إعـــــــلان

تقليص
1 من 3 < >

تحميل التطبيق الرسمي لموسوعة الآجري

الصفحة الرسمية للتطبيق:
https://www.ajurry.com/apptips/home.html
تحميل التطبيق من متجر قوقل بلاي
https://play.google.com/store/apps/d...ry&pageId=none
2 من 3 < >

الإبلاغ عن مشكلة في المنتدى

تساعدنا البلاغات الواردة من الأعضاء على منتدى الآجري في تحديد المشكلات وإصلاحها في حالة توقف شيء ما عن العمل بشكل صحيح.
ونحن نقدّر الوقت الذي تستغرقه لتزويدنا بالمعلومات عبر مراسلتنا على بريد الموقع ajurryadmin@gmail.com
3 من 3 < >

فهرسة جميع الشروح المتوفرة على شبكة الإمام الآجري [مبوبة على حسب الفنون] أدخل يا طالب العلم وانهل من مكتبتك العلمية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه - وعلى آله ومن ولاه وبعد :

فرغبة منا في تيسير العلم واشاعته بين طلابه سعينا لتوفير جميع المتون وشروحها المهمة لتكوين طلبة العلم ، وقد قطعنا شوطا لابأس به في ذلك ولله الحمد والمنة وحده ، إلا أنه إلى الآن يعاني بعض الأعضاء والزوار من بعض الصعوبات في الوصول للشروح والمتون المرادة لتداخل الشروح أو لقلة الخبرة التقنية .

من أجل هذا وذاك جاء هذا الموضوع ليكون موضوعا مرجعا جامعا مرتبا بإذن الله لكل المواد العلمية الموضوعة حاليا في شبكتنا ومرتبا على حسب أبواب الفنون العلمية (العقيدة، الفقه، الحديث،...)وسنحاول أيضا ترتيبها على مستويات الطلب (المبتدئ ، المتوسط ، المنتهي) سيتم تحديثه تبعا بعد إضافة أي شرح جديد .

من هـــــــــــنا
شاهد أكثر
شاهد أقل

تفرق أهل الجاهلية في عباداتهم ودينهم للفوزان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تفرق أهل الجاهلية في عباداتهم ودينهم للفوزان

    تفرق أهل الجاهلية في عباداتهم ودينهم


    [إنهم متفرِّقونَ في دينهم، كما قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32] وكذلك في دُنياهم، ويرون أن ذلك هو الصّواب، فأتى بالاجتماع في الدّين بقوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] ونهانا عن مشابهتهم بقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، ونهانا عن التّفرُّق في الدّنيا بقوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103] ].

    الشرح

    هذه هي المسألة الثانية من المسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية، وهي أن أهل الجاهلية كانوا متفرقين في دينهم وفي دنياهم، وصفتهم التفرق والاختلاف، كما قال سبحانه وتعالى: {وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 31، 32]، هذه صفة أهل الجاهلية من اليهود والنصارى والوثنيين، وسائر الملل الجاهلية كانوا على هذا النمط، متفرقين في دينهم، كل منهم له دين ينادي به وينتسب إليه، النصرانية تدعو إلى النصرانية، واليهودية تدعو إلى اليهودية، وكل من الديانتين يكفّر الديانة الأخرى، كما قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 113] الذين لا يعلمون هم المشركون؛ لأنهم لا كتاب لهم وليس لهم دين سماوي، وهم أيضًا يكفر بعضهم بعضًا، ويخالف بعضهم بعضًا. {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113] أي بين الله سبحانه وتعالى من هو على الحق ومن هو على الباطل، ودين الله واحد، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].

    فدين الله واحد لجميع الخلق من يهودي ونصراني ووثني وعربي وعجمي، فدين الله واحد، وهو عبادته وحده لا شريك له؛ لكن هؤلاء فرقوا دينهم وصار لكل طائفة منهم دين يختلف عن الدين الآخر، فاليهود أنفسهم كانوا مختلفين فيما بينهم، والنصارى كانوا مختلفين، كانوا فرقًا مختلفة، وهم إلى الآن على اختلاف.

    وكذلك العرب الوثنيون متفرقون في عبادتهم، منهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار.

    هذه حالة أهل الجاهلية من كتابيين وأميين، لا يجمعهم دين، وعندهم حزبيات {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32] وهذا من تمام العقوبة والابتلاء،؛ كون الإنسان يفرح بما هو عليه من الباطل، كان الواجب العكس، وأن الإنسان يخاف من الضلال، ويخاف من الانحراف، ويخاف من الهلاك، لكن هؤلاء بالعكس {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32] دون النظر إلى كون ما هو عليه حقًا أو باطلاً، المهم أنها نِحلَةُ آبائهم وأجدادهم وقومهم وعشيرتهم، ولا يهمهم حق أو باطل، وهذا من الابتلاء والامتحان، إذا فرح الإنسان بالباطل، فهذه عقوبة؛ لأنه إذا فرح بالباطل فلن يتحول عنه.

    هذه صفة أهل الجاهلية، والله جل وعلا نهانا عن ذلك، فقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الروم: 31، 32] وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159]، وأنزل على رسوله {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] هذا هو الذي شرعه الله، إقامة الدين الذي هو دين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، صلى الله وسلم عليهم أجمعين، وهو دين الأنبياء جميعًا، لكن ذكر هؤلاء؛ لأنهم أفضل الرسل وأولو العزم، الخمسة، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد – صلى الله وسلم عليهم – هم أولو العزم وأفضل الرسل، وأخذ الله الميثاق من جميع الرسل، وعلى الخصوص على هؤلاء الخمسة، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب: 7] وجميع الرسل دينهم واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، هذا دين جميع الرسل عمومًا، والخمسة خصوصًا، لا يقبل الاختلاف ولا التفرق، فلا يكن لكل واحد دين، ولا لكل طائفة دين، وإنما دين الجميع واحد، هو دين الله جل وعلا على جميع الخلق {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

    جميع الخلق الجن والإنس يجب أن يكون دينهم واحدًا، هو التوحيد، وإفراد الله بالعبادة جل وعلا، والعبادة بيّنها على ألسن الرسل، ما وكلها إلى الناس؛ بل أنزل علينا كتابًا وأرسل إلينا رسلاً، وقال: هذا هو الدين، وهذه هي العبادة. وهي توقيفية، والدين توقيفي، ليس من حق الناس أن يشرعوا لهم أديانًا؛ بل هذا من حق الله سبحانه وتعالى، هو الذي يشرع الدين {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]، هذا إنكار منه سبحانه وتعالى، فالدين هو ما شرعه الله، وأنزله في كتبه، وعلى ألسن رسله، عليهم الصلاة والسلام، فهو توقيفي، والرسل إنما هم مبلغون عن الله جل وعلا، يبلغون عن الله ما شرعه لعباده، هذه وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهم متعبدون بهذا الدين مثل غيرهم، عباد يعبدون الله جل وعلا بهذا الدين الذي شرعه لهم، ولأممهم.

    وقال سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] هذا نهي لنا أن نكون مثل أهل الجاهلية الذين تفرقوا في دينهم واختلفوا، ولم يكن هذا عن جهل منهم، وإنما هو عن هوى {مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} تركوا البينات واتبعوا الهوى، فالذي حملهم على هذا التفرق هو الهوى -؛ والعياذ بالله – اتخذوا أهواءهم آلهة من دون الله عز وجل، والله جل وعلا لم يترك حجة لأحد، أرسل الرسل وأنزل الكتب {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 38، 39].

    فالله جل وعلا ما ترك الناس، منذ أن أهبط آدم إلى الأرض، لم يترك الناس بلا دين وبلا نبي؛ بل ما زال جل وعلا يرسل الرسل متتابعة، ويشرع للناس الدين ويبينه لهم، إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، الذي لا تنسخ ملته حتى تقوم الساعة، ومدادها الكتاب والسنة، فما من وقت من الأوقات إلا وهناك دين لله جل وعلا جاءت به الرسل، {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ليس لأحد حجة {أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} [المائدة: 19] فالله جل وعلا أقام الحجة على الخلق.

    لكن أهل الجاهلية خالفوا ما جاءت به الرسل، لا عن جهل، وإنما هو عن عناد واتباع للهوى، خصوصًا اليهود والنصارى فهم على علم بذلك، ولذلك سماهم الله أهل الكتاب، من باب العيب عليهم، أنهم أهل كتاب وأهل علم، ومع هذا يخالفون أمر الله سبحانه وتعالى، ويتبعون أهواءهم. نهى الله هذه الأمة أن تسلك هذا المسلك الجاهلي، وأمرهم أن يتمسكوا بالدين الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، والذي سار عليه صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخلفاؤه الراشدون، هذا هو الدين الذي يجب أن تتمسك به الأمة إلى أن تقوم الساعة، وإذا اختلفوا في شيء أن يردوه إلى الكتاب والسنة {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59].

    والاختلاف من طبيعة البشر، لكن الله جل وعلا أحالنا على الكتاب والسنة إذا اختلفنا ولا ندري أيُّنا المصيب، نرجع إلى الكتاب والسنة، فمن شهد له الكتاب والسنة بأنه حق أخذنا به، وما شهدا أنه غير حق تركناه؛ لأن هدفنا اتباع الحق، لا الانتصار للآراء، أو تعظيم الآباء والأجداد أو الشيوخ، ليس هذا شأن المسلمين، الحق هو ضالة المؤمن؛ أين وجده أخذه، الهدف الحق {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ} [النساء: 59] من بقائكم على النزاع {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59] يعني: أحسن عاقبة. وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى لنا؛ أنه أبقى فينا ما يحل النزاع ويدل على الحق، وهو كتابه، ولهذا قال: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ} [آل عمران: 103] وهو القرآن {جَمِيعًا} ليس بعضكم فقط، بل جميعًا، أي جميع الخلق عمومًا، وهذه الأمة خصوصًا {وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا}، [آل عمران: 103] {شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ} دين الجاهلية {فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [آل عمران: 103] أنقذكم بالإسلام، وبهذا القرآن، فاشكروا نعمة الله عز وجل. والاعتصام بحبل الله هو الاعتصام بالكتاب؛ لأن الكتاب هو حبل الله الممدود الذي من تمسك به نجا، ومن أفلت منه هلك.

    هذا ما قصّه الله علينا من حالة أهل الجاهلية: أنهم {فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32]، ثم نهانا عن ذلك، نهانا أن نتشبه بهم، ثم أمرنا بالاعتصام بكتابه الذي هو أمان من الاختلاف وأمان من النزاع والهلاك، فلا نجاة إلا بالاعتصام بكتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103]، فأهل الجاهلية متفرقون في دينهم، كما قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32] مسرورون بمذهبهم، وإن كان باطلاً. وكذلك كانوا متفرقين في دنياهم؛ لأن من ضيع الدين ضيع الدنيا، فكانوا في دنياهم متفرقين لا يجمعهم جماعة؛ بل كل قبيلة تحكم نفسها بنفسها، وكل قبيلة تستبيح دماء القبيلة الأخرى وأموالها.

    هذه حالة العرب قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لما ضيعوا دينهم ضيعوا دنياهم، وصار الخوف والقلق والجوع ملازمًا لهم دائمًا، وكانت الجاهلية كلها حروبًا، وكلها غارات وثارات، حتى الإخوة يتقاتلون في الجاهلية، فالأوس والخزرج في المدينة هم إخوة من ناحية النسب، قبيلة واحدة قحطانية، لكن قامت بينهم حرب طاحنة استمرت أكثر من مئة سنة، يسمونها «حرب بعاث» بين الأوس والخزرج، وكان اليهود يوقدونها، فلما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وهاجر إلى المدينة، جمعهم الله به، وطفئت الحروب، وتآخى المسلمون، وصاروا يدًا واحدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما ذكَّرهم الله به {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] ألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وانطفأت الحروب التي بينهم،وصلحت دنياهم، كذلك بقية قبائل العرب لما دخلوا في الإسلام، صلحت دنياهم لما صلح دينهم، وأمِنوا على دمائهم وأموالهم، وصاروا يسيرون في الأرض آمنين، وصار العربي يلقى العربي الآخر من أي قبيلة فلا يعرض له بسوء؛ بل سادت المحبة بينهم، تآخوا في دين الله عز وجل.

    وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] هذه براءة من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، أي: أحزابًا لأن المطلوب أن يكون الدين واحدًا، وأن يكون الناس جماعة واحدة على الدين، هذا هو الذي أمر الله به سبحانه وتعالى، فمن كان كذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يواليه، وهو وليه، أما من فَرَّقَ دينه وبقي على النزاع، وبقي على أمر الجاهلية، فالرسول بريء منه.

    يبقى أن نعرف حقيقة الاختلاف، أو الخلاف، في المسائل الفقهية. فالخلاف واقع وموجود الآن في أمور الفقه، فهل هذا من الاختلاف المذموم ؟

    نقول: الاختلاف على قسمين:

    القسم الأول: الاختلاف في الدين، كالاختلاف في العبادة والعقيدة، وهذا اختلاف مذموم ومحرم؛ لأن الدين ليس مجالاً للاجتهاد، وليس مجالاً للآراء، بل الدين توقيفي، والعقيدة توقيفية، لا مجال للاجتهاد فيها، علينا أن نتمسك بما شرعه الله لنا من الدين ومن العقيدة، دون أنت نتدخل بآرائنا واجتهاداتنا. كذلك العبادة توقيفية؛ ما جاءنا به دليل عملنا به، وما ليس عليه دليل فإنه بدعة يجب علينا تركه؛ لحديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [تقدم ص25]، وحديث: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» [أخرجه النسائي وأخرجه الإمام مسلم قطعة منه « وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة »]، فأمور العقيدة وأمور العبادة وأمور الدين عمومًا لا مجال للخلاف فيها أبدًا، وإنما تتبع فيها النصوص من الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف هذه الأمة.

    القسم الثاني: الاختلاف فيما للرأي فيه مجال، أو ما هو مسرح للاجتهاد من مسائل الفقه، واستنباط الأحكام من الأدلة، هذا يقع فيه الاختلاف؛ لأن مدارك الناس تختلف في الاستنباط من النصوص، ومسائل الإجماع محصورة، ولا يجوز مخالفتها. لكن ما ليس عليه إجماع من المسائل الاجتهادية التي هي مجال للاجتهاد فالله جل وعلا أعطى كل عالم بحسب ما خصه به من المدارك والفهم، وما يصل إليه من النصوص، والاجتهاد مشروع في ذلك، وقد حصل الاجتهاد في عهده صلى الله عليه وسلم كما هو معروف، فهذا اختلاف في الاجتهاد، وليس اختلافًا في العقيدة ولا في الدين، وإنما هو اختلاف في مسائل الفقه، وكان الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يجتهدون ويختلفون.

    وهذا الاجتهاد على قسمين:

    قسم ظهر الدليل مع أحد الطرفين المختلفين فيه فيجب أخذ ما عليه الدليل، وترك ما لم يقم عليه الدليل، فتعرض آراء الفقهاء على الدليل، فما دل عليه الدليل وجب الأخذ به وترك ما خالفه، ويجب على المجتهد الذي لم يوفق للصواب وخالف الدليل أن يقبل الحق ويرجع إلى الصواب، ولا يجوز له الاستمرار في الاجتهاد الخاطئ، ولا يجوز لنا أن نتبعه على الاجتهاد الخاطئ، والأئمة يوصوننا بهذا ويقولون: اعرضوا أقوالنا على الكتاب والسنة، فالإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: « إذا جاء الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء الحديث عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء الحديث عن التابعين فنحن رجال وهم رجال ». هذا كلام الإمام أبي حنيفة، أقدم الأئمة الأربعة.

    والإمام مالك رحمه الله يقول: « كلنا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ». يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول رحمه الله: « أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما نزل به جبريل على محمد لجدل هؤلاء ؟!» هذا كلام الإمام مالك رحمه الله.

    ويقول رحمه الله: « لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها »، ما هو الذي أصلح أولها؟ الكتاب والسنة. هذا كلام الإمام مالك رحمه الله.

    والإمام الشافعي رحمه الله يقول: « أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يكن له أن يدعها لقول أحد »، ويقول رحمه الله: « إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاضربوا بقولي عرض الحائط »، ويقول رحمه الله: « إذا صح الحديث فهو مذهبي ». هذه كلمات الشافعي رحمه الله [انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (10/34-35).].

    والإمام أحمد رحمه الله يقول: « عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان ! والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رَدَّ بعض قوله – يعني الرسول صلى الله عليه وسلم - أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ».

    إذًا، هذه أقوال الأئمة المجتهدين، اجتهدوا عن علم وعن أهلية للاجتهاد، لكن لم يّدَّعوا لأنفسهم العصمة، بل أوصوا أن يؤخذ من أقوالهم ما وافق الدليل، فيجب على الحنبلي إذا رأى الدليل مع الشافعي أن يأخذ بقول الشافعي، وواجب على الشافعي إذا رأى الدليل مع الحنفي أن يأخذ بقول الحنفي، وواجب على المالكي إذا رأى الدليل مع الحنبلي أن يأخذ بقول الحنبلي؛ لأن الغرض هو اتباع الدليل، ليس الغرض قول فلان ولا فلان، فلا يتعصبون لأئمتهم، وإنما يتعصبون للدليل فقط. وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم والإمام محمد بن عبد الوهاب كلهم يأمرون بهذا ويقولون: انظروا في أقوال العلماء، فخذوا ما قام عليه الدليل. وكلامهم في هذا معلوم من كتبهم.

    هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، لا تعصب، لكن ليس معنى هذا أن نرفض المذاهب ونتركها؛ بل نستفيد من المذاهب ومن فقه الأئمة؛ لأنه ثروة عظيمة، لكن نتابع الدليل، من كان معه دليل أخذنا بقوله، هذا الواجب.

    ومن لا يعرف الدليل يسأل أهل العلم، قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]؛ لأنك تريد براءة الذمة، فإذا كنت تعرف، فالحمد لله، خذ بالدليل، وإذا كنت لا تعرف تسأل أهل العلم، هذا هو الواجب.

    القسم الثاني من هذا الاجتهاد الفقهي ما لم يظهر فيه دليل مع أحد القولين؛ بل كلا القولين محتمل، فهذا لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ما دام لم يترجح شيء منها بالدليل، فلا إنكار على من أخذ بقول من الأقوال؛ شريطة ألا يكون عنده تعصب أو هوى، وإنما قصده الحق؛ لذلك لا ينكر الحنبلي على الشافعي، ولا ينكر الشافعي على المالكي، والأئمة الأربعة وأتباعهم إخوة على مدار الزمان، ولله الحمد، ما وقع بينهم عداوات، ولا وقع بينهم حزازات، وإن وقع شيء من ذلك فإنما هو من بعض المتعصبة، الذين لا عبرة بهم، لكن جمهور أصحاب المذاهب الأربعة – والحمد لله – ليس بينهم عداء ولا تفرق ولا حزازات، يتزاوجون، ويصلي بعضهم خلف بعض، ويسلم بعضهم على بعض، ويتآخون، مع أن عندهم اختلافًا في بعض المسائل الاجتهادية المحتملة، التي لم يظهر رجحان بعضها على بعض، ومن هنا قالوا الكلمة المشهورة: « لا إنكار في مسائل الاجتهاد ».

    فإذا كان أهل بلد على قول من هذه الأقوال الاجتهادية التي لم يظهر ما يخالفها ولا ما يعارضها، مجتمعين على رأي من هذه الآراء الفقهية، فلا يسوغ لأحد أن يفرق هذا الاجتماع، بل ينبغي الوفاق وعدم الاختلاف

  • #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيك ويا حبذا لو كانت صوتية

    تعليق

    يعمل...
    X