الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
أما بعد:
فقد سود علي الحلبي رسالة بعنوان (عودة إلى السنة)!! وحري أن تسمى (القدوم إلى البدعة) وذلك في عام 1404 هـ وأعاد طباعتها سنة 1413 هـ بمقدمة جديدة، وبين يدي الطبعة الثالثة لسنة 1415 هـ، وهي طبعة جديدة، منقحة ومزيدة!!
قال الحلبي في (ص 19): ربنا جل وعلا لم يتركنا هملا بل تفضل علينا بهذا القرآن المجيد، وضمن لنا حفظه من التبديل والتحريف، وقال في شأنه: ) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (.
فما المخرج ... الخ.
أقول: كلام صحيح لكن فيه خلل كبير ونقص خطير؛ فكما إن الله سبحانه تفضل علينا بهذا القرآن المجيد، وضمن لنا حفظه من التبديل والتحريف؛ كذلك أكرمنا بالسنة المبينة والموضحة لهذا القرآن العظيم، وكذلك حفظها لنا قال الله تعالى: ) إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (.
قال الحلبي في (ص 20): أن العلم النافع هو الذي يصحح الفكر ويصقله، والفكر إذا صح ظهر في السلوك القويم، والعلم والتعليم.
أقول: العلم النافع يصحح الفكر ومن قبله الاعتقاد؛ والفكر إذ صح قد يظهر في السلوك وقد لا يظهر؛ والصحيح أن الاعتقاد السليم الصحيح هو الذي يهذب السلوك ويقوم المسيرة العلمية والتعليمية بل وسائر شؤون الحياة؛ كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) والحديث متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
فأهل العلم من هذا الحديث يستدلون أن صلاح الباطن له أثر في صلاح الظاهر؛ وكثيرًا ما كان الإمام الألباني رحمه الله - الذي أكثر الحلبي من التمسح به - يدندن حول هذا الأمر؛ فليتك تعلمت فبينت.
قال الحلبي في (ص 21): أن أصحاب الدعوات الإسلامية لن يستطيعوا القيام على أقدامهم إلا إذا تسلحوا بالإخلاص والعلم والعمل والالتزام الفعلي بما يمليه عليهم هذا العلم من التغير في أفراد دعوتهم ونظمها وأفكارها، ثم الدعوة ... الخ.
أقول: الإخلاص لابد فيه من متابعة، والإخلاص وحده لا يكفي؛ وقول الحلبي: (والالتزام الفعلي بما يمليه عليهم هذا العلم) لعله فيه إشارة للمتابعة إن قصدها، ولكن ليس الكل يحسن أن يقرأ ما بين السطور.
قال الحلبي في (ص 21): أن توحيد الفهم هو أول خطوات توحيد الصف المسلم وأنفعها، ولن يتصور فكر وفهم أصح وأقوم من فهم الصحابة رضي الله عنهم، ومن تبعهم بإحسان ... الخ.
أقول: بل إن توحيد الاعتقاد هو الأساس واللبنة الأولى والخطوة الرئيسية في توحيد الصف؛ ولنفرض جدلاً إن الفهم توافق، فهل يلزم منه توحيد الصف فضلا عن توحيد الاعتقاد؟!
قال الحلبي في (ص 22): أنه متى تجانست الأفكار والغايات والسبل، وجدت ثمرة المحبة والمودة ... الخ.
أقول: إن تجانس الأفكار لا يلزم منه المحبة والمودة؛ ولعل الأفكار تتفق والهوى يفرق، ولعل الأفكار تتلاقح ولكن لكل وجهة هو موليها، والإيمان الصادق والاعتقاد الصحيح هو الذي يجلب المودة ويلزم المحبة كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))، فالإيمان هو الركن الأساسي لجلب المودة، قال الله عز وجل: ) لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( .
قال الحلبي في (ص 22): هذه الرسالة التي بين يديك هي محاولة عملية من كاتبها وناشرها والمقدم لها لتوحيد الصف الإسلامي على منهج شامل وثيق، كخطوة أولى لتوحيد الفكر الإسلامي على فهم السلف الصالح للكتاب والسنة.
أقول: لعلك أخي الكريم لاحظت معي في هذه الفقرات الخمس الأخيرة - التي ما بين الصفحة 20 إلى الصفحة 22 من مسودته -، كيف ركز الحلبي على كلمة الفكر والأفكار والفكر الإسلامي، ما الذي يريد أن يصل إليه؟!
أخي العزيز سأعطي القوس باريها وأنقل لك كلام العلامة ابن عثيمين رحمه الله حول كلمة فكر إسلامي حيث قال: كلمة ((فكر إسلامي)) من الألفاظ التي يحذر عنها، إذ مقتضاها أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر انتهى.
قال الحلبي في الحاشية (ص 62-63) وهو يترجم للزمخشري: هو أبو القاسم محمود بن عمر ابن محمد له مصنفات عديدة، ولد بزمخشر من خوارزم سنة (538 هـ)، له ترجمة في النجوم الزاهرة (5/274) والمنتظم (1/112) والبداية والنهاية (12/219) ولسان الميزان (6/4).
أقول: هل هذا من الأمانة العلمية أن تخفي حقيقة هذا المبتدع الضال، فالزمخشري معتزلي المذهب، لماذا لم تذكره بوصف البدعة وتكتفي فقط بالإشارة إلى بعض مصادر ترجمته.
فهل تتوقع أن صغار طلاب العلم فضلاً عن عوام المسلمين لهم همة عاليه للرجوع إلى المصادر التي ذكرتها ليتبين لهم بدعته؟!
بل يقول ابن تغري في كتابه النجوم الزاهرة ((النحوي اللغوي الحنفي المتكلم المفسر صاحب الكشاف في التفسير والمفضل في النحو))، لم يُوصف بالبدعة ولا بالاعتزال وإنما أكتاف بقوله: (المتكلم)؛ فهل متكلم يفهم منها عند صغار طلاب العلم فضلاً عن العوام؛ مبتدع؟!
فهل من النصيحة الإشارة إلى مثل هذا المرجع؟!
وسطر الحلبي في الحاشية (ص 57): فمن وصل إلى العلم بإتقان وجوده من طريق الكتب والمصنفات فقد أجزأه، وانظر ما سيأتي (ص 87) ... الخ.
وفي (ص 87) يوجد فصل (مع طلبة العلم في تحصيلهم) أرشد إلى جملة من الكتب وقسمها إلى ثلاث مراحل، خلط وخبط ودس السم في العسل في إرشاده ونصحه.
ذكر من المؤلفين:
فتحي يكن وهو: أحد أبرز قادة حركة الإخوان المسلمين في لبنان.
و مصطفي السباعي وهو: مرشد الإخوان المسلمين في سوريا.
ومحمد قطب وهو: المشرف على نشر كتب شقيقه سيد التي فيها جل أفكار المذاهب المنحرفة، وهو يسير على خطي الأخوان بل من أبرز منظريهم.
ومحمد سليمان الأشقر وهو: من المنتمين لفكر الإخوان المسلمين وقصة طعنه في الصحابي الجليل أبي بكرة معروفه، ورد العلامة عبد المحسن العباد مطبوع ومشهور.
وعمر سليمان الأشقر وهو: مثل شقيقه محمد.
ومراد شكري والمنهج الباطل الذي يسير عليه معلوم وكتابه ((إحكام التقرير لأحكام التكفير)) وما فيه من مخالفة للمنهج السلفي ورد اللجنة الدائمة عليه مشهور.
وسفر الحوالي وهو: معلوم بسيره على الفكر القطبي.
ومحمد نعيم ياسين وهو: أخواني جلد.
والقائمة تطول ذكر عبد الكريم زيدان وحسين العوايشة ومحمد إبراهيم شفرة وسليم الهلالي ومحمود الطحان وغيرهم؛ فهل هؤلاء الآن معرفون بالسلفية؟!
وقال الحلبي في (ص 96): الإمام السيوطي وهو يرشد إلى أحد كتبه وكرر ذلك في (ص 9.
أقول: فهل السيوطي الذي كتبه تنضح بالخرافات والبدع والضلالات وتحريف صفات الله يكون عندك إمامًا؟!
لعل قائلا يقول: يوجد من ذكرت من قد رد عليه الحلبي منذ سنوات؟
أقول: فهل بيَّن أنه كان يشيد بهم في هذه الرسالة؟ وهل أعاد نشرها وقد حذف منها هذه الأخطاء ووضحها؟ أو سطر مقالا يبين ويحذر مما سودته يداه؟
أذكر الحلبي بقول الله عز وجل: ) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (، وقوله سبحانه وتعالى: ) إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (، وقوله عز وجل: ) والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (.
فالإصلاح شرط في توبة من أفسد.
أقول: في هذه المراحل مع هذا اللفيف من المخلطين والمخبطين؛ نجد العلامة الحلبي! قبل نحو ثلاثين عامًا ينصح طلاب العلم بستة عناوين مما سودته يداه، من أصل ست ومائة كتاب، بينما ذكر لشيخ المحدثين في هذا العصر العلامة الألباني رحمه الله أربع كتب، وللعلامة الأصولي الفقيه المفسر ابن سعدي رحمه الله كتاب واحد، وكتاب يتيم أيضًا لعلامة اليمن ومحدثها مقبل الوادعي رحمه الله، وذكر كتابًا لكل من شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد عبد الوهاب وذكر كتابين للعلامة محمد أمان الجامي رحمه الله، بينما نجده لأكثر من واحد ممن خلط ذكر له كتابين!! ومع هذا القائمة من الكتب لم نجد كتابًا واحدًا للعلامة ابن باز ولا للعلامة ابن عثيمين وكذلك العلامة تقي الدين الهلالي والعلامة حافظ حكمي والعلامة النجمي والعلامة زيد المدخلي رحمهم الله، كما لم يذكر كتابًا واحدًا للعلامة الفوزان ولا العلامة عبد المحسن العباد ولا للعلامة ربيع المدخلي ولا للعلامة علي الفقيهي حفظهم الله، وغير هذه الثلة المباركة من أهل العلم والفضل المعاصرين؛ أترك لك أخي المنصف الإجابة على سؤالي، على ماذا يدل هذا الأمر؟!!
أخي القاري أرشدني الله وإياك للحق، إن هذا السفر! الذي سطره الحلبي يقع 111 صفحة من الحجم الصغير، بها سبع صفحات بيض، بداية الكتيب الصفحة 5 وبها أبيات شعرية لمحمد بن إبراهيم الوزير ثم إلى الصفحة 14 يشتمل على المقدمة الثانية ومقدمة المراجع والمقدم له: محمد إبراهيم شقرة، ثم من الصفحة 29 إلى الصفحة 67 نقل كلام للإمام الشوكاني رحمه الله من كتابه ((البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع)) في أثناء ترجمته للعلامة محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله، (لما يجب على طالب العلم معرفته)، تخلله بعض التعليقات للحلبي في الحاشية تطول وتقصر، ومن الصفحة 69 إلى الصفحة 84 فصل (مع العلماء في صبرهم وجهادهم) كله نقول، ليس له فيها إلا صفحة واحدة كاملة وسطر واحد وكلمة، تخلل ذلك بعض العناوين وبعض التعليقات في الحاشية؛ ثم من الصفحة 87 إلى الصفحة 104 فصل (مع طلبة العلم في تحصيلهم)، ثم من الصفحة 105 إلى النهاية فصل (مع المتعلمين في مجلسهم)، أيضًا في هذا الفصل ليس له إلا صفحة واحدة بها تسعة أسطر والباقي كلام منقول لابن حزم رحمه الله، وختم رسالته بصفحة واحدة؛ فالذي أحب أن أوضحه أن خلاصة هذا الرسالة ورقات قليله تخبط فيها الحلبي كل هذا التخبط؛ وبعد هذا التردي، يأتي الحلبي في فاتحة هذه الطبعة فيقول: طبعة جديدة، منقحة ومزيدة، نعم بعد عشر سنوات تقريبًا تجديد لانحرافه ومزيد من ضلاله.
وفي ختام هذا الكلام أحب أن أبين أن الحلبي منذ نعومة أظفاره وهو يتخبط؛ وأن الشيخ الألباني رحمه الله كانت له محاولات في توجيهه ورده، وبعد وفاة الشيخ لم يأخذ بتوجهات أهل العلم الذين لم يدخروا جهدًا في نصحه وإرشاده، فركب الحلبي رأسه لأن الهوى قد أعماه وأصمه وصده عن الصراط المستقيم فأظهره على حقيقته.
هذا والله أعلم، وأسأل الله أن يرحم ضعفنا ويجبر كسرنا وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا أتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يردنا للحق ردًا جميلا، ويجنبنا وجميع المسلمين كيد الفجار وشر الأشرار، والحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الأحد 7 شوال سنة 1435 هـ
الموافق لـ: 3 أغسطس سنة 2014 م