تنبيــه
قد قدّمنا في سورة «بني إسرٰئيل»، في الكلام على قوله تعالىٰ: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ}، أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن؛ كما قال ابن مٰلك في «الخلاصة»: المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن
وأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر، وزمن ونسبة.
وإذا علمت ذلك، فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعًا، وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، وتارة إلى الزمن الكامن فيه.
فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن فيه، قوله تعالىٰ هنا: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ}، ثم قال: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ}، أي: ذلك الإدناء المفهوم من قوله: {يُدْنِينَ}.
ومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالىٰ: {وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ}، فقوله: {ذٰلِكَ} يعني زمن النفخ المفهوم من قوله: {وَنُفِخَ}،أي: ذلك الزمن يوم الوعيد.
ومن الأدلّة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرّر في الأصول، من أن خطاب الواحد يعمّ حكمه جميع الأُمّة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب، وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة «الحجّ»، في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا في ذلك؛ لأن خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لواحد من أُمّته يعمّ حكمه جميع الأُمة، لاستوائهم في أحكام التكليف، إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالَّة على عموم الحكم؟ خلاف في حال لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم، أن خطاب الواحد لا يعمّ؛ لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم. ولكن أهل هذا القول موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد وذلك الدليل بالنص والقياس.
أمّا القياس فظاهر، لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي. والنص كقوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء:«إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة».
قالوا: ومن أدلّة ذلك حديث: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة». قال ابن قٰسم العبادي في الآيات البيّنات: اعلم أن حديث «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»، لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي، وقال: حسن صحيح. والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، قوله صلى الله عليه وسلم في مبايعة النساء: «إني لا أصافح النساء»، وساق الحديث كما ذكرناه، وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس، عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة»، وفي لفظ: «كحكمي على الجماعة»، ليس له أصل بهذا اللفظ؛ كما قاله العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في «الدرر» كالزركشي: لا يعرف. وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه، نعم يشهد له ما رواه الترمذي والنسائي من حديث أُميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي: «ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة»، ولفظ الترمذي: «إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة»، وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها لثبوتها على شرطهما، وقال ابن قٰسم العبادي في «شرح الورقات الكبير»: «حكمي على الواحد» لا يعرف له أصل إلى آخره، قريبًا مما ذكرناه عنه، انتهى.
قال مقيّده ــ عفا اللَّه عنه وغفر له ــ : الحديث المذكور ثابت من حديث أُميمة بنت رقيقة بقافين مصغّرًا، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أُمّها، وهي أخت خديجة بنت خويلد، وقيل: عمتها، واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم، ابن عبد اللَّه بن عمير التيمي، تيم بن مرّة. وأشار إلى ذلك في «مراقي السعود»، بقوله:
خطاب واحد لغير الحنبل من غير رعى النص والقيس الجلي
انتهى محل الغرض منه.
وبهذه القاعدة الأصولية التي ذكرنا، تعلم أن حكم آية الحجاب عام، وإن كان لفظها خاصًّا بأزواجه صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه، أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة، كما رأيت إيضاحه قريبًا.
ومن الأدلّة القرءانيّة الدالَّة على الحجاب، قوله تعالىٰ: {وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنّسَاء ٱللاَّئِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرّجَـٰتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ}؛ لأن اللَّه جلَّ وعلا بيَّن في هذه الآية الكريمة أن القواعد أي العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا، أي: لا يطعمن في النكاح لكبر السن وعدم حاجة الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهنّ، بشرط كونهن غير متبّرجات بزينة، ثمّ إنه جلَّ وعلا مع هذا كله قال: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ}، أي: يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي: واستعفافهن عن وضع ثيابهن مع كبر سنهنّ وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرّجات بزينة خير لهن.
وأظهر الأقوال في قوله: {أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ}، أنه وضع ما يكون فوق الخمار، والقميص من الجلابيب، التي تكون فوق الخمار والثياب.
فقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ} ، دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح، لا يرخّص لها في وضع شىء من ثيابها ولا الإخلال بشىء من التستّر بحضرة الأجانب.
وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت أن القرءان دلَّ على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه صلى الله عليه وسلم، فلا شكّ أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامّة وعدم التدنّس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرّج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهنّ في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمّن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأُمّة محمّد صلى الله عليه وسلم مريض القلب؛ كما ترى.
واعلم أنه مع دلالة القرءان على احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، قد دلّت على ذلك أيضًا أحاديث نبوية، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي اللَّه عنه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إيّاكم والدخول على النساء»، فقال رجل من الأنصار: يا رسول اللَّه ــ صلى الله عليه وسلم ــ أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت». أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب «النكاح»، في باب: لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم الخ. ومسلم في كتاب «السلام»، في باب: تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، فهذا الحديث الصحيح صرّح فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالتحذير الشديد من الدخول على النساء، فهو دليل واضح على منع الدخول عليهنّ وسؤالهن متاعًا إلا من وراء حجاب؛ لأن من سألها متاعًا لا من وراء حجاب فقد دخل عليها، والنبيّ صلى الله عليه وسلم حذَّره من الدخول عليها، ولما سأله الأنصاري عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرمًا لزوجته، كأخيه وابن أخيه وعمّه وابن عمّه ونحو ذلك، قال له صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت»، فسمّى صلى الله عليه وسلم دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت، ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير؛ لأن الموت هو أفظع حادث يأتي على الإنسان في الدنيا، كما قال الشاعر:
والموت أعظم حادث مما يمرّ على الجبله
والجبلة: الخلق، ومنه قوله تعالىٰ: {وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلاْوَّلِينَ}، فتحذيره صلى الله عليه وسلم هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالىٰ: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ} عام في جميع النساء، كما ترى. إذ لو كان حكمه خاصًّا بأزواجه صلى الله عليه وسلم لما حذر الرجال هذا التحذير البالغ العامّ من الدخول على النساء، وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهنّ ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن والخلوة بهن كلاهما محرّم
تحريمًا شديدًا بانفراده، كما قدّمنا أن مسلمًا رحمه اللَّه أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها، فدلّ على أن كليهما حرام. وقال ابن حجر في «فتح الباري»، في شرح الحديث المذكور: «إياكم والدخول»، بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور ليتحرّز عنه؛ كما قيل: إياك والأسد، وقوله: «إياكم»، مفعول لفعل مضمر تقديره: اتّقوا.
وتقدير الكلام: اتّقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية ابن وهب، بلفظ: «لا تدخلوا على النساء»، وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى، انتهى محل الغرض منه. وقال البخاري رحمه اللَّه في «صحيحه»، باب: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}. وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب، عن عروة عن عائشة رضي اللَّه عنها، قالت: يرحم اللَّه نساء المهاجرات الأول، لما أنزل اللَّه: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، شققن مروطهن فاختمرن بها.
حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا إبرٰهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم عن صفيّة بنت شيبة: أن عائشة رضي اللَّه عنها، كانت تقول: لما نزلت هذه الآية {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها، انتهى من صحيح البخاري. وقال ابن حجرفي «الفتح»، في شرح هذا الحديث: قوله: فاختمرن، أي غطّين وجوههن، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنّع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. انتهى محل الغرض من «فتح الباري». وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيّات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالىٰ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن فاختمرن، أي: سترن وجوههن بها امتثالاً لأمر اللَّه في قوله تعالىٰ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، المقتضي ستر وجوههن، وبهذا يتحقّق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنّة الصحيحة المفسّرة لكتاب اللَّه تعالىٰ، وقد أثنت عائشة رضي اللَّه عنها على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر اللَّه في كتابه، ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، إلا من النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنه موجود وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، واللَّه جلَّ وعلا يقول: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ}، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن. وقال ابن حجر في «فتح الباري»: ولابن أبي حاتم من طريق عبد اللَّه بن عثمٰن بن خيثم، عن صفية ما يوضح ذلك، ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن لنساء قريش لفضلاً، ولكن واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشدّ تصديقًا بكتاب اللَّه، ولا إيمانًا بالتنزيل، ولقد أنزلت سورة «النور»: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهنّ امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رءُوسهن الغربان، انتهى محل الغرض من «فتح الباري». ومعنى معتجرات: مختمرات، كما جاء موضحًا في رواية البخاري المذكورة آنفًا، فترى عائشة رضي اللَّه عنها مع علمها وفهمها وتقاها، أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرّحت بأنها ما رأت أشدّ منهن تصديقًا بكتاب اللَّه، ولا إيمانًا بالتنزيل، وهو دليل واضح على أن فهمهنّ لزوم ستر الوجوه من قوله تعالىٰ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، من تصديقهن بكتاب اللَّه وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب اللَّه وإيمان بتنزيله، كما ترى. فالعجب كل العجب، ممن يدّعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنّة ما يدلّ على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر اللَّه في كتابه إيمانًا بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، كما تقدم عن البخاري. وهذا من أعظم الأدلّة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين، كما ترى.
يتبع...