الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد:
فإنه لمن دواعي سروري عودتي هذه لأعز منتدى وموقع إلى قلبي الذي أبعدني عليه المشاركة -وإلا فالمراقبة لم تنقطع بإذن الله تعالى- فيه أسباب قاهرة وظروف صعبة أمر بها وإن شاء الله الفرج قريب، ولا أنكر ما لمواقع التواصل الإجتماعي من زيادة المساعدة على البعد عن الكتابة مع وجود عدة مشاريع ومواضيع معلقة أسأل الله أن يرزقني الإخلاص والقوة لا أقول لإكمالها وإتمامها ولكن للبقاء في ذلك الطريق، فليس المهم أن تكمل ولكن الأهم أن تموت وأنت في ذلك الطريق طريق طلب العلم والإزدياد منه، ومع ذكر العلم والمشاريع لي مشروع قراءة آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله تعالى، وقد أنشأت قناة في التليچرام خاصة بها وهذا رابطها لمن رغب بالإلتحاق بها:
"فوائد آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي
قناة مخصصة في نشر فوائد آثار الشيخ التي طبعتها عالم الفوائد
https://t.me/elmo3alimi " والكتاب في 25 مجلد وصلت فيه بفضل الله للمجلد 16 وهو مجموع رسائل الفقه وهذا أول مجلداته إذ يتكون من 3 مجلدات يحتوي على 38 رسالة وصلت فيها للرسالة رقم 4 تحت عنوان "هل يدرك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإمام"، فبدأت قراءتها على أساس ذكر الفوائد التي تشد انتباهي فلم أستطع ذلك لغزارة وقوة مادة الرسالة على صغر حجمها، وأنا متأكد أنه لو كانت تأليفا وليس تعقيبا على رسالة الشيخ العلامة محمد عبد الرزاق حمزة لكانت ستكون أكبر حجما، لكن قدر الله وما شاء فعل، وهذه أحسن من لا شيء، نعود لموضوعنا قررت تلخيص الرسالة وجعلها بحث مفتوح للنقاش وزيادة الفائدة خاصة وأن هذا أمر عظيم ويقع للجميع وعمت به البلوى ويترتب عليه صحة وبطلان، طبعا من ترجح له الإدراك فلا نقول عليه صلاته باطلة أو ركعته ملغاة، المهم قد سبق طرح الموضوع من دون ذكر إختصار كلام العلامة المعلمي والحمد لله لقى الموضوع تفاعلا، وأرجو أن يكون التفاعل هنا أكثر، لذلك لا أطيل عليكم ونعرض نص إختصار الرسالة والحمد لله رب العالمين.

الرسالة الرابعة في #مجموع_رسائل_الفقه التي بعنوان #هل_يدرك_المأموم_الركعة_بإدراكه_الركوع_مع_الإمام؟ رسالة قوية على صغر حجمها إذ وقعت في ثلاثين صفحة شغلت ما بين (133-103)

افتتح الشيخ بالحمدلة ثم ذكر سبب تأليف الرسالة وهي أن الشيخ العلامة محمد عبد الرزاق حمزة أطلعَ الشيخ على رسالة في إدراك الركعة بالركوع، وأشار عليه أن يكتب ما ظهر له، فكتب الشيخ هذه الرسالة اللطيفة وناقش فيها الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة فيما ذهب إليه.
ثم تكلم على فرضية القيام في الكتاب والسنة ناقلا عن كتاب البخاري العظيم القراءة خلف الإمام وذكر أن البخاري بسط الكلام في فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة حتى على المأموم في الجهرية، وذكر أن الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة وافق البخاري في كل كتابه إلا قضية عدم إدراك المأموم الركعة بالركوع، وجعلها مستثناة من ذلك العموم.

ثم سرد أدلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة وهي خمسة أحاديث وناقشها وسألخص ذلك إن شاء الله تعالى مع بعض الزيادات في التخريج وذكر الأسانيد إذا اقتضى الأمر ذلك:

الأول: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعُدُّوها شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة". قال الشيخ: "سكت عليه أبو داود والمنذري، واحتج به ابن خزيمة في صحيحه...".

قال أبو داود في سننه في كتاب الصلاة باب الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يصنع؟:
حدثنا محمد بن يحيى بن فارس أن سعيد بن الحكم حدثهم أخبرنا نافع بن يزيد حدثني يحيى بن أبي سليمان عن زيد بن أبي العتاب وابن المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ... الحديث.

قال المعلمي ص 107 ولعلي أختصر بعض الكلام:
تفرد به يحيى بن أبي سليمان، رواه عن زيد بن أبي عتّاب وسعيد المقبري عن عن أبي هريرة.
ويحيى هذا قال فيه البخاري: "منكر الحديث، روى عنه أبو سعيد [عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد] مولى بني هاشم وعبد الله بن رجاء البصري مناكير، [يعني: وهما ثقتان، فالحمل في تلك المناكير على يحيى]، ولم يتبين سماعه من زيدٍ ولا من ابن المقبري به".
وقال أبو حاتم في يحيى هذا: "مضطرب الحديث ليس بالقوي، يكتب حديثه"، وقال البيهقي في "المعرفة" في هذا الحديث: "تفرد به يحيى بن أبي سليمان هذا، وليس بالقوي". كذا في "التعليق على الدارقطني" ص132.
وذكر البيهقي في السنن (ج2 ص89) ثم قال: "تفرد به يحيى بن أبي سليمان المدني، وقد رُوي بإسناد آخر أضعف من ذلك عن أبي هريرة"، ثم ساق الحديث الآتي.
وذكر يحيى هذا الذهبي في "ميزانه"، وذكر له حديثا آخر، كأنه استنكره.

وأخرج الحديث ابن خزيمة في "صحيحه" وقال هذا الحديث في القلب شيء من هذا الإسناد، فإني لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح، وإنما أخرجت خبره لأنه لم يختلف فيه العلماء".
والظاهر أن ابن خزيمة لم يكن حين كتب هذا يعلم اختلافا في إدراك الركعة بإدراك الركوع، ثم كأنه اطلع بعدُ على الخلاف، فرجع إلى القول بعدم الإدراك، فقد نقلوا ذلك عنه. والله أعلم.
ويعارض ما تقدم سكوت أبو داود وهو القائل في "رسالته إلى أهل مكة": وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح"،
وأن المنذري سكت عنه،
وأن ابن حبان ذكر هذا في ثقاته،
وأن شعبة روى عنه، وهو الذي لا يروي إلا عن ثقة،
وأن الحاكم أخرج هذا الحديث في المستدرك وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ويحيى بن أبي سليمان من ثقات المصريين".
فأما سكوت أبي داود فإنما يدل أن هذا الحديث ليس فيه وهن شديد، وهذا هو مراده بقوله: "صالح"، على أنه إنما ذكره في "باب الرجل يدرك الإمام ساجدا كيف يصنع"، فلعل مراده ليس فيه وهن شديد بالنسبة إلى ذلك الباب، لأن ذلك الحكم متفق عليه، فلا يلزم من هذا أنه ليس فيه وهن شديد مطلقا.
أما ابن حبان فإنه يذكر في "الثقات" كل من روى عن ثقة وروى عنه ثقة، ولم يجد له منكرا خرج هو بذلك من الثقات، فتوسع، كما شرحته في ترجمته من "التنكيل" [451،450/1] ...
وأما ما في ترجمة يحيى هذا من "التهذيب": أن شعبة روى عنه ... ثقة"، فإن ابن حجر التزم أن يذكر في ترجمة شعبة جميع شيوخه، ولم يذكر فيهم يحيى هذا، وإنما ذكر أبا بلج يحيى بن أبي سُليم، وهو رجل آخر، فأخشى أن يكون وقع اشتباه.
وأما "مستدرك" الحاكم فقد عُرف أن فيه تخليطًا كثيرا، وتساهلًا في التصحيح وفيما يقع فيه من التوثيق، وقد شرحت ذلك في ترجمة الحاكم من "التنكيل". [473،472/1].
وقد ذكره في موضع آخر، واقتصر على قوله:" يحيى مدني سكنَ مصر، لم يُذكَر بجرح"، ذكر ذلك ابن حجر في "التهذيب"، وقال: "كأنه جعله مصريا لرواية أهل مصر عنه"، يعني: والمعروف أنه مدني سكن البصرة، فأما رواية بعض المصريين عنه فكأنهم لَقُوه بالمدينة أو بالموسم أو نحو ذلك، وكفى بكلمة البخاري جرحا، وقد جاء عنه أنه قال: "كل من قلتُ فيه منكر الحديث لا تحلُّ الرواية عنه".
ومما يوضح وهنَ هذا الحديث أن يحيى هذا تفردَّ به عن رجلين معروفين، أحدهما -وهو سعيد المقبري- مشهور جدا، فكيف يقبل من مثل يحيى هذا التفرد؟


الثاني: ابن وهب: حدثني يحيى بن حميد عن قرة بن عبد الرحمن عن ابن شهاب الزهري أخبره أبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه". قال الشيخ: "أخرجه الدارقطني وابن خزيمة محتجا على أن من أدرك الركوع مع الإمام أدرك الركعة".
تفرد به يحيى بن حُميد بن أبي سفيان المعافري المصري، رواه عن قُرَّة بن عبد الرحمن بن حَيْوِيل عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.
ويحيى بن حميد قال فيه البخاري: "مجهول لا يُعتمد على حديثه"، وضعفه الدارقطني، وذكره "العقيلي" في الضعفاء، وتقدم عن البيهقي أن هذا الحديث أضعفُ من سابقه.
وقال ابن يونس في "تاريخ مصر": "أسند حديثا واحدا، وله مقطعات"، وقال ابن عدي: "تفرد بهذه الزيادة، ولا أعرف له غيره".
أقول: وإذا لم يكن له غير هذا الحديث، وقد تفرد به، فكيف يقبل؟
فإن قيل: ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج ابن خزيمة حديثه في "صحيحه".
قلت: أما "ثقات" ابن حبان فقد تقدم ما فيها، وأنا ابن خزيمة فإنه يخرج في "صحيحه" للمجهول إذا لم يستنكر حديثه، وكأنه لم يستنكر هذا لأنه في وقت كتابة الصحيح كان يرى الإدراك متفقا عليه بين أهل العلم، كما تقدم في الحديث الأول.
ومع هذا فـ"قرة بن عبد الرحمن" فيه كلام، وقال أحمد "منكر الحديث"، وقال ابن معين: "ضعيف الحديث"، وقال أبو زرعة: "الأحاديث التي يرويها مناكير"، وأخرج له مسلم في "صحيحه" مقرونا بآخر، ولعل اعتماده كان على ذلك الآخر وذكره ابن حبان في "الثقات" وأشار إلى أين فيه.
أول الحديث: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدركها" معروف صحيح، كما سيأتي في الحديث الثالث، وإنما المنكر زيادته: "قبل أن يُقيم الإمام صلبه".
ودفع البخاري في "جزء القراءة" هذه الزيادة بأن مالكا وجماعة من الأئمة رووا الحديث عن الزهري بسنده ولم يذكروا هذه الزيادة، قال: "وقوله: قبل أن يُقيم الإمام صلبه، لا معنى له ولا وجه لزيادته".
غاية الأمر أن يكون أحد الرواة توهم معنى الحديث: من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة؛ فزاد زيادة "قبل أن يقيم صلبه" تفسيرا في زعمه؛ وقد جوَّز بعضهم أن تكون من زيادة الزهري، لأنه قد عرف أنه كثيرا ما يَصِلُ الحديث بكلامه على وجه التفسير أو نحوه، فربما التبس على بعض الضعفاء كقرة.


الثالث: حديث مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها".
لا خلاف فصحته، وهو في الموطأ و"الصحيحين" وغيرهما، وللتشبُّث به في هذه المسألة مبنيٌّ على زعم أن معناه: من أدرك من الصلاة مع الإمام ركوعًا فقد أدرك الركعة، وقد يُستأنس لهذه بالزيادة المتقدمة، وبما في "صحيح مسلم" عن حرملة عن ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة".
أما الزيادة السابقة فقد فُسِّر ما فيها، وأما زيادة "مع الإمام" فقد ردَّها مسلم نفسه، فرواه عن يونس وعن جماعة عن الزهري، قال: (وليس في حديث أحدٍ منهم "مع الإمام").
وله في "صحيح البخاري" و"جزء القراءة" و"سنن النسائي" وغيرها من طرق كثيرة عن يونس وغيره من دون هذه الزيادة، والظاهر أن الوهم في زيادتها من حرملة.
وفي روايةٍ في "صحيح مسلم" وغيره من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: "من ادرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".

والحديث بهذا اللفظ ونحوه أشهر، فقد صح هكذا كما ترى عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهو سند الأول، وأخرجه البخاري في "الصحيح" بنحوه من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وأخرجه مسلم من طريق عطاء بن يسار و بُسر بن سعيد والأعرج عن أبي هريرة، من حديث عائشة.

ووقع في بعض الروايات بلفظ "سجدة"، ولفظ حديث عائشة "من أدرك من الصلاة سجدةً..." وفي آخره: "السجدة إنما هي الركعة".
...
ويوضح هذا أن أبا هريرة نفسه لم يفهم هذا من الحديث، فقد صح عنه: "لا يجزِئك إلا أن تدرك الإمام قائما".

الركعة في عرف الشرع حقيقة في واحدة من الاثنين اللتين هنا الصبح، أو من الثلاث التي هي من المغرب، أو من الأربع التي هي الظهر أو العصر أو العشاء في حق المقيم.


الرابع: الحسن البصري عن أبي بكرة: أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يَصِلَ إلى الصف، فذَكَر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "زادك الله حرصا ولا تعد".

أخرجه البخاري في "صحيحه"، وذكروا أنّ فيه دلالتين:

الأولى: لو لا أن أبا بكرة كان يرى أنه بإدراكه الركوعَ يدرك الركعة لما بادر إلى الركوع قبل أن يبلغ الصف.
قال المعلمي: فيها نظر، لماذا لا يبادر لإدراك فضل الركوع مع النبي صلى الله عليه وسلم وإن علم أنه لا تُحْسَبُ له ركعة؟، بل قد يقال: إن هذا هو الذي ينبغي أن يُظَنَّ بالصحابي، لا أن يُظَنَّ به أنه حرص على إدراك الركعة، فإنه إذا أدرك بعض الركعة ولم تُحسب له ثم صلّاها بعد سلام الإمام كُتِبَ له أجرُ الصلاة كاملة وزيادة أجر ما أدركه من تلك الركعة، أما من لم يُدرِك إلا بعض الركعة وحُسِبَتْ له ركعة فإنه يفوته بعضُ أجر الصلاة كما لا يخفى، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "زادك الله حرصا، ولا تعد" يُشْعِر بما ذكرنا، فإنه يدل أن ذاك الحرص محمود، فلذلك دعا بالزيادة منه، وإنما نهى عن العود إلى الإخلال بالمشروع من السكينة والوقار ونظم الصلاة، والحرص المحمود هو الحرص على زيادة الأجر، لا على التخلص من زيادة العمل غير مبال بما فيها من زيادة الأجر.


الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أبا بكرة على السلام معه، ولم يأمره بإتمام ولا إعادة.
قال المعلمي: ففي هذه الدعوى نظرٌ، ولفظ البخاري في "الصحيح" من طريق همام عن زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة: ... فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "زادك الله حرصا ولا تعد"، كما تقدم أول الرسالة، وليس فيه ما يثبت هذه الدعوى. ونحو ذلك في "سنن" أبي داود من طريق سعيد بن أبي عروبة عن زياد الأعلم. ونحوه في "مسند أحمد" ومن طريق أشعث عن زياد الأعلم. ونحوه في "المسند" أيضا من طريق قتادة وهشام عن الحسن البصري.
ورواه حماد بن سلمة عن زياد الأعلم بسنده، واختُلِفَ على حماد: ففي "المسند" عن عفان عن حماد بنحو رواية الجماعة، وفي "سنن" أبي داود عن موسى بن إسماعيل عن حماد، وفيه: "فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال: أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا...".
وأرى رواية عفان أرجح لمزيد إتقان عفان، ولموافقته روايةَ الجماعة كما تقدم، وحماد بن سلمة على إمامته كان يخطئ، وقد روى بهذا الإسناد عينه حديثا آخر في تقدم النبي صلى الله عليه وسلم ليؤُمَّهم، وتذكُّرِه أن عليه غسلا، وفي آخره: "فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشرٌ".
وقد لا يبعد أن يكون ذهن حماد انتقل من أحد الحديثين إلى الآخر ثم أتم التفسير بما يناسب ...
وعلى كل حال، فالروايات الصحيحة المتينة لا أثر فيها لقوله: "فلما قضى ..." ولا ما في معناها، على أنها لو صحت لما كانت صريحة في الفورية.
.....
وأرى أن من تدبر وأنعم النظر أقرّ بأن هذا احتمال غير بعيد، بل يتبين له أنه ليس هناك ما يدل دلالة تقوم بها الحجة على أن ركوع النبي صلى الله عليه وسلم الذي أدركه أبو بكرة كان هو الركوع في الركعة الأولى، بل من المحتمل أن يكون في الركوع في الثانية.
وهي أنه يقوى عندك أنه الركوع في الركعة الأولى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عقب السلام، فأجابه أبو بكرة فورا، فهل تجد تلك القوة كافيةً لتخصيص هذه القضية من النصوص العامة للقيام، ولقراءة الفاتحة، ولقضاء المسبوق ما قد فاته، إلى غير ذلك مما مر ويأتي؟


الخامس:
أشار الشيخ إلى دليل خامس، وهو: أنه ثبت عن جماعة من الصحابة القولُ بالإدراك، ولم يتحقق عن أحدٍ منهم خلافهُ، وتَبِعَهم الجمهور.
وقد أخرج البخاري في "جزء القراءة" من طريق سليمان بن بلال أخبرني عبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ويونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة إلا أن يقضي ما فاته"، وهو ذاك الحديث عينُه، وزيادة "إلا أن يقضي ما فاته" تدفع زيادةَ يحيى بن حميد وزيادة حرملة.
فقد أجاب عنه البخاري في "جزء القراءة" بقوله: ثنا عبيد بن يعيش، قال: حدثنا يونس، قال حدثنا إسحاق قال: أخبرني الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائما قبل أن يركع".
حدثنا عبد الله بن صالح، قال حدثني الليث، قال: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز قال: قال أبو سعيد رضي الله عنه: "لا يركع أحدكم حتى يقرأ أم القرآن".
قال البخاري: وكانت عائشة تقول ذلك.
وقال علي بن عبد الله (ابن المديني): إنما أجاز إدراك الركوع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين لم يروا القراءة خلف الإمام، منهم ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر، فأما من رأى القراءة فإن أبا هريرة قال:"اقرأ بها في نفسك يا فارسيُّ"، وقال: "لا تعتدَّبها حتى تدرك الإمام قائما".
وقال البخاري في موضع آخر [جزء القراءة]: عن أبي هريرة قال:" إذا أدركت القوم ركوعا لم تعتد بتلك الركعة".
وفي موضع آخر أن أبا سعيد الخدري كان يقول: "لا يركعن أحدكم حتى يقرأ بفاتحة الكتاب"، قال: وكانت عائشة تقول ذلك.
....

أما أن الجمهور الغالب على الإدراك فحقٌ، ولكن هل يكفي هذا لتخصيص النصوص الدالة على فرضية القيام وفرضية الفاتحة وفرضية قضاء ما فات؟ ومع تلك الأدلة الاعتبار الواضح، فإن المعهود في فرائض الصلاة أن لا يسقط شيء منها إلا لعذر بين، وليس المسبوقية كذلك، لتمكن المسبوق من دون مشقة تذكر من الإهتمام بعد سلام الإمام.


نعم لا ينكر أن للقول بالإدراك قوة ما لذهاب الجمهور -ومنهم جماعة من علماء الصحابة- إليه، وما جاء مما يدل عليه على ما فيه، فلا لوم على من قوي عنده جدا فقال به.

فأما أنا فلا أرى له تلك القوة، والأصل بقاء النصوص على عمومها، واشتعال الذمة بالصلاة كاملة، والله الموفق.