ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية
جاري التحميل...
جاري التحميل...

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. افتراضي تسهيل (شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها) في سؤال وجواب

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة
    تسهيل (شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها) في سؤال وجواب
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد :
    فإن هذه الرسالة: (شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها)، للشيخ المحدث عبد المحسن بن حمد العباد حفظه الله، وهي عبارة عن شرح لرسالة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب، الموسوم: (شروط الصلاة وأركانها وواجباتها)، وهذا الشرح والمتن لأهل العلم عناية في التعليق والشرح عليها.
    فلهذا، ولأننا في هذه المجموعة (تسهيل الطريق لطالب العلم) الذي يهدف إلى نشر أقوال أهل العلم وتعليقاتهم وشروحهم، إما مختصرة أو على الأصل الذي وضعوها عليه، بدون تصرف، فإننا ننقل هذا الشرح الذي حوى فيه من الدرر والفوائد الكثيرة، مع صغر حجمه .
    عملي في هذا :
    - نشر الشرح على طريقة سؤال وجواب، والجواب جعلته نص الشارح، وأحيانا أضعه مع طوله، وبنفس الترتيب.
    - حرصت على إبقاء لفظ الماتن والشارح قدر المستطاع؛ خاصة أني قصدت بهذا إرشاد القراء إلى هذا الشرح مع متنه.
    - دمجت الشرح مع المتن في الأسئلة، إلا في بعض المواضع.
    - أبقيت الفوائد الخارجية.
    - المصطلحات والرموز :
    {{ الشيخ }}: يقصد به الشيخ المجدد: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
    الرمز :
    - الكلام الذي بين [ ] كلام الماتن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
    والباقي كلام الشارح.
    - [= ] لأخيكم محمد .
    ملاحظة :
    - لم انتهي من العمل إلى الآن، ويحتاج إلى مراجعة يسيرة في ما انتهيت منه.
    - في الأصل أن هذه المادة تم نشرها في مجموعة الواتساب على شكل فقرات يومياً تقريباً؛ ليسهل قراءة المادة والمرور على المسائل التي قد لا ينتبه عليها العامة.

    رسالة رقم (2) تسهيل (شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها) في سؤال وجواب
    مقدمة الشرح
    الشيخ المحدث عبد المحسن العباد حفظه الله
    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد، فهذا شرح لرسالة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله المشتملة على شروط الصلاة وأركانها وواجباتها؛ فأقول: قد اشتملت هذه الرسالة على شروط الصلاة التسعة وأركانها الأربعة عشر وواجباتها الثمانية، وعند ذكره رحمه الله الشرط الرابع من شروط الصلاة وهو رفع الحدث ذكر شروط الطهارة العشرة وفروض الوضوء الستة، وواجبه الذي هو التسمية مع الذكر ونواقضه الثمانية، وفي كلامه على أركان الصلاة فسر سورة الفاتحة باختصار وشرح ألفاظ الاستفتاح والتشهد.

    أولاً: شروط الصلاة :
    السؤال (1): ما معنى شروط الصلاة، وما مثاله ؟
    الجواب :

    الشروط جمع شرط، والشرط هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزمُ من وجودهِ وجود.
    والمعنى أنه يلزم من كون الإنسان غير متطهر ألا تصح له صلاة؛ لأن شرط الصلاة الطهارة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)). رواه البخاري (6954) ومسلم (537) عن أبي هريرة.
    وقد يتوضأ الإنسان ثم يحدث دون أن يصلي صلاة بذلك الوضوء، فلا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة.
    السؤال (2) : ما هي شروط الصلاة ؟
    الجواب :
    [شروط الصلاة تسعة: الإسلام، والعقل، والتمييز، ورفع الحدث، وإزالة النجاسة، وستر العورة، ودخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية].
    السؤال (3) : الشرط الأول من شروط الصلاة (الإسلام)، وما دليله ومعناه ؟
    الجواب :
    [ الشرط الأول: الإسلام، وضده الكفر، والكافر عمله مردود ولو عمل أي عمل؛ والدليل قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة:17]، وقوله: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} [الفرقان: 23]. ]
    السؤال (4) : ما هي شرطي قبول العمل ؟
    الجواب :
    كل عمل يتقرب به إلى الله في هذه الأمة لا ينفع صاحبه إلاّ إذا كان مسبوقاً بشهادة ألا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ومبنياً عليهما، فلابد من إخلاص العمل لله وهو مقتضى شهادة ألا إله إلا الله، ولابد من متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    السؤال (5): ماذا يترتب على فقد شرط الأول: الإسلام ؟
    الجواب :
    وكل عمل يعمله الكافر فإنه لا ينفعه عند الله عزّ وجلّ، لفقده شرط الإسلام، وقد استدل الشيخ رحمه الله لرد أعمال الكفار وعدم قبولها منهم بالآيتين من سورة التوبة وسورة الفرقان[1]؛ لأن آية التوبة ختمت ببيان حبوط أعمال الكفار، وآية الفرقان بيّنت أن أعمالهم لا عبرة بها، وأنها مثل الهباء المنثور أي بطلت واضمحلت.
    السؤال (6): الشرط الثاني من شروط الصلاة (العقل)، ما دليله وما معناه، ومن الذي يرفع عنه القلم ؟
    الجواب :
    الشرط [الثاني: العقل،
    وضده الجنون، والمجنون مرفوع عنه القلم حتى يفيق، والدليل حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة، النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ)) ].
    السؤال (7): هل لابد للمصلي أن يكون حاضر العقل في صلاته، وما حكم صلاة المجنون والسكران، وما الدليل على ذلك ؟
    الجواب :
    لابد للمصلي في صلاته أن يكون حاضر العقل ليس فاقداً له بجنون أو سكر؛ لأن المجنون مرفوع عنه القلم غير مكلف، والسكران أفقد نفسه عقله فألحقها بالمجانين، فلا يعقل صلاته، وقد استدل الشيخ رحمه الله بحديث ((رفع القلم عن ثلاثة))، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود (439 والنسائي (3432) وابن ماجه (2041) من حديث عائشة رضي الله عنها، وانظر إرواء الغليل للألباني (297).
    السؤال ( : الشرط الثالث من شروط الصلاة (التمييز)، وما دليله ومعناه، وما هو حدّ الصغر، ومتى يؤمر بالصلاة ؟
    الجواب :
    الشرط [الثالث: التمييز،
    وضده الصغر، وحدّه سبع سنين، ثم يؤمر بالصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع)) ].
    السؤال (9): ما هو سن التمييز، ومتى يجب أو يندب له الصلاة، وما الحكمة من ذلك، وما الدليل على هذا الشرط ؟
    الجواب:
    إذا بلغ الصغير سن التمييز وهو سبع سنين أمر بالصلاة ليس على سبيل الإيجاب؛ لأن الوجوب إنما يكون بعد البلوغ.
    وأمره بالصلاة في هذه السن ليتعود على الصلاة والاتيان بها على الوجه المشروع، وإذا بلغ عشر سنين تأكّد أمره بها وأدّب على ذلك بالضرب غير المبرح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مروا أبناءكم بالصلاة لسبع))، وهو حديث صحيح أخرجه أحمد (6756) (6689) وأبو داود (495) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وأخرجه أبو داود (494) من حديث سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه وانظر إرواء الغليل (247).
    السؤال (10): الشرط الربع من شروط الصلاة (رفع الحدث)، ما معناه ؟
    الجواب:
    [الشرط الرابع: رفع الحدث، وهو الوضوء المعروف، وموجبه الحدث].
    السؤال (11): ما معنى الحدث، وإلى كم ينقسم ؟
    الجواب:
    الحدث: هو كل خارج من السبيلين، وكذا أي ناقض للوضوء، والحدث هو الذي يوجب الوضوء. والحدث حدثان:
    حدث أكبر: وهو ما يوجب الغسل وهو الجنابة والحيض والنفاس،
    وحدث أصغر: وهو ما يوجب الوضوء.
    السؤال (12): بما يكون رفع الحدث، ومتى يصير إلى التيمم، وماذا يفعل إذا وجد الماء بعد التيمم ؟
    الجواب:
    رفع الحدث يكون بالغُسل والوضوء لمن وجد الماء أو قدر على استعماله، فإذا لم يوجد الماء أو وجد ولكن لم يُقدر على استعماله انتُقل إلى رفع كل من الحدث الأكبر والأصغر بالتيمم، وإذا تيمم للحدث الأكبر ثم وجد الماء اغتسل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير)). أخرجه الترمذي (124) وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وانظر إرواء الغليل (153).
    السؤال (13): ماذا ينوي لمن أراد رفع الحدث الأكبر عند الغُسل ؟
    الجواب:
    إذا اغتسل من عليه حدث أكبر، ونوى رفع الحدث الأكبر والأصغر ارتفعا.
    أما إذا أفاض الماء على جسده في غسل الجمعة أو التبرد ونوى رفع الحدث الأصغر فإنه لا يرتفع؛ لأن هذا الاغتسال ليس فيه رفع حدث.
    [ شروط الوضوء ]
    [= في هذا الفصل سيشرح الشيخ المحدث عبد المحسن العباد شروط الوضوء، وهذا على ترتيب الماتن، ثم يرجع بعد الانتهاء من الوضوء وما يتعلق به إلى باقي شروط الصلاة ].
    السؤال (14): كم عدد شروط الوضوء، وما هي ؟
    الجواب:
    [وشروطه عشرة: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، واستصحاب حكمها، بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية ماء، وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه].
    السؤال (15): الشرط الرابع في الوضوء هو (النية)، ماذا عليه إذا نسي النية في الوضوء أو الجنابة ؟
    الجواب:
    تقدّم الكلام على شروط (الإسلام، والعقل، والتمييز)، وأما شرط [=الشرط الرابع هو] النية: فإنه عند وضوئه ينوي بقلبه رفع الحدث ولا يتلفظ بلسانه، وكذا في جميع العبادات ينوي بقلبه ولا يتلفظ بلسانه إلاّ في الحج والعمرة فله أن يتلفظ بما نواه فيقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجّاً أو لبيك حجّاً وعمرة.
    ولو غسل وجهه عند قيامه من النوم لا يريد الوضوء ثم بدا له أن يتوضأ فإنه يلزمه أن يغسل وجهه للوضوء ولا يكتفي بغسله السابق؛ لعدم وجود نية الوضوء عند ذلك الغسل.
    ولو اغتسل من عليه جنابة للتبرد ناسياً الجنابة، فإنه لا يجزئه عن غُسل الجنابة لعدم وجود النية.
    السؤال (16): الشرط الخامس في الوضوء هو (استصحاب حكمها)، فماذا يعني ذلك ؟
    الجواب:
    ومع نية الطهارة يستصحب حكمها حتى تتم الطهارة، فلو نوى قطع النية في أثناء الوضوء ثم أراد إكمال الوضوء فليس له ذلك، بل يتعين عليه البدء بالوضوء من أوله، ولا يكمل ما بقي عليه؛ لأنه قد ألغى ما حصل منه، وهذا هو الشرط الخامس.
    السؤال (17): الشرط السادس في الوضوء هو (انقطاع موجب)، فماذا يعني بذلك ؟
    الجواب:
    والشرط السادس (انقطاع موجب)، أي: انقطاع موجب الوضوء وهو الحدث، وذلك بأن ينتظر عند قضاء حاجته حتى انقطاع ما يخرج من السبيلين فلا يشرع في الوضوء قبل الانقطاع.
    السؤال (1: الشرط السابع في الوضوء هو (الاستنجاء أو الاستجمار قبل الوضوء)، ما هي نواقض الوضوء التي يستخدم فيها ذلك، وماذا إذا تجاوز الخارج عن موضع العادة ؟
    الجواب:
    والشرط السابع: الاستنجاء أو الاستجمار قبل الوضوء، وهذا إذا كان الخارج من السبيلين بولاً أو غائطاً.
    أما خروج الريح فإنه لا استنجاء ولا استجمار فيه.
    والاستجمار يغني عن الاستنجاء إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة، فإن تجاوزه احتيج مع ذلك إلى الاستنجاء لإزالة النجاسة.
    السؤال (19): الشرط الثامن في الوضوء هو (طهورية ماء وإباحته)، فماذا يعني بذلك ؟
    وماذا عن وضوئه إذا صلى في أرض ممغصوبة غير مباحة له أو صلى في ثوب حرير ؟

