيحة الآباء بحسن تربية البنات والأبناء

    عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
    الرياض
    22/1/1423
    جامع الإمام تركي بن عبد الله

    ملخص الخطبة:
    1- خلق الله لآدم وتكريمه إياه.
    2- فضل اتخاذ الولد.
    3- التحذير من فتنة الأولاد.
    4- الحث على اختيار المرأة الصالحة.
    5- اختيار أحسن الأسماء للأولاد.
    6- عظم مسؤولية الأب.
    7- وجوب الاعتناء بالتربية منذ الصغر.
    8- مزيد الرعاية بالبنت.
    9- سوء عاقبة التفريط في التربية.
    10- المبادرة إلى علاج الانحرافات السلوكية.



    الخطبة الأولى:
    إن الحمد، لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
    عباد الله، خلق الله أبانا آدم أبا البشر من تراب، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وخلق منه زوجته، (هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) [الأعراف:189]، وجعله وزوجتَه مصدراً لتكوين بني الإنسان، (يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء) [النساء:1]، (يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـٰرَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات:13]، فمن هنا تكوّنت البشرية بإرادة الله جل وعلا.

    أيها المسلمون، وشرع الله النكاح، وكان من أهدافه حصولُ الولد لامتداد بني الإنسان، واستمرارِ وجودهم إلى آخر نسمة من نسمات بني آدم، فعند ذلك تقوم الساعة.
    أيها المسلم، فالولدُ امتدادٌ لحياة الإنسان، حياةٌ له بعد موته، يُكنَّى به في الدنيا، ويذكَر بعد موته بانتساب ولده إليه، ولا يزال اسمه باقياً ما بقي ذلك الولد، وتلك من نعمة الله على العباد، ولهذا نهى الله عن قتل الولد، وجعل قتلَهم من العظائم: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) [الإسراء:31].
    وكان أهل الجاهلية يقتلون الأولاد، يئدون البنات خوفاً من العار بالنسبة للبنت، وخوفاً من الفقر بالنسبة للولد، وأخبر تعالى أن رزقهم ورزقَ أبنائهم قد تكفل به جل وعلا، نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم، فالرزق بيد الله، لم يكل الله الولدَ إلى أبيه ولا الأبَ إلى ابنه، بل تكفَّل الله برزق الجميع، ولهذا يأتي الملَك للجنين بعدما يمضي عليه مائة وعشرون يوماً يكتبُ رزقَه، ويكتب أجله، ويكتب عمله أشقيٌ أو سعيد.
    أيها المسلمون، فحصول الولد نعمةٌ من نعم الله على عبده، ولهذا أثنى الخليل على ربه بقوله: (ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِنَّ رَبّى لَسَمِيعُ ٱلدُّعَاء) [إبراهيم:39].
    أيها المسلم، يفرح المسلم بالولد، وفرحُه به ليكون ذلك الولد طائعاً لله، ومؤدِّياً لما افترض الله عليه، يفرح به للانتفاع به في الدنيا، والانتفاع به بعد موته، فإن العبد بعد موته تنقطع أعماله إلا من أمور ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو لد صالح يدعو له.
    وحذرنا الله جل وعلا أن نغترَّ بالأولاد، ونُخدع بهم، ونظنَّ أن مجرّد وجودهم هو النعمة من غير نظر للعواقب:( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ) [المؤمنون:55، 56]، وأخبر أن الولد قد يكون عدواً لأبيه وفتنة لأبيه: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ) [التغابن:14]، وقال: (إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [التغابن:15].
    وسنة رسول الله جاءت بإرشاد الرجل إلى أن يختار شريكتَه في الدنيا من ذوات الدين والتقى، ففي الحديث: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"[1].
    فالمرأة الصالحة المستقيمةُ على الخير يُرجى منها ـ بتوفيق الله ـ أن تربِّي الأولادَ بنين وبنات تربيةً صالحة وتنشئة خيِّرة بما جُبلت عليه من الفضائل والأخلاق الكريمة.
    وأرشدنا إلى اختيار الأسماء الحسنة للأولاد بنينَ وبنات، فالأسماءُ الحسنة خيرٌ، ونتجنبَ كلَّ اسم فيه تزكية أو كلَّ اسم يشتمل على جفاء وغلظة، فأصدق الأسماء: حارث وهمام، وأبغضها إلى الله: حرب ومرّة، فكلُّ اسم مستحسَن فإنه يُرجى أن يكون له أثر حسن، وكلُّ اسم سيئ يُخشى أن يكون له أثر سيئ.
    ثم أيها الأب الكريم، اعلم ـ أيها الأب الكريم ـ أنك مسؤول عن هذا الولد مسؤوليةً عظمى، فأنت راعٍ ومسؤول عن رعيتك، راعٍ في بيتك ومسؤول عن رعيتك، مسؤول عن الأولاد بنين وبنات، مسؤول عن التربية والتوجيه، مسؤول عن أخلاقهم وأعمالهم، فعليك بتقوى الله فيما تأتي وتذر، لتقوم بحق تلك الأمانة، (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ) [التحريم:6]، (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال:27].
    فأنت ـ أيها الأب الكريم ـ مسؤول عن هذا النشء، مسؤول عنه أمام الله، وفي الحديث: "ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه"[2].
    أيها الأب الكريم، تربية الأولاد تبدأ من صغرهم، تبدأ من سنينهم الأولى، التربية بإسماعهم القولَ الحسن، وإبعاد الأقوال الفاحشة والبذيئة عن مسامعهم، بأن يسمعوا منك قولاً طيباً، ويروا منك فعلاً حسناً، يسمعون من الأم الكلام الطيب، ويرون من الأم العمل الحسن، وكذلك من أبيهم قولاً حسنا وعملاً حسنا.
    أيها المسلم، إن الله جل وعلا أرشدنا إلى أن نسأل ربنا صلاحَ ذرياتنا، قال تعالى في الرجل الصالح: حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15]، وقال في دعاء المؤمنين: (وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوٰجِنَا وَذُرّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) [الفرقان:74]، ومع سؤال الله الصلاحَ والهداية لهم لا بد من سببٍ من الأبوين ليتحقَّق لهم دعاءُ الله جل وعلا، وفي الحديث: "ما نحل والدٌ ولدَه خيراً من أدبٍ حسن"[3].
