الحمد لله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد يبتلي المرء بعاهة من العاهات، بفقد حبيبتيه (عينيه)، أو بتر أحد أطرافه أو أكثر، أو بعرج، أو شلل، أو غير ذلك من العاهات، فيصبح من المعوقين من ذوي الحاجات، فتخر عزيمته وتضعف قوته وتفتر همته، فتركبه الهموم وتلبسه الغموم، فيبيت عالة على أهله وإخوانه.
فهذه نماذج مشرفة وصورا مشرقة، ناطحة السماء، وسمت في العلياء، سطرها لنا التاريخ بمداد من نور، أضعها بين يدي ذوي الحاجات، لتكون لهم نورا يستضاء بهم في دياجير ظلمة العجز، ونبراسا لطريق العز، منهم: المؤذن، وإمام قومه، والمجاهد، وصاحب الفتوى، والعابد:

· نموذج للمؤذن:
عن ابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم))، وكان رجلا أعمى لا ينادي، حتى يقال له: أصبحت، أصبحت؛ متفق عليه.

· نموذج لمن استخلف على رئاسة قومه:
عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس).
أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) وأبو يعلى في ((المسند)) ومن طريقه البيهفي في ((معرفة السنن والآثار)) وبوب عليه (إمامة الأعمى).
قال ابن حجر في ((إتحاف الخيرة المهرة)): هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وصححه الألباني في ((التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان)).

· نموذج لإمام قومه:
وفي رواية عن أنس رضي الله عنه عند أبي داود وغيره ومن طريقه البيهفي في ((السنن الكبرى)) وبوبا عليه (إمامة الأعمى) بلفظ: (استخلف ابن أم مكتوم يؤم الناس وهو أعمى).
قال الألباني: حسن صحيح.
وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن محمود بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه، أن عتبان بن مالك رضي الله عنه، كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى.
فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أين تحب أن أصلي؟)).
فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

· نموذج للمجاهد:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن ابن أم مكتوم رضي الله عنه، كانت معه راية سوداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) وبوب عليه: (حمل الأعمى الراية).
قال ابن القطان رحمه الله كما في ((البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير)): إسناده صحيح.
وقال عبد العظيم آبادي رحمه الله في ((عون المعبود)): وهو حديث حسن.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه يوم القادسية كانت معه راية سوداء وعليه درع له.
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) والطحاوي في ((بيان مشكل الآثار)).
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: جاء عمرو بن الجموح رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال: يا رسول الله من قتل اليوم دخل الجنة؟
قال: ((نعم)).
قال: فوالذي نفسي بيده لا أرجع إلى أهلي حتى أدخل الجنة.
فقال له عمر بن الخطاب: يا عمرو! لا تأل على الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مهلا يا عمر! فإن منهم من لو أقسم على الله لأبره: منهم عمرو بن الجموح يخوض في الجنة بعرجته)).
أخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، وحسنه الإمام الألباني رحمه الله في ((التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان))ـ.
وأخرج أحمد في ((المسند)) عن أبي قتادة أنه حضر ذلك قال: أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة وكانت رجله عرجاء.
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((نعم)).
فقتلوا يوم أحد هو وبن أخيه ومولى لهم فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة)).
فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد.
قال الإمام الألباني رحمه الله في ((أحكام الجنائز)): ((أخرجه أحمد (5/ 299) بسند حسن كما قال الحافظ)) اهـ.
وأخرجه بنحوه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي في ((السنن)) و ((الدلائل)).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في ((زاد المعاد)): ((وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا فلما توجه إلى أحد أراد أن يتوجه معه فقال له بنوه إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد. فأتى عمرو بن الجموح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيدا)) اهـ.

· نموذج للمفتي:
جاء في ترجمة عطاء بن أبي رباح كما في ((تهذيب الكمال)): ((قال محمد بن سعد: كان من مولدي الجند ونشأ بمكة وهو مولى لبني فهر أو الجمح، وانتهت فتوى أهل مكة إليه وإلى مجاهد في زمانهما، وأكثر ذلك إلى عطاء، سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشل أعرج ثم عمي بعد ذلك، وكان ثقة فقيها عالما كثير الحديث، وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود كان عطاء بن أبي رباح أبوه نوبي، وكان يعمل المكاتل، وكان عطاء أعور أشل أفطس أعرج أسود ثم عمي بعد، وعطاء قطعت يده مع ابن الزبير)) اهـ.
قال ربيعة كما في ((تهذيب الكمال)): فاق عطاء أهل مكة في الفتوى.
أخرج ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) عن ابن أبي ليلى قال: (وكان عالما بالحج قد حج زيادة على سبعين حجة).
وعن أبن جريج قال: (كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة وكان من أحسن الناس صلاة). أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)).
وأخرجه الفاكهي في ((أخبار مكة)) وغيره عن إبراهيم بن عمر بن كيسان قال: (أذكرهم في زمن بني أمية يأمرون إلى الحاج صائحا يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح فإن لم يكن عطاء فعبد الله بن أبي نجيح).
وقال ربيعة: (فاق عطاء أهل مكة في الفتوى) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)).

