إعـــــــلان

تقليص
1 من 3 < >

تحميل التطبيق الرسمي لموسوعة الآجري

الصفحة الرسمية للتطبيق:
https://www.ajurry.com/apptips/home.html
تحميل التطبيق من متجر قوقل بلاي
https://play.google.com/store/apps/d...ry&pageId=none
2 من 3 < >

الإبلاغ عن مشكلة في المنتدى

تساعدنا البلاغات الواردة من الأعضاء على منتدى الآجري في تحديد المشكلات وإصلاحها في حالة توقف شيء ما عن العمل بشكل صحيح.
ونحن نقدّر الوقت الذي تستغرقه لتزويدنا بالمعلومات عبر مراسلتنا على بريد الموقع ajurryadmin@gmail.com
3 من 3 < >

فهرسة جميع الشروح المتوفرة على شبكة الإمام الآجري [مبوبة على حسب الفنون] أدخل يا طالب العلم وانهل من مكتبتك العلمية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه - وعلى آله ومن ولاه وبعد :

فرغبة منا في تيسير العلم واشاعته بين طلابه سعينا لتوفير جميع المتون وشروحها المهمة لتكوين طلبة العلم ، وقد قطعنا شوطا لابأس به في ذلك ولله الحمد والمنة وحده ، إلا أنه إلى الآن يعاني بعض الأعضاء والزوار من بعض الصعوبات في الوصول للشروح والمتون المرادة لتداخل الشروح أو لقلة الخبرة التقنية .

من أجل هذا وذاك جاء هذا الموضوع ليكون موضوعا مرجعا جامعا مرتبا بإذن الله لكل المواد العلمية الموضوعة حاليا في شبكتنا ومرتبا على حسب أبواب الفنون العلمية (العقيدة، الفقه، الحديث،...)وسنحاول أيضا ترتيبها على مستويات الطلب (المبتدئ ، المتوسط ، المنتهي) سيتم تحديثه تبعا بعد إضافة أي شرح جديد .

من هـــــــــــنا
شاهد أكثر
شاهد أقل

كَشْفُ الخَفَاءِ عَنْ أَحْكَامِ خِطْبَةِ النِّسَاءِ

تقليص
هذا الموضوع مغلق.
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • كَشْفُ الخَفَاءِ عَنْ أَحْكَامِ خِطْبَةِ النِّسَاءِ




    اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	مصنع الصيغKachf-Alkhafaa-Preview.png 
مشاهدات:	1 
الحجم:	291.7 كيلوبايت 
الهوية:	199662

    مُقَدمَة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين أمَّا بعد ،

    فإنَّ الباحث والناظر في الكتب والمصنفات يجد أنَّ الكتب التي اهتمت بالموضوع الذي بين يدينا قليلة؛ فمنها من يتعرض لجزئية من جزئياتها كالنظر إلى المخطوبة، ومنهما من يضم أحكامها جملة إلى الكتب المختصَّة بأحكام الزفاف متعرضًا للمسألة بإيجاز شديد؛ أمَّا أن يُفردَ الموضوع بتغطية لأغلب الجزئيَّات فلم أجد .

    هذا وقد اشتدت الحاجة إلى مصنِّف في هذا الباب يلم شمل المسألة، ويقرب أطرافها بعد أن عمَّ التساهل بين الناس فيها، فوجدت ذلك مبررًا للكتابة في هذا الموضوع، فعزمت أمري.

    ولمَّا كانت البركة في أقوال الكبار، فقد حاولت جمع أكبر عدد من تلك الأقوال في كل جزئية، حتى تتم الفائدة ويُتصور الخلاف، فلا تجدني فيه -أخي القارئ- أحذو حذو من يستنبط من النصوص مباشرةً ذاكرًا الأحكام باجتهاد مطلق؛ فلست ذلك الرجل؛ والبضاعة مزجاة، وإنَّما أحاول إفادة نفسي أولاً ورفع الجهل عنها وعن سائر من يصل إليه هذا العمل، طمعًا في الأجر والمثوبة وعدم انقطاع العمل، والله الموفق .

    أبو عبدالله الآجُريّ
    رجب 1429هـ
    الملفات المرفقة
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو الحسين عبد الحميد الصفراوي; الساعة 09-Jul-2014, 04:38 PM.
    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

  • #2
    ما هي الخطبة ؟

    خَطَب المرأَةَ يَخْطِبها خَطْباً وخِطْبة بكسر الخاء: الخطاب في قصد التزوج؛ وهي أيضًا هيئة الحال فيما بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخِطبة، وجَمعُ الخاطب خُطَّاب، والخَطيبُ: الخاطِبُ، والخِطِّيبَى: المخطوبة ([1]).

    وجاء في بعض المعاجم ضم الخاء في خطبة بهذا المعنى، لكن الخُطبة (بالضم) شائعة في الكلام الذي ينطق به الخطيب؛ والخطبة (بالكسر) في طلب الزواج([2]).

    والخَاطِبُ والخِطْبُ: هو الذي يَخْطِبُ المَرْأَةَ وهِيَ خِطْبُه التي يَخْطُبُهَا وذلك خِطْبَتُهُ وخِطِّيبَاهُ وخِطِّيبَتُهُ وهو خِطْبُهَا بِكَسْرِهِنَّ، والخَطَّابٌ –كشَدَّادٍ-: المُتَصَرِّفُ أَي كَثِيرُ التَّصَرُّفِ في الخِطْبَةِ.
    وقد جاء في المثل: ((يَقُولُ إنِّي خَاطِبٌ وقَدْ كَذَبْ وإنَّمَا يَخْطُبُ عُسًّا مِنْ حَلَبْ)).

    واختطب القوم فلاناً إذا دعوه إلى تزويج صاحبتهم؛ ويخطب الرجل المرأة إلى وليها أي: يخطبها من أهلها؛ قال أَبو زيدٍ: إذا دَعَا أَهلُ المرأَةِ الرجلَ لِيَخْطُبَهَا فقدِ اخْتَطَبُوا اخْتِطَاباً وإذا أَرادُوا تَنْفِيقَ أَيِّمِهِم كَذَبوا على رَجلٍ فقالوا: قد خَطَبَها فرَددْناه؛ فإذا رَدَّ عنه قَوْمُه قالوا: كَذَبْتُم لقدِ اخْتَطَبْتُمُوهُ فمَا خَطَبَ إليكم.

    يُقَالُ([3]): خَطَبَ الْمَرْأَةَ إِلَى وَلِيِّهَا، إِذَا أَرَادَهَا الْخَاطِبُ لِنَفْسِهِ، وَعَلَى فُلَانٍ إِذَا أَرَادَهَا لِغَيْرِهِ.
    ويقال للمرأة: مخطوبة، أمَّا الكلمة التي يتداولها الناس اليوم وهي: خطيبة، فلم ترد في كتب اللغة، ولكنَّ المجمع الفقهي أجازها([4]) مع عدة كلمات أخرى على زنة فعيل بمعنى مفعول مما لم يرد في المعاجم؛ من ذلك: مزيج، وخطيبة بمعنى مخطوبة، وعديد بمعنى معدود.

    والكلمة الأخرى التي نجدها كثيرًا اليوم وهي: الخطوبة، فهي كلمة لم أقف عليها في أحد من معاجم اللغة، بل إنِّي أشك أنها لفظة عامية محدثة، ولكن قد جاء في معجم لغة الإعلام العربي: " أما الخُطوبة فلها معنى آخر؛ إذ تَدُلُّ على الفترة التي تعقُب خِطبة المرأة وتمتد إلى الزواج"([5]) اهـ .



    ([1]) قاله الفرَّاء، كذا عن ابن منظور في اللسان، ونظم الدرر للبقاعي، وتابعه عليه أهل اللغة، وحكي عن كراع بالضم .

    ([2]) معجم لغة الإعلام العربي .

    ([3]) نقله الحافظ ابن حجر في الفتح .

    ([4]) في دورته الخمسين المعقودة سنة 1404 هـ .

    ([5]) معجم لغة الإعلام العربي .
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 28-Jul-2008, 11:06 PM.
    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

    تعليق


    • #3
      الخطبة على مر التاريخ

      كانت الخطبة سريعةً جدًا في الجاهلية؛ كانَ الرجلُ يأتي الحَيَّ خاطباً فيقوم في ناديهم فيقول: خِطبٌ، أيْ جئتُ خاطباً، فيقال له: نِكحٌ، أي أنْكَحْناك([1])؛ حتى ظنَّت بعض الأعاجم أنَّ العرب لا تخطِب، لسرعة الخطبة ولحاقها بالزواج؛ويقولون: خِطْبٌ نِكْحٌ، وخُطْبٌ نُكْحٌِ: أي خَطَبْتَ وأنْكَحْنَاكَ.

      وفي المَثَلِ: (أسْرَعُ من نِكاحِ أُمٍّ خارِجَةَ)([2]) ؛ كانت امرأة من العرب في الجاهلية قد وَلَدَت في بطون كثيرة من العرب، وهي أُمّ خارجةَ البَجَليَّة يجيئها الرجل فيقول: خِطْبٌ، فتقول: نِكْحٌ، وقال قوم: خِطِبْ، فتقول: نِكِحْ، فصار مثلاً على ألسنتهم: (أسرعُ من نِكاح أُمّ خارجةَ) .

      أمًا عند بعض الشعوب الأخرى من غير العرب فإنَّها قد تدوم السنين، خصوصًا إذا لم يكن الخاطب والمخطوبة قد ميَّزا، فإنَّها تدوم حتى البلوغ، وقد تدوم أيضًا عند بعض الشعوب المُنحلَّة السنين الطويلة؛ فمفهوم فترة الخِطبة عندهم قضاء الوقت مع شريك المستقبل لمعرفة المزيد عنه، وقد تطور هذا المفهوم حتى أصبحت الخِطبة في هذه البُلدان ومنها شمال أمريكا وألمانيا وما شابهها من بلدان الانحلال: زواجًا تجريبيًا؛ فلا تنتهي الخِطبة عندهم عادة إلا بحصول الحمل، فيفضلون عندها الزواج، مراعاة لمشاعر الأطفال في المستقبل (!) وكفالة لبعض حقوقهم التي تعطيها لهم الدولة.

      قال تقي الدين الهلالي –رحمه الله-: " ومن غريب ما وقفت عليه من شؤون المتخاطبين عندهم أن الرجل يخطب المرأة فيتفقان على الزواج، ويبقيان مدة طويلة يتعاشران عشرة المتحابين، وهي كما قلنا مخالطة تامة كمخالطة الزوجين، ثم يعقدان النكاح ويجتمعان على الزواج، فلا يلبثان أن تسوء عشرتهما، فيقع الشقاق بينهما ثم يعقبه الفراق.
      ومن عجيب ما سمعت من ذلك في مدينة (بن) الألمانية أن متخاطبين بقيا مدة عشرين سنة متعاشرين في غاية الوفاق والوئام . . "([3]) اهـ .

      وقد تأثر بعض المثقفين من المسلمين بهذه النظرة الغربية للخِطبة، وأنَّها فترة تعارف ومخالطة، ويأتي الحديث عن ردِّ الإسلام لهذه النظرة في الفصل القادم.



      ([1]) كتاب العين المنسوب للخليل بن محمَّد .

      ([2]) البحر المحيط .

      ([3]) مجلة الجامعة الإسلامية، العدد الثامن، تعليم الإناث .
      التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 28-Jul-2008, 11:07 PM.
      قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

      تعليق


      • #4
        الخطبة في الإسلام

        قد أقرَّ الإسلام الخِطبة، فقد خطب النبي -صلى الله عليه وسلَّم- عائشة وأم سلمة وغيرهما من أمهات المؤمنين –رضي الله عن الجميع-؛ خطب الأولى إلى أبيها، والثانية إلى نفسها.
        ففي حديث عُروة: ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطب عائشة إلى أبي بكر))([1]) .
        وفي حديث أم سلمة قالت: ((لما مات أبو سلمة، أرسل إلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطبني وأجبته))([2]) .

        معنى الخِطبة في الإسلام


        لا يخرج المعنيان الاصطلاحي والشرعي عن المعنى اللّغويّ: طلب الزواج والاتفاق عليه وعلى مقدماته خصوصًا، ثم تكون فيه المرأة محجوزة لخاطبها بعد الإيجاب والتراضي، فلا يجوز لأحد آخر في تلك الفترة أن يخطب على خطبة أخيه للأحاديث الصحيحة في ذلك؛ وليس للمخطوبة على خاطبها حق آخر في هذه الفترة من زيارة أو هدية أو غير ذلك، اللهم إلا إن جادت نفسه ببعض الهدايا؛ فقد ورد ذلك عن بعض السلف.

        والمخطوبة تعتبر أجنبيّةً عن خاطبها، فتحرم الخلوة بها كغيرها من الأجنبيّات، وهذا باتّفاق([1]).

        والحاصل: أننا إذا عرَّفنا الخِطبة اصطلاحاً نقول: إنَّها فترة تتحول فيها الأجنبية، من أجنبية مطلقة إلى أجنبية يجوز منها النظر حتى يتحقق المقصود؛ كما أنَّها التماس زواج امرأة يحل للمتقدم التزوج بها، بوعدٍ غير ملزم بعقد الزواج للطرفين، لكل منهما الرجوع عنه، لا يلتزم فيه الطرفان بأي التزام مالي، أو تعويض وإن وعد به .



        ([1]) قال الإمام الألباني في الإرواء: صحيح؛ أخرجه البخاري (3/415) .

        ([2]) قال الإمام الألباني في الإرواء: صحيح؛ أخرجه مسلم (3/37) .

        ([1]) الموسوعة الفقهية .
        التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 28-Jul-2008, 11:10 PM.
        قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

        تعليق


        • #5
          نظرة الفقهاء إلى الخطبة

          ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الخطبة ليست بعقد شرعيّ بل هي وعد، وإن تخيّل كونها عقداً فليس بلازم بل جائز من الجانبين، ولا يكره للوليّ الرّجوع عن الإجابة إذا رأى المصلحة للمخطوبة في ذلك، لأنّ الحقّ لها وهو نائب عنها في النّظر لها، فلا يكره له الرّجوع الّذي رأى المصلحة فيه، كما لو ساوم في بيع دارها ثمّ تبيّن له المصلحة في تركها، ولا يكره لها أيضاً الرّجوع إذا كرهت الخاطب، لأنّ النّكاح عقد عمريّ يدوم الضّرر فيه، فكان لها الاحتياط لنفسها والنّظر في حظّها، وإن رجعا عن ذلك لغير غرض كره لما فيه من إخلاف الوعد والرّجوع عن القول، ولم يحرم لأنّ الحقّ بعد لم يلزمهما، كمن سام سلعةً ثمّ بدا له ألاّ يبيعها.
          وقال المالكيّة: يكره لمن ركنت له امرأة وانقطع عنها الخطّاب لركونها إليه أن يتركها([1])اهـ.

          كيف تبحث عن شريك الحياة

          جاء في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلاَّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض([2])))([3]) ؛ وفي حديث أبي سعيد الخدري نظير ذلك في النساء، قال -صلى الله عليه وسلَّم-: ((تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاثة، تنكح المرأة على مالها، و تنكح المرأة على جمالها، و تنكح المرأة على دينها، فخذ ذات الدين والخلق تربت يمينك))([4]).

          فقد حثَّ الرسول -صلى الله عليه وسلَّم- في الحديث الأوَّل أن يُزَوج ذو الخلق والدين، وأن يكون الخلق والدين العامل المُرجح في المفاضلة، وليس المال فقط، فلا يزوج صاحب الخلق السيئ وفاقد الدين.

          قَالَ الطِّيبِيُّ: "وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَالِكٍ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يُرَاعَى فِي الْكَفَاءَةِ إِلَّا الدِّينَ وَحْدَهُ. وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ يُرَاعَى أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ، الدِّينُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالنَّسَبُ وَالصَّنْعَةُ، فَلَا تُزَوَّجُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا الصَّالِحَةُ مِنْ فَاسِقٍ، وَلَا الْحُرَّةُ مِنْ عَبْدٍ، وَلَا الْمَشْهُورَةُ النَّسَبِ مِنْ الْخَامِلِ، وَلَا بِنْتُ تَاجِرٍ أَوْ مَنْ لَهُ حِرْفَةٌ طَيِّبَةٌ مِمَّنْ لَهُ حِرْفَةٌ خَبِيثَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ، فَإِنْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ صَحَّ النِّكَاحُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ"([5]).

          يقول الإمام الألباني: " الكفاءة على قسمين، قسم اتُفق عليه وقسم اختلف فيه.
          كفاءة الدين والخلق أمر متفق عليه .
          كفاءة النسب اختلف فيها، والحق أنَّ كفاءة النسب لا قيمة لها.
          النبي -صلى الله عليه وسلَّم- :أبطل الكفاءة النسبية"([6]) اهـ.

          وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَيَّرَ مَا يَلِيقُ بِمَقْصُودِهِ –أي الخاطب-، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُذْكَرَ لَهُ مَا يُصْلَحُ لِلْمَحَبَّةِ، فَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَا تَوَدُّ .


