1-نص الخطبة
إن الحمد لله نحمده ، و نستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .وأ شهد أ ن محمداً عبدُه و رسولُه .
] يَاأَيها الذين آ مَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَا ته ولاتموتن إلا وأنتم مُسلمُون [
] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ .
] يَا أ يها الذين آ منوا اتقوا الله وقولوا قَو لاً سَديداً يُصلح لَكُم أَ عما لكم وَ يَغفر لَكُم ذُ نُو بَكُم وَ مَن يُطع الله وَ رَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً[
[ أ ما بعد ] ، (( ثم يذكر حا جته )) .
2-محلها
انّ هذه الخُطبة تُفتح بها جميع الخطب ، سواء كانت خطبة نكاح ، أو خُطبة جمعة ، أو غيرها ، فليست خاصة بالنكّاح كما قد يُظنّ ، و في بعض طرق حديث ابن مسعود .
وقد أيَّد ذلك عمل السَّلف الصَّلح ، فكانوا يفتتحون كتبهم بهذه الخطبة ، كما صنع الإمامُ أبو جعفر الطحاوىّ رحمه الله حيثُ قال فى مقدمة كتابه : (( مشكل الآثار )) : (( وأبتدى بما أمر صَلَى الله عليه وسلِم بابتداء الحاجة ، مِمَّا قد رُوى عنه ب‘سنانيدٍ أذكرها بعد ذلك إن شاء الله . إن الحمد لله . . ))
قلتُ : فذكرَها بتمامِها .
وقد جرى هذا المنهج سيخُ الأسلامِ أبو العبَّاس ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ، فهو يُكثر من ذلك في مؤلفاته ،كما لايخفي علي مَن له عناية بها .
وقد قال المحقَّق السنديّ في (( حاشيته على النسائي )) في شرحِ قوله فى الحديث (( والتَّشَهد فى الحاجة )) : (( الظَّاهرُ عموم الحاجة ؛ للنكاح وغيرهِ ، ويؤيده بعض الروايات ، فينبغى أن يأتى الإنسانُ بهذا ، يستعينُ به على قضائها ، وتمامها ، ولذلك قال الشافعىُّ : الخطبةُ سنةٌ فى أوّل العقودِ كلِّها ، قبل البيع والنكاح وغيرها ، و(( الحاجة )) إشارة إليها ، ويُحتمل أن المراد ب : (( الحاجة )) النكاح إذ هو الذى تعارف فيه الخطبة دون سائر الحاجات ))
وكذا فى (( حاشيته على ابن ماجه )) .
قلت : هذا الاحتمالُ الثَّاني ضعيفُ ،بل باطلُ لثبوت ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم في غير النكاح ، كما في قصة ضِماد في حديث ابن عباسٍ ،وكما في حديث جابر . فتنبه .
لكن القول بمشروعية هذه الخطبة في البيع ونحوه ، كإجارة ونحوها فيه نَظَرُ بَيِّنُ ؛ ذلك لأنه مبنيُّ علي القول بوجوب الإيجاب والقبول فيها ، وهو غير مسلّم .
بل هو أمرُ محدثُ ؛ لأنّ الناس من لدن النبي صلي الله عليه وسلم وإلي يومنا هذا مازالوا يتعاقدون في هذه الأشياء بلا لفظٍ ، بل بالفعل الدال علي المقصود ، فبالأحرى أن تكون الخطبةُ
فيها بدعةٍ وأمراً مُحدثاً . وبيوعه صَلَى الله عليه وسلِم وعُقوده التى وردتْ فى كُتب السنّة المطهرة من الكثرة والشُّهرة ، بحيث يُغنى ذلك عن نقلِ بعضِها فى هذه العُجالة ، وليس فى شىءِ منها الإيجابُ والقبولُ ، بله الخطبة فيها .
أقول : هذا مع احترامى للأئمة ، واتباعي إياهم على هداهم ، بل أعتبر أن تصريحى هذا هو من الاتباع لهم .

لأنهم رحمهم الله هم الذين علَّمونا حرية الرأى والصراحةَ فى القولِ ، حتى نَهَوْنا عن تقليدهم ؛ لأنهم كما قال الإمامُ مالك رحمه الله ؛ (( ما منا أحد إلا ردَّ عليه إلا ردَّ عليه إلا صاحب هذا القبر )) ، فجزاهم الله تعالى عنا خيراً .

أقول : إن القصد من جمع هذه الرسالة ، هو نشرُ هذه السنة التى كاد الناس أن يُطْبِقُوا على تركها ، فألفتُ أنظارَ الخطباء ، والوعاظ ، والمدرسين وغيرهم إلى ضرورة حفظهم لها ، وافتتاحهم خطبهم ومقالهم ودروسهم بها ؛ عسى الله تعالى أن يُحقق أغراضَهم بسببها .
وقد قال صَلَى الله عليه وسلِم : (( من سنَّ فى الإسلامِ سُنَّةً حسنةً ، فعُمل بها بعبده ، كُتب له مثلُ أجرِ من عملَ بها ، ولا ينقص من أُجورهِم شىءٌ ، ومن سنَّ فى الإسلام سنةً سيئةً ، فعُمل بها بعبده ، كُتب عليه مثلُ وزرِ من عمل بها ، ولا ينقص من أوزترهم شىءٌ )) .
رواه مسلمٌ فى (( صحيحه )) ( 8 / 61 ) من حديث جرير ابن عبد الله رضى الله عنه .
3-عدم فرضيتها
(2) وقد فُهم عن الشيخ ـ رحمه الله ـ القول بفرضية هذه الخطبة ، ومن أجل ذلك عقب بكلمة فى (( كتاب النصيحة )) ص ( 81 ) ، فقال رحمه الله : (( وهى التى كان رسولُ الله صَلَى الله عليه وسلِم يعلمها أصحابه وقد كانت أُ هملت فى بعض السنين ، فأحياها بعضُ الأئمة ؛ كالإمام الطحاوى ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن قيِّم الجوزية ـ رحمهم الله وغيرهم .
ثم أُهملت فى القرون المتأخّرة ، فجاء دورنا ـ ولله الحمدُ ـ فى إحيائها ؛ فألَّفتُ فيها الرسالة المعروفة ـ (( خطبة الحاجة )) ـ ،
ونفع الله بها من شاء من محبِّى السنة ، وانتشر العملُ بها فى صدور الكتب والرسائل ، وفى خُطب الْجُمع وغيرها ـ فلله المّنة ـ .
فمنَ العجائب أن يقفَ فى طريقها بعضُ الفُضلاء ، فيكتب كلمةً في كتابه النافع ((تصحيح الدعاء )) ( ص 454 ) ، فيقول ما
ملخصه :
(( فى الخطبة محدثات ؛ منها : التزام افتتاح خطبة الجمعة بخطبة الحاجة الواردة فى حديث ابن مسعود ـ رضى الله عنه ـ والعجيبُ أن حديث ابن مسعود هذا رواه أصحاب (( السنن )) مترجمين له فى كتاب (( النكاح )) سوى النسائى ؛ فقد ترجم له ـ أيضاً ـ فى (( الصلوات )) ، ومن تتبَّع هدىَ النبى صَلَىالله عليه وسلِم ؛ لم ير فيه التزامَ افتتاح خُطبته صَلَى الله عليه وسلِم بذلك . . . ولم نَرَ فى فعله صَلَى الله عليه وسلِم ، وفى الهدْى الراتب لصحابته ـ رضى الله عنهم ـ التزام هذه الصيغة فى خطبهم ، وافتتاح أمورهم ، وهؤلاء المؤلِّفون من علماء الأسلام لاتراهم كذلك ، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ ؛ فإنه فى كتبه وفتاويه يفتح بها بها تارة ، وبغيرها تارة أخرى . . . )) .
فاْقول :_وبالله التوفيق _:
أولاً : هى ليست فرضاً حتى لاتُترك ؛ بل قد يكون العكسُ هو الأصوبَ ، وهو تركُها أحياناً ؛ حتى لايتوهّم أحدٌ فرضيتها ؛ كما فى حديث قيام رمضان : (( إنى خشيتُ أن تُكتب عليكم )) .
ومما يدلِّل على على أننا مُدركون لذلك جيداً ـ ولله الحمد ـ : أننى لم أفتح عدداً من مؤلفاتى وتحقيقاتى بهذذه الخطبة ؛ مثل كتاب (( الإيمان )) لابن لم أفتح شيبة ، و (( حجاب المرأة المسلمة )) الطبعة الأولى ، و (( تمام المنة )) الطبعة الثانية ، و (( آداب الزفاف )) الطبعة الثانية ومن آخر ذلك مقدمتى على الطبعة الجديدة من المجلد الأول من (( السلسلة الصحيحة )) وغير ذلك كثيرٌ
ثانياً : إذا كان الالتزامُ بدعةً ؛ فما حكم إهمالها مطلقاً ؟ ! كما هو شأنُ كثير من المؤلفين ومنهم المردودُ عليه ـ وفّقه الله ـ ! ! فإننى لم أره افتتح كتاباً له بهذه الخطبة المباركة ، مستعيضاً عنها بخطب ينشئها هو نفسه ! أليس هذا من باب : ] أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالذى هُوَ خَيْرِ [ ؟ !
ثالثاً : عزا الفاضل المشار إليه فى هذا الموضع من حاشية كتابه إلى فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ( 18 / 286 ـ 287 ) مشيراً إليه بقوله : (( مهم )) !
فأقول : نعم هو مهم ومن أهمه قوله رحمه الله فإن حديث ابن مسعود لم يخص النكاح وإنما هى خطبة لكل حاجة فى بعضهم بعضاً
فما قيمة تعجب الفاضل المذكور من كون أصحاب السنن رووا خطبة الحاجة فى كتاب النكاح ؟ !
وكذلك الأمر فى قوله فى آخر بحثه : (( بهذا التقرير تعلم فقه اْصحاب (( السنن )) – رحمهم الله تعالي – في ترجمة خطبة الحاجة في كتاب النكاح وتقرير العلماء بمشروعيتها بين يدي عقد الزواج !!
ومن عظيم تقدير المولي سبحانه اْن ترد خطبة الحاجةفي مجلد الفتاوي الدي عزا إليه الفاضل المذكور ! في مقدمة رسالتين لشيخ الإسلام رحمه الله (18 / 76 , 210 ) بخلاف ذاك الموضع الذي اْشار هو إليه حاثًا عليه والذي تكلم فيه تفصيلا عن هذه الخطبة النبوية المباركة هذا فضلاً عن بقية المجلدات منه اْو كتبه الأخري ،ومثله الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله .
فهلا كان هذا الإمامان قدوة لهذا الفضل فيتاْسي بهما _ ولو مرة _ فيفتتح كتابًا له بخطبة الحاجة ؟!
رابعاً: مما يؤكد عموم مشروعيتها بين يدي كل عمل صالح حديث ابن = =عباس الذي رواه مسلم في قصة قدوم ضماد مكة وفيه
ذكرالنبي صَلَى الله عليه وسلِم له هذه الخطبة المباركةَ ، وأن ضماداً أسلم بعد سماعها ؛ فلم يكن ثمة نكاحٌ ، ولا عقد زواج ! !
خامساً : وكأن شيخ الأسلام ـ رحمه الله ـ يشير فى بعض كلامه إلى وقوع إهمال فى هذه الخطبة كما أشرت إليه فقال رحمه الله :
(( ولهذا استحبت وفعلت فى مخاطبة الناس بالعلم عموماً وخصوصاً ؛ من تعليم الكتاب والسنة والفقه فى ذلك وموعظة الناس ومجادلتهم أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية . وكان الذى عليه شيوخ زماننا الذين أدركناهم وأخذنا عنهم وغيرهم يفتتحون مجالس التفسير ، أو الفقه فى الجوامع والمدارس وغيرها بخطبة أخرى . . . )).
إلى أن قال رحمه الله : (( كما رأيت قوماً يخطبون للنكاح بغير الخطبة المشروعة ، وكل قوم لهم نوع غير الأخرين . . . )) .
أقول : فتأمل مقابلته رحمه الله بين افتتاح الشيوخ مجالسهم بغير خطبة الحاجة الشرعية وكذا ما يفعله الذين يخطبون للنكاح بغير الخطبة المشروعية يظهر لك الحق وينكشف أمامك الصواب ، بلا ارتياب . . . والحمد لله رب العالمين .
وسُبحانك اللهم ، وبحمدك ، أشهدُ أن لا إله إلا أنتَ ، أستغفرك ، وأتوب إليك .

منقول بتصرف من كتاب خطبة الحاجة للشيخ أبو عبد الرحمن
محمد ناصر الدين الألبانى