    الجواب:
    والشرط الثامن: (طهورية ماء وإباحته)، وهما شيئان، والشيخ رحمه الله جعل الشروط عشرة وذكر بعد هذا شرطين، وعلى هذا يكون اعتبر الطهورية والإباحة شرطاً واحداً.
    ويشترط في ماء الوضوء أن يكون طهوراً، فلا يتطهر بماء متنجس، وأن يكون الماء مباحاً ليس مغصوباً، وهذا الأخير محل خلاف وفي اشتراطه نظر، والأظهر أن من توضأ بماء مغصوب فالوضوء صحيح، وهو آثم على الغصب، ومثله من صلى في أرض مغصوبة، أو صلى في ثوب حرير فإن صلاته صحيحة، وهو آثم في الغصب وفي لبس الحرير.
    السؤال (19) الشرط التاسع في الوضوء هو (إزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة)، فماذا يعني بذلك ؟
    الجواب:
    والشرط التاسع: إزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، فلابد في الوضوء من وصول الماء إلى أعضاء الوضوء، ويجب إزالة ما يمنع وصوله إليها كالطين والعجين والطلاء ونحو ذلك مما يغطي البشرة، أما ما يغير اللون ولا يغطي البشرة كالحناء فإن ذلك لا يؤثر.
    السؤال (20): الشرط العاشر في الوضوء هو (دخول وقت على من حدثه دائم لفرضه)، فماذا يعني بذلك، وما مثاله، ودليله ؟
    الجواب:
    والشرط العاشر: دخول وقت على من حدثه دائم لفرضه، والمعنى أن من كان به سلس بول أو تخرج منه الريح باستمرار وكذا المرأة المستحاضة، فإن هؤلاء يتوضؤون عند دخول الوقت لكل صلاة مفروضة.

    فلو توضأ أحدهم لصلاة الظهر بعد دخول وقتها وصلاها ثم دخل عليه وقت العصر، فلا يصلي العصر بوضوء الظهر، بل عليه أن يتوضأ بعد دخول العصر لصلاة العصر؛ ويدل لذلك أمره صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش - وكانت مستحاضة - أن تتوضأ لكلِّ صلاة، أخرجه البخاري (22 من حديث عائشة رضي الله عنها.
    [ فروض الوضوء ]
    السؤال (21): كم عدد فروض الوضوء، وما هي، وما الدليل ؟
    الجواب:
    [وأما فروضه فستة:
    - غسل الوجه - ومنه المضمضة والاستنشاق - وحدّه طولاً: من منابت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضاً: إلى فروع الأذنين،
    - وغسل اليدين إلى المرفقين،
    - ومسح جميع الرأس - ومنه الأذنان -،
    - وغسل الرجلين إلى الكعبين،
    - والترتيب،
    - والموالاة؛ والدليل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، ودليل الترتيب حديث: ((ابدؤا بما بدأ الله به))، ودليل الموالاة حديث صاحب اللمعة: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما رأى رجلاً في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره بالإعادة].
    السؤال (22): هل جاءت النصوص على تبيين صفة الوضوء بالتفصيل، وما الدليل على ذلك ؟
    الجواب:
    [=نعم،] صفة الوضوء جاءت مبينة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ففي كتاب الله عزّ وجلّ جاءت في سورة المائدة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، ومعنى قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} أي: أردتم القيام لها وأنتم على غير طهارة، مثل قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]، أي: إذا أردت القراءة.
    وأما سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جاءت من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك: عن حمران مولى عثمان بن عفان أنه رأى عثمان دعا بوَضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسَلَهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثاً، ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: ((من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه)). رواه البخاري (164) ومسلم (226).
    السؤال (23): ما هو الوضوء الواجب والأكمل، وهل يجوز الزيادة أكثر من ثلاث أو أقل ؟
    الجواب:
    غسل الأعضاء ثلاثاً هو الوضوء الكامل، ولا يجوز الزيادة على ذلك، وقد جاء الوضوء [=كما في الأحاديث الصحيحة] مرتين مرتين، ومرة مرة،
    والوضوء الواجب مرة واحدة مستوعبة جميع أعضاء الوضوء.
    السؤال (24): الفرض الأول في الوضوء هو (غسل الوجه)، فما حده طولاً وعرضاً، وماذا يدخل فيه ؟
    الجواب:
    [=الفرض] الأول [=في الوضوء]: غسل الوجه، وحدّه طولاً من منابت شعر الرأس إلى ما استرسل من اللحية، وعرضاً: ما دون الأذنين، والأذنان في الوضوء من الرأس فتمسحان، وليستا من الوجه فتغسلان، وتخليل اللحية مستحب، والواجب في غسل الوجه غسل ما به المواجهة، فلا يدخل في ذلك تخليل اللحية، ويدخل في غسل الوجه المضمضة والاستنشاق، كما جاء ذلك مبيناً في حديث عثمان رضي الله عنه وغيره.
    السؤال (25): الفرض الثاني في الوضوء هو (غسل اليدين إلى المرفقين)، فما حده وهل يدخل المرفقين، وهل يكفي غسل الكفين قبل بدء الوضوء ؟
    الجواب:
    [=الفرض] الثاني: غسل اليدين إلى المرفقين: وذلك من أطراف الأصابع إلى نهاية المرفقين، والمرفقان داخلان في الغسل، ولا يكفي في غسل الكفين في الوضوء غسلهما قبل بدء الوضوء؛ لأن ذلك مستحب إلاّ عند القيام من النوم، فإنه واجب، وغسل اليدين يكون بعد غسل الوجه، فلا يكفي ما كان قبله.
    السؤال (26): الفرض الثالث في الوضوء هو (مسح الرأس)، فما حده، وصفته، وكم مرة يمسح، وهل يدخل في مسحه الأذنان ؟
    الجواب:
    [=الفرض] الثالث: مسح الرأس: ويكون مرّة واحدة، يبدأ فيها من مقدّم رأسه إلى مؤخره ثم يعود إلى المكان الذي بدأ منه، وما استرسل من شعر المرأة فإنه لا يمسح، بل يكتفى بالمسح إلى مؤخر الرأس، ويمسح مع الرأس الأذنان.
    السؤال (27): الفرض الرابع في الوضوء هو (غسل الرجلين إلى الكعبين)، ما المراد بالكعبين، وكيف الجمع بين قراءة {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} بفتح اللام، وقراءة الكسر في {وَأَرْجُلِكم}، وهل ورد عقوبة لمن ترك هذا الفرض ؟
    الجواب:
    [=الفرض] الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين: والكعبان داخلان في الغسل، وفي كل رجل كعبان، وليس المراد بالكعبين العظمين الناتئين في ظهر القدم كما يزعمه بعض فرق الضلال، فيمسحون إليهما، فإن فرض الرجلين الغسل وليس المسح، وقد دلت قراءة {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} بفتح اللام، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم التي بينت صفة الوضوء على ذلك، وأما قراءة الكسر في {وَأَرْجُلِكُمْ} فهي محمولة على الغسل الخفيف جمعاً بين القراءتين، والاعتماد عليها وترك غسل الرجلين الذي دلت عليه قراءة النصب، ودلت عليه السّنّة هو من اتباع المتشابه وترك المحكم، ويكفي في معرفة ضلال من ضل عن الحق في مسألة غسل الرجلين والاكتفاء بمسح ظهورهما، أنهم حرموا أنفسهم سيما التحجيل التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء)). أخرجه البخاري (136) ومسلم (580) عن أبي هريرة، وأنهم عرّضوا أنفسهم للوعيد الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ويل للأعقاب من النار)). أخرجه البخاري (165) ومسلم (242) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
    السؤال (2: الفرض الخامس في الوضوء هو (الترتيب)، ما المراد بذلك، وما الدليل، وهل يدخل في هذا اليدين معاً وكذلك الرجلان ؟
    الجواب:
    [=الفرض] الخامس: الترتيب: فيجب غسل أعضاء الوضوء على الترتيب الذي جاء في الآية، وجاء في فعله صلى الله عليه وسلم في وضوئه، فلا يجوز أن يقدم غسل اليدين على غسل الوجه، ولا مسح الرأس على غسل اليدين وهكذا.
    أما لو غسل اليد اليسرى قبل اليمنى أو الرجل اليسرى قبل اليمنى فإن الوضوء صحيح إجماعاً، وهو خلاف الأولى، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/270): قال النووي: "قاعدة الشرع المستمرة استحباب البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بضدهما استحب فيه التياسر، قال: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنّة، من خالفها فاته الفضل وتمَّ وضوءه"، ثم نقل عن ابن قدامة في المغني أنه قال: لا نعلم في عدم الوجوب خلافاً.
    وقد استدل الشيخ رحمه الله للترتيب بحديث: ((ابدؤا بما بدأ الله به))، قال صلى الله عليه وسلم ذلك عندما بدأ بالصفا في سعيه، والحديث بلفظ الأمر جاء في سنن النسائي (2962) وهو في صحيح مسلم (2950) بلفظ الخبر، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((أبدأ بما بدأ الله به)) أن الله لما ذكر الصفا والمروة قدّم الصفا على المروة، فما بدأ الله به ذكراً بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسعي فعلاً.
    السؤال (29): الفرض السادس في الوضوء هو (الموالاة)، ما المراد بذلك، وما الدليل ؟
    الجواب:
    [=الفرض] السادس: الموالاة: وهو أن يوالي بين الأعضاء في الغسل، فلا يغسل بعضها ثم ينشغل عن الاستمرار في الوضوء، إلاّ إذا كان الانشغال لعارض يسير كفتح باب قريب فإنه لا يؤثر، ويدل لوجوب الموالاة حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ارجع فأحسن وضوءك))، فرجع ثم صلّى". أخرجه مسلم (243)، وحديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة". أخرجه أبو داود (175) وانظر إرواء الغليل (86)، ووجه الاستدلال من هذين الحديثين على وجوب الموالاة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر من أبصر على قدمه شيئاً لم يصبه الماء بغسل ذلك الذي لم يصبه الماء بل أمره بإعادة الوضوء، ولو كانت الموالاة غير واجبة كفاه أن يغسل الموضع الذي لم يصبه الماء.
    السؤال (30): حكم التسمية، وما الدليل ذلك ؟
    الجواب:
    قوله: [وواجبه التسمية مع الذكر]. هذا أحد الأقوال في المسألة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وممن قال به الحسن وإسحاق، والقول الثاني أن التسمية مستحبّة، وهو قول جمهور العلماء، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، ذكر ذلك في المغني (1/145)، وقد ورد في التسمية في الوضوء حديث: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)). أخرجه أبو داود (101) وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه، وذكر الشيخ الألباني أنه حسن، وقال: "وقد قوّاه الحافظ المنذري والعسقلاني وحسّنه ابن الصلاح وابن كثير والعراقي"، انظر إرواء الغليل (81)، واختيار الشيخ القول بالوجوب مع الذكر، فيه الاحتياط والخروج من الخلاف، ونظير ذلك ما قاله رحمه الله في أدب المشي إلى الصلاة: "وتجزىء تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع، لفعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة، وإتيانه بهما أفضل، خروجاً من خلاف من أوجبه".
    [ نواقض الوضوء ]
    السؤال (31): كم عدد فروض الوضوء، وما هي ؟
    الجواب:
    [ونواقضه ثمانية:

    - الخارج من السبيلين،
    - والخارج الفاحش النجس من الجسد،
    - وزوال العقل،
    - ومس المرأة بشهوة،
    - ومس الفرج باليد قبلاً كان أو دبراً،
    - وأكل لحم الجزور، وتغسيل الميت،
    - والردّة عن الإسلام -أعاذنا الله من ذلك -].

    السؤال (32): الناقض الأول من نواقض الوضوء هو (الخارج من السبيلين)، ما المراد بذلك، وما الدليل ؟
    الجواب:
    أوّل نواقض الوضوء، الخارج من السبيلين: وهو كل خارج منهما من غائط أو بول أو ريح أو دم أو مني أو مذي أو غير ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)). أخرجه البخاري (6954) ومسلم (537) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

    السؤال (33): الناقض الثاني من نواقض الوضوء هو (الخارج الفاحش النجس من الجسد)، ما المراد بذلك ؟
    الجواب:
    [= ناقض الوضوء] الثاني: الخارج الفاحش النجس من الجسد: اختلف العلماء في الدم الخارج من غير السبيلين هل ينقض الوضوء أو لا ؟
    وقد ذهب بعض أهل العلم إلى عدم نقض الوضوء به؛ لأنه لم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب بعض أهل العلم إلى حصول النقض بما كان كثيراً فاحشاً منه، وقد جاء ذلك عن بعض الصحابة والتابعين، وهو الذي اختاره الشيخ رحمه الله هنا، وهو أخذ بما فيه الاحتياط والخروج من الخلاف. انظر المغني (1/247)، ومجموع فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى (10/159)، وفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (5/261).

    السؤال (34): الناقض الثالث من نواقض الوضوء هو (زوال العقل)، بما يكون زوال العقل ؟
    الجواب:
    [=ناقض الوضوء] الثالث: زوال العقل: ينتقض الوضوء بزوال العقل بجنون أو سكر أو إغماء أو نوم مستغرق، أما إذا كان النوم نعاساً لا يذهب معه الإحساس كأن يكون جالساً أو قائماً، فحصل له نعاس فخفق رأسه ثم تنبّه فإن ذلك لا ينقض الوضوء؛ فقد روى مسلم في صحيحه (376) عن أنس رضي الله عنه قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون"، ولفظه عند أبي داود (200): "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون"، وهذا يدل على أن زوال العقل ليس حدثاً، بل هو مظنّة للحدث، ويدل لذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ((وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ)). رواه أبو داود (203) عن علي رضي الله عنه، وسنده حسن، وانظر إرواء الغليل (113) وقد نقل تحسينه عن النووي والمنذري وابن الصلاح.
    السؤال (35): الناقض الرابع من نواقض الوضوء هو (إذا مس المرأة بشهوة وخرج منه شيء)، ما الدليل على ذلك ؟
    الجواب:
    [= ناقض الوضوء] الرابع:
    مس المرأة بشهوة: هذا الذي اختاره الشيخ، أحد الأقوال الثلاثة في المسألة،
    والقول الثاني: أنه ينقض مطلقاً،
    والثالث: أنه لا ينقض مطلقاً سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، إذا لم يخرج مع الشهوة شيء، وهذا القول أصح الأقوال لعدم ثبوت ما يدل على النقض به، وانظر فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى (10/132-13.
    السؤال (36): الناقض الخامس من نواقض الوضوء هو (مس الفرج باليد قبلاً كان أو دبراً بدون حائل) على الصحيح، وما الدليل ؟
    الجواب:
    [=ناقض الوضوء] [الخامس: مس الفرج باليد قبلاً كان أو دبراً]: هذا الذي اختاره الشيخ، هو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح إذا كان المس بدون حائل، وسواء كان مس فرجه أو فرج غيره، وسواء كان الممسوس صغيراً أو كبيراً من الأحياء أو الأموات؛ لحديث بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من مس ذكره فليتوضأ)).
    رواه الترمذي (82) وغيره، وقال: حديث حسن صحيح، وانظر إرواء الغليل (116)، وفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (5/263-266).
    السؤال (37): الناقض السادس من نواقض الوضوء هو (أكل لحم الجزور) على الصحيح من قولي أهل العلم.
    ما دليل ذلك ؟ وهل يدخل في أكل لحم الجزور ألبانها ومرق لحمها والطعام الذي طبخ مع لحمها ؟

    الجواب:
    [=ناقض الوضوء] [السادس: أكل لحم الجزور]: في الوضوء من أكل لحم الإبل قولان للعلماء: أحدهما: قول الجمهور، وهو أنه لا يتوضأ من أكل لحومها.
    والقول الثاني: وجوب الوضوء من ذلك وسواء كان اللحم نيئاً أو مطبوخاً.
    وأما ألبانها ومرق لحمها وكذلك الطعام الذي طبخ مع لحمها، فإن استعمال ذلك لا ينقض الوضوء، ويدل للوضوء من أكل لحوم الإبل حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: "أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ))، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ((نعم، فتوضأ من لحوم الإبل))، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: ((نعم))، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: ((لا))". أخرجه مسلم (360) وحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: ((توضؤوا منها))، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: ((لا توضؤوا منها))، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: ((لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين))، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: ((صلوا فيها فإنها بركة)). رواه أبو داود (184) وغيره، وإسناده صحيح، والأصل في الأمر الوجوب، وفي الوضوء الوضوء الشرعي، فلا يحمل الأمر على الاستحباب، ولا الوضوء على الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين والمضمضة؛ لعدم الصارف عن الأصل، وانظر إرواء الغليل (11، وذكر النووي في شرح صحيح مسلم (4/49) خلاف العلماء في الوضوء من لحم الإبل، وقال: "قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في هذا - أي الوضوء من لحم الإبل - حديثان: حديث جابر وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلاً وإن كان الجمهور على خلافه". وانظر مجموع فتاوى الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى (10/156-15، وفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (5/273-277).
    السؤال (3: الناقض السابع من نواقض الوضوء هو (تغسيل الميت)، ما دليل ذلك ؟
    يميل الشارح : استحباب الوضوء لمن غسل الميت إلا إذا لمس مَن غسّل الميت فرجه من غير حائل وجب عليه الوضوء .
    الجواب:

    [=ناقض الوضوء] [السابع: تغسيل الميت]: اختلف العلماء في حكم الوضوء من تغسيل الميت على قولين: (أحدهما) وجوب الوضوء، (والثاني) استحبابه، ذكرهما ابن قدامة في المغني (1/256) ورجّح القول بالاستحباب، وقد روى أبو داود (3161) وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من غسّل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ)). أورده الألباني في إرواء الغليل (144)، وفي كتاب أحكام الجنائز (53)، ونقل تصحيحه عن ابن القيم وابن القطان، وابن حزم وابن حجر العسقلاني، وذكر أنه محمول على الندب لا على الوجوب، لحديثٍ حسنٍ في ذلك عن ابن عباس، وأثرٍ عن ابن عمر رضي الله عنهم.
    وإذا لمس مَن غسّل الميت فرجه من غير حائل وجب عليه الوضوء لمسِّ الفرج لا لتغسيل الميت، وانظر فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى (10/165).
    السؤال (39): الناقض السابع من نواقض الوضوء هو (الرّدّة عن الإسلام - أعاذنا الله من ذلك -)، على الراجح والأحوط من قولي أهل العلم .
    والاحتياط

    الجواب:
    [=ناقض الوضوء] [الثامن: قوله: الرّدّة عن الإسلام] - أعاذنا الله من ذلك -: هذا الذي ذكره الشيخ رحمه الله من انتقاض الوضوء بالرّدّة هو الذي عزاه ابن قدامة في المغني (1/23 إلى مذهب الإمام أحمد، وعزا إلى الأئمة الثلاثة الباقين القول: بعدم الانتقاض،
    فإذا توضأ شخص وارتدّ عن الإسلام ثم عاد إليه قبل أن يحصل منه ناقض للوضوء غير الرّدّة فهو باق على وضوئه على القول الثاني، لا يلزمه إعادة الوضوء، وتلزمه إعادة الوضوء على القول الأول، والذي ذكره الشيخ فيه الاحتياط والخروج من الخلاف لقوله صلى الله عليه وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)).
    عند العودة إلى باقي شروط الصلاة –بإذن الله تعالى-، نريد المشاركة في حل الأسئلة باختصار، وكل من يجاوب يعبر من عنده مما سيقرأ تحت السؤال .
    [ عود إلى بقية شروط الصلاة ]
    السؤال (): الشرط الخامس من شروط الصلاة (إزالة النجاسة من ثلاث، من البدن، والثوب، والبقعة) إن وجدت، ما الدليل على ذلك ؟
    وماذا إذا علم بوجود النجاسة أثناء الصلاة أو بعد الفراغ منها ؟
    وما الفرق بين (من عليه نجاسة) وعلم أثناء الصلاة وبعد الفراغ منها (وبين من كان جنباً) ؟