          ولا يُفهم من ذلك عدم إباحة الزواج لأجل المال والجمال

          قال الحافظ ابن حجر في الفتح: " ظَاهِره إِبَاحَة النِّكَاح لِقَصْدِ كُلّ مِنْ ذَلِكَ لَكِنَّ قَصْدَ الدِّين أَوْلَى.
          . . . وَلَمْ يَنْحَصِر قَصْد نِكَاح الْمَرْأَة لِأَجْلِ مَالهَا فِي اِسْتِمْتَاع الزَّوْج، بَلْ قَدْ يَقْصِد تَزْوِيج ذَات الْغِنَى لِمَا عَسَاهُ يَحْصُل لَهُ مِنْهَا مِنْ وَلَد فَيَعُود إِلَيْهِ ذَلِكَ الْمَال عن ِطَرِيقِ الْإِرْث إِنْ وَقَعَ، أَوْ لِكَوْنِهَا تَسْتَغْنِي بِمَالِهَا عَنْ كَثْرَة مُطَالَبَته بِمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ نِسَاء وَنَحْو ذَلِكَ "([7]) .

          حتى ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنَّه إذا هم خاطب بخطبة، فإنَّه –مثلاً- يبحث عن الجمال أولاً، حتى إذا وجد عيبًا في دينها، فإنَّه يعرض عنها، فيكون قد أعرض بذلك عن الدنيا لأجل الدين، أمَّا لو كان شرطه الوحيد في البحث الدين ثم إذا وجدها قبيحة أعرض عنها، فإنَّه يكون قد أعرض عن الدين لأجل الدنيا، وهو في غنى عن ذلك باتباعه الطريقة الأولى([8]).



          ([1]) الموسوعة الفقهية، خطبة .

          (
          [2]) قال المباركفوري في التحفة: " أَيْ إِنْ لَمْ تُزَوِّجُوا مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ وَتَرْغَبُوا فِي مُجَرَّدِ الْحَسَبِ وَالْجَمَالِ أَوْ الْمَالِ يَحْصُلُ الفَسَادُ العَرِيضُ أَيْ ذُو عَرْضٍ أَيْ كَبِيرٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُزَوِّجُوهَا إِلَّا مِنْ ذِي مَالٍ أَوْ جَاهٍ، رُبَّمَا يَبْقَى أَكْثَرُ نِسَائِكُمْ بِلَا أَزْوَاجٍ، وَأَكْثَرُ رِجَالِكُمْ بِلَا نِسَاءٍ، فَيُكْثِرُ الِافْتِتَانُ بِالزِّنَا، وَرُبَّمَا يَلْحَقُ الْأَوْلِيَاءَ عَارٌ فَتَهِيجُ الْفِتَنُ وَالْفَسَادُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النَّسَبِ وَقِلَّةُ الصَّلَاحِ وَالْعِفَّةِ.


          ([3]) قال الإمام الألباني: حسن؛ أخرجه الترمذي (1/201) وابن ماجه (1967) والحاكم (2/164 - 165) وأبو عمر الدوري في "قراءات النبي -صلى الله عليه وسلم-" (ق 135/2) والخطيب في "تاريخ بغداد" (11/61) انتهى من الإرواء .

          (
          [4]) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (1231) والحاكم (2/161) وأحمد (3/ 8 -81) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته عن أبي سعيد الخدري، الصحيحة 307 .

          ([5]) تحفة الأحوذي (3/150) .

          ([6]) من سلسلة الهدى والنور .

          ([7]) فتح الباري (14/330) .

          ([8]) محمد بازمول، فائدة .
          التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 28-Jul-2008, 11:12 PM.
          قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

          تعليق


          • #6
            وبالجملة فإنَّه يمكن تقسيم الجمال إلى نوعين:

            جمال حسي:
            وهو كمال الخلقة؛ لأنَّ المرأة كلما كانت جميلة المنظر عذبة المنطق قرت العين بالنظر إليها وأصغت الأذن إلي منطقها؛ فينفتح إليها القلب وينشرح إليها الصدر وتسكن إليها النفس ويتحقق فيها قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [الروم: 21].

            جمال معنوي:
            كمال الدين والخلق؛ فكلما كانت المرأة أدين وأكمل خلقًا كانت أحب إلي النفس وأسلم عاقبة؛ فالمرأة ذات الدين قائمة بأمر الله، حافظة لحقوق زوجها وفراشه وأولاده وماله، معينة له على طاعة الله تعالى، إن نسي ذكرته، وإن تثاقل نشطته، وإن غضب أرضته، و المرأة الأدبية تتودد إلي زوجها وتحترمه ولا تتأخر عن شيء يحب أن تتقدم فيه، ولا تتقدم في شيء يحب أن تتأخر فيه؛ ولقد سُئل النبي -صلي الله عليه وسلم- أي النساء خير؟ قال: ((التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ولا ماله بما يكره))([1]) وقال -صلي الله عليه وسلم-: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء، أو قال: الأمم))([2]).

            فإن أمكن تحصيل امرأة يتحقق فيها جمال المنظر وجمال الباطن فهذا هو الكمال والسعادة بتوفيق الله([3]).

            تربت يمينك؟

            وقوله -صلى الله عليه وسلَّم-: " فخذ ذات الدين والخلق تربت يمينك"، قال فيه ابن قتيبة: "هذا من باب الدعاء الذي لا يراد به الوقوع"([4]) اهــ ؛ وَعَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَخَاطِبْهَا أَنَّهُمْ يُسْتَعْلَمُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عِنْدَ الْإِنْكَارِ لِمَنْ لَا يُرِيدُونَ فَقْرَهُ([5]) والراجح أنه شيء يدعم به الكلام، تارة للتعجب، وتارة للزجر أو التهويل، أو الإعجاب، وهو كويل أمه، ولا أبا لك، وعقرى حلقي([6]) .

            طُرق التعرف على خلق المرأة ودينها

            فترة الخِطبة وما قبلها ليست فقط حجزًا للمخطوبة بعد الاتفاق أو مجالاً لتأكيد رغبة الخاطب في الزواج؛ بل هي فترة أيضًا للاستقصاء والسؤال عن حال المخطوبة وأهلها، وكذلك الأمر للمخطوبة .

            وذلك يكون بعين العقل بعيداً عن العواطف، ويكون ذلك بالنظر إلى البيئة التي جاء منها المسؤول عنه، فإن الإنسان في الغالب ابن بيئته، وبالسؤال عن الأسرة التي ينتمي إليها، فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وبالسؤال عن القرناء، لأن القرينبالمقارن يقتدي، وبالسؤال عن دينه وخلقه وسلوكه.

            قال الشاعر:
            وأول خبث المرء خُبث تُرابه
            وأول خبث القوم خبث المناكح
            وقال آخر:
            إذا تزوجت فكن حاذقاً
            وأسأل عن الغصن وعن منبته




            ([1])رواه احمد و النسائي كتاب النكاح باب أي النساء خير رقم( 3231) .

            ([2]) رواه أبو داود كتاب النكاح باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء رقم ( 2050) و النسائي كتاب النكاح باب كراهية تزويج العقيم رقم ( 3227).

            ([3]) من كتاب الزواج للعلامة ابن عثيمين، خيرية ابن عثيمين .

            ([4])نقله ابن بطال في شرحه .

            ([5]) مقدمة الفتح (1/90) .

            ([6]) المنقى شرح الموطأ (1/119) .
            التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 28-Jul-2008, 11:17 PM.
            قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

            تعليق


            • #7
              موانع الخطبة

              إذا انتفت هذه الموانع فإنَّه يجوز التصريح والتعريض في خِطبة الخالية من الموانع، وهذه الموانع هي:

              أ‌-النكاح: وهي أن تكون ذات زوج.

              ب‌-المحَرَم: وهي أن تكون محرماً للخاطب؛ أخته من الرضاع مثلاً، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَاطِبُ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ أُمِّ الْمَخْطُوبَةِ وَلَا هِيَ رَضَعَتْ مِنْ أُمِّهِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ كَانَ إخْوَتُهما تَرَاضَعَا([1]).

              ت‌-المعتدة: لا تجوز خطبة المعتدة الرجعية تعريضاً أو تصريحاً؛ أما غيرها كالمعتدة البائن، أو من اعتدت لفسخ أو انفساخ، أو موت فإنه لا يجوز أن تُخطب تصريحاً، وإنَّما يجوز ذلك تعريضاً؛ ويجب أن تجيب المخطوبة تعريضاً لا تصريحاً أيضاً.
              ث‌-الخطبة: بأنَّ تكون مخطوبة ركنت إلى الخاطب وأجابته بالموافقة، فلا يجوز للمسلم الخطبة على خطبة أخيه، للحديث الصحيح في ذلك .

              مسألة: هل الفسق مانع من موانع الخطبة؟

              قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع: " إذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْفِسْقِ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا لَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنَّ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ فَاجِرٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهَا. لَكِنْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَابَ؛ فَتُزَوَّجُ بِهِ إذَا كَانَ كُفُؤًا لَهَا وَهِيَ رَاضِيَةٌ بِهِ" اهـ .

              ولكنه ليس من موانع الخطبة بمعنى أنَّها تنفسخ أو أنها محرمة كما هو ظاهر أعلاه؛ ولكن الأولى ألا تُزوج إلا لذي الخلق والدين؛ فإن كان للخاطب خلل في دينه بترك واجب أو فعل محرَّم فلا يُزوج إلاَّ أن لا نجد خيراً منه، ويُراعى في ذلك حال المخطوبة، فإن كانت صغيرة في السن، ويتوارد عليها الخُطَّاب فلا يوافق عليه؛ أمَّا إن كانت كبيرة ويُخشى عليها أن تصبح عانساً فإنها تُزوَّج، على أن يشترطوا أن ينتهي عما هو فيه من نقص؛ وإن لم يتوقف بعد ذلك، كأن يكون مدخناً -والعياذ بالله- فإنَّه يُشترط عليه ألا يُدخن أمامها أو أمام أولادها([2]) .



              ([1]) قاله شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى .

              ([2]) هذا الفصل مستفاد من تقريرات الإمام العلامة ابن عثيمين، في أكثر من موضع من فتاوى نور على الدرب .
              التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 28-Jul-2008, 11:18 PM.
              قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

              تعليق


              • #8
                وماذا إن كان الخاطب رافضيًا؟

                قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: " الرَّافِضَةُ الْمَحْضَةُ هُمْ أَهْلُ أَهْوَاءٍ وَبِدَعٍ وَضَلَالٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ مِنْ رافضي وَإِنْ تَزَوَّجَ هُوَ رافضية صَحَّ النِّكَاحُ إنْ كَانَ يَرْجُو أَنْ تَتُوبَ وَإِلَّا فَتَرْكُ نِكَاحِهَا أَفْضَلُ لِئَلَّا تُفْسِدَ عَلَيْهِ وَلَدَهُ" اهـ .

                وقال في موضع آخر: " لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يُنْكِحَ مُوَلِّيَتَهُ رافضيا وَلَا مَنْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ . وَمَتَى زَوَّجُوهُ عَلَى أَنَّهُ سُنِّيٌّ فَصَلَّى الْخَمْسَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ رافضي لَا يُصَلِّي أَوْ عَادَ إلَى الرَّفْضِ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ : فَإِنَّهُمْ يَفْسَخُونَ النِّكَاحَ" اهـ .

                هل الفقر من موانع الخِطبة؟

                قال تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النــور: 32].
                قال المفسرون: والمعنى، لا يمنعن فقر الخاطب أو المخطوبة من المناكحة؛ فإن في فضل الله غنية عن المال، فإنه غاد ورائح، أو وعد من الله بالإِغناء، لكنه مشروط بالمشيئة كقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء} .
                قال الحافظ في الفتح: " الْفَقْر فِي الْحَال لَا يَمْنَع التَّزْوِيج، لِاحْتِمَالِ حُصُول الْمَال فِي الْمَآل" اهـ .

                الفارق في السن بين الطرفين

                السِنُّ ليس من موانع الخطبة([1])؛ ويكفيك أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وآله وسلم- تزوَّج خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-‌ وكانت تكبره بسنوات وكانت من أحبّ الناس إليه وهي التي ولدت له الأولاد دون سائر نسائه والتي كان من نسلها الحسن والحسين رضي الله عنهما، لذلك كان السنُّ ليس مانعًا من اختيار الزوجة الصالحة التي تعينه على إقامة الدين وتحقيق المودَّة والرَّحمة والسكون التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21] ([2]).
                وكذلك العكس كأن يكون الفارق العمري بين الخاطب والمخطوبة كبيرًا جدًا، والخاطب هو الأكبر، فإنَّه لا يوجد في الإسلام ما يمنع ذلك إذا لم يقترن بذلك محرم.

                فقد أشار إلى ذلك العلاَّمة الفوزان، وألمح إلى زواج النبي –صلى الله عليه وسلَّم- بعائشة وغير ذلك من الوقائع في عهد الصحابة، واستدل بهذه الوقائع من السنة النبوية على تزويج الكبير بالشابة، فقال: " والآن ينادون ويحذرون منه، ويشنّعون على تزويج الكبير، ويعتبرونه جريمة، ووحشية، وينددون بما فعله في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام، بل ربما في الخطب والمحاضرات، و هذا الرسول -صلى الله عليه وسلم- سيد الخلق تزوج عائشة وهو في سن الخمسين تقريبًا، وهي في سن السابعة، فدلّ على أنه لا بأس به، بل يُرغب في تزويج الكبير من الشابة إذا كانت هناك مصلحة في ذلك، وأنهذه سنة نبوية، فمن أنكر تزويج الكبير من الشابة فإنه أنكر سنة نبوية، هذا إذا كانتالمصلحة في ذلك.

                أما إذا لم يكن هناك مصلحة، وإنما هو استغلال من وليّ هذهالطفلة من أجل أن يستغل تزويجها، وهي ليس لها مصلحة فهذا لا يجوز .
                إنما نقول : إذا كانت المصلحة في ذلك فلا حرج في تزويج الكبير من الشابة، إذا كان في ذلك مصلحة وخير، وأن هذا من سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-"([3]) اهـ .


                أمَّا إن كان جواز الشيخ بالصبية يؤدي إلى عدم قضائها المتعة من الزواج ويؤدي إلى زيغ عينها وعدم إعفافها، فإنَّ تزويجها بالشيخ فيه ضرر لها، وهو معنى قول ابن مفلح في الفروع: " وَمِنْ التَّغْفِيلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الشَّيْخُ صَبِيَّةً" اهـ .



                ([1]) يقول ابن الجوزي: " وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ بِنْتَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلَى الْعِشْرِينَ، وَيَتِمُّ نُسُوُّ الْمَرْأَةِ إلَى الثَّلَاثِينَ، ثُمَّ تَقِفُ إلَى الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ تَنْزِلُ" نقلاً عن الفروع لابن مفلح اهـ .


                (
                [2]) من فتاوى الدكتور محمد علي أبو عبد المعز فركوس؛ الجزائر في: 12 رمضان 1426ﻫ الموافق ﻟ: 15 أكتوبر2005م؛ راجعها في موقعه على الشبكة .


                ([3])إعانةالمستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1/169) .
                التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 28-Jul-2008, 11:03 PM.
                قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

                تعليق


                • #9
                  خِطبة القريبة، وزواج الأقارب

                  ذهب بعض العلماء إلى تفضيل زواج الأباعد لفائدتين:
                  الفائدة الأولى:
                  أنَّه أنجب للولد، بمعنى أنَّه يجذبه عرق أمه إذا كان من قبيلة، وعرق أبيه إذا كان من قبيلة أخرى، فتكون في هذا الطفل أخلاق هؤلاء وهؤلاء.

                  الفائدة الثانية:
                  عدم حصول القطيعة بين الأرحام، لأنَّه قد يحصل بينه وبين زوجته خلاف يؤدي إلى تقاطع الأرحام ليس بين الزوجين فقط، بل بين الأقارب كلهم من هؤلاء وهؤلاء([1]).

                  ولكنَّ عموم قوله عليه الصلاة والسلام: ((تنكح المرأة على إحدى خصال ثلاثة، تنكح المرأة على مالها، و تنكح المرأة على جمالها، و تنكح المرأة على دينها، فخذ ذات الدين والخلق تربت يمينك))([2]) يشمل القريبة والبعيدة، ولا يخفى علينا أنَّ علي ابن أبي طالب تزوج بفاطمة –رضي الله عنهما- وهي بنت عمه، فعم الرسول عليه الصلاة والسلام، عم علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- ؛ فالصواب أنَّه لا تضر القرابة والبعد، ولكن نتجه إلى ما أرشد إليه النبي –عليه الصلاة والسلام- : ((فاظفر بذات الدين تربت يداك))([3]) .

                  وقد جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: " ليس هناك أحاديث صحيحة تمنع من الزواج بين الأقارب، وحصول الإعاقة إنما يكون بقضاء الله وقدره، وليس من أسبابه الزواج بالقريبات كما يشاع([4])، ولا يجوز منع الإنجاب خوفا من الإعاقة، بل يجب التوكل على الله سبحانه وإحسان الظن به([5])" اهـ.


                  فالخلاصة أنَّ زواج الأقارب([6]) لم يرد به نهي صريح في الإسلام، ولا حث عليه، فهو متروك لاختيار الناس وما هو أنسب لهم، ولعل هذا النهج يؤكد ما توصل إليه الطب الحديث في هذا الموضوع، وهو أن زواج الأقارب ليس ضارًا على طول الخط، فقد يكون نافعًا في حالة ارتفاع نسبة الذكاء والجمال والقوة في العائلة، وبالتالي فالقول بأن زواج الأقارب كله ضرر، مع كون الإسلام أباحه، كلام تعوزه الصحة العلمية.

                  ولعل من المناسب إيراد رأي الأطباء في هذه المسألة، يقول الدكتور أحمد شوقي إبراهيم استشاري الأمراض الباطنية([7]):

                  إذا نظر أي عالم نظرة متأنية في أبعاد هذا الموضوع؛ لوجد أن القول: " بأن زواج الأقارب يعطي الفرصة لزيادة الأمراض الوراثية في الذرية " ليس قولاً صحيحًا في كل الأحوال .

                  قد يكون صحيحا في حالات معينة ولكنه ليس صحيحا في كل الحالات، وبالتالي لا ينبغي أن يكون قانونا عاما أو قاعدة عامة.


                  وهناك بعض الحقائق الأساسية في هذا الموضوع :
                  زيادة نسبة ظهور الأمراض الوراثية في الذرية الناتجة من العوامل الوراثية المتنحية من كلا الأبوين ليست معتمدة على زواج الأقارب في كل الأحوال ولكنها تعتمد أساسًا على مدى انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي بين أفراد المجتمع ككل .

                  فإذا كان منتشرا بنسبة أكثر من 1 : 8 في المجتمع؛ فإن زواج الأباعد لا يكون ضمانًا لإنجاب أصحاء وراثيًا .

                  نفهم من ذلك أن ظهور بعض الأمراض الوراثية في المجتمعات التي تنتشر بين أفرادها العوامل الوراثية المرضية المتنحية انتشارا نحو 1 :8 تتساوى نسبة ظهورها في الذرية في زواج الأقارب وزواج الأباعد على سواء .

                  وهناك فرض آخر إذا كانت نسبة انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي في المجتمع أكثر من 12 % وكانت أسرة في هذا المجتمع نقية وراثيا في هذه الحالة فإن الزواج بين الأقارب في هذه الأسرة أفضل كثيرا وأكثر ضمانا من زواج الأباعد .

                  ومن أمثلة تلك الأمراض - مرض الأنيميا المنجلية :


                  إذا كان العامل الوراثي المتنحي منحصرًا في أفراد أسرة معينة أكثر مما هو في أفراد المجتمع من حولهم فإن زواج الأباعد يكون أفضل من زواج الأقارب؛ أما إذا كان العكس هو الصحيح وكان أفراد الأسرة أنقياء وراثيًا وأفراد المجتمع من حولهم ينتشر فيهم العامل الوراثي المتنحي، ففي هذه الحالة يكون زواج الأقارب أكثر ضمانًا وأمنًا من زواج الأباعد، فمثلا في بعض مناطق إيطاليا وصقلية يوجد العامل الوراثي المتنحي لمرض الأنيميا المنجلية منتشرا في أفراد المجتمع بنسبة تصل 10% والنسبة أعلى في مجتمعات أخرى مثل بعض مناطق كينيا حيث تصل النسبة إلى 40% في أفراد المجتمع، فإذا افترضنا أن أسرة هاجرت إلي هناك وكان أفرادها أنقياء وراثيا من هذا العامل الوراثي. أفلا يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد ؟

                  و لا يجوز أن ننسى أن زواج الأقارب له جوانب إيجابية :

                  أ - إذا كان بالأسرة عوامل وراثية مرغوبة ليست في غيرها من الأسر مثل صفات الجمال والذكاء والقوة أو طول العمر وغيرها، حينئذ يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد، شريطة ألا يستمر الزواج بين الأقارب جيلاً حتى لا تتحول الأسر إلى مجتمعات صغيرة مغلقة، وهو ما ثبت وراثيا أنه مضر .
                  وهكذا تتساوى الاحتمالات فى زواج الأقارب والأباعد في هذه الحالات.

                  و الجانب الإيجابي الأخر فى زواج الأقارب هو عدم التضحية بجيل من أجل جيل آخر، ولشرح هذه النقطة نفترض أن في مجتمع ما صار الزواج بين أقرباء فقط فى هذه الحالة نجد أن نسبة تواجد الجينات المرضية في هذا المجتمع ستزداد في ذرية هذا الجيل نتيجة عدم التخلص من هذه الجينات المرضية، اذ أن التقاءها في حالة مزدوجة أو نادر الحدوث .
                  والنتيجة أنه بمرور الأجيال سترتفع نسبة تواجد هذه الجينات المرضية في المجتمع، وهذا يؤدي إلى زيادة مطردة في ظهور الأمراض الوراثية المحكومة بهذه الجينات في الأجيال القادمة مثل مرض تليف البنكرياس.


                  نخرج من هذا بنتيجة هامة، وهي أن زواج الأقارب قد يضحي بالجيل الحاضر من أجل الأجيال القادمة، و زواج الأباعد قد يضحى بالأجيال القادمة من أجل الجيل الحاضر وهكذا نجد في النهاية حتى فى الأمراض المحكومة بجينات متنحية لا تفضيل لزواج الأقارب على زواج الأباعد ولا لزواج الأباعد على زواج الأقارب.

                  و الاحتمال العلمي لنقل القلة من الأمراض الوراثية الناتجة من جينات متنحية عن طريق زواج الأقارب يقع في حالة واحدة، وهى أن يكون أفراد المجتمع أنقياء وراثيا وأفراد الأسرة غير أنقياء وراثيًا.

                  قال العرب قديمًا: الغرائب أنجب, وبنات العم أصبر.




                  ([1]) وقد ذهب العلاَّمة ابن باز رحمه الله إلى أنَّ زواج الأفارب فيه تعزيز لصلة الرحم .

                  (
                  [2]) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (1231) والحاكم (2/161) وأحمد (3/ 8 -81) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته عن أبي سعيد الخدري، الصحيحة 307 .


                  ([3]) قاله الإمام ابن عثيمين في لقاء الباب المفتوح الشريط 12 الدقيقة 19.

                  ([4]) وهذا ما أتبتته عدة دراسات طبية اطلعت عليها ستجد أحدها في هذا الفصل .

                  ([5])الجزء 18، ص14 .

                  ([6]) ما يلي هذا النص وما يليه في موضوع زواج الأقارب، هو ما وقعت عليه عيني في أحد المواقع على الشبكة، نقحته وأزلت بعض ما يعتريه .

                  ([7]) طبيب مصري شهير .
                  التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 28-Jul-2008, 11:20 PM.
                  قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

                  تعليق


                  • #10
                    عرض الوليّ مولّيته على ذوي الصّلاح

                    يستحبّ للوليّ عرض مولّيته على ذوي الصّلاح والفضل، كما عرض الرّجل الصّالح إحدى ابنتيه على موسى -عليه الصلاة والسلام- المشار إليه في قوله تعالى: { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ} الآية، وكما فعل عمر -رضي الله عنه- حيث عرض ابنته حفصة -رضي الله تعالى عنها- على عثمان، ثمّ على أبي بكر -رضي الله تعالى عنهما- .

                    هل تستحب صلاة الاستخارة للخطبة والزواج؟

                    الزواج نفسه قد يكون واجبًا، ولكن عليه أن يستخير الله عز وجل فربما تكون هذه المرأة سببًا لصده عن الخير كما قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ((إن يك من الشّؤم شيء حقّ ففي المرأة والفرس والدّار))؛ فلا بأس أن يستخير الله -سبحانه وتعالى- أيتزوج هذه المرأة أم يتزوج غيرها؛ فربما تكون تعاسة عليه إذا تزوج بها([1]).

                    خُطبة الخِطبة

                    جرَت عادة العرب، أهل الفصاحة والبيان على الخطابة في الأمور الجليلة، وهذا منها، وقد عهد عنهم التقديم للخِطبة بخُطبة فيها التماس للصهر والمواصلة، وتكون هذه الخُطبة مبنيةً على وصف الطرفين بما يقتضي الرغبة، ويدل الخاطب عن نفسه بما يؤدي إلى الكفاية والإسعاف بالطلبة([2]) ولم يرد فيها نص صريح .




                    صفة خُطبة الخِطبة

                    ليس لها صفة معينة، و لم يرد نص في ذلك كما تقدم، وهي تتبع عرف الناس بما لا يخالف الشرع؛ وقد كان من عرف العرب وعادتهم الخُطبة للخِطبة على مر العصور؛ قال أبو عباد كاتب ابنِ أبي خالد: " وكانت خُطبة قريش في الجاهليّة - يعني في خِطبة النساء - : باسمك اللهم، ذُكِرَتْ فلانةُ وفلانٌ بها مشغوف، باسمك اللهم، لك ما سألت ولنا ما أعطيت"([3]) .

                    فيبدأ المسلم مثلاً بالحمد والثّناء على اللّه تعالى، ثمّ بالصّلاة على رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- ثمّ يوصي بالتّقوى، ثمّ يقول: جئتكم خاطباً كريمتكم، وإن كان وكيلاً قال: جاءكم موكّلي خاطباً كريمتكم أو فتاتكم، ويخطب الوليّ أو نائبه كذلك، ثمّ يقول: لستَ بمرغوبٍ عنكَ أو نحوه مما يفيد الرضا والقبول.

                    وجاء الإسلام وقد علَّم الرسول -صلى الله وسلَّم- فيه خطبة الحاجة([4])، وقد استحب العلماء أن يبدأ بها بما جاء عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّمنا خطبة الحاجة : إنّ الحمد للّه، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأنّ محمّداً عبده ورسوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } { يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفس واحدة} إلى قوله : {رَقِيباً} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} إلى قوله {عَظِيماً} .

                    وكان القفّال يقول بعدها : " أمّا بعد، فإنّ الأمور كلّها بيد اللّه، يقضي فيها ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا مؤخّر لما قدّم ولا مقدّم لما أخّر، ولا يجتمع اثنان ولا يتفرّقان إلاّ بقضاء وقدر وكتاب قد سبق، وإنّ ممّا قضى اللّه تعالى وقدّر أن خطب فلان بن فلان فلانة بنت فلان . . أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم أجمعين"([5]) .

                    وأمَّا قراءة الفاتحة فيها وفي العقد بدعة؛ لم تؤثر عن أحد من السلف، وخرافة من خرافات العوام([6]) .



                    ([1]) تحفة المجيب للشيخ العلاَّمة مقبل الوادعي –رحمه الله- ف91 .

                    ([2]) بتصرف من صبح الأعشى (3/486) .

                    ([3]) نقله الجاحظ في البيان والتبيين (1/119) .

                    (
                    [4]) يقول العلاَّمة الفوزان في شرحه لبلوغ المرام: خطبة الحاجة سنة، وقد زوج الرسول الواهبة بدون خطبة .

                    ([5]) الموسوعة الفقهية، سبق العزو إليه .

                    ([6]) كما قال الإمام ابن باز -رحمه الله- وغيره من علماء أهل السنة والجماعة .
                    التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 28-Jul-2008, 11:21 PM.
                    قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

                    تعليق


                    • #11
                      متى يُدفع المهر؟

                      هذه المسألة من المسائل العرفية، فيجوز دفعه قبل العقد وبعد العقد وعند العقد، فإذا اتفقا عليه وجب تسليمه، فإن اتفقا عليه حالاً وجب تسليمه حالاً، وإن اتفقا عليه إلى أجله وجب تسليمه إلى أجله، وإن اتفقا على دفعه قبل العقد حتى يتمكن أهل المخطوبة من تجهيزات الزواج فهذا جائز، ولا يحتاج إلى تحديد شيء، فإن أعطاهم ما تيسر واتفق كفى، فمن قدم شيئاً مما طالت به نفسه إلى أهل الزوجة ورضوا به ولم يردوه كفى، أمَّا إن حددوه بشيء فهو مخير، إن شاء سلَّم لهم ما حددوا، وإن شاء ترك ([1]).

                      تقديم الهدايا للمخطوبة وأهلها

                      يفتي العلماء بجواز أمور في مرحلة الخطبة كالهدية وفي هذا آثار عن السلف؛ وجماهير العلماء على جوازها، بل جرى الأمر عندهم على بحث جواز استردادها إن فسخت الخطبة أم لا؛ وممن حقق في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن باز وابن عثيمين -رحمهم الله جميعاً-؛ والأصل في الهدية تحقيق المقصد الشرعي: ((فإنَّه أحرى أن يؤدم بينكما)) .

                      يقول الإمام ابن عثيمين: " وأما ما يرسل إلى المخطوبة عند الخطبة من أنواع الحلي فإن هذا لا بأس به لأنه عبارة عن هدية يقصد بها تحقيق رغبة الزوج لمخطوبته"([2]).

                      وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الهدية ليست من المهر قطعًا([3]) .

                      هل الأصل في الخِطبة الإخفاء أم الإعلان؟

                      ولا شك أنَّ المرء إذا عزم على الخطبة، ولكنه لم يقدم على إخبار ولي المخطوبة ولم يحصل الإيجاب والتراضي بعد، فإنَّه يكتم الأمر حتى يتحقق المقصود؛ فقد أشار بعض العلماء([4]) إلى أنّه كما يشرع إعلان النكاح، فإنه ينبغي إخفاء الخطبة، استعانة على إنجاح الحوائج بالكتمان، ولأنّ حفظ الأعراض عن مقالة السوء قد راعته الشريعة، حتى لا يتناول بعض ضعاف النفوس المرأة التي تركها من خطبها بألسنتهم([5]) وفي ذلك حديث ضعيف لا يعوَّل عليه؛ وهو حديث: ((أظهروا النكاح وأخفوا الخطبة)) رواه الديلمي في الفردوس عن أم سلمة بإسناد ضعيف؛ قال الألباني في السلسلة الضعيفة: "سكت عليه الحافظ في مختصره وسنده ضعيف، أم علقمة واسمها مرجانة مجهولة الحال، ومن دون الدراوردي فيه من لم أعرفه" اهـ.

                      وقد ذهب آخرون من أهل العلم إلى أن تحقيق حديث عدم الخطبة على خطبة أخيه لا يتم إلا بمعرفة الناس أمر خطبة فلانة، وإخفاء الخطبة يتنافى مع ذلك، وهذا له وجه قوي راجح ولكنَّ محلَّه بعد القبول والإيجاب.

                      وغاية الأمر أنَّه إن تحققت المحاذير التي قال بها الفريق الأوَّل؛ فلا شك أنَّه ينبغي إخفاء الخطبة لتلك المحاذير، وإن لم تحقق فإعلانها بما لا يتنافى مع الشرع أمر لم يذكر العلماء فيه نهيًا، بل جاء ما يعضده.


                      ([1]) من فتوى للإمام ابن باز في برنامج نور على الدرب ش510 د7 .

                      ([2]) نور على الدرب .

                      ([3]) وقد سُئل الشيخ عبدالمحسن العبَّاد: هل يعتبر بعض ما يفعله الناس من الولائم قبل النكاح، بما يسمَّى بالشبكة وغيرها، هل يعتبر من الإسراف؟
                      فأجاب: لا شكَّ أنَّه من التكلُّف، ومن الأشياء التي تُثقل كاهل الزوج، وعدم فعل هذه الأشياء والاكتفاء بوليمة واحدة مع عدم المُبالغة فيها هذا هو الذي ينبغي؛ من شرح سنن أبي داود ش157 د55 .

                      ([4]) وهم المالكية بالجملة .

                      ([5]) تفسير القرآن للقرطبي (3/189) مع التعقيب للحمدان بتصرف، تكملة على مقال بتاريخ 28/8/1424هـ .
                      التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الله الآجري; الساعة 30-Jul-2008, 02:46 AM.
                      قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

                      تعليق


                      • #12
                        النظر إلى المخطوبة

                        أرشد الإسلام إلى النظر إلى المخطوبة، ورخص فيه، دفعًا لضرر الطلاق إذا لم تعجبه بعد الزواج، ولِأَنَّ النِّكَاحَ بَعْدَ تَقْدِيمِ النَّظَرِ أَدَعى للأُلْفَةِ وَالْمُوَافَقَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ، ويُستدل على مشروعية النظر من كتاب الله بقوله تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} [الأحزاب : من الآية 52] .

                        فقد استنبط منها العلماء جواز النظر إلى المخطوبة؛ فَلَا يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ إلَّا بَعْدَ رُؤْيَةِ وُجُوهِهِنَّ([1]) ؛ قال القرطبي في تفسيره للآية: " في هذه الآية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها"([2]) .

                        وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلَّم- يفعل ذلك إذا أراد أن يتزوج، كما جاء في حَدِيثِ الْوَاهِبَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : ((فَصَعَّدَ فِيهَا النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ)) .

                        وجاء إرشاد النبي –صلى الله عليه وسلمَّ- لأمته بذلك كما في حديث المغيرة بن شعبة أنَّه خطب امرأة فقال الرسول -صلى الله عليه وسلَّم-: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)) ([1]) .

                        وجرى فعل الصحابة على ذلك بعد إرشاد نبيهم –صلى الله عليه وسلَّم-؛ قال سهل بن أبي حثمة: ((رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجار لها ببصره طردًا شديدًا))([2]) .

                        وحصل هذا من فعل الصحابة جابر بن عبدالله، والمغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة وغيرهم، رضي الله عنهم جميعًا .

                        قال ابن قدامة : " لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في إباحة النّظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها"([3]) .

                        فحكم هذا النظر أنَّه مندوب مستحب؛ فقد حث عليه النبي -صلى الله عليه وسلَّم- ورغَّب فيه .






                        ([1]) قاله الجصاص في أحكام القرآن .
                        ([2]) تفسير القرطبي (14/121) .
                        ([1]) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (515-51 وكذا النسائي (2/73) والترمذي (1/202) والدارمي (2/134) وابن ماجه (1866) والطحاوي (2/ وابن الجارود في "المنتقى" (ص 313) والدارقطني (ص 395) والبيهقي (7/84) وأحمد (4/144 - 245/246) و ابن عساكر (17/44/2) عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة من الصحيحة الحديث 96 .

                        ([2]) أنظر تخريج الإمام الألباني للحديث في الصحيحة برقم 97 .

                        ([3]) كذا في الموسوعة الفقهية (19/129) .
                        قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

                        تعليق


                        • #13
                          متى يبدأ جواز النظر؟

                          رخَّص النبي -صلى الله عليه وسلَّم- بالنظر إلى المخطوبة منذ أن يلقى في قلب الرجل خطبتها كما في حديث ابن أبي حثمة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إذا ألقي في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها)) ([1]) . وجرى على ذلك عمل الصحابة كمحمد بن مسلمة -رضي الله عنه-؛ قال سهل بن أبي حثمة: ((رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجار لها ببصره طردًا شديدًا، فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب -رسول الله صلى الله عليه وسلم-؟! فقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إذا ألقي في قلب امرىء خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها))([2]) .


                          قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي "أَحْكَامِ النَّظَرِ": " فَإِنْ عَلِمَ الْخَاطِبُ أَنَّهَا لَا تُجِيبُهُ هِيَ، أَوْ وَلِيُّهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ النَّظَرُ وَإِنْ كَانَ قَدْ خَطَبَ" ([3])اهـ .



                          هل يكون النظر بعلم المخطوبة أو بدون علمها؟

                          الأصل المتبادر للذهن أنَّ النظر إلى المخطوبة يكون بعلمها، كما في حديث المغيرة بن شعبة أنَّه خطب امرأة فقال الرسول -صلى الله عليه وسلَّم-: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما))([4]) قال المغيرة -رضي الله عنه-: ((فأتيتها وعندها أبواها، و هي في خدرها، قال: فقلت:
                          إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرني أن أنظر إليها، قال: فسكتا، قال: فرفعت الجارية جانب الخدر، فقالت: أُحرِّج عليك، إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرك أن تنظر لما نظرت، و إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يأمرك أن تنظر، فلا تنظر. قال: فنظرت إليها، ثم تزوجتها، فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها))[5]

                          لذلك أكَّد النبي –صلى الله عليه وسلَّم- على أنَّ النظر يجوز حتى بدون علم المخطوبة حين قال: ((وإن كانت لا تعلم)) .

                          وهو حديث أبي حميد الساعدي، قال -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم))[6] .

                          ويعزز ذلك فهم الصحابة، وعملهم في التخبأ للنظر، فهذا محمد بن مسلمة يطارد مخطوبته ببصره بدون علمها، وهذا جابر –رضي الله عنه- يقول: ((فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها))([7]) .

                          فالحاصل أنَّ النظر يجوز بعلم المخطوبة أو بغير علمها؛ وقال بعض أهل العلم: إنّ عدم علمها أولى لأنّها قد تتزيّن له بما يغرّه([8]وفضل الآخرون عكس ذلك فقالوا أن النظر بعلمها أولى([9]) لئلاّ يتطرّق الفسّاق للنّظر للنّساء ويقولون: نحن خطّاب .
                          وقالوا: إن نظر بغير علمها؛ فبإذن وليِّها([10]) وإلاّ كان عندهم مكروهاً .

                          قال الإمام الألباني -رحمه الله-: " و يجوز النظر إليها و لو لم تعلم أو تشعر به، لقوله -صلى الله عليه وسلم- : ((إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، و إن كانت لا تعلم)) .



                          ([1]) السلسلة الصحيحة الحديث رقم 98 .

                          ([2]) انظر تخريج الإمام الألباني للحديث في الصحيحة برقم 97 .

                          ([3]) نقله الحطَّاب في مواهب الجليل .

                          ([4]) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" (515-51 وكذا النسائي (2/73) والترمذي (1/202) والدارمي (2/134) وابن ماجه (1866) والطحاوي (2/ وابن الجارود في "المنتقى" (ص 313) والدارقطني (ص 395) والبيهقي (7/84) وأحمد (4/144 - 245/246) و ابن عساكر (17/44/2) عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة من الصحيحة الحديث 96 .

                          ([5]) انظر الصحيحة لتخريج الأثر الحديث 96.

                          ([6]) رواه أحمد، ارجع إلى التخريج في الصحيحة الحديث 97 .

                          ([7]) كذا في الصحيحة 99 .

                          ([8]) واختاره العلامة الفوزان كما في الملخص الفقهي .

                          ([9]) وهم المالكية .

                          ([10]) ولم ترد في أي رواية من روايات الحديث هذا القيد، وإنَّما جنح من جنح من العلماء إلى هذا إعمالاً لقاعدة سدِّ الذريعة، وما حرِّم لسد الذريعة فإنَّه يجوز للحاجة والله أعلم
                          قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

                          تعليق


                          • #14
                            إلى ماذا ينظر في المخطوبة؟

                            اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا فيما ينظر من المرأة، قال بعض العلماء وهم الشافعية: وَلَا يَنْظُر إِلَى غَيْر وَجْههَا وَكَفَّيْهَا؛ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَجْتَهِد وَيَنْظُر إِلَى مَا يُرِيد مِنْهَا إِلَّا الْعَوْرَة، وَقَالَ اِبْن حَزْم، يَنْظُر إِلَى مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ مِنْهَا، وَعَنْ أَحْمَد ثَلَاث رِوَايَات: الْأُولَى كَالْجُمْهُورِ، وَالثَّانِيَة يَنْظُر إِلَى مَا يَظْهَر غَالِبًا، وَالثَّالِثَة يَنْظُر إِلَيْهَا مُتَجَرِّدَة وَقَالَ الْجُمْهُور أَيْضًا: يَجُوز أَنْ يَنْظُر إِلَيْهَا إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنهَا، وَعَنْ مَالِك رِوَايَة يُشْتَرَط إِذْنهَا؛ وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْم أَنَّهُ لَا يَجُوز النَّظَر إِلَى الْمَخْطُوبَة قَبْل الْعَقْد بِحَالٍ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَجْنَبِيَّة، وَرَّد عَلَيْهِمْ بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَة"([1]) اهـ

                            والسبب في اختلاف أهل العلم: أنَّه ورد الأمر بالنظر إليهن مطلقًا، وورد بالمنع مطلقًا، وورد مقيدًا: أعني بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء، في قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} أنَّه الوجه والكفَّان، وقياسًا على جواز كشفهما في الحج عند الأكثر، ومن منع تمسك بالأصل وهو تحريم النظر إلى النساء"([2]) .

                            ولكن بالرجوع إلى النصوص النبوية فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-:
                            ((إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)).
                            قال جابر -رضي الله عنه-: ((فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجتها))([3]).

                            فقد أطلق النبي الرخصة بالنظر بكل ما يدعو إلى النكاح؛ وفي تخبأ الصحابة دليل على أنَّهم يرون أكثر من الوجه والكفين، فهذا فهم الصحابة لهذا الإطلاق، وجريان عملهم عليه، ولم يُعرف لهم مخالف فيه، فيسعنا ما وسعهم، ويكون حدُّنا ما ورد عنهم، فلا إفراط في حدِّ النظر ولا تفريط، فنتمسك بظاهر الحديث وتطبيق الصحابة له، فينظر الخاطب إلى ما يظهر غالباً، كالوجه والكفين وشعر الرأس والرقبة والساقين ونحوهما([4]).

                            القول الأخير للإمام الألباني في المسألة

                            ولكن إن نظر إليها بعلمها فإن الإمام الألباني -رحمه الله- يرى أن لا تكشف له زيادة عن الوجه والكفين، فلم يرد في ذلك عنده حديث؛ أما إن نظر إليها بغير علمها فإنه يجوز أن يرى منها ما جرت العادة بإظهاره كما فعل الصحابة، قال -رحمه الله-: " لا يجوز التعمد أن تظهر أمامه هكذا بأكثر من وجهها وكفيها، وإنَّما يكون ذلك عنها بغير علمها؛ والأحاديث الصحيحة تفيد رؤية ما جرت العادة بإظهاره ولكن ليس في عقر دارها، بل بالتخبأ لها، أما أن يتفق الخطيب مع خطيبته أن يرى منها في عقر دارها ما لا يجوز رؤية الأجنبي منها، ولو بحضور أهلها، فهذا مما لا نعلم([5]) دليلاً عليه إلا قصَّة عمر بن الخطاب وقد تبيَّن لنا ضعفها فقد رجعنا عنها"([6]

                            وقال أيضًا: " هو هذا المقصود فعلاً أن لا يكون هناك اتفاق سابق، على الرؤية، وهذه الرؤية التي تكون دون شعور من المرأة المرئية هو الذي يُجيز للناظر أن ينظر إليها إلى أكثر مما يجوز لها أن تبدي من بدنها، وليس هو إلا الوجه والكفين، كما وقع من ذاك الصحابي محمد بن مسلمة، المقصود أنه رؤي وهو يتابع امرأة في إجَّار لها، قالوا له أنت صحابي رسول الله وتفعل هذا! قال عليه السلام: ((إذا وقع في قلب أحدكم خطبة امرأة فلينظر إليها))، فقد يرى منها والحالة هذه، شيء من ذراعها شيء من ساقها إلى آخره .

                            لكن هذا لا يجوز فيما إذا اتفق الخاطب مع ولي البنت أن ينظر إليها إلاَّ إلى ما يجوز لها أن تظهر به أمام الناس عادة ألا وهو الوجه والكفين على الخلاف المعروف بين العلماء قديمًا وحديثًا في كون الوجه والكفين من العورة أو لا .
                            فخلاصة القول أنَّ النظرة الأولى مباحة نصًا، أمَّا النظرة الثانية فلا تُباح، إلا إذا لم تتحقق الغاية من النظرة الأولى، أما التكرار يروح كل أسبوع يزور أهلها ويراها وينظر إليها، فهذه طريقة أوروبية ليست لها صلة بالشريعة الإسلامية"([7]) اهـ .

                            ([1]) قاله الحافظ ابن حجر في الفتح بتصرف . ([2]) قاله ابن رشد في البداية .

                            ([3]) كذا في الصحيحة 99 .

                            ([4]) وهذا من الأمور التي أطلقت فيها الشريعة، والأصل في ذلك الرجوع إلى الحد اللغوي؛ فإن لم نجد فالحد العُرفي مما جرت به العادة ويعضد ذلك بشدَّة فعل الصحابة المومى إليه .

                            ([5]) لاحظ أنَّ قول الإمام الألباني الأخير في المسألة، عدم جواز التعمد، لا عدم جواز نظر الخطيب لو حصل ذلك اتفاقًا، بأن تكون المخطوبة وأهلها آخذين بقول العلماء الذين يقولون بجواز نظر ما جرت به العادة وقد أتى ليخطب؛ فخرجت له غير متحجبة، فإنَّه ينظر حينئذ لعموم الرخصة، وإنَّما كلام الشيخ على التعمد، والاتفاق؛ أن لا دليل على ذلك عنده.

                            ([6]) سلسلة الهدى والنور ش311 د27 .

                            ([7]) ش 427 د35 من سلسلة الهدى والنور .
                            قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

                            تعليق


                            • #15
                              تراجع الإمام الألباني عن تصحيح حديث كشف ساق أم كلثوم

                              لقد تراجع الإمام الألباني عن تصحيح أثر عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه-، في قصة كشفه عن الساقين، بعد أن نصر بها جواز رؤية ما جرت العادة بإظهاره.

                              فقد قال الإمام الألباني عن الحديث قديمًا: " رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور في "سننه" وابن أبي عمر وسفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن على بن الحنفية؛ ذكره الحافظ في "التلخيص" (ص 291 - 292)" اهـ

                              وقد صححه في السلسلة الصحيحة الحديث 99 أيضًا؛ ثم تراجع عن ذلك بعد أن تابع فيه الحافظ ابن حجر وتبين له أن الحافظ قد وهم؛ فوهم تبعاً له، بيَّن ذلك في الضعيفة 1273بأن أفرد مبحثاً كاملاً في السلسلة الضعيفة ننقله هنا:

                              قال -رحمه الله-: " كنت ذكرت في المصدر المذكور (1/156) نقلا عن " تلخيص الحبير " لابن حجر العسقلاني (ص 291-292) من الطبعة الهندية رواية عبد الرزاق و سعيد ابن منصور و ابن أبي عمر (الأصل: أبي عمرو و هو خطأ) عن سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن الحنفية أنَّ عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم .. القصة، و فيها أن عمر -رضي الله عنه- كشف عن ساقيها .

                              و قد اعتبرتها يؤمئذ صحيحة الإسناد، اعتماداً مني على ابن حجر -وهو الحافظ الثقة- و قد أفاد أن راويها هو ابن الحنفية، و هو أخو أم كلثوم، و أدرك عمر ودخل عليه، فلما طُبع "مصنف عبد الرزاق" بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.

                              ووقفت على إسنادها فيه (10/352) تبين لي أن في السند إرسالاً وانقطاعًا، وأن قوله في "التلخيص" ":
                              . . ابن الحنفية" خطأ لا أدري سببه، فإنه في "المصنف": " . . . عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال : . . ."، و كذلك هو عند سعيد بن منصور (3 رقم 520) كما ذكر الشيخ الأعظمي، وأبو جعفر هذا اسمه محمد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب، وقد جاء مسمى في رواية ابن أبي عمر بـ " محمد ابن علي" كما ذكره الحافظ نفسه في "الإصابة".

                              و ساقه كذلك ابن عبد البر في "الاستذكار" بإسناده إلى ابن أبي عمر، وعليه فراوي القصة ليس ابن الحنفية، لأن كنيته أبو القاسم، وإنما هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كما تقدم، لأنه هو الذي يكنى بأبي جعفر، و هو الباقر؛ و هو من صغار التابعين، روى عن جديه الحسن والحسين وجد أبيه علي بن أبي طالب مرسلاً، كما في "التهذيب" وغيره، فهو لم يدرك عليا بَلْهَ عمر، كيف وقد ولد بعد وفاته بأكثر من عشرين سنة، فهو لم يدرك القصة يقيناً، فيكون الإسناد منقطعاً، فرأيت أن من الواجب علي -أداءً للأمانة العلمية- أن أهتبل هذه الفرصة، و أن أبين للقراء ما تبين لي من الانقطاع، والله تعالى هو المسؤول أن يغفر لنا ما زلت له أقلامنا، ونبت عن الصواب أفكارنا، إنه خير مسؤول" انتهى من الضعيفة في التعليق على الحديث 1273 .

                              قلت: وقد أشار الإمام الألباني في الصحيحة -الطبعة الأخيرة- إلى أن حديث عمر -إن صحَّ عنه- مع تفصيل السابق يعتبر مرجحاً قوياً في باب حدود النظر، ولكنه قال في سلسلة الهدى والنور بعدها: " ثبت لدي أن القصة غير ثابتة ولا يجوز أن نذكرها إلا مع بيان ضعفها .
                              وقد توقفت عن شيئين:
                              1-القول بتصحيح القصة .
                              2-القول بجواز رؤية ما جرت به العادة من المخطوبة في عقر دارها، فلا يجوز التعمد أن تظهر أمامه هكذا بأكثر من وجهها وكفيها، وإنَّما يكون ذلك عنها بغير علمها .
                              والأحاديث الصحيحة تفيد رؤية ما جرت العادة بإظهاره ولكن ليس في عقر دارها، بل بالتخبأ لها؛ أما أن يتفق الخطيب مع خطيبته أن يرى منها في عقر دارها ما لا يجوز رؤية الأجنبي منها، ولو بحضور أهلها، فهذا مما لا نعلم دليلاً عليه إلا قصَّة عمر بن الخطاب وقد تبيَّن لنا ضعفها فقد رجعنا عنها"([1]) اهـ .

                              وقد قدمنا الموافقة من الناحية الحديثية، والمناقشة من الناحية الفقهية في فصل مناقشة أقوال من قيَّد النظر بالوجه والكفين، وأنَّ هناك أدلة أخرى تبيح النظر إلى أكثر من الوجه والكفين، وأنَّ الإمام الألباني كان من مناصريها بشدة في السلسلة الصحيحة.


                              ([1]) سلسلة الهدى والنور 311 د28 بتصرف .
                              قال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع الى ثلاثة أصول، لكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد ضده الشرك، والسنة ضدها البدعة، والطاعة ضدها المعصية" (الاعتصام للشاطبي 1/91)

                              تعليق

                              يعمل...
                              X