بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه.
أما بعد:
ففي هذا العصر الذي انتشرت فيه المنتديات ووسائل التواصل، فاستغلها البعض أسوء استغلال؛ بها استطاع بعض الذئاب البشرية أن تضع شراكها ليوقع حملا وديعا في هذه الشراك لافتراسه.
فالشيطان له مداخل يستطيع بسببها أن يقرب بين النار والهشيم ليوقد نارا يحرق بها من اتبع خطواته.
فكم بسبب هذه المنتديات وتلك البرامج من أعراض انتهكت؟
وكم بسببها من بيوت قد هدمت؟
وكم من نفوس أزهقت لما علم الزوج أن زوجته تتواصل مع الرجال الأجانب؟
وكم من فتاة ضربت حتى قتلت أو قاربت على الموت لما علم أحد محارمها أنها تتواصل مع الشباب عبر تلك الأجهزة الذكية كما يقال؟
وكم وكم من تلك الجرائم وقعت بسبب الاختلاط التقني والخلوة التقنية عبر برامج التواصل والمنتديات؟
الاختلاط التقني يجر إلي الخلوة التقنية. والخلوة التقنية هي الطريق الموصل للخلوة الحقيقية التي ثالثها الشيطان وهي الخطوة الأولي نحو الفاحشة.
فكم بهذا الاختلاط التقني ضاع من شباب كانوا على استقامة؟
وكم بالاختلاط التقني جر الشيطان من شابات خيرات في مستنقع الرذيلة؟
فالاختلاط التقني والخلوة التقنية بريد لزنا.
فكل من أنشاء مجموعات مختلطة من خلال برامج التواصل وقع فيها ما يغضب الله فهو شريك في الإثم.
فمن وجد اختلاط في هذه المجموعات عليه أن ينسحب، فالسلامة لا يعدلها شيء، ولا يستجرنك الشيطان بأنك ستصلح وتنشر الخير، فكم بهذه الطريقة أوقع الشيطان من مغفل في مستنقع الرذية؟
فالبعد عن الفتنة والهرب منها وصية نبينا عليه الصلاة والسلام، فعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سمع بالدجال فلينأ عنه)) أخرجه أبو داود وأحمد وصححه الإمام الألباني رحمه الله.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في ((تفسير القرآن)): ((وكثير من الناس يأتون إلى مواضع الفتن وهم يرون أنهم لن يفتتنوا؛ ولكن لا يزال بهم الأمر حتى يقعوا في فتنة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدجال: ((من سمع بالدجال فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه))؛ المهم أن الإنسان لا يعرض نفسه للفتن؛ فكم من إنسان وقع في مواقع الفتن وهو يرى نفسه أنه سيتخلص، ثم لا يتخلص)) اهـ.
وهذه جملة من أقوال ونصائح لبعض أهل العلم والفضل حول المراسلات المحرمة بين الجنسين:
قال العلامة ابن عثيمين ـ رحمه الله كما في ((فتاوى المرأة المسلمة)): ((لا يجوز لأي إنسانٍ أن يُرَسِل امرأة أجنبيَّة عنه، لما في ذلك من فتنة ، وقد يظن المراسل أنَّه ليست هناك فتنة، ولكن لا يزال به الشيطَان حتى يغريه بها ويغريها به.
و قد أمر صلى الله عليه وسلَّم من سمع الدَّجَال أن يبتعد عنه وأخبَر أنَّ الرَّجُلَ قد يأتيه وهو مؤمن ولكن لا يزال به الدَّجَال حتى يفته.
ففي مراسلة الشبان للشابات فتنة عظيمة وخطر كبير ويجب الابتعاد عنها وإن كان السائل يقول إنَّه ليس فيها عشق ولا غرام.
أما مراسَلَة الرِّجَال للرِّجَال والنِّسَاء للنِّساء، فليسَ فِيهَا شَيء إلاَّ أَن يَكُونَ هنَاكَ أمرٌ محظور)) اهـ.
وقال العلامة صـالح الفوزان حفظه الله كما في ((المنتقى من فتاوى الفوزان)): ((مراسلة الفتيات؛ الأصل فيها أنها لا تجوز إذا كانت من رجال غير محارم لهن؛ لما يترتب عليها من الفتنة والمحاذير، ولو كانت الفتاة أديبة أو شاعرة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأغلب ما تحصل النتائج الوخيمة بسبب المراسلة بين الشباب والشابات والتعارف المشبوه)) اهـ.
وقالت اللجنة الدائمة كما في ((فتاواها)) (رقم 8593): ((لا تجوز المراسلة بينك وبين شاب غير محرم لك بما يعرف بركن التعارف، لأن ذلك مما يثير الفتنة ويفضي إلى الشر والفساد)) اهـ.
