الحمد لله ولي الصالحين، وزاجر الكذابين، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فالكذب صفة مذمومة، ذمها الله عز وجل في كتابه وذمها رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو من كبائر الذنوب، وهو صفة من صفات الكافرين والمنافقين والفاسقين وكذلك الشياطين.
فلهذا وغيره كان وصف الراوي بالكذب من أشد أنواع الجرح، فيرد حديثه ولو كان كذبه في حديث الناس، وكذلك لا يجلس إليه ويؤخذ عنه العلم.
قال مالك بن أنس رحمه الله: (لا يؤخذ العلم عن أربعة، ويؤخذ عمن سواهم، لا يؤخذ عن رجل يكذب في حديث الناس، وإن كان لا يهم أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخذ عن فاسق معلن فسقه، ولا يؤخذ عن مبتدع يدعو الناس إلى بدعته، ولا يؤخذ عن رجل لا يدري ما يحدث به، وإن كان لا يشك في سماعه).
والشيطان ضرب بسهم وافر من هذه الصفة القبيحة، ومن كذب وعُرف عنه الكذب فقد وقع في التشبه بذاك الخسيس.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة.
قال: فخليت عنه فأصبحت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة)).
قال: قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله.
قال: ((أما إنه قد كذبك وسيعود)).
فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود.
فرحمته فخليت سبيله فأصبحت.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا هريرة ما فعل أسيرك)).
قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله.
قال: ((أما إنه قد كذبك وسيعود)).
فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا تعود ثم تعود.
قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها.
قلت: ما هو؟
قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح.
فخليت سبيله فأصبحت.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما فعل أسيرك البارحة)).
قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله.
قال: ((ما هي؟)).
قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا أحرص شيء على الخير.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة)).
قال: لا.
قال: ذاك شيطان)) أخرجه البخاري.
ومن أنواع الكذب الزيادة في الكلام وهو من خاص إبليس وجنده. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا فأما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوه فيكون باطلا فلما بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال: لهم إبليس ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه و سلم قائما يصلي بين جبلين أراه قال بمكة فلقوه فأخبروه فقال: هذا الذي حدث في الأرض) أخرجه الترمذي.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ وصححه الألباني.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (كان الجن يسمعون الوحي فيستمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا فيكون ما سمعوا حقا وما زادوه باطلا وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك فلما بعث النبي صلى الله عليه و سلم كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمى بشهاب يخرق ما أصاب فشكوا ذلك إلى إبليس فقال ما هذا إلا من أمر قد حدث فبث جنوده فإذا هم بالنبي صلى الله عليه و سلم يصلي بين جبلى نخلة فأتوه فأخبروه فقال هذا الحدث الذي حدث في الأرض) أخرجه أحمد.
قال محقق المسند : إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ومن أنواع الكذب: تعمد خلف الوعد وهو من خاص إبليس وجنده. قال الله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا } [النساء: 120].
قال الإمام الشنقيطي رحمه الله في ((أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن)): ((بين فيه أن مواعيد الشيطان كلها غرور وباطل. كوعده لهم بأن الأصنام تشفع لهم وتقربهم عند الله زلفى، وأن الله لما جعل لهم المال والولد في الدنيا سيجعل لهم مثل ذلك في الآخرة، إلى غير ذلك من المواعيد الكاذبة.
وقد بين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً} [4/120]، وقوله: {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [57/14]، وقوله: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} [14/22]، إلى غير ذلك من الآيات)) اهـ.
ومن أنواع الكذب: الحلف بالله كاذبا وهو من صفات الشيطان الأكبر وأتباعه. قال الله تعالى: {وقاسمهما إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21].
قالت اللجنة الدائمة: ((ولا تغتروا بحلف الكذابين، فقد حلف إبليس اللعين لأبويكم على: أنه لهما من الناصحين، وهو أعظم الخائنين، وأكذب الكذابين، كما حكى الله عنه ذلك في سورة الأعراف، حيث قال سبحانه: {وقاسمهما إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21])) اهـ.
هذا والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم الجمعة 6 شوال سنة 1438 هـ
الموافق لـ: 30 يونيو سنة 2017 ف