ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية
جاري التحميل...
جاري التحميل...

النتائج 1 إلى 7 من 7
  1. #1

    افتراضي «القول المفيد في وجوب التجويد»

    القول المفيد في وجوب التجويد


    فإن سأل سائل عنْ حكم تجويد القرآن الكريم؛ نقول وبالله التوفيق:
    إنه واجب وجوباً عينيا على كلّ مكلف يريد قراءة القرآن الكريم, سواءُ أكان ذكراً أم أنثى, وذلك للأمر به في القرآن المجيد, والسنة النبوية, وإجماع علماء السّلف.
    1. أما القرآن:
    فقولـه سبحانه وتعالى: { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } (المزمل: من الآية4) والترتيل: تجويد الحروف, ومعرفة الوقوف. وهو تفسير على بن أبي طالب أحد الخلفاء الرّاشدين, والأئمة المهديين, الذين أمرنا باتباع سنتهم وسبيلهم.
    و معلوم أن تجويد الحروف لا يكون بغير معرفة أحكام القراءة واتباع صفة القراءة المتلقاة من صاحب الرّسالة, إمام القرّاء قاطبة: إنسهم وجنّهم, وعربهم وعجمهم, محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم, والأمر في الآية على الوجوب؛ كما هو مذهب جمهور علماء الأصول, إذ أن الأمر يقتضي الوجوب إلا لقرينة تصرفه عن ذلك للندب, كما هو مقررٌ في علم أصول الفقه, ولا نعلم قرينة تصرف هذا الأمر في الآية من الوجوب إلى الندب أو الاستحباب, فيبقى الأمر على الأصل, وهو: الوجوب.
    و من الأدلة أيضا قولـه سبحانه وتعالى:{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ}(البقرة: من الآية121) وحقَّ التلاوة: لا يكون من غير تجويد, وحسن أداء, إذ بدونهما يذهب حقّ التلاوة, وتصبح التلاوة هذرمة, وفحشاً, وتعسفاً في الأداء والقراءة؛ فإن كلام الله ليس ككلام البشر, فكلام الله له صفة يتلى بها لا يجوز العدول عنها.
    و قد مدح الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة عباده الذين يقرؤون القرآن حقّ قراءته, ويتلونه حقّ تلاوته, وفي هذا إشارة إلى وجوب اتباع صفة التلاوة التي نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وتلقتها الأمة منه صلى الله عليه وسلم, وأن على القارئ أن يعطيها حقها المطلوب في الآية الكريمة, وفيها ثناء الله ومدحه ومحبته لمن أدى هذه الصفة؛ وتلقاها قراءةً وإقراءاً.
    و من الأدلة قولـه سبحانه وتعالى: { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } ففي هذه الآية بيان من الله سبحانه وتعالى أن الترتيل صفة تكلّم الله بالقرآن, فمن قرأ القرآن مرتلا, فإنما تلاه على نحو ما رتّله الله سبحانه وتعالى , وأمر بترتيله, وبذلك أوحى الله به إلى جبريل عليه السلام , وجبريل نقل هذه الصّفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, والنبي علّمها أصحابه, وهكذا أخذها التابعون عن الصحابة إلى أن وصلت إلينا على حالها دون تبديل أو تحريف.
    فالترتيل في قولـه سبحانه وتعالى : { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا } صفة أزلية لكلام الله سبحانه وتعالى غير مخلوقة, وهذا معتقد أهل السنة والجماعة من السّلف, فيجب القراءة بهذه الصفة المتلقاة عن ربّ العزة والجلال, وقد ضلّ أقوام(1) زعموا أن القرآن هو الكلام النّفسي لله سبحانه وتعالى وغيرهم كانوا أكثر منهم ضلالاً؛ حيث قالوا بخلق القرآن الكريم, وعلى رأس أولئك الجهمية والمعتزلة ومن لفَّ لفهم.
    و من الأدلة: - أيضا- من القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى:{ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}(الزمر:2 فمن قرأ القرآن بغير تجويد ولا ترتيل؛ فقد خالف هذه الصّفة, وهي: كونه عربياً؛ لأن اللحن والخطأ في القراءة يتنافيان وفصاحة القرآن العربيّ, الذي هو حجة على اللغة وأهلها, فمن قرأه من غير ترتيل؛ فإنما قرأه على عوج؛ لأن الترتيل: تجويد الحروف, ومعرفة الوقوف, فقراءة القرآن بسلامة واستقامة تنفي عنه صفة العجمة, وهذا لا يكون إلا بترتيله وتجويده.
    2. أمّا الأدلة من السّنة فكثيرة, منها:
    • سئل أنس رضي الله عنه :« كيف كانت قراءة النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مدّاً مدّاً, ثمّ قرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }
    • يمد { بِسْمِ اللَّهِ }, ويمدّ بـ { الرَّحْمَنِ }، ويمدّ بـ { الرَّحِيمِ }.
    قلتُ: والمدّ في {بِسْمِ اللَّهِ } أي في لفظ الجلالة، ويمد مدّاً طبيعياً حال الوصل, ويمد من حركتين إلى ست حركات حال الوقف, ومثله : { الرَّحْمَنِ }, و{ الرَّحِيمِ }.
    • و عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقطِّع قراءته، يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم يقف، ثم يقول: { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ثم يقف»(2).
    قلت: أفاد الحديث أنّ الوقوف على رؤوس الآي سنّة نبوية كريمة؛ ولو كان للآية الموقوف عليها تعلّق بما بعدها، خلافاً لمنع كثير من القرّاء، فإن في ذلك مخالفة لسنّة الوقوف على رؤوس الآي, التي كان يلتزمها صلى الله عليه وسلم في قراءته كلّها, كما أفاده حديث أم سلمة رضي الله عنها.
    • وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة من القرآن على أبي بن كعب معلّماً مرشداً، فعن أنس رضي الله عنه قال: « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} قال: وسمّاني لك؟! قال: نعم قال: فبكى»(3).
    قال النووي رحمه الله: «واختلفوا في الحكمة في قراءته على أُبيّ، والمختار أن سببها أن تستن الأمة بذلك في القراءة على أهل الإتقان والفضل, ويتعلّموا آداب القراءة, ولا يأنف أحد من ذلك وقيل: للتنبيه على جلالة أبي وأهليته لأخذ القرآن عنه, وكان بعده صلى الله عليه وسلم رأساً وإماماً في إقراء القرآن, وهو أجلّ ناشرته أو من أجلّهم».
    • و أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه ما تيسّر من القرآن، فقال له ابن مسعود رضي الله :
    يا رسول الله ! أقرأ عليك, وعليك أُنزل؟, قال:« إني أشتهي أن أسمعه منْ غيري، فقرأتُ عليه النساء حتّى إذا بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} (النساء:41) فقال: حسبك، فرفعتُ رأسي؛فإذا عيناه تذرفان»(4).
    فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله على صفةٍ مخصوصةٍ هي التي أمر بها في كتابه، وهو نفسه (أي ابن مسعود) الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقرأ القرآن كما أنزله الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل؛ فليقرأه على قراءة ابن أمِّ عبد»(5), فهو إقرار من الرّسول صلى الله عليه وسلم لابن مسعود على قراءته الصّحيحة السّليمة المرتلة المجوّدة، وهي دعوة للأمّة - أيضا - أن تقرأ القرآن على نحو ما أنزل، ولا يقرأُ القرآن كما أنزل إلاّ بالتلقي والسّماع من أفواه أئمة القراءة المتقنين, ومنهم ابن مسعود رضي الله عنه .
    • و أمر صلى الله عليه وسلم أن يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله.
    • و أمر صلى الله عليه وسلم أن نزيّن القرآن بأصواتنا، والتزيين إنما يكون بترتيل القرآن الذي يلزم منه تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف وهما حلية التلاوة، إذ بدونهما لا يتحقّق أمره - عليه الصلاة والسّلام- بقولـــــه :«حسّنوا القرآنَ بأصواتكم؛فإنّ الصوت الحسن يزيدُ القرآنَ حُسناً»(6).
    • و من أقوى الأدلة على الوجوب ما رواه سعيد بن منصور في سننه أن عبد الله بن مسعود كان يُقرئ رجلاً، فقرأ الرجل: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } (التوبة: من الآية60) مرسلة(7) فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فـقال كيف أقرأكها يا أبا عبد الرّحمن؟ فقال: { لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } فمدّها(.
    قال الإمام الكبير ابن الجزري(9) بعد إيراده هذا الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم:«هذا الحديث جليل حجة ونص في هذا الباب (أي باب وجوب التجويد) رجال إسناده ثقات, رواه الطبراني في معجمه الكبير».
    قلت: وقد كنت في شوقٍ شديدٍ لمعرفة صحة هذا الحديث الذي قوّاه ابن الجزري رحمه الله , فعرضته على شيخي وأستاذي - إمام العصر في علم الحديث- : أبي عبد الرحمن محمّد ناصر الدّين الألباني - نصر الله به دينه، وأعلى به كلمته - فنظر في إسناده؛ فأخبرني بعد حين أنّ الحديث صحيح- ولله الحمد- فوافق ابن الجزري على تصحيحه، ولمّا أخبرني شيخي الألبانيّ أنه أودعه في (سلسلته الصحيحة) برقم (2237) فرحتُ جدًّا لأمور؛ منها:
    • أنّ هذا الحديث ردٌّ ملزمٌ للمتشدقين، الذين يهرفون بما لا يعرفون، فينكرون التجويد أو بعض قواعده وأصوله.
    • أنّني كنتُ سبباً في تصحيح الشيخ رحمه الله له، ووضعه في (سلسلته).
    • تأكدت قناعتي واعتقادي بصحته بعد أن ذهب شيخنا - محدّث العصر-, فوافق شيخ المقرئين ابن الجزري رحمه الله ، رحم الله ابن الجزري؛ فقد كان إماماً في الحديث ولم يكن إماماً في القراءات فحسب!
    * قال شيخنا العلاّمة عبد الفتاح المرصفيّ رحمه الله :« فابن مسعود الذي كان أشبه الناس سمتاً ودلاً برسول الله صلى الله عليه وسلم أنكر على الرّجل أن يقرأ كلمة: { لِلْفُقَرَاءِ } من غير مدّ، ولم يرخص له في تركه، مع أنّ فعله وتركه سواء في عدم التأثير على دلالة الكلمة ومعناها؛ ولكن لأنّ القراءة سنّة متبعة يأخذها الآخر عن الأول كما قال زيد بن ثابت رضي الله عنه واستفاض النقل عنه بذلك أنكر ابن مسعود رضي الله عنه على الرّجل الذي قرأ بغير قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، التي أقرأ بها أصحابه رضي الله عنهم جميعاً، فدلّ ذلك على وجوب تعلّم التجويد، واتباع أحكامه عند التلاوة، لدلالة مثل هذا النص بالجزء على الكل»(10).
    قلتُ: جزى الله شيخنا العلاّمة المرصفيّ رحمه الله خيراً على هذا البيان الذي يقطع جهيزة كلّ من شذّ فخالف: ما أجمعت عليه الأمّة من وجوب تجويد كلام الحق جل جلاله .
    * وللعلماء رحمهم الله في وجوب التجويد وترتب الإثم على تركه تفصيل حسن يجدر ذكره وبيانه، فهم يقسمونه إلى قسمين:
    1. واجب:
    و هو ما يتوقف عليه صحة النّطق بالحرف، فالإخلال به يغيّر الكلمة أو يفسد معناها، وذلك مثل معرفة مخارج الحروف وتحقيقها، ومعرفة الصفات التي تتميز بها بعض الحروف؛ كالاستعلاء، والإطباق في الطاء, وكالتفشي في الشين، ومثل: إظهار المظهر، وإدغام المدغم، وتفخيم المفخم، وترقيق المرقق، ومدّ ما يجب مدّه، وقصر ما يلزم قصره، ونحو ذلك من الأحكام المتعلّقة ببُنية الكلمة، فمن أخلّ بشيء من ذلك فقد أخلّ بالواجب، فيأثم، وهذا القسم من التجويد يلزم كل قارئ للقرآن تحقيقه على قدر طاقته، وبذل وسعه في إتقانه حتى يصحح نطقه بالقرآن، ويسلم من الوقوع في التّحريف في كتاب الله.
    2. صناعي:
    و هو ما يتعلّق بالمهارة في إتقان النّطق الصّحيح، وذلك ببلوغ الغاية في تحقيق الصّفات والأحكام، وضبط مقادير المدود ضبطاً دقيقاً لا يزيد نصف درجة ولا ينقص؛ بل بعض القرّاء يزن المدود بأدق منْ ذلك؛ فيفرق بين ربع الحركة في الزيادة أو النّقص، ويدخل فيه مراعاة المعاني الخفية في الوقوف، فإن ذلك لا يدركه إلاّ المهرة في فهم القرآن، وهذا القسم لا يتعلّق به إخلال بالنّطق، ولذا لا يجب على العامّة إتقانه، ولا يطالبون به، ولا يأثمون بتركه؛ لأنه من أسرار هذا العلم وخفاياه التي لا يدركها إلا ّالمهرة(11).
    قلت: والأول هو الذي يطلق عليه علماء القراءات: «اللحن الجلي» ، أي: الواضح، البين، الظّاهر للعالم والجاهل.
    و الثاني وهو ما يُسمى: «اللحن الخفي»، أي: الذي لا يدركه إلاّ أهل الفن المهرة الكُمّل, ويخفى أمره على غير المشتغلين بهذا العلم قراءةً وإقراءاً.

    كتبه
    محمد موسى آل نصر - هداه الله -

    قلت - علي المالكي-: هناك الكثير مما في كلام موسى نصر السابق أحس بأن فيه تعسفًا في الاستدلال على وجوب التجويد, ولكن أنا نقلته برمته والقارئ يختار منه ما يفيده


    ______________________
    (1) وهم الأشاعرة، وقد سبق الرّد عليهم بتفصيل. انظر الباب الأول (ص:67 ).
    (2) أخرجه أحمد (2/306) وأبو داود (4001) والترمذي(292 وصححه شيخنا في «صحيح الجامع» برقم (4876).
    (3) (15) أخرجه البخاري (3809) ومسلم (799) وأحمد (3/130).
    (4) رواه البخاري (5050) ومسلم(800).
    (5) مضى تخريجه (ص: 92).
    (6) رواه الدّارمي ، والحاكم في مستدركه, وصححه شيخنا في صحيح الجامع برقم (3140).
    (7) أي من غير مدّ.
    ( أخرجه الطبراني في «الكبير» (8677) وابن الجزري في النشر (1/ 313).
    (9) النشر (1/315).
    (10) «هداية القاري إلى تجويد كلام الباري» (ص: 40) لشيخنا في القراءات العشر عبد الفتاح المرصفي رحمه الله تعالى.
    (11) «قواعد التجويد» (ص:26).


    Share

    التعديل الأخير 29-Mar-2012 الساعة 02:52 PM

  2. #2

    افتراضي رد: «القول المفيد في وجوب التجويد»

    وهذه ملحقات بالبحث السابق مهمة جدًّا:

    الملحق الأول:

    أقسام اللحن

    ينقسم اللحن إلى قسمين:
    أ. لحن جلي:
    «و هو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بالقراءة؛ سواء أخل بالمعنى أم لم يخل» (24), أو «هو الخطأ الذي يطرأ على اللفظ فيخل بمبناه إخلالاً ظاهراً يشترك في معرفته علماء القراءة و عامة النّاس؛ سواءٌ أدّى ذلك إلى فساد المعنى أم لم يؤدِّ» (25).
    ب. اللحن الخفي:
    «و هو الخطأ الذي يتعلّق بكمال إتقان النطق لا بتصحيحه, فلا يدركه إلاّ أهل الفنّ الحذاق، و يخفى على العامّة» (26).
    و من أمثلة اللحن الجلي:
    تبديل حرف بآخر، أو حركة بأخرى؛ كضم التاء في: { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}أو فتحها, أو كسرها في نحو: {مَا قُلْتُ لَهُمْ }، و من أمثلة إبدال حرف بآخر ترك الاستعلاء في قولــــه سبحانه وتعالى:{فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى}فيقرؤها :[فإذا جاءت التامّة الكبرى ], و مثله إبدال الضاد بالدّال من قولـــه سبحانه وتعالى:{ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً } و مثله ترك الإطباق في قوله سبحانه وتعالى:{ يَطْبَعُ } و قلبها تاءً.
    وهذا النوع من اللحن لا شكّ في حرمته؛ بل الإجماع قائم على تحريمه و عدم جواز القراءة به, و سيمرّ معنا - إن شاء الله - حكم اللَّحن في القراءة.
    و من أمثلة اللحن الخفي:
    عدم ضبط مقادير المدود تماماً بنقص نصف درجة أو أقل أو أكثر, و عدم المساواة في المد المنفصل, فتارة يقرأه القارئ بالقصر و تارة بالتوسط, و مثله تكرير الرّاءات, و تطنين النّونات, و غير ذلك مما يصعب ضبطه إلاّ على الحذّاق من أهل هذا الفن.
    على أن بعض علماء القراءات يلحقون هذا النوع, و هو: تكرير الرّاءات, و تطنين النّونات، و تغليظ اللاّمات باللحن الجلي الذي يحرم الوقوع فيه, قال شيخنا المرصفي ّ بعد أن ذكر اللحن الخفي بنوعيه:«و الحكم في هذا اللحن بنوعيه التحريم أيضا خلافاً لما ذكره مُلاّ على القاري في شرحه على المقدمة الجزرية حيث قال: و لا شكّ أن هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد، و إنما فيه خوف العقاب و التهديد» (27).
    و قد رجّح شيخنا المرصفيّ رحمه الله ما ذهب إليه البركويّ، حيث قال في شرحه على الدر اليتيم:«تحرم هذه التغيرات جميعها؛ لأنها - وإن كانت لا تخل بالمعنى- لكنّها تخل باللفظ؛ لفساد رونقه و ذهاب حسنه و طلاوته» (2.
    قلت: و لست مع شيخي و أستاذي المرصفيّ رحمه الله فيما ذهب إليه من تأثيم مَن وقع في اللحن الخفي؛ خصوصاً إذا كان هذا اللحن مما تعم به البلوى، و لا يقدر عليه إلاّ الرّاسخون في الإقراء، فإذا كان هذا النوع من اللحن الخفي يقع فيه أئمة من القرّاء صرفوا شبابهم في القراءة والإقراء, فكيف تأثم الأمّة قاطبة لعدم قدرتها على ضبط مثل هذا النوع؟ و هذا اللون من اللحن الخفي بعد إفراغ جهدها في الأخذ و السّماع و التلقي، فلم يسعفها لسانها, و لم يساعدها بيانها على ضبطه، و معلوم أن القرّاء المهرة المتقنون لهذا النوع من الندرة و القلة بمكان, بحيث أصبحوا يعدّون على الأصابع، و مَن مِن القرّاء الذي لا يقع في بعض اللحن الخفي؛ خصوصاً إذا كان دقيقاً؛ كضبط مقادير المدود بكمالها دون نقص و لا زيادة، و لو بنصف درجة أو ربعها؟!!
    و ما ذكره مُلاّ على القاري رحمه الله و كذلك الدكتور عبد العزيز القاري حفظه الله هو الصواب إن شاء الله.
    * قال أستاذنا القاري:« و مثل ذلك (أي اللحن الخفي) عدم ضبط مقادير المدود بأن تنقص نصف درجة أو تزيد، أو عدم المساواة بين مقادير المدود الواحدة في المقرأ الواحد، بأن يوسط المنفصل في موضع و يقصره في الموضع الذي يليه...» (29).
    3. الإجماع:
    و هو الدليل الثالث من أدلة الشّرع, قال شيخ المحققين ابن الجزري:«ولا شك أنّ الأمّة كما هم متعبدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده؛ متعبّدون بتصحيح ألفاظه، و إقامة حروفه على الصّفة المتلّقاة من أئمة القراءة، المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحيّة العربيّة، التي لا تجوز مخالفتها، و لا العدول عنها إلى غيرها» (30), و قال الشيخ محمّد مكي نصر رحمه الله :«فقد اجتمعت الأمة المعصومة من الخطأ على وجوب التجويد من زمان النبي "إلى زماننا، و لم يختلف فيه أحد منهم, و هذا من أقوى الحجج» (31).

    _____________________________
    (24) هداية القاري، لشيخنا المرصفي (ص:47).
    (25) قواعد التجويد، لأستاذنا الدّكتور عبد العزيز القاري (ص:27).
    (26) المرجع السّابق (ص:2.
    (27) هداية القاري (ص: 4.
    (2 نهاية القول المفيد، محمد مكي نصر (ص:29).
    (29) قواعد التجويد (ص:2.
    (30) النشر (1/210).
    (31) نهاية القول المفيد (ص:10)


    Share

    التعديل الأخير 09-Mar-2012 الساعة 02:16 PM

  3. #3

  4. #4

    افتراضي رد: «القول المفيد في وجوب التجويد»

    وهذه نقول إضافية أضيفها إلى البحث السابق زيادة للفائدة:

    النقل الأول:
    عن إمام الفن أبي الخير محمد بن الجزري رحمه الله

    قال رحمه الله في الجزرية:
    والأخذ بالتجويد حتم لازم **** مَن لم يجوِّد(1) القران آثم
    لأنه به الإله أنزلا **** وهكذا منه إلينا وصلا
    وهو أيضاً حلية التلاوة **** وزينة الأداء والقراءة
    وقال في النشر:
    ولا شك أن الأمة كما هم متعبَّدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده متعبَّدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها.
    والناس في ذلك بين محسن مأجور، ومسئ آثم، أو معذور ، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربي الفصيح, وعدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح، استغناء بنفسه، واستبداداً برأيه وحدسه, واتكالاً على ما أَلِفَ مِن حِفْظه, واستكباراً عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه؛ فإنه مقصر بلا شك، وآثم بلا ريب، وغاش بلا مرية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم".
    أما من كان لا يطاوعه لسانه, أو لا يجد من يهديه إلى الصواب بيانه, فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها, ولهذا أجمع من نعلمه من العلماء على أنه لا تصح صلاة قارئ خلف أمي - وهو من لا يحسن القراءة -, واختلفوا في صلاة من يبدل حرفاً بغيره سواء تجانساً أم تقارباً، وأصح القولين عدم الصحة كمن قرأ: الحمد بالعين أو الدين بالتاء أو المغضوب بالخاء أو بالظاء، ولذلك عد العلماء القراءة بغير تجويد لحنا, وعدوا القارئ بها لحانا؛ وقسموا اللحن إلى جلي وخفي، واختلفوا في حده وتعريفه، والصحيح أن اللحن فيهما خلل يطرأ على الألفاظ فيخل, إلا أن الجلي يخل إخلالاً ظاهراً يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرُهم, وأن الخفي يخل إخلالاً يختص بمعرفته علماء القراءة وأئمة الأداء الذين تلقوا من أقوال العلماء وضبطوا عن ألفاظ أهل الأداء الذين ترتضى تلاوتهم ويوثق بعربيتهم ولم يخرجوا عن القواعد الصحيحة والنصوص الصريحة فأعطوا كل حرف حقه ونزلوه منزلته وأوصلوه مستحَقَّه من التجويد والإتقان والترتيل والإحسان.
    قال الشيخ الإمام أبو عبد الله نصر بن علي بن محمد الشيرازي في كتابه "الموضح في وجوه القراءات" في فصل التجويد منه بعد ذكر الترتيل والحدر ولزوم التجويد فيها قال: ((فإن حسن الأداء فرض في القراءة، ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حق تلاوته صيانة للقرآن عن أن يجد اللحنُ والتغييرُ إليه سبيلاً, على أن العلماء قد اختلفوا في وجوب حسن الأداء في القرآن؛ فبعضهم ذهب إلى أن ذلك مقصور على ما يَلْزَمُ المكلفَ قراءتُه في المفترضات؛ فإن تجويد اللفظ وتقويم الحروف وحسن الأداء واجب فيه فحسب. وذهب الآخرون إلى أن ذلك واجب على كل من قرأ شيئاً من القرآن كيفما كان؛ لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجه واتخاذ اللحن سبيلاً إليه إلا عند الضرورة, قال الله تعالى: {قرآنا عربياً غير ذي عوج} انتهى. وهذا الخلاف على الوجه الذي ذكره غريب، والمذهب الثاني هو الصحيح بل الصواب - على ما قدمناه -، وكذا ذكره الإمام الحجة أبو الفضل الرازي في "تجويده", وصوَّبَ ما صوبناه, والله أعلم.

    النشر 1/210

    ______________________
    (1) وأما ما جاء في بعض نسخ الجزرية: من لم يصحح القران آثم
    فنقول:
    أولاً: أكثر نسخ الجزرية على (من لم يجوِّد).
    ثانياً: قال عبد الدائم الأزهري: والنسخة التي ضبطناها على الناظم - رحمه الله -: (من لم يجود), وهي المعتبَرة, ورأيتُ في بعض النسخ: (من لم يصحح) بدل (يجود), والأُولى أحسن؛ إذ التجويد أخصّ من التصحيح. اهـ
    ثالثاً: قال الدكتور غانم قدوري الحمد: يبدو أن الناظم كتبها أوَّلا (يصحح) - كما في النسخة المطبوعة على المخطوطة المؤرَّخة بسنة 800 هـ التي حققها الدكتور أيمن رشدي سويد -, ثم غيَّرَها بعد ذلك إلى: (يجوِّد).
    رابعاً: أنه قوله قبلها: (والأخذ بالتجويد حتم لازم) يوحي بذلك.
    خامساً: كلمة (يجوِّد) واضحة الدلالة على أن الإمام ابن الجزري يرى أن مَن لم يراعِ قواعدَ التجويد فإنه آثِم. بينما كلمة (يصحح) تحتمل أمرين:
    إما أنها بمعنى [التصحيح بمراعاة قواعد التجويد خاصةً], أي أنها بمعنى :(يجود)
    أو أنها بمعنى [التصحيح من اللحن الجلي فقط]
    ولاشك أَن ردَّها إلى المعنى الأول هو الأَوْلى؛ للأمور الأربعة السابقة, ولأن هذا المذهب هو المعروف عن الإمام ابن الجزري أنه يرى أن مراعاة قواعد التجويد واجب شرعي.
    وهذا تعليق للشيخ إيهاب فكري على هذه اللفظة
    http://www.ahl-elathar.net/vb/showthread.php?t=2027


    Share

    التعديل الأخير 21-Dec-2012 الساعة 02:14 PM

    من مواضيع العضو أبو عبد الرحمن علي المالكي أثابه(ـا) الله:


  5. #5

    افتراضي رد: «القول المفيد في وجوب التجويد»

    النقل الثاني:
    عن العلامة أبي بكر أحمد بن محمد بن الجزري (المعروف بابن الناظم) رحمه الله
    قال في شرح منظومة أبيه (الجزرية):

    فأخبر أن مراعاة قواعد التجويد والأخذ بذلك - أي: العمل به - فرض عين لازمٌ على كل قارئ من قراء القرآن, ثم أخبر أن من لم يصحح القرآن آثم, أي: من لم يراعِ قواعدَ التجويد في قراءته عاصٍ آثم بعصيانه, والآثِم معاقَب, فعُلِمَ أن تَرْكَ التجويد حرام؛ لأن الحرام هو الذي يعاقَب على فِعلِه ويثاب على تركه.
    الحواشي المفهمة ص63


    Share

    التعديل الأخير 09-Mar-2012 الساعة 04:58 PM

  6. #6

    افتراضي رد: «القول المفيد في وجوب التجويد»

    النقل الثالث:
    قال العلامة أبو جعفر النحاس (صاحب كتاب الوقف والائتناف):
    والقراءة بالترتيل والمكث واجبة بنص القرآن, والترتيل: التبيين.
    القطع والائتناف ص73


    Share


  7. #7

    افتراضي رد: «القول المفيد في وجوب التجويد»

    التعديل الأخير 10-Mar-2012 الساعة 01:47 PM


يمكنك أيضا زيارة هذه الروابط


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •