أقسام النذر
الأول: ما يجب الوفاء به، وهو نذر الطاعة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يطيع الله، فليطعه" (رواه البخاري).

الثاني: ما يحرم الوفاء به، وهو نذر المعصية، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (رواه البخاري)، وقوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله" (رواه مسلم).[1]

الثالث: ما يجري مجرى اليمين، وهو نذر المباح، فيخير بين فعله وكفارة اليمين، مثل لو نذر أن يلبس هذا الثوب، فإن شاء لبسه وإن شاء لم يلبسه، وكفر كفارة يمين.[2]

الرابع: نذر اللجاج والغضب، وسمي بهذا الاسم، لأن اللجاج والغضب يحملان عليه غالباً، وليس بلازم أن يكون هناك لجاج وغضب، وهو الذي يقصد به معنى اليمين، الحث، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب.
مثل لو قال: حصل اليوم كذا وكذا، فقال الآخر: لم يحصل، فقال: إن كان حاصلاً، فعلي لله نذر أن أصوم سنة، فالغرض من هذا النذر التكذيب، فإذا تبين أنه حاصل، فالناذر مخير بين أن يصوم سنة، وبين أن يكفر كفارة يمين، لأنه إن صام فقد وفى بنذره، وإن لم يصف حنث، والحانث في اليمين يكفر كفارة يمين.[3]

الخامس: نذر المكروه، فيكره الوفاء به، وعليه كفارة يمين.

السادس: النذر المطلق، وهو الذي ذكر فيه صيغة النذر، مثل أن يقول: لله علي نذر، فهذا كفارته كفارة يمين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين".[4]
_______________________________
[1] وهل تجب الكفارة خلاف بين العلماء وقد جاء عند الترمذي وغيره عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين.
قال النووي في الروضة : حديث لا نذر في معصية وكفارته كفارة اليمين ضعيف باتفاق المحدثين. قال الحافظ : قد صححه الطحاوي وأبو علي بن السكن فأين الاتفاق ؟ انتهى .
وصححه الألباني ايضاً.
وقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : النذور أربعة : من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر في معصية فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر نذرا فيما لا يطيق فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر نذرا فيما يطيق ، فليوف بنذره ... أخرجه ابن أبى شيبة فى " المصنف " (3/472). وصححه الألباني موقوفاً.


[2] وإيجاب الكفارة عليه فيه نظر فقد روى البخاري من حديث ابن عباس t: بينما النبي r يخطب ، إذا هو برجل قائم ، فسأل عنه ; فقالوا : أبو إسرائيل ، نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم . فقال مروه ; فليتكلم ، وليستظل ، وليقعد ، وليتم صومه.
فلم يلزمه النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة وهو اختيار شيخ الإسلام.

[3] عن عمران بن حصين ; قال : سمعت رسول الله r يقول : لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين " رواه سعيد في سننه . وقد حكم العلامة الألباني باضطرابه وفيه محمد بن الزبير وهو متروك فلا يصح.

[4] الحديث رواه مسلم دون قوله: (لم يسم) وصح من قول ابن عباس رضي الله كما تقدم.

[*] لم يتطرق الشيخ في هذا الموضع لمسالة النذر المقيد كأن يقول لله علي نذر لو شفي ولدي لأذبحن شاة أو نحوه وهو مكروه لحديث ابن عمر في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل.
قال النووي فمعناه : أنه لا يأتي بهذه القربة تطوعا محضا مبتدئا وإنما يأتي بها في مقابلة شفاء المريض وغيره مما تعلق النذر عليه

(**)كذلك النذر فيما لا يملك روى مسلم عن عمران لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد ..
قال النووي وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا فيما لا يملك العبد ) فهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه ، بأن قال : إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان ، أو أتصدق بثوبه أو بداره أو نحو ذلك .
فأما إذا التزم في الذمة شيئا لا يملكه فيصح نذره ، مثاله : قال : إن شفى الله مريضي فلله علي عتق رقبة ، وهو في ذلك الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها ، فيصح نذره ، وإن شفي المريض ثبت العتق في ذمته .

(***) وهنا فائدة ذات صلة:
قال الشيخ صالح آل الشيخ وتارة يكون النذر مطلقا، وتارة يكون بالمقابلة مُقيّد، والنذر المطلق غير مكروه، والنذر المقيد مكروه.
لهذا استشكل جمع من أهل العلم؛ استشكلوا كون النذر عبادة مع أن النذر مكروه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في النذر «إنه لا يأتي بخير وإنما يُستخرج به من البخيل» يقولون: إذا كان مكروها كيف يكون عبادة؟ ومعلوم أن العبادة يحبها الله جل وعلا، والنذر يكون مكروها كما دل عليه هذا الحديث، فكيف إذا كان مكروها يكون عبادة؟ وهذا الاستشكال منهم غير وارد أصلا؛ لأن النذر ينقسم إلى قسمين: نذر مطلق، ونذر مقيد.
النذر المطلق: لا يكون عن مقابلة، وهذا غير مكروه، أن يوجب على نفسه عبادة لله جل وعلا بدون مقابلة، فيقول لله عليَّ نذر، مثلا يقول قائل: لله عليَّ نذر أن أصلّي الليلة عشرة ركعات طويلات. بدون مقابلة، هذا إيجاب المرء على نفسه عبادة لم تجب عليه دون أن يقابلها شيء، هذا النوع مطلق، وهذا محمود.
النوع الثاني المكروه: وهو ما كان عن مقابلة، وهو أن يقول قائل مثلا: إن شفى الله جل وعلا مريضي صُمْتُ يوما، إن نجحت في الاختبار صليت ركعتين، إن تزوجت هذه المرأة تصدقت بخمسين ريالا -مثلا- أو بمائة ريالا. هذا مشروط يوجب عبادة على نفسه، مشروطة بشيء يحصل له قدرا، من الذي يحصل الشيء ويجعله كائنا؟ هو الله جل وعلا. فكأنه قال إن أعطيتني هذه الزوجة، وإن يسرت لي الزواج بها، صليت لك ركعتين أو تصدقت بكذا. إن أنجحتني في الاختبار صمت يوما ونحو ذلك، وهذا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام «إنما يُستخرج به من البخيل» لأن المؤمن المقبل على ربه ما يعبد الله جل وعلا بالمقايضة، يعبد الله جل وعلا ويتقرب إليه لأن الله يستحق ذلك منه، فهذا النوع مكروه. النوع الأول محمود، وهذا النوع مكروه.

وهناك مسائل أخرى متصلة بهذا المبحث لعل الإخوة يضيفونها.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.