السبائك الذهبية في العلوم الشرعية

(1



السبائك الذهبية في أحكام الجهاد الشرعية

أو

(الفوائد الجياد في الأحكام المختصرة للجهاد)


هذه فوائد مختصرة في أحكام الجهاد انتخبتها من الكتاب النفيس "مختصر جهاد المسلمين بين فهم الغلاة وتخذيل المرجفين"

للدكتور عصام بن عبد الله السناني

أستاذ الحديث بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم

وعضـو مجلـس الإدارة بالجمعيـة العلمية السعوديـة للسنة النبوية

وراجعه :

فضيلة الشيخ العلامة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان

عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة.



سائلا الله جل في علاه الإخلاص في القول والعمل


أبو أسامة سمير الجزائري

بلعباس

20ربيع الثاني 1432

25 مارس 2011


تعريف الجهاد :

في الشَّرعِ له معنيان :

(المعنى الأول للجهاد ) : فالجهاد بمعناه العام يكون ببذل الوسع فيما يحبه الله ويرضاه.

والجهاد بمعناه العام قسمان :

1- باعتبار المُجَاهَدِ :

وهو خمسة أنواع كما فصّله ابن القيم :

أولاً : جهاد النفس: وهو أربع مراتب ، جهادها على تعلم الهدى ودين الحق. ثم جهادها على العمل به بعد علمه. ثم جهادها على الدعوة إليه وتعليمه من لا يعلمه. ثم جهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله.


ثانياً : جهاد الشيطان

وهو مرتبتان :

1. جهاده على دفع ما يُلقي من الشبهات.

2. جهاده على دفع ما يُلقي إليه الشهوات.


ثالثاً : جهاد المنافقين :

وهو أربع مراتب :

بالقلب واللسان والمال والنفس. وهو أخص باللسان ؛ لأنهم يظهرون الإسلام ، فيحتاجون إلى الجهاد بالبيان لدحض شبههم ، قال ابن القيم (زاد المعاد:3/5): "جهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار ، وهو جهاد خواص الأمة"أ.هـ.


رابعاً :

جهاد أرباب البدع والمنكرات :

لقوله صلى الله عليه وسلم :"وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ" ،

وله ثلاث مراتب :

الأولى : باليد إذا قدر ، فإن عجز انتقل إلى اللسان ، فإن عجز جاهد بقلبه ، لما روى مسلم عن أبي سعيد : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَـانِ".


خامساً :

جهاد الكفار :

وهذا الجهاد بمعناه الخاص الذي يكون بالقتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله.


2- باعتبار المُجَاهِدِ نفسه :

فإن الجهاد فيما يجري فيه الإيمان : في القلب ، واللسان ، والجوارح .


(المعنى الثاني للجهاد) : فيطلق بالمعنى الخاص على بذل الجهد في القتال في سبيل الله تعالى بالنفس والمال والسلاح أو غير ذلك.


الحكمة من مشروعية الجهاد

ثلاثة أمور:

1. إعلاء كلمة الله وأن يكون الدين كله لله قال تعالى :]وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ[ .

2. ردّ العدوان وحفظ الإسلام : قال الله تعالى: ]فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[[البقرة:194].

3. نصرة المظلومين من أهل الإسلام : قال تعالى:]وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا[ [النساء:75] .


خامساً : حكم الجهاد وشروطه

الجهاد باعتبار حكمه ينقسم إلى قسمين كما نص عليه أهل العلم :

جهاد الطلب:

وهو طلب قتال الكفار وغزوهم في بلادهم لإعلاء كلمة الله وليكون الدين كله لله بشرط بلوغ الدعوة باتفاق العلماء ، فهذا فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين .


شروط جهاد الطلب السبعة :

1- الإسلام : لأن الجهاد إنما شرع لأجل قتاله والشخص لا يخاطب بقتل نفسه ، مع أنه كونه غير مأمون في الجهاد غالباً.


2- العقل : فالمجنون لا يتأتى منه الجهاد.


3- البلوغ .


4- الذكورية .

5- الحرية : فالمملوك منفعته لمالكه.

6- السلامة من الضرر : كالعمى والعرج الفاحش والمرض الشديد الذي يمنعه القتال.

7- القدرة على مؤنة الجهاد : أي القدرة على الزاد والراحلة ونفقة عائلته وكذا القدرة الإعدادية وهي آلة الحرب ، والقدرة العددية.


جهاد الدفع :

وهو قتال الدفاع عن البلد المسلم الذي وطئه الكفار ، وهو فرض عين على أهلها ممن يستطيع القتال ، فإن عجزوا تعيّن على من يليهم من بلاد المسلمين ممن لهم قدرة على القتال ، ومحل التعين على من بقربهم إن لم يخشوا على نسائهم وبيوتهم من عدو بتشاغلهم بمعاونة من فجأهم العدو.

قال العلماء "ويتعين الجهاد في أربعة مواضع :

(أحدها) : إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.

(الثاني) : إذا حضر الصف حرم عليه الانصراف لقوله تعالى:)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَار[.

(الثالث) : إذا استنفرهم الإمام لقول تعالى: )مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ( ، وقوله النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا استنفرتم فانفروا"أ.هـ.

(الرابع) : إذا احتيج إليه بذاته في القتال كمن لا يعرف سلاحاً معيناً سواه.



شرط جهاد الدفع :

نص الفقهاء أن شروط جهاد الطلب تسقط في جهاد الدفع ولكن قول أهل العلم بانتفاء هذه الشروط لا يعني انتفاء شرط القدرة والاستطاعة الذي هو شرط لوجوب جميع العبادات بلا استثناء .


بل حتى كلمة الكفر يجوز إظهارها عند عدم القدرة والعجز

ولذا قال شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى:28/396) : "ومن كان عاجزاً عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للأمة ومحبة الخير وفعل ما يقدر عليه من الخير ، لم يكلف ما يعجز عنه"أ.هـ.


وقال(الفتاوى الكبرى:5/537): "والجهاد منه ما هو باليد ، ومنه ما هو بالقلب ، والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة ، فيجب بغاية ما يمكنه"أ.هـ.


وقال شيخنا محمد العثيمين عن الجهاد(لقاء الباب المفتوح:2/420- سؤال42) : "إذا كان فرض كفاية أو فرض عين ؛ فلا بد لـه من شروط. من أهمها : القدرة ، فإن لم يكن لدى الإنسان قدرة فإنه لا يلقي بنفسه إلى التهلكة"أ.هـ. وقال(لقاء الباب المفتوح:2/261- سؤال 977) :"لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ما يستطيعون به جهاد الكفار ، حتى ولا جهادمدافعة "أ.هـ.


ضوابط لجهاد الدفع


الضابط الأول : ليس مقصود أهل العلم بشرط القدرة في جهاد الدفع بأن يترك المسلمون عدوهم يفعل ما شاء من قتل سلب وهتك للأعراض ؛ لأننا إذا تيقنا من أن العدو الكافر سيفعل ذلك لا محالة وجب الدفع عن النفس والعرض حتى المرأة ولو قتلت.


الضابط الثاني : أن نصرة المسلم لأخيه إذا اعتـدى عليه الكفار من جهاد الدفع الواجب على الأعيان ، لكن هذه النصرة الواجبة ليست مطلقة بل مقيدة بقيود ، منها :

1- عند العجز عن النصرة.

2- وجود العهد لبعض المسلمين مع هؤلاء الكفار ، لقوله لله u عن المؤمنين]وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ[ .

وقال شيخنا صالح الفوزان لما سئل هل : يجوز للمسلمين المعاهدين مناصرة المسلمين الذين اعتدي عليهم من عاهدوهم (شرح نواقض الإسلام:167) :"لا يجوز نقض العهد إلا إذا كان فيه شرطٌ : أنكم إذا قاتلتم المسلمين فإنه ينتقض العهدُ الذي بيننا وبينكم"أ.هـ.


3- أن يكون قتال المسلمين للكفار قتالاً دينياً لإعلاء كلمة الله وتحقيق التوحيد ، لا لمقاصد دنيوية كتحرير الأرض أو لعصبية قبلية أو لتحقيق طموح سياسي ، ففي مثل هذه الحالات تكون النصرة لهؤلاء غير واجبة لقوله تعالى :"]وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ[[الأنفال:72] ، قال العلامة عبد الرحمن السعدي: "قوله تعالى:"]وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ[ أي : لأجل قتال من قاتلهم لأجل دينهم ]فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ[ ، والقتال معهم. وأما من قاتلوهم لغير ذلك من المقاصد فليس عليكم نصرهم"أ.هـ.


4 - قد يمتنع المسلم من نصرة أخيـه المسلم حتى في جهاد الدفع إذا كان ثمَّ مصلحة أعظم تمنع ذلك ولذا نص الفقهاء على أن محل تعين جهاد الدفع على من بقرب الذين هجم عليهم من المسلمين إن لم يخشوا على نسائهم وبيوتهم من عدو بتشاغلهم بمعاونة من فجأهم العدو , و إلا تركوا إعانتهم.


الضابط الثالث : نص كبار العلماء المعاصرين على أن العصر الذي نعيش فيه يكون الجهاد بالدعوة والعلم أخص من الجهاد باليد والسيف لضعف المسلمين ، ولأن القتال يعود عليهم في الغالب بنقص في دينهم ودنياهم.

الضابط الرابع : ما ذكره العلماء من جواز الخروج دون أذن الحاكم والوالد والغريم في جهاد الدفع للضرورة الموجبة للنفير على الجميع ، لكن هذا محله إذا لم يمكن الاستئذان وخيف من التأخير ضرر كبير ، فأما إذا أمكن ذلك دون ضرر فإنه يجب بناء على الأصل خاصة فيما يتعلق في أذن الإمام ، فإذن الإمام لا يسقط إلا مع العجز ، ولذا قال عبدالله ابن الإمام أحمد (مسائل عبدالله لأبيه:2/25: "قلتُ لأبي : فإن خرجوا بغير إذن الإمام ؟ قـال : لا , إلا أن يأذن الإمـام , إلا أن يكون يفاجئهم أمرٌ مِن العدو ولا يُمكِنُهم أن يستأذنوا الإمام فأرجو أن يكون ذلك دفعاً مِن المسلمين".



من يشرع قتاله

باب الجهاد كغيره من أبواب الشريعة لا مدخل للاجتهاد فيه.

وليس للمسلم في ذلك إلا محض التسليم والأتباع ، ولذا فالناس في هذا الباب على قسمين :

القسم الأول :

المعصوم دمه من الكفار

ثلاثة أقسام :

الأول : الذمي الذي أقام بدار الإسلام إقامة دائمة بأمان مؤبّد يجري عليه حكم الإسلام.

الثاني : المعاهد المقيم بداره وبينه وبين أهل الإسلام عهد فلا يجري عليه أحكام الإسلام.

الثالث : المستأمن وهو الكافر الحربي الذي يدخل دار الإسلام بغير استيطان بأمانٍ مؤقت. بل حتى في الحرب لو فهم الكافر الأمان حرم دمه.


القسم الثاني :

المباح دمه من أهل القبلة

ثلاثة أقسام :

الأول : قطاع الطرق وهم قوم امتنعوا من طاعة الإمام وخرجوا عن قبضته بغير تأويل.

الثاني : البغاة وهم قوم يخرجون عن الإمام يريدون خلعه لتأويل وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش ، فيجب على الناس معونة إمامهم في قتالهم.

الثالث : الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية أن قتال الخوارج ليس كقتال البغاة.



يتبع ...