    أيها الأب الكريم، الابن يتربَّى في حجرك، فاتق الله فيه، وراعِ الأخلاقَ والسلوك من الصغر، عوِّده فعلَ الخير، وأسمعه كلمةَ الخير، وتعاهده في كلِّ عام من أعوامه، وكل مرحلة انتقل إليها فلا بد لك من تعامل، فتعاملُك معه في طفولته غير التعامل بعد المراهقة، والتعامل بعد المراقبة غير التعامل في المرحلة التي بعدها، فلا بد للأب في تربيته أن يراعيَ مراحل الابن والبنت في التوجيه والتربية والإعداد الحسن، لينقل هذا الابن وتلك الفتاةُ عن الأبوين كلَّ خير وصلاح.
    أيها الأب الكريم، فاتق الله في نفسك أولاً، وأصلح ما بينك وبين الله، واتق الله في ما تأتي وتذر، فإن هذا النشء يقتدون بك، ويتأسَّون بك، وينقلون أخلاقَك، فيبقى أثرها في نفوسهم، فاتق الله فيهم، وقمْ بما أوجب الله عليك.
    في طفولة الطفل لا بد من الاهتمام به، وإسماعه القول الحسن، ثم بعد دخوله التعليم لا بد من رعايته، ولا بد من سؤالٍ عنه، وعن حاله وأعماله ودراسته، وعن من يجالس ومن يخالط إلى غير ذلك. فكونُ الأب يهتمُّ بالابن والبنت، هذا الابن مَن زميله؟ ومَن يجالسه؟ ومن يكون معه؟ ومَن يخالطه؟ حتى تعلمَ حاله، فتصلح الأخطاء بحكمة وبصيرة، وإقناعٍ لهذا الابن عن تلكم الأمور المخالفة للشرع، وإقناع الفتاة بذلك.
    لا بد ـ يا أيها الأب الكريم ـ أن تهتمَّ بالبنت اهتماماً عظيماً، تهتمُّ بشأنها، وتهتم بسترها، وتهتمُّ بعفافها، وترعاها الرعاية المطلوبة، ثم إذا تقدَّم ذو الدين والخلق المكافئ فتحمد الله على هذه النعمة، وتزوِّجها من ترى فيه خيراً لها، ويغلب على ظنك أنه ذو صلاح وتقى، بعد استشارة الفتاة وأخذ رأيها، حتى يكون الأمر موافقاً لشرع الله.
    ولا بد من عناية بالابن، وأيّ عناية؟ تعتني بأخلاقه، تحثُّه على الخير، ترغِّبه في الصلاة عندما يبلغ سبع سنين، وقبل ذلك من باب الترغيب، تأمره بها بعد السبع، وتغلظ عليه في تركها بعد العشر، "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع"[4] حفاظاً على أخلاقهم، لينشؤوا وقد رُبُّوا تربية صالحة طيبة.
    أيها الأب الكريم، يندم البعضُ من الآباء بعد كبر الأبناء والبنات، يندمون إذا رأوا من بعض أبنائهم جفاءً وإعراضاً وسوءَ قول ومخاطبة سيئة، يندمون على ما حصل من أبنائهم، ويشكون حالَ الأبناء، وأنهم تمرَّدوا عليهم، لا يصغون لقولهم، ولا يستجيبون لأمرهم، ولا يلبُّون مطالبَهم، ولو رجع الأبُ إلى نفسه لعلم أنه مصدر الخطأ والتقصير والإساءة، أهمل التربية، ضيَّع الأخلاق، شغلته دنياهُ عن أبنائه، شغله جلساؤه عن أبنائه، سهرٌ في معظم الليل، وبعدٌ عن المنزل، وتركُ الأبناء والبنات والزوجة، ماذا يفعلون؟ وماذا يعملون؟ رقيبٌ غاب عنهم، وشُغِل عنهم بما شُغل به، ثم يندم على سوء الأخلاق وقلة الوفاء!! إنك مصدرُ الخطأ لو عدت لنفسك، فلو عدنا إلى أنفسنا وعرفنا أننا مصدر الخطأ، لأصلحنا من خطئنا، وعُدنا إلى رشدنا، فربَّينا الأبناء والبنات تربيةً إسلامية جيِّدة، وحملناهم على الخير، وكنَّا عيوناً ساهرة على أخلاقهم وأفعالهم.
    أيها الأب الكريم، قد يُبتلى بعضُ الأبناء بأخلاق سيئة، إما يُبتلى بخلُق السرقة والعياذ بالله، أو يبتلى بخلق الانحراف السلوكي، أو يُبتلى بما يبتلى به، فاعلم ـ أيها الأب الكريم ـ أنك مسؤول أمام الله، أيُّ خطأ تشعر به من ابنك في أوَّل الأمر فحاول العلاج مبكراً، ولا تترك الخطأ يتمكَّن من النفس، ثم يتعذر العلاج، فالبدار البدار بمعالجة الأخطاء من الصغر، ولا تدَع غيرَك يتحكَّم فيهم، ولا تدع جلساءَ السوء يقودونهم للرذيلة، ويبعدونهم عن الفضيلة، ويعلِّمونهم طرق الشر ومسالكها.
    أيها الأب الكريم، لا بد من اهتمامٍ وعناية، إن الأخطاءَ التي تقع من الأبناء الغالبُ أنها تقصيرٌ من الآباء، وإهمال من الآباء، وعدم يقظة من الآباء، هذا الولد خرج، مع من خرج؟ ومع من أتى؟ ومن صحب؟ فإن هناك فئةً ـ هدانا الله وإياهم ـ مجالستُهم بلاء، وصحبتهم شر، ومخالطتُهم سوء، فلا بد من حماية الأولاد عن تلك المجتمعات والسبل الفاسدة الهابطة، إن الحفاظ على الأخلاق والقيم من الصغر ـ بتوفيق من الله ـ ينشئ الابن على الفضائل والأعمال الطيبة.
    أيها الأب الكريم، لا بد في المنزل أحياناً من اختلاف الزوجين، وسوء وجهة نظر بعضهم لبعض، فإياك أن تُشعر الأبناء بما بينك وبين أمِّهم، وإياك أن تعاتبَها أمامهم أو تضربَها كحال من لا يقدِّر قدرها أمام أبنائها وبناتها، فتلك مصيبة عظيمة، ينشؤون مبغضين لك، وموقفهم مع أمهم ضدّك والعياذ بالله، وهذا من تصرفاتك السيئة، فحاول النقاشَ بينك وبين الأم بعيداً عن الأطفال بنين وبنات، حتى لا تنعكس عليهم تلك الأمور في أنفسهم والعياذ بالله.
    حاول الاتصال بالأبناء، والاختلاطَ بهم دائماً حتى تكون معهم وهم معك، يشاركونك في أكلك، يشاركونك في جلوسك، تعلم حالهم وتطمئن إليهم، [لابد أن] يظهر منك الرحمةُ والشفقة عليهم، مع العناية بالتربية، عدلٌ فيما بينهم، ثقة بهم في الحدود، عدم سوء ظنٍّ بهم في الحدود، حتى تكون التربية تربيةً طيبة، إن أحسّوا منك بالقسوة الشديدة ربما نفروا، وإن شعروا منك بعدم المبالاة ربما وقعوا في الخطأ، فلا بد أن يشعروا منك بشفقة وحنان، ثم يشعروا منك بأنك الأب المراقب عليهم، المهتمُّ بشأنهم، المعتني بأخلاقهم وفضائلهم، فتلك ـ يا أخي المسلم ـ من أسباب الصلاح بتوفيق من الله، والله جل وعلا قد رتَّب الأسباب على مسبباتها، فمن تعاطى الأسباب النافعة تحقَّق له الخير بتوفيق من الله.
    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.



