حكْمُ الاحْتِفالِ بعيدِ السَّنَةِ الميلادِيَّةِ أَو المشارَكَةِ فيهِ
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولد، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وأزواجه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
قال الله تعالى: لايتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير [آل عمران: 28].

قال الطبري رحمه الله في تفسيره:
وهذا نهي من الله عز وجل المؤمنين أن يتخذوا الكفار أعواناً وأنصاراً وظهوراً ولذلك كسر "يتخذ" لأنه في موضع جزم بالنهي، ولكنه كسر الذال منه للساكن الذي لقيه وهي ساكنة. ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني بذلك: فقد برىء من الله وبرىء الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. "إلا أن تتقوا منهم تقاة ": إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم وتضمروا لهم العداوة ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر ولا تعينوهم على مسلم بفعل. انتهى


وقال تعالى: هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ [آل عمران: 119].
قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى:
يعني بذلك جل ثناؤه: ها أنتم، أيها المؤمنون، الذين تحبونهم يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم، بل يبطنون لكم العداوة والغش. انتهى

ومع اقتراب ما يسمونه عيد رأس السنة، ومع وقوع بعض المسلمين هداهم الله في التشبه بالكفار بالاحتفال بأعياد الكفار وتهنئتهم به، وحضور احتفالاتهم، ونحو ذلك مما يدل على الرضا. لذاكان لزامًا علينا جميعاً أن ننبه الناس إلى ذلك المنكر العظيم.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (أحكام الذمة:1/ 441):
وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالا‌تفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه؛ فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب؛ بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرْج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا‌ قدر للدين عنده يقع في ذلك، وهو لا‌ يدري قبح ما فعل. فمن هنَّأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفرٍ فقد تعرَّضَ لمقْتِ اللهِ وسَخَطِه. انتهى

اعلم رحمك الله: أنّه لا يحِّل لك مشاركة الكفار في أعيادهم و تهنئتهم به وإرسال الهدايا لهم وكل هذا من التشبه بهم قال صلى الله عليه و سلم: من تشبّه بقوم فهو منهم. رواه أبو داود وقال عنه الألباني رحمه الله: حسن صحيح.

وقال عبد الله بن العاص: من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجاناتهم وتشبَّه بهم حتى يموت خسر في يوم القيامة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى - في (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم: 1/ 549):
المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحسُّ والتجربةُ. انتهى

وروى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ليس منا من تشبه بغيرنا. لا تشبَّهوا باليهود ولا النصارى؛ فإنّ تسليم اليهود: إشارة بالأصابع، وتسليم النصارى: الإشارة بالأكف. قال الألباني في صحيح الترمذي: حسن صحيح، ففيه نهي مطلق عن مشابهتهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم: 1/ 546):
مُشابهتهم في بعض أعيادهم تُوجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، وربما أطمعهم ذلك في انتهاز الفرص، واستذلال الضعفاء. انتهى كلامه رحمه الله.


والمسلمون مأمورون بالبراءة من الكفار بشتى أنواعهم، قال تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: 22]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله. رواه الطبراني وصححه الألباني.

وبهذا يظهر لنا جليّاً واضحاً بما سقته من آيات كريمة وأحاديث نبوية شريفة وكلام للعلماء أنه لا يجوز للمسلم الموحّد أن يشارك الكفار في أعيادهم، ويُظهر الفرح والسرور بهذه المناسبة، واللهُ المسؤولُ أنْ يُعِزَّ المسلمين بِدِينهم، ويرزقهم الثبات عليه، وينصرهم على أعدائهم.

اللهم ربنا يا عزيزُ أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركين.
وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.
كتبه أبو إسلام سليم بن علي بن عبد الرحمن الجزائري