    الجواب:
    [الشرط الخامس: إزالة النجاسة من ثلاث، من البدن والثوب، والبقعة؛ والدليل قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ].
    والمعنى أن الإنسان قبل صلاته يزيل ما على بدنه وثيابه وفي البقعة التي يصلي فيها من نجاسة إن وجدت، وذلك بغسلها بالماء، فإن صلى وعليه نجاسة ولم يعلم إلاّ بعد فراغ الصلاة فإن صلاته صحيحة، وإن علم في أثناء الصلاة وأمكن خلع ما به النجاسة خلعه واستمر في صلاته، وإلاّ قطعها، لأنه صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه وعليه نعلاه فخلعهما في أثناء الصلاة وأخبرهم بعد فراغها أن جبريل أخبره بأن فيهما قذراً، رواه أبو داود (650) بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فقد دلّ استمراره صلى الله عليه وسلم في صلاته بعد خلع نعليه على صحّة صلاة من صلّى وعليه نجاسة ولم يعلم إلاّ بعد فراغ الصلاة؛ لأنها لو كانت لا تصحّ لاستُؤنفت الصلاة من أولها، وهذا بخلاف من صلّى وهو محدث فإنه إذا علم في أثنائها قطعها، وإن لم يعلم إلاّ بعد الفراغ منها أعادها، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)). رواه البخاري ومسلم، وقد تقدّم.
    السؤال (): إذا وضع المصلي حائل بينه وبين الأض التي فيها النجاسة أو تحت الأرض التي يصلي فيها أماكن لقضاء الحاجة أو مجرى مياه متنجّسة، هل تصح صلاته ؟
    الجواب:
    وإذا وضع المصلي فراشاً على الأرض التي فيها نجاسة أو كان تحت الأرض التي يصلي فيها أماكن لقضاء الحاجة أو مجرى مياه متنجّسة فإن الصلاة صحيحة لعدم مباشرة النجاسة، وقد أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} نقولاً عن جماعة من السلف في تفسير ذلك بالطهارة من الذنوب والمعاصي، ثم قال: "قال محمد بن سيرين: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} أي: اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه".
    السؤال (): الشرط السادس من شروط الصلاة (ستر العورة) بالإجماع إذا كان قادراً، ما حده، وما الدليل ؟
    وهل يجب على المصلي مع ستر عورته أن يستر عاتقه في الصلاة ؟
    الجواب:
    [الشرط السادس: ستر العورة، أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عرياناً وهو يقدر، وحد عورة الرجل من السرّة إلى الركبة، والأمة كذلك، والحرة كلها عورة إلاّ وجهها، والدليل قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] أي: عند كل صلاة].
    المطلوب في حال السعة أن يكون المسلم في صلاته وغيرها على هيئة حسنة في اللباس وغيره لقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله جميل يحب الجمال)) رواه مسلم (147) وفي حال الضيق يجب ستر العورة مطلقاً في الصلاة وغيرها بما لا يصف البشرة، إلاّ من الزوجة وملك اليمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((احفظ عورتك إلاّ من زوجتك، أو مما ملكت يمينك)) أخرجه الترمذي (2769) وغيره عن معاوية بن حيدة، وقال: حديث حسن، وانظر إرواء الغليل (1810)، وحد عورة الرجل ما فوق الركبة ودون السرّة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرّة وفوق الركبة)) رواه أبو داود (496) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وإسناده حسن، والمعنى: أن السيد إذا زوّج خادمه -وهو أمته-، فليس لذلك الخادم وهو الأمة أن ينظر إلى عورة السيد؛ لأنّه بتزويجها انتقلت منفعة الاستمتاع إلى الزوج، فخرج بذلك عن حكم قوله صلى الله عليه وسلم: ((احفظ عورتك إلاّ من زوجتك أو مما ملكت يمينك))، ويدل لذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: ((غطِّ فخذك فإنها من العورة)) أخرجه الترمذي (279 عن جرهد، وقال: حديث حسن، وقال البخاري في صحيحه: [باب ما يذكر في الفخذ ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الفخذ عورة)) وقال أنس: حسر النبي صلى الله عليه وسلم عن فخذه، وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يخرج من اختلافهم]. صحيح البخاري مع الفتح (1/47.
    والإجماع الذي ذكره الشيخ، حكاه ابن قدامة في المغني (2/284) عن ابن عبد البر، وقد جاءت السّنّة بأن المصلي مع ستر عورته يستر عاتقه في الصلاة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء)) أخرجه البخاري (359) ومسلم (1151).

    السؤال (): هل يجب على المرأة ستر بدنها وجهها عن الرجال الأجانب ؟ - فائدة خارجية -
    الجواب:
    والمرأة عورة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)) رواه الترمذي (1173) عن عبد الله بن مسعود، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وانظر إرواء الغليل (273)، فيجب على المرأة ستر بدنها حتى وجهها عن الرجال الأجانب، قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان في تفسير سورة الأحزاب (6/596) عن هذا الحديث: "وما جاء فيه من كون المرأة عورة، يدل على الحجاب للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة"، وذكر شيخنا أيضاً (6/585-586) أن حكم تغطية الوجه لأمهات المؤمنين مما أجمع عليه أهل العلم، وأن الآيات التي نزلت في أمرهن بالحجاب تشتمل على قرينتين تدلان على أن الحكم ليس خاصّاً بهن، بل لهن ولسائر نساء الأمة:
    الأولى: تعليل الأمر بالحجاب بقوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53]، وذلك أنه إذا قيل ذلك فيهن مع ما أكرمهن الله به من الطهارة والبعد عن الريبة، فإن غيرهن من نساء الأمة اللاتي لم يظفرن بمثل ما ظفرت به أمهات المؤمنين من باب أولى.
    والثانية: في قوله عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59]؛ لأن الأمر بالإدناء عليهن من الجلابيب، كما أُمر به أمهات المؤمنين فقد أُمر به بناته صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين، وهو يدل على أن الحكم ليس خاصّاً بأمهات المؤمنين بل لهن ولغيرهن".
    وأشار بعد ذلك رحمه الله إلى أنه لو كان الحكم خاصاً بهن على سبيل الفرض فإنهن قدوة حسنة لغيرهن من النساء، فقال (6/592): "وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دلّ على الحجاب، ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه صلى الله عليه وسلم فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامّة وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم، من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، مريض القلب كما ترى".
    ومن أوضح ما يستدل به من السّنّة على وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الأجانب، ما جاء فيها أن النساء يغطين أقدامهن، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة))، فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: ((يرخين شبراً))، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: ((فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه)). رواه أهل السنن وغيرهم، وقال الترمذي (1731) هذا حديث حسن صحيح.
    فإن مجيء الشريعة بتغطية النساء أقدامهن يدل دلالة واضحة على أن تغطية الوجه واجب؛ لأنه موضع الفتنة والجمال من المرأة، وتغطيته أولى من تغطية الرجلين.
    السؤال (): هل يجوز للمرأة الاقتصار على كشف الوجه في الصلاة ؟
    وهل هناك فرق بين الأمة والحرة فيما يجوز الكشف فيه ؟

    الجواب:
    والمرأة الحرة في الصلاة تغطي جميع بدنها إلاّ وجهها، وهذا الذي ذكره الشيخ رحمه الله قد عزاه في المغني (2/326) إلى مذهب الإمام أحمد، وذكر له رواية أخرى، وهي جواز كشف الكفين أيضاً وعزاه إلى مالك والشافعي، وعزا إلى أبي حنيفة جواز كشف القدمين مع الوجه واليدين، وإذا كان عند المرأة رجال أجانب وهي تصلي فإنها تغطي وجهها، قال في المغني (2/331): "قال ابن عبد البر: وقد أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام".
    والاقتصار على كشف الوجه في الصلاة، وهو الذي أجمع عليه العلماء هو الأولى والأحوط.
    وأما الأمَة فإنها إذا صلت مكشوفة الرأس فإن صلاتها صحيحة في قول عامة أهل العلم إلاّ الحسن كما حكاه في المغني (2/331) وفي كشف غير الرأس خلاف بين أهل العلم، والأولى للأمة أن تكون كالحرّة في الاحتشام والستر في جميع أحوالها في الصلاة وغيرها.
    السؤال (): الشرط السابع من شروط الصلاة (دخول الوقت)، ما الدليل على ذلك ؟
    وهل يجوز أن يصلي قبل دخول وقت الصلاة ؟
    وماذا على الذي أخرها حتى خرج وقتها ؟

    وما أوضح دليل في بيان أوقات الصلاة بداية الوقت ونهايتها ؟
    الجواب:
    قوله: [الشرط السابع: دخول الوقت، والدليل من السّنّة حديث جبريل عليه السلام أنه أمّ النبي صلى الله عليه وسلم في أول الوقت وفي آخره فقال: "يا محمد الصلاة بين هذين الوقتين" وقوله تعالى {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء:103]، أي: مفروضاً في الأوقات، ودليل الأوقات قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء: 78] " ].
    يشترط لصحّة الصلاة أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، فلا يجوز أن تصلى قبل أوقاتها، وإن صليت وجب إعادتها ولا يجوز تأخيرها عن وقتها، فلو أخرها حتى خرج وقتها، فإن كان لنوم لا تفريط معه أو نسيان قضاها ولا إثم عليه، وإن كان لغير ذلك أثم وقضاها.
    وحديث إمامة جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في يومين، جاء عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس وجابر وهو عند أبي داود (393-394)، والترمذي (149-150)، وانظر التعليق على حديث (3081) وحديث (11249) من مسند الإمام أحمد، ومن أوضح ما جاء في بيان أوقات الصلوات الخمس، حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في صحيح مسلم (612) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفرّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني الشيطان".
    السؤال (): الشرط الثامن من شروط الصلاة (استقبال القبلة)، ما الدليل على ذلك ؟
    وهل يجوز للمصلي الاجتهاد في تحديد اتجاه القبلة في الحضر والسفر ؟
    الجواب:
    [الشرط الثامن: استقبال القبلة؛ والدليل قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144]].
    يشترط في أداء الصلوات أن تكون إلى جهة القبلة، وهي الكعبة المشرّفة، فإن كان في حضر أو كان لديه من يخبره بجهة القبلة وجب عليه السؤال عن جهتها، ولا يجوز له أن يصلي باجتهاد منه، ولديه من يخبره، فإن صلّى وكان إلى غير جهة القبلة وجب عليه الإعادة، أما إن كان في سفر فإنه يجتهد في معرفة جهتها، فإن صلّى وتبيّن أن الصلاة إلى غير جهة القبلة، فإن صلاته صحيحة لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، ويجوز للمسافر أن يصلي النوافل كلها على مركوبه إلى غير جهة القبلة، وقد ثبتت السّنّة في ذلك عن جماعة من الصحابة منها: حديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الراحلة يسبّح، يومىء برأسه قبل أي وجه توجه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" رواه البخاري (1097) ومسلم (701).
    السؤال (): هل هناك فرق بين الصلاة على الدابة واتجاه إلى القبلة بين صلاة الفرض والنفل ؟
    الجواب:
    وإذا أراد المسافر النافلة على الدابة استقبل القبلة عند دخوله فيها ثم توجه إلى أي جهة يريد، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عند أبي داود (1225): "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبّر ثم صلّى حيث وجهه ركابه"، قال الحافظ ابن حجر في البلوغ: وإسناده حسن. وقال شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في حاشيته عليه (1/176): "هو كما قال المؤلف، رجاله ثقات لا بأس بهم، وبذلك يكون هذا الحديث مخصّصاً للأحاديث الأخرى المطلقة في استقباله صلى الله عليه وسلم جهة سيره في السفر".
    السؤال (): الشرط التاسع من شروط الصلاة (النية)، ما الدليل على ذلك ؟
    وهل يتلفظ بها، أم محلها القلب ؟
    الجواب :

    قوله: [الشرط التاسع: النية، ومحلها القلب والتلفظ بها بدعة؛ والدليل حديث: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى)) ].
    النية في الصلاة وغيرها من العبادات شرط، فلا تصح الصلاة بدون نية، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات)) أخرجه البخاري (1) ومسلم (1907)، وبالنية يكون التمييز بين فرض وفرض، وفرض ونفل، وقد تقدّم عند ذكر شرط النية من شروط الوضوء أنه لا يجوز تلفظ الإنسان بما نواه، إلاّ في مناسك الحج فيجوز أن يتلفظ بما نواه فيقول: "لبيك عمرة أو لبيك حجّاً أو لبيك عمرة وحجّاً".
    [ أركان الصلاة ]
    السؤال (): كم عدد شروط الوضوء، وما هي ؟
    الجواب :
    قوله: [وأركان الصلاة أربعة عشر: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والترتيب، والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتسليمتان].
    السؤال (): ما معنى الركن ؟
    ما تعريف الصلاة لغة واصطلاحاً ؟
    ماذا بأركان الصلاة ؟
    ما الفرق بين الركن والشرط ؟

    الجواب :
    ركن الشيء في اللغة جانبه الأقوى، والصلاة في اللغة الدعاء، وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وأركان الصلاة من أجزائها، والفرق بين الشرط والركن، أن ركن الشيء جزء منه داخل فيه، وأما الشرط، فليس من أجزائه، بل هو إما متقدّم عليه ومصاحب له كالطهارة، أو مصاحب له كاستقبال القبلة.
    السؤال (): الركن الأول من أركان الصلاة هو (القيام مع القدرة) ما الدليل عليه ؟
    ما حكم من صلى جالساً مع قدرته على القيام ؟
    هل صلاة النافلة يجوز فيه أن يصليها جالساً، والأفضل له أن يصليها قائما ؟
    متى يجوز له أن يصلي الفرض جالساً، وما الدليل على ذلك ؟

    الجواب:
    قوله: [الركن الأول: القيام مع القدرة، والدليل قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] ].
    يجب في صلاة الفرض أن يصلي المرء قائماً إذا كان قادراً على القيام، ومن صلى جالساً مع قدرته عليه لم تصح صلاته؛ ويدل لذلك حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)). رواه البخاري (1117).
    أما في صلاة النافلة، فيجوز أن يصليها وهو جالس، وأجره على النصف من أجر القائم، والأفضل أن يصليها قائماً ليحصل الأجر كاملاً، لحديث عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما في ذلك، أخرجه مسلم (735)، وإذا لم يستطع المريض أن يصلي قائماً، فصلى الفرض والنفل جالساً فله الأجر كاملاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى رضي الله عنه: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)). رواه البخاري (2996).
    السؤال (): الركن الثاني من أركان الصلاة هو (تكبيرة الإحرام) ما الدليل عليه ؟
    لماذا سمي بتكبيرة الإحرام، وما الدليل عليه ؟

    الجواب:
    قوله: [الثاني تكبيرة الإحرام؛ والدليل حديث: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)) ].
    تكبيرة الإحرام، أول تكبيرات الصلاة، وهي في الصلاة كالإحرام في الحج والعمرة، وإنما سميت تكبيرة الإحرام؛ لأنه يحرم على المصلي إذا دخل في صلاته بهذه التكبيرة، أمورٌ كانت حلالاً له قبل ذلك كالأكل والشرب والكلام وغير ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)). رواه الترمذي وغيره عن علي رضي الله عنه وقال (3): هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. وانظر إرواء الغليل (301).
    السؤال (): ما هو دعاء الاستفتاح الذي يقوله المصلي سراً بعد تكبيرة الاحرام، وما معناه، وما حكمه ؟
    وهل لدعاء الاستفتاح صيغة واحدة، وهل يأتي بها جميعاً في صلاة واحدة ؟

    الجواب:
    قوله: [وبعدها الاستفتاح، وهو سنّة، قول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)). ومعنى ((سبحانك اللهم)): أي أنزهك التنزيه اللائق بجلالك. ((وبحمدك)): أي ثناء عليك. ((وتبارك اسمك)): أي البركة تنال بذكرك. ((وتعالى جدك)): أي جلّت عظمتك. ((ولا إله غيرك)): أي لا معبود في الأرض ولا في السماء بحق سواك يا الله].
    الاتيان بدعاء الاستفتاح سراً بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة من سنن الصلاة ومستحباتها، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بصيغ متعدّدة، يأتي المصلي بأحدها في صلاته، ولا يجمع بينها في صلاة واحدة، وهذا الذي ذكره الشيخ أحدها وهو عن عمر وعائشة وأبي سعيد رضي الله عنهم، وانظر إرواء الغليل (340) و(341)، ثم إن الشيخ رحمه الله شرح هذا الدعاء، وفي الجمع بين التسبيح والتحميد تنزيه الله عزّ وجلّ عن كلّ ما لا يليق به، وإثبات كل كمال يليق به، و((تبارك)) على وزن تفاعل، من البركة، وكل خير وبركة إنما ينال بذكره سبحانه وتعالى، كما قال الله عزّ وجلّ: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}، وقال صلى الله عليه وسلم: ((مثل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكر ربّه مثل الحي والميت)). رواه البخاري (6407) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ويحتمل أن يكون المراد بالاسم الأسماء، فيكون من قبيل إضافة المفرد إلى معرفة، فيعم، كقوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}، و((تعالى جدك)) هو مثل قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً}، وهذه الكلمات الثلاث، التي جاءت في هذا الدعاء وهي ((سبحانك)) و((تبارك)) و((تعالى))، لا تقال إلاّ لله تعالى، فلا يقال لغيره: سبحانك، وتباركت، وتعاليت، ولا سبحانه وتبارك وتعالى.
    السؤال (): هل يندب للمصلي أن يأتي بالاستعاذة بعد الاستفتاح وقبل والفاتحة، وما دليل ذلك، وما معناه ؟
    الجواب:
    قوله: [ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم): معنى (أعوذ): ألوذ وألتجىء وأعتصم بك يا الله من الشيطان الرجيم، المطرود، المبعد عن رحمة الله؛ لا يضرّني في ديني، ولا في دنياي].
    وبعد الاستفتاح وقبل القراءة يأتي بالاستعاذة، وقد ذكرها الشيخ وشرحها، وقد قال الله عزّ وجلّ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]، أي: إذا أردت قراءته، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة".
    السؤال (): الركن الثالث من أركان الصلاة هو (قراءة الفاتحة) ما الدليل عليه ؟
    ما هو الصحيح هل قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمنفرد في الصلاة، وما الدليل عليه ؟
    وما هو الجمع بين الأحاديث الواردة في قراءة الفاتحة والنهي عن قراءة ؟

    الجواب:
    قوله: [وقراءة الفاتحة ركن في كل ركعة؛ كما في حديث: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وهي أم القرآن].
    قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة واجبة على الإمام والمأموم والمنفرد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). رواه البخاري (756) ومسلم (393). والمأموم يقرؤها خلف إمامه في الصلاة السرية والجهرية؛ ويدل لقراءتها خلفه في الجهرية حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعلكم تقرؤون خلف الإمام والإمام يقرأ))، قالوا: إنا لنفعل ذلك. قال: ((فلا تفعلوا، إلاّ أن يقرأ أحدكم بأم الكتاب))، أو قال: ((فاتحة الكتاب)). رواه أحمد في مسنده (18070) بإسناد صحيح، وجاء مثل ذلك من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث، فأمن تدليسه، رواه أحمد في المسند (22745).
    ويجمع بين هذا وبين ما جاء من حديث انتهاء الناس عن القراءة خلف الإمام، وحديث: ((من كان له إمام فقراءته قراءة له))، وحديث: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، بحمل ذلك على قراءة غير الفاتحة.
    السؤال () : شرح سورة الفاتحة، ما تفسير سورة البسملة ؟
    وهل البسملة من القرآن، وهل هي آية من كل سورة أو من الفاتحة أم آية مستقلة للفصل بين السور ؟

    الجواب :
    ثم إن الشيخ رحمه الله فسّر الفاتحة تفسيراً موجزاً فقال: [{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: بركة واستعانة].
    والمعنى أن المسلم يأتي بالبسملة تبركاً باسم الله ومستعيناً بالله في قراءته، وكذلك الحال في أي شيء يأتي بالتسمية قبله، يأتي بها تبركاً واستعانة، ويقرأ البسملة سرّاً، والبسملة آية من القرآن، وهل هي آية من كل سورة ؟ أو آية مستقلة للفصل بين السور، وهل هي آية من سورة الفاتحة أو ليست منها ؟
    أقوال لأهل العلم، ويدل على أنها من القرآن أن الصحابة أدخلوها في المصحف، ولم يدخلوا فيه إلاّ ما هو قرآن، وجاء في سنن أبي داود بسند صحيح (78 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
    ولا خلاف بين أهل العلم في أن البسملة بعض آية في أثناء سورة النمل، وسورة الفاتحة سبع آيات، فمن قال من العلماء إنها آية من الفاتحة عدَّ البسملة في السبع، ومن قال إنها ليست من الفاتحة، جعل السابعة {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}، ومما استدل به على أن البسملة ليست آية من الفاتحة قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (( قال الله عزّ وجلّ: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله تعالى: حمدني عبدي...)) الحديث، رواه مسلم عن أبي هريرة (395)، فلم يذكر البسملة فيها.
    السؤال () : ما تفسير {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ؟
    ما الفرق بين حمد لله عزوجل، وبين حمد العباد ؟

    الجواب :
    قوله: [{الْحَمْدُ لِلَّهِ}: الحمد ثناء، والألف واللام لاستغراق جميع المحامد، وأما الجميل الذي لا صنع له فيه مثل الجمال ونحوه: فالثناء به يسمى مدحاً لا حمداً]. حمد العباد ربّهم عبادةٌ، وهو من توحيد الألوهية الذي هو توحيد الله بأفعال العباد، والله سبحانه وتعالى هو أهل الحمد والثناء على كل نعمة حصلت للعباد، سواء كان لأحد من العباد سبب فيها أو لم يكن؛ لأن الفضل في ذلك كلِّه لله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53]، وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس: ((واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك))، فجميع المحامد على الحقيقة لله فهو سبحانه وحده المحمود على كل حال، وأما العباد، فما كان منهم من جميل اختياري كالبر والإحسان وفعل المعروف فإنهم يحمدون ويثنى عليهم فيه، وما كان فيهم من جميل لا صُنع لهم فيه، كالجمال وحُسن الخِلقة فإنهم يُمدحون فيه ولا يحمدون عليه.
    السؤال () : ما تفسير {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ؟
    الجواب :
    قوله: [ {رَبِّ الْعَالَمِينَ}: الرب: هو المعبود، الخالق، الرازق، المالك، المتصرف، مربي جميع الخلق بالنعم. {العالمين}: كل ما سوى الله عالم وهو رب الجميع ].
    وهذا فيه توحيد ربوبيته وأسمائه وصفاته، فإن توحيد الربوبية، توحيده بأفعاله سبحانه وتعالى، فهو واحد في الخلق والرَّزق والإحياء والإماتة، لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، وله سبحانه وتعالى الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وقد جاء في هذه الآية {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} اسمان من أسماء الله وهما "الله، والرب"، وقد قال الله عزّ وجلّ: {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس:58].
    السؤال () : ما تفسير {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ؟
    وما الفرق بين {الرَّحْمَنِ} و{الرَّحِيمِ} ؟
    الجواب :
    قوله: [ {الرَّحْمَنِ}: رحمة عامة جميع المخلوقات. {الرَّحِيمِ}: رحمة خاصة بالمؤمنين؛، والدليل قوله تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} ].
    الرحمن والرحيم: اسمان من أسماء الله، وهما يدلان على صفة من صفاته وهي الرحمة.
    وأسماء الله عزّ وجلّ كلّها مشتقة، تدل على معان هي الصفات، فيؤخذ من كل اسم من أسمائه صفة من صفاته، والرحمن أعم من الرحيم؛ وهو لا يطلق إلاّ على الله، فلا يقال لغيره رحمن، وأما الرحيم، فيطلق على الله وعلى غيره، وقد قال الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128].
    السؤال () : ما تفسير {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ؟
    الجواب :
    قوله [{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}: يوم الجزاء والحساب، يوم كل يجازى بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر؛ والدليل قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 17-19]، والحديث عنه صلى الله عليه وسلم: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني))].
    الله سبحانه وتعالى مالك كل شيء، وهو مالك الدنيا والآخرة، وإنما خصّ يوم الدين هنا بأن الله مالكه؛ لأنه اليوم الذي يخضع فيه الخلائق لرب العالمين، وهذا بخلاف الدنيا، فإنه وُجد فيها من عتى وتجبّر، وقال: {أنا ربكم الأعلى}، وقال: {ما علمت لكم من إله غيري}، والحديث الذي ذكره الشيخ أخرجه الترمذي (2459) وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.
    السؤال () : تفسير قول الله عز وجل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؟
    ومتى يجوز الاستعانة بالإنسان ؟

    الجواب :
    قوله: [{إِيَّاكَ نَعْبُدُ}: أي لا نعبد غيرك، عهد بين العبد وبين ربّه ألاّ يعبد إلاّ إياه. {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: عهد بين العبد وبين ربّه ألاّ يستعين بأحد غير الله].
    قال الله عزّ وجلّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، وتقديم المفعول وهو {إياك} في العبادة والاستعانة، فيه قصر واختصاص، قصر العبادة على الله واختصاصه بها، فلا يُعبد إلاّ الله، ولا يُستعان إلاّ بالله، فلا يطلب العبد العون من الملائكة ولا الجن ولا الغائبين، أما طلبه العون من إنسان حاضر يقدر على إعانته ومساعدته في تحصيل نفع أو دفع ضرٍّ، فهذا سائغ لا محذور فيه.
    السؤال () : ما تفسير {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ؟
    لماذا حاجة الناس إلى الهداية إلى الصراط المستقيم فوق كل حاجة ؟

    الجواب :
    قوله: [{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} : معنى {اهْدِنَا}: دلنا، وأرشدنا، وثبتنا، و{الصِّرَاطَ}: الإسلام، وقيل: الرسول، وقيل: القرآن، والكل حق، و{الْمُسْتَقِيمَ}: الذي لا عوج فيه].
    حاجة العباد إلى الهداية إلى الصراط المستقيم فوق كل حاجة، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب سبب بقائهم في هذه الحياة الدنيا، وأما هدايتهم الصراط المستقيم فهي سبب فلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم يتضمن طلب الدلالة والإرشاد إلى طريق الحق والهدى، ويتضمن طلب التوفيق لسلوك الصراط المستقيم، وسؤال العبد ربّه في كل ركعة من ركعات الصلاة الهداية إلى الصراط المستقيم، يتضمن سؤال الله عزّ وجلّ تثبيته على ما حصل له من الهداية، ويتضمن طلب المزيد من الهداية كما قال عزّ وجلّ: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد:17]، ولا تنافي بين تفسير {اهْدِنَا} بدُلّنا وأرشدنا وثبّتنا، وتفسير الصراط المستقيم بالإسلام، والرسول، والقرآن؛ لأن ذلك من قبيل اختلاف التنوع، وليس من قبيل اختلاف التضاد، ولهذا قال الشيخ: والكل حق، وتفسيرات السلف غالباً تكون من هذا القبيل، إما تفسيرٌ بألفاظ متقاربة كلها حق، ولا تنافي بينها كما هنا، وإما تفسير بالمثال وهو أن يفسر لفظ عام ببعض أجزائه، مثل قوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة:201]، فإن تفسير حسنة الدنيا بالزوجة الصالحة أو الولد الصالح أو المال الطيب، لا منافاة بينها وهو من قبيل التفسير بالمثال.
    السؤال () : تفسير قول الله عز وجل: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} ؟
    ما الفرق بين أمة الإجابة وبين أمة الدعوة ؟
    الجواب :
    قوله: [{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}: طريق المنعم عليهم؛ والدليل قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً} [النساء:69]، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}: وهم اليهود، معهم علم ولم يعملوا به، تسأل الله أن يجنبك طريقهم، {وَلا الضَّالِّينَ}: وهم النصارى؛ يعبدون الله على جهل وضلال، تسأل الله أن يجنبك طريقهم، ودليل الضالين، قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} [الكهف:103]، والحديث عنه صلى الله عليه وسلم: ((لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه))، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن)). أخرجاه، والحديث الثاني: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلاّ واحدة)). قلنا: من هي يا رسول الله ؟ قال: ((من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي))].
    الصراط المستقيم الذي يسأل المسلم ربه أن يهديه إياه، هو طريق المُنعم عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، كما قال عزّ وجلّ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، وهو يسأل الله عزّ وجلّ في كل ركعة من ركعات صلاته أن يهديه طريق الحق والهدى، وأن يجنّبه طريق أهل الضلالة والغواية من اليهود والنصارى، وحديث: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم...))، رواه البخاري (7320) ومسلم (2669) عن أبي سعيد، وأوله عند البخاري بلفظ: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً))، وعند مسلم بلفظ: ((لتتبعن الذين من قبلكم شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراع)).
    وحديث افتراق الأمة جاء عن جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، انظر تخريجه في التعليق على الحديث رقم (16937) من مسند الإمام أحمد، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني (203-204)، وقد نقل تصحيحه عن ابن تيمية والشاطبي والعراقي.
    والمراد بالأمة في الحديث أمة الإجابة، وهذه الثلاث والسبعون فرقة مسلمون، فرقة ناجية وهم الذين على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واثنتان وسبعون فرقة متوعدون بالنار لانحرافهم عن طريق الحق، وأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، وأما أمة الدعوة، فهم كل إنسي وجنّيّ من حين بعثته صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، ويدخل فيهم اليهود والنصارى، وسائر ملل الكفر، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلاّ كان من أصحاب النار)). رواه مسلم (386) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وانظر فتاوى شيخ الإسلام (7/21، وفتاوى اللجنة الدائمة (2/157).
    السؤال () : الأركان السبعة الباقية وهي (والركوع والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأفعال، والترتيب بين الأركان) ؟
    قوله: [والركوع والرفع منه، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والدليل قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77]، والحديث عنه صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم))، والطمأنينة في جميع الأفعال، والترتيب بين الأركان؛ والدليل حديث المسيء صلاته عن أبي هريرة قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ دخل رجل فصلى فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) فعلها ثلاثاً، ثم قال: والذي بعثك بالحق نبياً، لا أحسن غير هذا، فعلمني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) ].
    هذه سبعة من أركان الصلاة كلها أفعال، وقد دلّ عليها جميعها حديث المسيء صلاته، رواه البخاري (757) ومسلم (397) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وحديث السجود على الأعضاء السبعة أخرجه البخاري (812) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفت الثياب والشعر))، ورواه مسلم أيضاً (490).
    السؤال () : ما معنى (الطمأنينة) و(الترتيب) ؟
    الجواب :

    والطمأنينة في الأركان: الهدوء وعدم العجلة، فلا ينقر هذه الأفعال، بل يطمئن فيها، سواء طال الاطمئنان أو قصر.
    وأما الترتيب فيأتي بها مرتّبة، القيام ثم الركوع، ثم الرفع منه، ثم السجود، ثم الجلوس بين السجدتين، فلو سجد ناسياً قبل أن يركع وجب عليه أن يرجع ليأتي بالركوع ثم السجود، ولا يعتدّ بالسجود الذي حصل منه سهواً.
    السؤال (): الركن الحادي عشر من أركان الصلاة هو (التشهد الأخير) الذي قبل السلام، ما الدليل عليه، وما معاناه ؟
    الجواب:

    قوله: [والتشهد الأخير ركن مفروض، كما في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تقولوا: السلام على الله من عباده، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)).
    ومعنى ((التحيات)): جميع التعظيمات لله ملكاً واستحقاقاً، مثل: الانحناء والركوع، والسجود، والبقاء والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر. و((الصلوات)) معناها: جميع الدعوات، وقيل: الصلوات الخمس. و((الطيبات لله)): الله طيب، ولا يقبل من الأقوال والأعمال إلاّ طيبها. ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)): تدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بالسلامة والرحمة والبركة، والذي يدعى له ما يدعى مع الله. ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))، تسلم على نفسك، وعلى كل عبد صالح في السماء والأرض، والسلام دعاء، والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله. ((أشهد أن لا إله إلاّ الله)) وحده لا شريك له، تشهد شهادة اليقين أن لا يعبد في الأرض ولا في السماء بحق إلاّ الله، وشهادة ((أن محمداً رسول الله)): بأنه عبد لا يعبد، ورسول لا يكذّب، بل يطاع ويتّبع، شرفه الله بالعبودية؛ والدليل قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان:1] ].
    التشهد الذي يكون قبل السلام من كل صلاة ركن من أركان الصلاة، وهذا هو الركن الحادي عشر.
    السؤال (): الركن الثاني عشر من أركان الصلاة هو (الجلوس) للتشهد الأخير، ما الدليل عليه، وما معاناه ؟
    وما حكم ترك التشهد الأخير والجلوس له ؟
    وهل أتى التشهد بصيغ عدة، وهل يمكن الجمع بينها، وبما يحصل أداء الواجب ؟
    ولماذا سمي بالتشهد الأخير ؟
    الجواب:

    والركن الثاني عشر: الجلوس له، فلو سلّم بعد السجود، ترك ركنين، ولو جلس ونسي أن يتشهد، ترك ركناً واحداً، وتركهما معاً أو ترك التشهد وحده مبطل للصلاة، والتشهد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بصيغ متعدّدة، يحصل أداء الواجب بأي واحد منها ولا يجمع بينها في صلاة واحدة، والتشهد الذي ذكره الشيخ هو تشهد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقد جاء في بعض رواياته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إياه كما يعلمهم السورة من القرآن، وسمي تشهداً؛ لأنه خُتم بأشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وهذا التشهد أخرجه البخاري (831) ومسلم (402)، وعند البخاري (6265) بعد ذكر التشهد زيادة: "وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام - يعني - على النبي صلى الله عليه وسلم" والمعنى: أن الصحابة كانوا يقولون: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" بكاف الخطاب، فلما توفي صاروا يقولون: "السلام على النبي" بالغيبة، لكن جاء في تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في موطأ الإمام مالك (53) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ، أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر، يعلّم الناس التشهد، يقول: قولوا: ((التحيات لله))، وفيه: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، بكاف الخطاب. ففي هذا أن عمر رضي الله عنه كان يعلِّم التشهد وهو على المنبر، ومما علّمه هذه الصيغة.
    وهو يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم جاء عنهم هذا وهذا، والأمر في ذلك واسع، فللمصلي أن يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وله أن يقول: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، وقد شرح الشيخ رحمه الله هذا التشهد بهذا الشرح الواضح، وقول الشيخ رحمه الله في معنى ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)): "تدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بالسلامة والرحمة والبركة، والذي يدعى له ما يدعى مع الله".
    وقوله في معنى: ((السلام على عباد الله الصالحين)): "والسلام دعاء والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله".
    في هذا تقرير توحيد الألوهية، وأن الدعاء عبادة، وقد قال الله عزّ وجلّ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن:18]، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الدعاء هو العبادة)). رواه أبو داود (1479) وغيره بسند صحيح، فلا يدعى إلاّ الله، ولا يستغاث بأحد سواه، كما قال الله عزّ وجلّ: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62]، والنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من المرسلين، والملائكة والصالحين، يدعى لهم الله، ولا يدعون مع الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يدعى ويرجى، وغيره يدعى له ولا يدعى، وقوله رحمه الله: "وشهادة أن محمداً رسول الله: بأنه عبد لا يعبد ورسول لا يكذّب، بل يطاع ويتّبع"، المعنى: أن من شأن العبد أن يكون عابداً لا معبوداً، ومن شأن الرسول أن يكون مصدَّقاً ومطاعاً ومتبوعاً، وقد قال رحمه الله في كتابه (الأصول الثلاثة): " ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر وألاّ يعبد الله إلاّ بما شرع" .
    السؤال () : ما معنى ((التحيات)) ؟
    فيها بيان حق الله ، وأمثلة للعبادات، والفرق بين حكم الشرك على الإطلاق وعلى من وقع منه الشرك، وأنواع التوسل، وختم تحت هذه الفقرة مسألة العذر بالجهل بطريقة مناسبة.
    الجواب :

    وقوله: [ومعنى ((التحيات)): جميع التعظيمات لله ملكاً واستحقاقاً، مثل الانحناء، والركوع، والسجود، والبقاء، والدوام، وجميع ما يعظم به رب العالمين فهو لله، فمن صرف منه شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر].
    العبادة حق الله كما قال الله عزّ وجلّ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ...} [النحل:36]، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]، فيجب صرف جميع أنواع العبادة لله، ولا يجوز صرف شيء منها لغيره تعالى، فالصلاة لله، والركوع والسجود لله، والاستغاثة بالله، والدعاء لله والتوكل على الله، والاستعاذة بالله، وهكذا جميع أنواع العبادة لله، قال الله عزّ وجلّ: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162-163]، ومن صرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله، فهو مشرك كافر.
    وهذا الحكم إنما هو على الإطلاق وعلى من بلغته الحجة.
    وأما الشخص المعين فإذا حصل منه صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، كدعاء الأموات والاستغاثة بهم، وهو جاهل فإنه يتوقّف في تكفيره حتى يُبَيَّن له وتقام عليه الحجّة، وهذا أحد قولين في المسألة، ذكرهما شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله في جواب سؤال عن بعض أهل البدع، جاء فيه: "كذلك التوسل بالأولياء قسمان: الأول: التوسل بجاه فلان أو حق فلان، هذا بدعة وليس كفراً. التوسل الثاني: هو دعاؤه بقوله: يا سيدي فلان انصرني أو اشف مريضي، هذا هو الشرك الأكبر وهذا يسمونه توسلاً أيضاً، وهذا من عمل الجاهلية.
    أما الأول فهو بدعة، ومن وسائل الشرك، قيل له: وقولهم: إنما ندعوه؛ لأنه ولي صالح وكل شيء بيد الله وهذا واسطة. قال: هذا عمل المشركين الأولين، فقولهم: مدد يا بدوي، مدد يا حسين، هذا جنس عمل أبي جهل وأشباهه، لأنهم يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس:18]، هذا الدعاء كفر وشرك بالله عزّ وجلّ.
    لكن اختلف العلماء هل يكفر صاحبه أم ينتظر حتى تقام عليه الحجّة وحتى يبيّن له، على قولين: أحدهما: أن من قال هذا يكون كافراً كفراً أكبر؛ لأن هذا شرك ظاهر لا تخفى أدلّته، والقول الثاني: أن هؤلاء قد يدخلون في الجهل وعندهم علماء سوء أضلّوهم، فلابد أن يبين لهم الأمر ويوضح لهم الأمر حيث يتضح لهم؛ فإن الله قال: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]، فإذا وضح لهم الأمر وقال لهم: هذا لا يجوز، قال الله كذا وقال الرسول كذا، بين لهم الأدلة، ثم أصروا على حالهم، كفروا بهذا، وفي كل حال فالفعل نفسه كفر شرك أكبر، لكن صاحبه هو محل نظر هل يكفر أم يقال: أمره إلى الله، قد يكون من أهل الفترة؛ لأنه ما بيّن له الأمر فيكون حكمه حكم أهل الفترات، أمره إلى الله عزّ وجلّ؛ لأنه بسبب تلبيس الناس عليه من علماء السوء" انتهى. نقلاً من كتاب: (سعة رحمة رب العالمين للجهال المخالفين للشريعة من المسلمين) لسيد بن سعد الدين الغباشي، وفي أول الكتاب رسالة من الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله للمؤلف بتاريخ: 7/5/1403هـ، تتضمن إقرار الكتاب والإذن بطبعه.
    والقول الثاني من القولين وهو التوقف في التكفير، قرّره كثيرون من العلماء، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الاستغاثة (2/731): "فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلّة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلاّ تفطّن، وقال: هذا أصل الدين، وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين".
    وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم". الدرر السنية (1/66).
    وقال أيضاً: "بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك". مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (3/34).
    وقال أيضاً: "ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول: من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضاً من البهتان، إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرض كانت، ولكن نكفر من أقرّ بدين الله ورسوله ثم عاداه وصدّ الناس عنه، وكذلك من عبد الأوثان بعدما عرف أنه دين المشركين وزينه للناس، فهذا الذي أكفره وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلاّ رجلاً معانداً أو جاهلاً". مجموع مؤلفات الشيخ (3/33).
    وقال أيضاً: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله". مجموع مؤلفات الشيخ (3/14).
    وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في كتاب "منهاج التأسيس والتقديس ص: 98-99": "والشيخ محمد رحمه الله من أعظم الناس توقفاً وإحجاماً عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر تاركها، قال في بعض رسائله: "وإذا كنا لا نقاتل من يعبد قبّة الكواز، حتى نتقدم بدعوته إلى إخلاص الدين لله، فكيف نكفر من لم يهاجر إلينا وإن كان مؤمناً موحداً". وقال: وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال، فقرر أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور".
    وقال أيضاً رحمه الله في "مصباح الظلام ص: 499": "فمن بلغته دعوة الرسل إلى توحيد الله ووجوب الإسلام له، وفقه أن الرسل جاءت بهذا لم يكن له عذر في مخالفتهم وترك عبادة الله، وهذا هو الذي يجزم بتكفيره إذا عبد غير الله، وجعل معه الأنداد والآلهة، والشيخ وغيره من المسلمين لا يتوقفون في هذا، وشيخنا رحمه الله قد قرّر هذا وبينه وفاقاً لعلماء الأمة واقتداء بهم ولم يكفر إلاّ بعد قيام الحجة وظهور الدليل حتى إنه رحمه الله توقف في تكفير الجاهل من عباد القبور إذا لم يتيسر له من ينبهه، وهذا هو المراد بقول الشيخ ابن تيمية رحمه الله: حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا حصل البيان الذي يفهمه المخاطب ويعقله فقد تبين له".
    وقال أيضاً في "مصباح الظلام ص: 516": "وشيخنا رحمه الله لم يكفر أحدا ابتداء بمجرد فعله وشركه، بل يتوقف في ذلك حتى يعلم قيام الحجة التي يكفر تاركها، وهذا صريح في كلامه في غير موضع، ورسائله في ذلك معروفة".
    وإنما أفضت بذكر النقول عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في تقرير هذه المسألة، وهي أن تكفير المعين الذي وقع في الشرك في العبادة لجهله، إنما يكون بعد البيان له وإقامة الحجة، لا قبل ذلك؛ لأن من الجاهلين والحاقدين عليه وعلى دعوته، المبنية على الكتاب والسّنّة، وما كان عليه سلف الأمّة، من يشنع عليه وينفّر من دعوته، برميه بتكفير المسلمين، والتكفير بالعموم، وهو إنما يكفر من قامت عليه الحجة، وبانت له المحجة، ولأن نفراً يسيراً من طلبة العلم من أهل السّنّة فيما علمت يعيبون على من يقرّر ذلك وهو عيب لما قرّره شيخا الإسلام، ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما من أهل العلم، ومع ذلك فإن الخطأ في العفو في الأمور المشتبهة، خير من الخطأ في العقوبة، وهم في عيبهم القول الذي قرّره الشيخان والحرص على خلافه يفسحون المجال للمتربصين بأهل السّنّة الذين يصطادون في الماء العكر، فيردّدون صدى نعيق أعداء الإسلام والمسلمين، الذين يزعمون أن تطرف من ابتلي بالتفجير والتدمير، راجع إلى دراسة مناهج التعليم المبنية على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من أهل السّنّة، وهو بهت وزور ممن افتراه أو ردّده، فإن الذين ردّدوا هذا النعيق من أهل هذه البلاد، قد درسوا كما درس غيرهم هذه المناهج، ولم يحصل لهم ضرر منها بل حصل النفع العظيم منها لكل من شاء الله هدايته وتوفيقه، وإنما حصل التطرف من هؤلاء المتطرفين لفهومهم الخاطئة التي شذّوا بها وخرجوا عن جماعة المسلمين، وقدوتهم في ذلك الخوارج الذين شذّوا وخرجوا على الصحابة نتيجة لفهومهم الخاطئة، ولكل قوم وارث، والله المستعان.
    السؤال (): الركن الثالث عشر من أركان الصلاة هو (الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) ما معناه، وما الدليل عليه ؟
    وفيه ذكر أفضل كيفيات الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، الصلاة الإبراهيمية، التي علّم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إياها.
    وفيه بيان أن التشهد ورد بصيغ متعددة . والجمع بين صلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، وحكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير . وفيه بيان لشيء من محبة النبي صلى الله عليه وسلم والدليل عليه ؟
    الجواب :

    قوله: [ ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد)): الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، كما حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وقيل: الرحمة، والصواب الأول. ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: الدعاء].
    الركن الثالث عشر من أركان الصلاة: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضل كيفيات الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، الصلاة الإبراهيمية، التي علّم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إياها عند سؤالهم عن كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت على صيغ متعدّدة، عن جماعة من الصحابة، وأفضلها الكيفية التي جمع النبي صلى الله عليه وسلم فيها بين الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - وآله، والصلاة على إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - وآله، ففي صحيح البخاري (3370) عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت: بلى، فأهدها لي. فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله! كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإن الله قد علّمنا كيف نسلم. قال: ((قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). وقد قال الله عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب:56]، وقد علم الصحابة رضي الله عنهم منه كيفية السلام عليه بالتشهد الذي علّمهم النبي صلى الله عليه وسلم إياه، وفيه ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، فسألوه عن كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فأجابهم بالصلاة الإبراهيمية، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه، هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه كما كان يعلمهم السورة من القرآن وفيه: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، وفي مسند الإمام أحمد (17072)، ومستدرك الحاكم (1/26 وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن عنده، فقال: يا رسول الله! أما السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا صلى الله عليك..." الحديث، وفي إسناده عندهما محمد بن إسحاق، وهو مدلّس، وقد صرّح بالتحديث عن محمد بن إبراهيم التيمي فقال: "وحدثني في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا المرء المسلم صلى عليه في صلاته محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي"، وفي هذا دليل على أنه يجمع في آخر الصلاة بين السلام والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نقل ابن كثير في تفسيره القول بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير عن الإمام الشافعي والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحديث أبي مسعود رضي الله عنه الذي تقدّم، يدل على ذلك، كما قال ابن كثير رحمه الله، وجمهور العلماء على القول بعدم الوجوب.
    وتعجبني قصة لأحد الفضلاء، وهو الشيخ ثاني المنصور رحمه الله من الجبيل في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية سمعتها ممن سمعها منه مضمونها: أنه زار إحدى الدول التي فتن بعض أهلها بالبناء على القبور والغلو في أصحابها، فلقي جماعة في مسجد فيه قبر لمزوه وأهل بلده بأنهم لا يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: هل في بلادكم حانات للخمور وأماكن للعهر والفجور؟ قالوا: نعم كثيرة!، فقال: إن بلادنا ليس فيها ولا محل واحد، وقال لهم أيضاً: ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عندكم في الصلاة؟ قالوا مستحبّة، قال: فإنها عندنا ركن، إذا لم يأت بها المصلي في صلاته، لا تصح صلاته، فمن يكون الأولى إذاً بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
    وما ذكره رحمه الله واضح في المسألة الأولى، وأما المسألة الثانية فالقول بالاستحباب، قول جمهور العلماء كما تقدّم، لكن ما ذكره لا بأس به، لكونه في مقام المجادلة، والاحتجاج على من لمز أهل السّنّة في هذه البلاد بما هم برآء منه براءة الشمس من اللمس، وأقول إضافة إلى ما ذكره، فإن القضاة في هذه البلاد، يقضون بأحكام الشريعة الرفيعة، وأما ذلك البلد وأكثر البلاد الأخرى، فالقضاة فيها يحكمون بالقوانين الوضعية الوضيعة، وفي هذه البلاد كليات عديدة باسم كلية الشريعة، ومن خريجيها يختار القضاة، وأما البلاد الأخرى، فجلّها إن لم يكن كلها، إذا وجد فيها شيء من ذلك فإنه يطلق عليه اسم كلية الشريعة والقانون، وهذه التسمية تعادل اسم: كلية الحق والباطل.
    وفي عام 1397هـ زرت الباكستان فدعاني جماعة من المحامين لإلقاء كلمة، فاقترحت عليهم فيها أن يبحثوا عن مهن أخرى طيبة غير مهنة المحاماة "الوكالة في الخصومة" في محاكم غير شرعية، وزرت الرئيس ضياء الحق رحمه الله وشكرته على الجهود التي كان يبذلها لتطبيق الشريعة الإسلامية، وكان مما قلته له: إن الفرق بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، كالفرق بين الله وخلقه؛ لأن الشريعة وحي من الله، والقوانين وضع من خلق الله، وأسأل الله عزّ وجلّ أن يوفق المسلمين لتحكيم شريعة ربهم ليظفروا بسعادة الدنيا والآخرة، وقد قال الله عزّ وجلّ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50]، وقال في حق أهل الكتاب: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة:66]، وقال تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:38]، وقال: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:123-124]، وقال: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف:3].
    ولا شك أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون في قلب كل مسلم، فوق محبته لأبيه وأمّه وابنه وبنته، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)). رواه البخاري (15) ومسلم (169) عن أنس رضي الله عنه، والعلامة الواضحة الجلية لمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما هي اتباعه والسير على نهجه، كما قال الله عزّ وجلّ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31].
    السؤال : حكم قوله: ( ((اللهم بارك على محمد)) وما بعدها من الذكر ) ؟
    الجواب:
    قوله: [ "وبارك..." وما بعدها: سننُ أقوالٍ وأفعالٍ]. والمعنى: أن المتعين التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأما (اللهم بارك على محمد) وما بعدها من الذكر، وكذلك الجلوس لهذا الذكر، فسننُ أقوالٍ وأفعالٍ، وسنن الأقوال والأفعال في الصلاة كثيرة، وقد ذكرت في كتب الفقه، ومنها (دليل الطالب) لمرعي بن يوسف (ص:35).
    السؤال (): الركن الرابع عشر من أركان الصلاة هو (التسليمتان) فبما يكون الخروج من الصلاة، وما الدليل على هذا الركن ؟
    الجواب : والركن الرابع عشر: التسليمتان، وبهما يكون الخروج من الصلاة؛ لحديث: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم))، وقد تقدّم. وقد ذكر ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) (2/35: أن أحاديث الخروج من الصلاة بالتسليمتين جاءت عن خمسة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما بين صحيح وحسن، وذهب بعض أهل العلم إلى الاكتفاء بتسليمة واحدة، والقول بالتسليمتين هو الذي تظافرت عليه الأدلة، وفيه الاحتياط والخروج من الخلاف.
    السؤال (): ما هو النتائج في الأركان الصلاة بعد سردها، وبيان معانيها ؟
    الجواب :
    وهذه الأركان الأربعة عشر، خمسة منها قولية، وهي: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتسليمتان، والبقية فعلية، وقد ذكر الشيخ مرعي بن يوسف في كتابه "دليل الطالب" (33) أركان الصلاة الأربعة عشر وعدّ فيها: التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ركناً واحداً، وعدّ فيها الاعتدال قائماً بعد الركوع، واعتباره ركناً جاء النص عليه في حديث المسيء في صلاته، ففيه: "ثم ارفع حتى تعتدل قائماً"، والشيخ الإمام اعتبر الاعتدال قائماً بعد الركوع مع الرفع من الركوع ركناً واحداً، فكأنه يقول: والرفع منه حتى يعتدل قائماً.

    [ واجبات الصلاة ]
    السؤال (): كم عدد شروط الوضوء، وما هي ؟
    الجواب:
    قوله: [والواجبات ثمانية: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، وقول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، وقول: "ربنا ولك الحمد" للكل، وقول: "سبحان ربي الأعلى" في السجود، وقول: "رب اغفر لي" بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له].
    هذه الواجبات كلها قولية إلاّ واحداً منها، فهو فعليّ، وهو الجلوس للتشهد الأول، وقد ذكر ابن قدامة في المغني (2/180) أن وجوب هذه السبعة القولية هو المشهور عن أحمد، وأن القول بعدم وجوبها قول أكثر الفقهاء، قال: "والمشهور عن أحمد أن تكبير الخفض والرفع، وتسبيح الركوع والسجود، وقول: سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، وقول: ربي اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول، واجب وهو قول إسحاق وداود، وعن أحمد أنه غير واجب، وهو قول أكثر الفقهاء".
    ومما استدل به ابن قدامة في المغني على الوجوب قوله: "وقد روى أبو داود عن عليّ بن يحيى بن خلاد عن عمه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ)) إلى قوله: "ثم يكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستوي قائماً ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى يطمئن ساجداً، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته))، وهذا نص في وجوب التكبير". والحديث في سنن أبي داود (857) بإسناد صحيح.
    وقد ذكر الشيخ رحمه الله التسميع للإمام والمنفرد دون المأموم، وهو الصحيح، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))، وفيه قوله: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)). أخرجه البخاري (732-734) عن أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما، فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديثين: ((فقولوا: ربنا ولك الحمد))، ولم يقل: فقولوا: سمع الله لمن حمده، وذهب بعض أهل العلم إلى أن المأموم يقول: سمع الله لمن حمده، مستدلاً بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث: ((وصلوا كما رأيتموني أصلي)). أخرجه البخاري (631)، ووجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((سمع الله لمن حمده)) فالمأمومون يقولون: سمع الله لمن حمده، لكن حديث: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد)) مخصِّص لحديث: ((وصلوا كما رأيتموني أصلي))، وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)). رواه البخاري (611) ومسلم (383) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد خُصَّ من الحديث: ((حي على الصلاة، حي على الفلاح)) فإنه يقال عندهما: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله كما في صحيح مسلم (385) عن عمر رضي الله عنه.
    [=السجود السهو ]
    السؤال (): ما الفرق بين من ترك ركناً أو واجباً من صلاته ؟
    قوله: [فالأركان: ما سقط منها سهواً أو عمداً بطلت الصلاة بتركه، والواجبات: ما سقط منها عمداً بطلت الصلاة بتركه، وسهواً جبره السجود للسهو، والله أعلم].
    أركان الصلاة وواجباتها ومستحباتها، كلّها من أجزائها وهي داخلة تحت التعريف الشرعي للصلاة، وهو: " أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم ".
    السؤال () : ما الفرق بين الأركان والواجبات والمستحبات إذا ترك شيء منها ناسياً أو عامداً ؟
    الجواب:

    وبين الأركان والواجبات والمستحبات فرق، فإن الأركان يتعيّن الاتيان بها، ولا تسقط إذا تركها سهواً أو عمداً،
    وأما الواجبات، فتعمد تركها يبطل الصلاة، وتركها سهواً يجبر بسجود السهو،
    وأما المستحبات، مثل دعاء الاستفتاح، والاستعاذة، فإن من أتى بها أثيب، ومن تركها لا يعاقب إلاّ إذا كان تركه إياها رغبة عن السّنّة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن رغب عن سنّتي فليس منّي)). رواه البخاري (5063) ومسلم (1401)، فإن لفظ السّنّة في هذا الحديث أوسع إطلاقات لفظ السّنّة، فإن المراد به طريقته وما كان عليه صلى الله عليه وسلم، ويشمل ذلك كل ما جاء في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    هذا آخر ما تيسّر تحريره في شرح شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وأسأل الله عزّ وجلّ أن يغفر له ويجزل له الأجر والثواب على جهوده العظيمة في نصرة الدين والدعوة إلى التمسّك بالكتاب والسّنّة وما كان عليه سلف الأمّة، وأسأله تعالى أن يوفّق المسلمين للفقه في الدين والثبات على الحق إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



    [1] سبق في السؤال رقم ().
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •