زجر الصوفية الضالين المسقطين للتكاليف عن المريدين المتشبهين بالشياطين



الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
فالسنة وسط بين الغالي والجافي، فالسنة الاقتصاد في الأعمال، فلا تبتل وانقطاع عن الدنيا، ولا تحرر من القيود الشرعية ولا تفلت من التكاليف، كما يفعل بعض الصوفية من اسقاط التكاليف الشرعية عمن وصل لمرتبة الولاية، بزعمهم أنه وصل إلى منزلة اليقين، ولقد لووا نص الآية في قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ((الحسبة)): ((ومن هؤلاء - أي الصوفية - من يحتج بقوله تعالى : {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ويقول معناها: اعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة فإذا حصل ذلك سقطت العبادة ، وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل حال فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة، وهؤلاء فيهم من إذا ظن حصول مطلوبه من المعرفة والحال استحل ترك الفرائض، وارتكاب المحارم)) اهـ.
وهذا من تلبيس الشيطان عليهم.
من اسقط التكاليف الشرعية عن نفسه أو عن مريده فقد شبه الشيطان.
قال الشاطبي رحمه الله في ((الموافقات)): ((مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها في نفسها، وذلك أنها قد تكون في ظواهرها كالكرامات وليست كذلك، بل أعمالا من أعمال الشيطان، كما حكى عياض عن الفقيه أبي ميسرة المالكي أنه كان ليلة بمحرابه يصلي ويدعو ويتضرع، وقد وجد رقة، فإذا المحراب قد انشق وخرج منه نور عظيم، ثم بدا له وجه كالقمر، وقال له: "تملأ من وجهي يا أبا ميسرة، فأنا ربك الأعلى"، فبصق فيه وقال له: اذهب يا لعين عليك لعنة الله.
وكما يحكى عن عبد القادر الكيلاني أنه عطش عطشا شديدا، فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت عليه شبه الرذاذ حتى شرب، ثم نودي من سحابة: "يا فلان! أنا ربك وقد أحللت لك المحرمات". فقال له: اذهب يا لعين. فاضمحلت السحابة. وقيل له: بم عرفت أنه إبليس؟ قال: بقوله: "قد أحللت لك المحرمات".
هذا وأشباهه لو لم يكن الشرع حكما فيها لما عرف أنها شيطانية
)) اهـ.
وقال ابن عثيمين رحمه الله في ((شرح الأربعين النووية)): ((وجاء في بعض الآثار أن الشيطان جاء إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني العالم الجليل، والعابد الفاضل، فجاءه في محرابه في الليل وهو يتهجده وأضاء له نوراً شديداً في المحراب، ونادى: يا عبد القادر ! أنا اليقين قد أتيتك فأسقطت عنك التكاليف، كما قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99]، وها أنا اليقين.
فقال: إخسأ يا لعين! لو أن التكاليف تسقط عن أحد لكان أحق المكلفين بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فانقلب النور إلى دخان، وقال: والله لقد نجوت مني بعلمك، ولقد أضللت مائة عابد بذلك
)) اهـ.
فهذا حال من اسقط التكاليف تشبه بالشياطين.
قال ابن باز رحمه الله في ((مجموع فتاواه)): ((وإذا أمره بشيء يخالف الشرع فهذا علامة أنه لم ير ربه وإنما رأى شيطانا ، فلو رآه وقال له : لا تصل قد أسقطت عنك التكاليف ، أو قال : ما عليك زكاة أو ما عليك صوم رمضان أو ما عليك بر والديك أو قال لا حرج عليك في أن تأكل الربا . . . فهذه كلها وأشباهها علامات على أنه رأى شيطانا)) اهـ.
هذا والله أعلم وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
طرابلس الغرب: ليلة الجمعة 14 ذي القعدة سنة 1439 هـ
الموافق 26 يوليو 2018 ف