نسبة القول بالقدر للحسن البصري رحمه الله:
لست من العلماء ولا من طلبة العلم الناصحين المخلصين، ولا أنا ممن له خبرة بالأسانيد، ولكن لما كثر الجدل حول مسألة الشكاية إلى السلطان ذكرت قصة الحسن البصري رحمه الله مع أيوب السختياني في تخويف أيوب له بالسلطان في مسألة القول بالقدر، ولما كتب الشيخ علي الشرفي الحذيفي مقاله الأخير في الذب عن الشيخ عبد الله البخاري والرد على الشيخ عبد الله الأحمد وعلى ناصر زكريا ذكر مسألة نسبة القدر للحسن رحمه الله وأحال فيها إلى كتب الحافظ الذهبي رحمه الله، وهذه خلاصة من مطالعة في ترجمة الحسن البصري رحمه الله في كتاب سير أعلام النبلاء.

فيقال:
المروي في مسألة نسبة القدر إلى الحسن عن السلف في الكتاب المذكور على أضر:
بالأول: مرويات تنسب له الخوض فيه يسيرا وتبرئه منه: ومنها الرواية التي فيها ذككر تخويفه بالسلطان, جاء في سير أعلام النبلاء طبعة مءسسة الرسالة ج4 ص579، 580:
حماد بن زيد ، عن أيوب ، قال : كذب على الحسن ضربان من الناس : قوم القدر رأيهم لينفقوه في الناس بالحسن ، وقوم في صدورهم شنآن وبغض للحسن . وأنا نازلته غير مرة في القدر حتى خوفته بالسلطان ، فقال : لا أعود فيه بعد اليوم . وقد أدركت الحسن - والله - وما يقوله . ا.ه رحمه الله.
الثانيي: مرويات مجملة: وهي مرويات تلت الرواية السابقة تلت ونصها من الكتاب المذكور:

قال الحمادان ، عن يونس قال : ما استخف الحسن شيء ما استخفه القدر .

حماد بن زيد ، أن أيوب وحميدا خوفا الحسن بالسلطان ، فقال لهما : ولا تريان ذاك ؟ قالا : لا . قال : لا أعود .

قال حماد : لا أعلم أحدا يستطيع أن يعيب الحسن إلا به .

وروى أبو معشر ، عن إبراهيم ، أن الحسن تكلم في القدر . رواه مغيرة بن مقسم ، عنه . ا.ه رحمه الله.

الثالث: ينسب للحسن رحمه الله الرجوع عن قوله في القدر, وهي رواية تلت المرويات المجملة السابقة، ونصها:
وقال سليمان التيمي : رجع الحسن عن قوله في القدر . ا.ه رحمه الله.
الرابع: مرويات فيها موافقة الحسن رحمه الله لعقيدة السلف في القدر: وهي مرويات عقبت رواية سليمان التيمي السابقة، ونصها:
حماد بن سلمة ، عن حميد ، سمعت الحسن يقول : خلق الله الشيطان ، وخلق الخير ، وخلق الشر . فقال رجل : قاتلهم الله ، يكذبون على هذا الشيخ .

أبو الأشهب : سمعت الحسن يقول في قوله : وحيل بينهم وبين ما يشتهون قال : حيل بينهم وبين الإيمان .

وقال حماد ، عن حميد ، قال : قرأت القرآن كله على الحسن ، ففسره لي أجمع على الإثبات ، فسألته عن قوله : كذلك سلكناه في قلوب المجرمين قال : الشرك سلكه الله في قلوبهم .
حماد بن زيد ، عن خالد الحذاء ، قال : سأل الرجل الحسن فقال : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ؟ قال : أهل رحمته لا يختلفون ، ولذلك خلقهم ، خلق هؤلاء لجنته ، وخلق هؤلاء لناره . فقلت : يا أبا سعيد ، آدم خلق للسماء أم للأرض ؟ قال : للأرض خلق . قلت : أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة ؟ قال : لم يكن بد من أن يأكل منها ; لأنه خلق للأرض . فقلت : ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم ؟ قال : نعم ، الشياطين لا يضلون إلا من أحب الله له أن يصلى الجحيم .

أبو هلال محمد بن سليم : دخلت على الحسن يوم الجمعة ولم يكن جمع ، فقلت : يا أبا سعيد ، أما جمعت ؟ قال : أردت ذلك ، ولكن منعني قضاء الله .

منصور بن زاذان : سألنا الحسن عن القرآن ، ففسره كله على الإثبات .

ضمرة بن ربيعة ، عن رجاء ، عن ابن عون ، عن الحسن ، قال : من كذب بالقدر فقد كفر . ا.ه رحمه الله.
الخامس: روايات تبرئ الحسن مما نحل عليه في القول بالقدر, ونص الرواية:
رجاء بن سلمة ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين - وقيل له في الحسن : وما كان ينحل إليه أهل القدر ؟ قال : كانوا يأتون الشيخ بكلام مجمل ، لو فسروه لهم لساءهم . ا.ه رحمه الله:
وفي رواية ص582، 583
وقال أبو سعيد بن الأعرابي : كان يجلس إلى الحسن طائفة من هؤلاء ، فيتكلم في الخصوص ، حتى نسبته القدرية إلى الجبر ، وتكلم في الاكتساب حتى نسبته السنة إلى القدر ; كل ذلك لافتنانه وتفاوت الناس عنده ، وتفاوتهم في الأخذ عنه ، وهو بريء من القدر ومن كل بدعة . ا.ه رحمه الله.
السادس: إشارة إلى سبب نسبة بعض الأقوال البدعية إلى الحسن رحمه الله: ويدخل فيها رواية أبي سعيد ابن الأعرابي السابقة، ورواية تقدمت الكلام عن نسبة القدر إليه في السير وهي أيضا عن أبي سعيد ابن الأعرابي أيضا، ونصها وما بعدها فيه بيان العلة، قال الذهبي رحمه الله في ص580:
وقال أبو سعيد بن الأعرابي في " طبقات النساك " : كان عامة من ذكرنا من النساك يأتون الحسن ، ويسمعون كلامه ، ويذعنون له بالفقه ، في هذه المعاني خاصة .

وكان عمرو بن عبيد ، وعبد الواحد بن زيد من الملازمين له ، وكان له مجلس خاص في منزله ، لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك وعلوم الباطن ، فإن سأله إنسان غيرها ، تبرم به وقال : إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر .

فأما حلقته في المسجد فكان يمر فيها الحديث ، والفقه ، وعلم القرآن ، واللغة ، وسائر العلوم ; وكان ربما يسأل عن التصوف فيجيب ، وكان منهم من يصحبه للحديث ، ومنهم من يصحبه للقرآن والبيان ، ومنهم من يصحبه للبلاغة ، ومنهم من يصحبه للإخلاص وعلم الخصوص ، كعمرو بن عبيد وأبي جهير ، وعبد الواحد بن زيد ، وصالح المري ، وشميط ، وأبي عبيدة الناجي ; وكل واحد من هؤلاء اشتهر بحال - يعني في العبادة . ا.ه رحمه الله.
فعمرو بن عبيد من الطبقة الرابعة أشهر من أن يذكر في باب البدعة بالقدر قال الذهبي في ترجمته:

الزاهد ، العابد ، القدري ، كبير المعتزلة ، وأولهم ، أبو عثمان البصري. ا.ه رحمه الله.
وعبد الواحد بن زيد من السادسة قال فيه الذهبي: قلت : فارق عمرو بن عبيد لاعتزاله ، وقال بصحة الاكتساب ، وقد نسب إلى شيء من القدر ، ولم يشهر ; بل نصب نفسه للكلام في مذاهب النساك ، وتبعه خلق . وقد كان ثابت البناني ، ومالك بن دينار يعظان أيضا ، ولكنهما كانا من أهل السنة .

وكان عبد الواحد صاحب فنون ، داخلا في معاني المحبة والخصوص ، قد بقي عليه شيء من رؤية الاكتساب ، وفي ذلك شيء من أصول أهل القدر ، فإن عندهم : لا نجاة إلا بعمل . فأما أهل السنة فيحضون على الاجتهاد في العمل ، وليس به النجاة وحده دون رحمة الله .

وكان عبد الواحد لا يطلق : إن الله يضل العباد ، تنزيها له . وهذه بدعة . وفي الجملة ، عبد الواحد من كبار العباد ، والكمال عزيز . وقد سقت من أخباره في " تاريخ الإسلام " ولكن ابن عون ومسعرا وهؤلاء أرفع وأجل . ا.ه رحمه الله.
ويقال بعد هذا تعليقا على ما تقدم:
أصرح الروايات التي يفهم منها نسبة القدر للحسن رواية أيوب عنه، وهي وإن كان فيها ذكر تلبس الحسن رحمه الله بشيء من المقالات في القدر إلا أنها صريحة في كونها تنفي أنه على مذهب القدرية، ولكن لم يذكر لنا أيوب رحمه الله شيئا من تلك المقالات التي نازل فيها الحسن، ولكنه رحمه الله نفى كونه منسوبا إلى القدر، وأنه ترك القول بالقدر، وهي رواية أصرح من الروايات المجملة التي قد يفهم منها نسبة القول بالقدر بإطلاق للحسن رحمه الله.
ولعلها مقالات وقف عليها أيوب رحمه الله وكانت من أثر مجالسة بعض القدرية كعمرو بن عبيد وعبد الواحد بن زيد، وكان سببها كما ذكر ابن سيرين رحمه الله إيراد الألفاظ المجملة التي لو فصلوها لساءهم الحسن رحمه الله.وقد أثبت العلماء رحمهم الله توبة الحسن رحمه الله من مقالاته هذه، ووردت آثار في أنه كان يفسر النصوص الشرعية بإثبات القدر، وآثار من كلامه فيها موافقة عقيدة أهل السنة والجماعة في القدر.
ويبقى الاستدلال بهذه الواقعة في أمر الشكاية إلى السلطان، فيقال: إن أيوب رحمه الله نص على أنه نازله في مسألة القدر مرارا، وكانت هذه المرحلة الأولى، ثم بعد ذلك نص على أنه خوفه، وفي هذا من الفوائد:
--الصبر على من وقعت منه المخالفة من أهل السنة وعدم التعجل في إصدار الأحكام عليه.
--تكرار المناصحة مرة بعد مرة بالحجة والبرهان مع بيان الخطأ.
-- التدرج في الانتقال من أسلوب لآخر في علاج الخطأ.
--بدأ أيوب رحمه الله بمرحلة التخويف بالسلطان ولم يباشر ذلك, إذ إن المقصد هداية الخلق وعدم إعانة الشيطان عليهم، ولو فرض أن المخطئ من أهل السنة كابر وعاند مع استنفاد الوسائل المتاحة معه فحينئذ يكون رفع أمره إلى السلطان من باب أن آخر الدواء الكي، ولكي لا يفتتن به غيره.
وفي ختام المسألة هذا ختام كلام الذهبي رحمه الله على مسألة نسبة القول بالقدر للحسن رحمه الله حيث قال في ص584: قلت : وقد مر إثبات الحسن للأقدار من غير وجه عنه سوى حكاية أيوب عنه ، فلعلها هفوة منه ورجع عنها ولله الحمد .ا.ه رحمه الله.
فلا يصح بعد هذا نسبة القول القدر إليه بإطلاق، ولا يبقى في الاستدلال بعد هذا الكلام إلا استنباط العبرة من القصة مع تبرئة الإمام من مذهب القدرية فيما يلي: خطر مجالسة أهل الأهواء، ثبوت الصبر على من وقع في هفوة من أهل السنة عن السلف،اللجوء إلى السلطان يكون عند ترجح المصلحة بعد استنفاد الوسائل، وبذا تجتمع آراء العلماء في مسألة اللجوء إلى السلاطين.
والله أعلم.