· نموذج للعابد الذاكر لله كثيرًا:
أخرج ابن حبان في ((ثقات)) عن الاوزاعي عن عبد الله بن محمد قال: خرجت إلى ساحل البحر مرابطا وكان رابطنا يومئذ عريش مصر.
قال: فلما انتهيت إلى الساحل فإذا أنا ببطيحه وفى البطيحه خيمة فيها رجل قد ذهب يداه ورجلاه وثقل سمعه وبصره وما له من جارحة تنفعه إلا لسانه وهو يقول: (اللهم أوزعني أن أحمدك حمدا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها على وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا).
قال الاوزاعي: قال عبد الله: قلت: والله لآتين هذا الرجل ولاسألنه أنى له هذا الكلام فهم أم علم أم إلهام ألهم، فأتيت الرجل فسلمت عليه فقلت: سمعتك وأنت تقول: (اللهم أوزعني أن أحمدك حمدا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها على وفضلتني على كثير من خلقت تفضيلا) فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها، وأي فضيلة تفضل بها عليك تشكره عليها،
قال: وما ترى ما صنع ربي والله لو أرسل السماء علي نارا فأحرقتن،ي وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فأغرقتني، وأمر الأرض فبلعتني، ما ازددت لربى إلا شكرا لما أنعم على من لساني هذا، ولكن يا عبد الله إذ أتيتني لي إليك حاجة، قد تراني على أي حالة أنا، أنا لست أقدر لنفسي على ضر ولا نفع، ولقد كان معي ابني لي يتعاهدني في وقت صلاتي فيوضيني، وإذا جعت أطعمني، وإذا عطشت سقاني، ولقد فقدته منذ ثلاثة أيام، فتحسسه لي رحمك الله.
فقلت: والله ما مشي خلق في حاجة خلق كان أعظم عند الله أجرا ممن يمشي في حاجة مثلك؛ فمضيت في طلب الغلام فما مضيت غير بعيد حتى صرت بين كثبان من الرمل فإذا أنا بالغلام قد افترسه سبع وأكل لحمه فاسترجعت، وقلت: أني لي وجه رقيق آتى به الرجل، فبينما أنا مقبل نحوه إذ خطر على قلبي ذكر أيوب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتيته سلمت عليه فرد على السلام.
فقال: ألست بصاحبي.
قلت: بلى.
قال: ما فعلت في حاجتي.
فقلت: أنت أكرم على الله أم أيوب النبي؟
قال: بل أيوب النبي.
قلت: هل علمت ما صنع به ربه أليس قد ابتلاه بماله وآله وولده؟
قال: بلى.
قلت: فكيف وجده؟
قال: وجده صابرا شاكرا حامدا.
قلت: لم يرض منه ذلك حتى أوحش من أقربائه وأحبائه.
قال: نعم.
قلت: فكيف وجده ربه؟
قال وجده صابرا شاكرا حامدا؟
قلت: فلم يرض منه بذلك، حتى صيره عرضا لمار الطريق، هل علمت؟
قال: نعم.
قلت: فكيف وجده ربه؟
قال: صابرا شاكرا حامدا؛ أوجز رحمك الله.
قلت: له إن الغلام الذي أرسلتني في طلبه وجدته بين كثبان الرمل وقد افترسه سبع فأكل لحمه فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر.
فقال المبتلى: الحمد لله الذي لم يخلق من ذريتي خلقا يعصيه فيعذبه بالنار ثم استرجع وشهق شهقة فمات.
فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عظمت مصيبتي، رجل مثل هذا إن تركته أكلته السباع وإن قعدت لم أقدر على ضر ولا نفع، فسجيته بشملة كانت عليه، وقعدت عند رأسه باكيا، فبينما أنا قاعد إذ تهجم على أربعة رجال.
فقالوا: يا عبد الله ما حالك وما قصتك؟
فقصصت عليهم قصتي وقصته.
فقالوا لي: اكشف لنا عن وجهه فعسى أن نعرفه.
فكشفت عن وجهه، فانكب القوم عليه يقبلون عينيه مره، ويديه أخرى، ويقولون: بأبي عين طال ما غضت عن محارم الله، وبأبي وجسمه طال ما كنت ساجدا والناس نيام.
فقلت: من هذا يرحمكم الله؟
فقالوا: هذا أبو قلابة الجرمي صاحب بن عباس، لقد كان شديد الحب لله وللنبي صلى الله عليه وسلم.
فغسلناه وكفناه بأثواب كانت معنا، وصلينا عليه، ودفناه.
فانصرف القوم وانصرفت إلى رباطي، فلما أن جن على الليل وضعت رأسي فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة، وعليه حلتان من حلل الجنة، وهو يتلو الوحي: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}.
فقلت: ألست بصاحبي؟
قال: بلى.
قلت: أنى لك هذا؟
قال: إن لله درجات لا تنال إلا بالصبر عند البلاءـ، والشكر عند الرخاء، مع خشية الله عز وجل في السر والعلانية. انتهي.
وقال أيوب السختياني: وجدت أعلم الناس بالقضاء أشد الناس منه فرارا وأشدهم منه فرقا.
ثم قال: وما أدركت أحدا كان أعلم بالقضاء من أبي قلابة لا أدري ما محمد بن سيرين فكان يراد على القضاء فيفر إلى الشام مرة ويفر إلى اليمامة مرة وكان إذا قدم إلى البصرة كان كالمستخفي حتى يخرج.
أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ومن طريقه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)).

لعل قائل يقول: أين نحن من هؤلاء الذين شاهدوا التنزيل، وعاشوا في زمن النبوة، وعاصر الصحابة، وكانوا في القرون الثلاثة المفضلة.
فأذكر لك أخي صاحب الحاجات ثلاثة من العلماء – كلهم فقد بصره - في هذا العصر - رحم الله الميت منهم وحفظ حيهم – تناوبوا على رئاسة دار الإفتاء وهيئة كبار العلماء في المملكة السعودية، المفتي الأكبر محمد بن إبراهيم آل الشيخ وشيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد الله بن باز وسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ؛ والناظر في سيرتهم يجد بالإضافة إلى حاجة الناس إلى فتواهم فهم في حاجة إلى مشورتهم وقيادتهم وإدارتهم وحسن تدبريهم والشفاعات وغير ذلك من الحاجات.
فسبحان من جعل حاجات كثير من الناس عند ذوي الحاجات.
فهؤلاء الأعلام قدوة صالح لك أخي المعاق ولغيرك، فلا تجعل أصحاب الألعاب الرياضية والمهارات الترفيهية إسوة لك؛ وأكثرهم فجرة عباد للدنيا.
وأعلم أن لك دورا مهم في أمتك مادمت تسير على الصراط المستقيم، فكثر من المؤذنين وأئمة المساجد والقضاة والعلماء من أصحاب الحاجات.

وقد التقيت في أحد الدورات العلمية في طرابلس – ليبيا – مع أحد الإخوة الأفاضل مقعد على كرسي عجلات من مدينة أوباري – تبعد عن العاصمة طرابلس حوالي 1130 كم - تجسم مشقة السفر عبر البر بالسيارة، حتى إنه أخبرني أنه احتاج ليوم كامل ليرتاح فيه مما كابده في سفره.
فيا لها من نفوس عظيمة تحملت تلك المشاق لتجلس في حلق العلم وتنهل من ميراث النبوة.
في المقابل تجد من يكسل ويتقاعص عن حضور مثل تلك الدورات وبيته لا يبعد عنها إلا بضع أميال وهو معافى في جسده وعنده قوت يومه، فالعجز عجز القلب، والمأسور من أسره هواه.

وأختم بهذا النموذج الرائع في هذا العصر لعالم كبير القدر عظيم النفع غزير العلم من كبار طلبة مجدد الدعوة في جنوب المملكة الشيخ العلامة القرعاوي رحمه الله وممن درس على يديه العلامة زيد بن محمد بن هادي المدخلي رحمه الله والعلامة المعمّر علي بن يحيى بن مهدي البهكلي حفظه الله والعلامة ربيع بن هادي عمير المدخلي حفظه الله؛ وهو من ذوي الحاجات أقعده المرض عن الحركة قبل طلبه للعلم وهو: الشيخ العلامة ناصر بن خلوفه الملقب طياش بن محمد بن علي بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله المباركي رحمه الله.
ولادته صفته ووصفه وطلبه للعلم:
ولد بمدينة صامطة عام: 1322 هـ، كان رحمه الله اسمر اللون كث اللحية، قرأ القرآن أولا بقرية الحجفار التابعة لمدينة صامطة، ولذكائه ورغبته في العلم فقد كان يحفظ سريعا، ولم يدرس في أي مدرسة أهلية وإنما كان يقرأ القران على من لقيه وهو جالس في دكانه، فيقرأ على هذا ساعة وعلى ذاك أخرى، وقد كان في أول شبابه سليم البنية يمشي ويركض مع الناس، وبعد مدة أصيب بمرض في أعصابه يشبه الشلل في يديه ورجليه ولازال به شيئا فشيئا حتى أقعده عن المشي والحركة وذلك بعد أن تزوج وولد له ولد، وبعد ذالك كان يزاول البيع والشراء وهو مقعد، يركبونه على حمار له من البيت إلى السوق يوم الاثنين بصامطة وسوق يوم الأحد بالمسارحة، وكان يلتمس الخير وأهله حتى وصل الشيخ عبد الله القرعاوي مدينة صامطة، ولما تعرف عليه أعطاه بعض داره لبناء مدرسة وخزانة للكتب بها.
وقد بنى الشيخ القرعاوي بدار الشيخ ناصر مدرسة عام: 1359 هـ وبدأ بالتدريس بها في أول شهر شعبان عام: 1358 هـ وكان الطلاب الأولون يجتمعون بها لطلب العلم وكان بيت الشيخ ناصر بن خلوفه مأوى لطلبة العلم الغرباء والمقيمين، وكان يحب المساكين من الطلاب ويعطف عليهم، وكان يكرمهم إكراما بالغا بسخاء، ومما يؤثر عنه انه كان غالبا لا يأكل لوحده بل مع الغرباء من الطلاب، وذلك لطيب نفسه وسخائه ـ رحمه الله ـ مع انه كان فقيرا في ذلك الزمان إلا انه جهد من مقل، وبعد ذلك أغناه الله، وكان داعيا لله وغيورا على محارم الله، ولا يخاف في الله لومة لائم. ويعتبر الشيخ ناصر من كبار طلبة الشيخ عبد الله القرعاوي ومن خيرهم، ويحظى لدى القرعاوي بمكانة عاليه، ويحترمه الجميع ويجلونه، وقد كان عالما عاملا زاهدا ورعا، ولم يطلب العلم إلا على الشيخ القرعاوي سوى القرآن، وقد أجاد في علم التوحيد والتفسير والحديث والفقه والفرائض والنحو، وفي كل فن له فيه باع طويل، وذلك لذكائه وجلوسه بالمدرسة التي استمر فيها التدريس وقتا طويلا، وتخرج منها العلماء والدعاة، وكانت مأوى للخير وأهله، وذاع صيتها إلى أقصى الجنوب والشمال والشرق والغرب، وصار الطلاب الغرباء يأتونها من بلاد بعيده من داخل المملكة وخارجها. وقد ألزمه الشيخ عبد الله بتعلم الخط، فلم يستطع لان يديه محرولة مثل رجليه، لكن الشيخ عبد الله أكد عليه وقال له: سيأتي زمان ما تحب أن ولدك يطلع على كتابك، وفعلا قد وضع الشيخ عبد الله القلم في يد الشيخ ناصر وامسكها مع القلم وجعل يمرر يده فيكتب، فعل ذلك مرارا، وذكر لي انه مرة ضربه بيده من اجل أن يكتب، والحمد لله تعلم الكتابة، وكانت كتابته طيبة، يكتب لنفسه ويكتب بين الناس المبايعات والعقود حتى توفاه الله، وخطه مشهور.
أعماله الوظيفية:
أولا: كان مدرسا بالمدرسة السلفية في شتى الفنون بالليل والنهار.
ثانيا: عضوا بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام: 1373 هـ.
ثالثا: مقدرا للشجاج بمحكة صامطة عام: 1374 هـ.
رابعا: مدرسا بالمعهد العلمي بصامطة عام 1375 هـ.
وقد طلب الإحالة للتقاعد فأحيل، وقد عرض عليه القضاء فلم يقبل، مع هذا فقد كانت حلقات الدراسة بالمدرسة السلفية لا تنقطع لديه، وكانت حياته كلها مليئة بالخير ولم يزل يدرس، حتى أقعده المرض رحمه الله رحمة واسعة.

وأعلم يا صاحب الحاجات - سلمك الله - أنك سبب من أسباب نصر الأمة، ومن أسباب جلب الرزق؛ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((ابغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)) أخرجه أبو داود في ((السنن)) وصححه الألباني.
وأختم بوصية عظيمة نافعة بلغتني عن إمام من أئمة المسلمين، عن العلامة مقبل بن هادى الوادعي رحمه الله أنه قال: (أنصح ذوي الحاجات أن يطلبوا العلم).
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: يوم السبت 14 شوال سنة 1438 هـ
الموافق لـ: 8 يونيو سنة 2017 ف