الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدّين ،
أما بعد:
فقد وجب التنبيه على قصيدة " تغيّرتِ المودةُ والإخاءُ " المنسوبة للخليفة الراشد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لما فيها من المناهي اللفظية والقول الباطل، وهذه الدواوين المنسوبة للخليفة الراشد -رضي الله عنه - تجدونها أيضًا منسوبة للإمام الشافعي -رحمه الله - و هذه النسبة مشكوك فيها ،فهي تعج بألفاظ مخالفة شرعًا .
القصيدة :
تغيّرتِ المودةُ والإخاءُ .. وقلَّ الصدقُ وانقطعَ الرجاءُ

وأسلمني الزمانُ إلى صديقٍ .. كثيرِ الغدرِ ليس له رعاءُ
وَرُبَّ أَخٍ وَفَيْتُ لهُ وَفِيٍّ .. و لكن لا يدومُ له وفاءُ
أَخِلاَّءٌ إذا استَغْنَيْتُ عَنْهُمْ .. وأَعداءٌ إذا نَزَلَ البَلاَءُ
يديمونَ المودة ما رأوني .. ويبقى الودُّ ما بقيَ اللقاءُ
وإن غُيِّبْتُ عن أحد قلاني .. وَعَاقَبَنِي بمِا فيهِ اكتِفَاءُ
سَيُغْنِيْنِي الَّذي أَغْنَاهُ عَنِّي .. فَلاَ فَقْرٌ يَدُومُ وَلاَ ثَرَاءُ
وَكُلُّ مَوَدَّةٍ للِه تَصْفُو .. وَلاَ يَصْفُو مَعَ الفِسْقِ الإِخَاءُ
وكل جراحة فلها دواءٌ .. وَسُوْءُ الخُلْقِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءُ
ولَيْسَ بِدَائِمٍ أَبَدا نعِيمٌ .. كَذَاكَ البُؤْسُ لَيْسَ لهُ بَقَاءُ
إذا نكرتُ عهداً من حميمٍ .. ففي نفسي التكرُّم والحَيَاءُ
إذَا مَا رَأْسُ أَهْلِ البَيْتِ وَلَّى .. بَدَا لَهُمُ مِنَ النَّاسِ الجَفَاءُ

أولًا :افتتح بهذا التذكرة : " إنّ الخيرية ملازمة لهذه الأمة ما أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر قال تعالى :(( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ))
جاء في تفسير ابن كثير -رحمه الله - :فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم ، كما قال قتادة : بلغنا أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في حجة حجها رأى من الناس سرعة فقرأ هذه الآية :(( كنتم خير أمة أخرجت للناس )) ثم قال : من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها . رواه ابن جرير.

وأقول إنّ قوله : وأسلمني الزمان إلى صديقٍ .. كثيرِ الغدرِ. فيه سبّ للدهر فإنه جعل الدهر "الزمان " فاعل يقلب الأمور ويصرفها للخير والشر ،وبقوله : أسلمني إلى صديق كثير الغدر يعني: الزمان صرف الأمر للشر هنا، فهذا شرك أكبر إذ جعل مع الله خالقًا يصرف الأمور ويقلبها .
فإن قيل : هو لا يعتقد أن الزمان هو من أسلمه بل يسبه لأنه محل للحوادث المكروهة فإن سبه يعود على الله -سبحانه وتعالى - لأنه هو مصرف الدهر " الزمان" ومقلبه كيف شاء وقوله هذا من الضلال أفضى به لسوء أدب مع الله . فهل يقول هذا الخليفة الراشد رضي الله عنه ؟

.. وَسُوْءُ الخُلْقِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءُ
دواؤه القرآن فالقرآن شفاء ،شفاء تام من جميع الأمراض والأدواء القلبية والبدنية قال تعالى :)) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(( وقال سبحانه (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )) فهل يقول هذا الخليفة الراشد رضي الله عنه ؟

ثم قوله : ولَيْسَ بِدَائِمٍ أَبَدا نعِيمٌ .. كَذَاكَ البُؤْسُ لَيْسَ لهُ بَقَاءُ
هذا قولٌ كذبٌ باطلٌ فإن نعيم الجنة لا يزول بل هو دائم ، وبؤس جهنم وعذابها دائم لا ينقضي
أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في فتح البارئ بشرحه لصحيح البخاري
في : " كتاب مناقب الأنصار" باب أيام الجاهلية
عند مسألة : ((3628 حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عبد الملك عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ،قال النبي صلى الله عليه وسلم : أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد " ألا كل شيء ما خلا الله باطل))
قال الحافظ - رحمه الله -:
وفي إيراد البخاري هذا الحديث في هذا الباب تلميح بما وقع لعثمان بن مظعون بسبب هذا البيت مع ناظمه لبيد بن ربيعة قبل إسلامه ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ بمكة وقريش في غاية الأذية للمسلمين ، فذكر ابن إسحاق عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عمن حدثه عن عثمان بن مظعون أنه " لما رجع من الهجرة الأولى إلى الحبشة دخل مكة في جوار الوليد بن المغيرة ، فلما رأى المشركين يؤذون المسلمين وهو آمن رد على الوليد جواره ، فبينما هو في مجلس لقريش وقد وفد عليهم لبيد بن ربيعة فقعد ينشدهم من شعره فقال لبيد" : ألا كل شيء ما خلا الله باطل"
" فقال عثمان بن مظعون : صدقت .
فقال لبيد " :وكل نعيم لا محالة زائل"
" فقال عثمان : كذبت ، نعيم الجنة لا يزول-
محل الشاهد - . فقال لبيد : متى كان يؤذى جليسكم يا معشر قريش ؟ فقام رجل منهم فلطم عثمان فاخضرت عينه ، فلامه الوليد على رد جواره فقال : قد كنت في ذمة منيعة ، فقال عثمان : إن عيني الأخرى لما أصاب أختها لفقيرة . فقال له الوليد : فعد إلى جوارك ، فقال : بل أرضى بجوار الله تعالى . قلت : وقد أسلم لبيد بعد ذلك . فهل يقول هذا الخليفة الراشد رضي الله عنه ؟