وقال العلامة عبيد الجابري حفظه الله كما في ((موقع سحاب)): ((أحببت أن أنبه على مسألة خطيرة... يقع فيها الكثير من المسلمين والمسلمات وهم منتسبون إلى العلم... وقد عالجنا هذه المسألة لكن أبى كثير من الناس إلا أن يعاند ويرفض النصيحة!! وقد بلغني من خطورة هذه المسألة ما يجد الإنسان حرج من ذكره.. وهذه المسألة هي مسألة المحادثات الفردية والمراسلات الهاتفية عبر الجوالات.
استولى هذا الأمر على كثير من الرجال والنساء بحجة الدعوة، وهي حجة داحضة وعلة فاسدة، ولا يخفى على كل مسلم ومسلمة امتلأت قلوبهم من خشية الله وخوفه أن الخلوة محرمة يعني خلوة الأجانب من الرجال والنساء ببعضهم، وهذا الأمر بما بلغني من آثاره السيئة هو أشد من الخلوة، فإن الخلوة في بيت أو في سيارة تستجلب أنظار الناس أما عبر المحادثات الأنترنتية والمراسلات الهاتفية فإنها خلوة مخفية إلا عن فاطر السموات والأرض والكرام الكاتبين.
لقد شكت كثير من النساء ما شغل به أزواجهن من هذه المحادثات والمراسلات وأنا أذكر لكم بعض الآثار السيئة:
أولاً: ا إذا كانت المحادثات في الغرف مثل إذاعة الدروس السلفية فأنا أقول باسم القائمين على إذاعة الدروس السلفية أحرج عليكم أيها المسلمون هذه المحادثات الفردية، أحرجها عليكم.. أحرجها عليكم.. ولا أحلها لكم.. أقول ذلك لأن عندي ميانة على هذه الإذاعة فأنا أتكلم بحكم الميانة.
ثانيا: فيها إشغال عن العلم، فإنه من يخلو بأنفسهم متحدثين بما راق لهم من الحديث مشغلون أنفسهم عن ما يبث في هذه الإذاعة وغيرها من الدروس العلمية وهذا من الصد عن سبيل الله.
ثالثا: المراسلات الهاتفية هي مجال وسبيل إلى أن يعلق في قلب كل من المتحدثين والمتراسلين في قلب الآخر! وهذا والله سبيل الفتنة ومدخل للشيطان لا يحل لك أيتها المسلمة أن تقضي وقتك مع الأجانب وتراسليهم بحجة الدعوة، إذا كانت لك حاجة اضطررت للسؤال عنها فسلي أهل العلم قدر حاجتك ثم انصرفي.
ثم إن هذه المراسلات وما فيها من تحايا وعبارات رقيقة هذا هو من الخضوع بالقول الذي نهيت عنه أيتها المسلمة، ثم قد تكونين سببا فيما يدب بين الزوجين من الشجار والمخاصمات وسوء العشرة، وقد ينتج عنه الطلاق.
وعلمت أنه في الغرب وكذلك لعله في الشرق وقع المكروه بسبب هذه المراسلات والمحادثات.
ولذا فإني أدعو كل سلفي وسلفية إلى أن يدعوا هذا العمل المشين الذي فتحه الشيطان عليهم وزينه في قلوبهم بحجة العلم ونشر العلم والدعوة، ليس من عادة السلف أنه يلتقي الرجال والنساء ويتذاكرون، وإنما كانت المرأة تسأل العالم عن ما تحتاجه المرأة في دينها وكذلك إذا وجدت عالمة فإنها تجلس من يأتها من الرجال والنساء وتحدث الرجال بحضور محرمها خلف الستار.
هذا ما أحببت التنبيه إليه والله يعلم أني ما أردت إلا النصيحة وأرى أن هذه النصيحة من الواجب لكم علينا أيها المسلمون والمسلمات والله الهادي إلى سواء الرشاد)) اهـ.
وقال العلامة محمد علي فركوس حفظه الله كما في ((موقعه)): ((فمراسَلةُ المرأةِ الأجنبيةِ وتكليمُها ولو بحُجَّةِ التعرُّف أو دعوى الزواجِ غيرُ جائزةٍ شرعًا، سواءٌ بالوسائل العاديَّة أو عبر الإنترنت؛ لِمَا في ذلك مِن فتحِ باب الفتنة، وتوليدِ دوافعَ غريزيةٍ تبعث في النفس حُبَّ الْتِمَاسِ سُبُلِ اللقاءِ والاتِّصال، وما يترتَّب على ذلك مِن محاذيرَ لا يُصان فيها العِرْضُ ولا يُحفظ بها الدِّين، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ))، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: ((فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ))؛ ذلك لأنه مهما احترز مِن الشيطان وعداوتِه له في موضعِ المفسدة فإنه يُوقِعه في المحظور بإغرائه بها وإغرائها به، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر]، وقال تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف].
هذا، والأصلُ وجوبُ إبعادِ مفسدةِ الفتنة والإثارة، ودرؤُها مقدَّمٌ على مصلحةِ التعرُّف والزواج؛ عملًا بقاعدة: (دَرْءُ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ).
والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا)) اهـ.
وقال الشيخ الفاضل حامد بن خميس الجنيبي حفظه الله كما في ((شبكة الآجري السلفية)): ((فيما يتعلّق بالأخوات اللاتي يُشاركن في مثل هذه المواقع التي يكون فيها أحيانًا شيءٌ من التواصل - كما تُسمى بمواقع التواصل الاجتماعي -، فتتواصل مع الرجال بحُجة الدّفاع عن السُنّة والذّب عن السُنة.
فأقول: بارك الله في الجميع، يا أخواتي ويا أختي الفاضلة! لا يجوز لكِ أن تتصدري في مثل هذا البـاب الذي يكون فيه دُخول مع الرّجال في نقاش وفي كلام وفي جدال وفي غير ذلك، بل لا يجوز لكِ – بارك الله فيكِ - أن يكون بينكِ وبين الرّجال نوع من هذا التواصل وإن كان هذا التواصل كما هو ظاهر في كثير من الأحيان هو بين النّاس، وإن كانت هذه المواقع لا تخلو من الرّسائِل الخاصّة - كما هو معلوم -، لكن عمومًا نقول لجميع الأخوات: اِتّقيــن الله - سبحانـه وتعالى - وراقبن الله - سبحانـه وتعالى -، والله لو أن المرأة جلست في بيْتها وليس لها إلاّ أن تستمع إلى أشرطة العُلمـاء وتقرأ في كتبهم فهي على خير وعلى سـداد وصلاح، فلم يكن يُعرف في نِسـاء السّلف: المرأة الفلانيـة التي كانت تخرج إلى فلان وإلى البلد الفلاني وإلى المكان الفلاني للدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-، ولم يكن يُعرف في نساء السّلف من كانت تتصدّر المجالِس، ولا كان يُعرف في نسـاء السّلف من كانت تتصدّر للدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-، هذا ما كان معروف عند نسـاء السّلف. كانت عائِشـة -رضي الله عنها- وأمهات المؤمنين يأتونها السائِلون إلى بيتها -رضي الله عنها- يسألونها بقدر الحاجة ويذهبون، يُسلّمـون عليها ويسألونها -رضي الله عنها ورضي عن سائِر أمهات المؤمنين وسائِر الصحابيات-، فهذا الذي كان موجودًا عندهم، وأمّـا التصدّر للرد على أهل البِدع وأهل الأهواء وغيرهم بهذا النحو في دخول في نقاش مع فلان وفلان فهذا لم يكن يُعرف في نِساء السّلف، فقد كنّ على قدر من العفّة والطُهر والنّقـاء -رضوان الله سبحانه وتعالى عليهن أجمعين-.
فعلى المرأة أن تُراعي هذا الباب وهذا الجانب، وأن تحضي من نفسها بالخير الذي اِرتضاه الله - سبحانه وتعالى - لها: {وَقَرْ‌نَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّ‌جْنَ تَبَرُّ‌جَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىظ°} [الأحزاب: 33]، وهذا النّوع من التواصل اليـوم بين النّسـاء والرّجال هو نوع من التبرج هو نوع من التبرج الذي نهى الله - سبحانه وتعالى - عنه، فإن المقصود من كون المرأة تقرّ في بيتها هي قلّة مُخالطتها للرجال، وقلّة اِفتتـان الرّجال بها، وقلّة اِفتتـانها بالدُنيا، فهذا هو المُراد والمطلوب، فكونها لا تدخل إلى مثل هذه الأماكن وإلى مثل هذه المواقع، ولو دخلت تدخل بقدر الحاجة، لكن أن تتواصل مع الرّجال فهذا نوع من التبرج الذي نهى الله - سبحانه وتعالى - عنه، فإن الله - سبحانه وتعالى - نهى عن خروج المرأة إلى خارج بيتها لغير حاجة نهى عنه - سبحانه وتعالى - وجعل ذلك نوعًا من التبرج؛ وذلك أن الخروج في الحقيقة يكون فيه تواصل مع الرّجال وحاجة إلى التواصل مع الرجال، واطلاع للرجال عليهن، واطلاع لهن على الرجال، فكيف إذا كانت المرأة وهي في بيتها تتواصل مع الرجال وتُكلّم هذا، وترد على ذاك، وهذا ليس من هدي نسـاء السّلف ولا من سمتِ نساء السّلف، ولم يكن نسـاء السّلف على هذا النحو، ولم يكن يفعلن مثل هذا الفعل.
فنصيحتي لأخواتي الفضليـات: أن يتركن هذا الطريق، وإن كنّ سيطلعن على مثل هذه المواقع فيكون مجرد اطلاع على النّافع من ذلك ويتركن الخوض في الرّد على فلان، والكلام مع فلان والخوض مع فلان، هذه النّصيحـة باختصـار والله أعلى وأعلم)) اهـ.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الحميس 23 رجب سنة 1438 هـ
الموافق لـ: 20 أبريل سنة 2017 ف