    --------------------------------------------------------------------------------
    [1] أخرجه البخاري في النكاح (5090)، ومسلم في الرضاع (1466) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    [2] أخرجه البخاري في الجنائز (135، ومسلم في القدر (265 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    [3] أخرجه أحمد (4/7، والبخاري في التاريخ الكبير (1/422)، والترمذي في البر والصلة (1952)، وعبد بن حميد في المنتخب من المسند (362)، والعقيلي في الضعفاء (3/30، وابن حبان في المجروحين (2/18، وابن عدي في الكامل (5/86)، والقضاعي في مسند الشهاب (1295، 1296، 1297)، والبيهقي في الكبرى (2/1 من طريق عامر بن أبي عامر الخزاز عن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده، وأعله البخاري والترمذي والبيهقي بالإرسال، وصححه الحاكم (7679)، وتعقبه الذهبي بقوله: "بل هو مرسل ضعيف، ففي إسناده عامر بن صالح الخزاز واه"، وذكر له الألباني في السلسلة الضعيفة (1121) علة ثالثة.
    [4] أخرجه أحمد (2/187)، وأبو داود في الصلاة (495)، والدارقطني (1/230)، والحاكم (1/311)، والبيهقي (2/228، 229) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه، وصححه الألباني في الإرواء (247).


    الخطبة الثانية:
    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
    عباد الله، يقول الله جل وعلا: (وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء كُلُّ ٱمْرِىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ) [الطور:21].
    فأخبر تعالى أن المؤمنين تتبعهم ذريتهم المؤمنة، قال جل وعلا: (أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَـٰهُمْ مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء)، فالله جل وعلا يُكرم الآباءَ فيرفع منازل الأبناء وإن قصرت بهم أعمالُهم إذا كانوا من المؤمنين، يرفعهم في درجات آبائهم إكراماً لهم، وقد يرفع درجةَ الآباء بمنزلة الأبناء إذا كان الآباء مؤمنين لكن قصرت درجتُهم عن أن يلحقوا بدرجات أولادهم، وهذا من فضل الله، (وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ).
    أيها الأب الكريم، بُلي الناس بالقنوات الفضائية المتعدِّدة التي تحمل في طياتها شروراً كثيرة، وبعض القنوات الفضائية متمحّضة لإفساد الأخلاق وتدمير القيم والفضائل، فيا أخي المسلم، حذّر البنين والبنات من النظر إلى تلك القنوات المنحرفة، القنوات المنحلَّة، القنوات التي تعرض مسلسلاتٍ إجرامية، وبرامجَ هابطة، تحارب الأخلاقَ والفضائل، وتهدم المعتقدات، وتنشر كلَّ بلاء.
    بصّر الأولاد بنين وبنات بالآثار السيئة لتلكم القنوات الفاجرة التي هي دعوة للفجور والعياذ بالله، يقوم عليها شياطين الإنس ليضلوا الناس عن سواء السبيل، قنوات تحكي أخلاق المجتمعات الهابطة والمجتمعات المنحرفة، ينقلونها عبرَ الشاشات ليفسدوا بها أخلاق أبنائنا وبناتنا.
    تُبالغ بعضُ هذه المحطَّات إلى أن ينقلوا العلاقات الجنسية أمام الجميع بلا خجل ولا حياء والعياذ بالله، قومٌ لا دين لهم، ولا حياء عندهم،"إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت"[1]. فهم لا حياء عندهم، يصنعون ما يشاؤون، وينشرون ما يهوون، ولو كان فيه إفساد للأخلاق والقيم، فحذّر النشء، حذر بناتك وأبناءك من تلكم المحطات الهابطة، واحرصْ أن تسأل وتفتِّش فإنها قنوات تنشر البلاء، تنشر هدم الأخلاق والفضائل، فلا بد أن نحصِّن أبناءنا وبناتنا من هذه القنوات بالتوعية والتوجيه، وتبيين الأخطار والأضرار لكي يقتنعوا فيتركوها عن قناعة ومعرفة بأضرارها ومفاسدها. وفق الله الجميع لما يرضيه.
    واعلموا ـ رحمكم الله ـ أن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
    وصلوا ـ رحمكم الله ـ على محمد امتثالاً لأمر ربكم إذ يقول: (إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً) [الأحزاب:56].
    اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين...



    ----------------------------------------------------------
    [1] أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (3484) من حديث أبي مسعود رضي الله عنه.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •