إعـــــــلان

تقليص
1 من 3 < >

تحميل التطبيق الرسمي لموسوعة الآجري

الصفحة الرسمية للتطبيق:
https://www.ajurry.com/apptips/home.html
تحميل التطبيق من متجر قوقل بلاي
https://play.google.com/store/apps/d...ry&pageId=none
2 من 3 < >

الإبلاغ عن مشكلة في المنتدى

تساعدنا البلاغات الواردة من الأعضاء على منتدى الآجري في تحديد المشكلات وإصلاحها في حالة توقف شيء ما عن العمل بشكل صحيح.
ونحن نقدّر الوقت الذي تستغرقه لتزويدنا بالمعلومات عبر مراسلتنا على بريد الموقع ajurryadmin@gmail.com
3 من 3 < >

فهرسة جميع الشروح المتوفرة على شبكة الإمام الآجري [مبوبة على حسب الفنون] أدخل يا طالب العلم وانهل من مكتبتك العلمية

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه - وعلى آله ومن ولاه وبعد :

فرغبة منا في تيسير العلم واشاعته بين طلابه سعينا لتوفير جميع المتون وشروحها المهمة لتكوين طلبة العلم ، وقد قطعنا شوطا لابأس به في ذلك ولله الحمد والمنة وحده ، إلا أنه إلى الآن يعاني بعض الأعضاء والزوار من بعض الصعوبات في الوصول للشروح والمتون المرادة لتداخل الشروح أو لقلة الخبرة التقنية .

من أجل هذا وذاك جاء هذا الموضوع ليكون موضوعا مرجعا جامعا مرتبا بإذن الله لكل المواد العلمية الموضوعة حاليا في شبكتنا ومرتبا على حسب أبواب الفنون العلمية (العقيدة، الفقه، الحديث،...)وسنحاول أيضا ترتيبها على مستويات الطلب (المبتدئ ، المتوسط ، المنتهي) سيتم تحديثه تبعا بعد إضافة أي شرح جديد .

من هـــــــــــنا
شاهد أكثر
شاهد أقل

تحريم اتخاذ المساجد على القبور في المذاهب الاربعة-العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • [مطوية] تحريم اتخاذ المساجد على القبور في المذاهب الاربعة-العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله


    اضغط على الصورة لعرض أكبر.   الإسم:	تحريم اتخاذ المساجد على القبور.jpg  مشاهدات:	1  الحجم:	243.2 كيلوبايت  الهوية:	209087
    *****
    مطوية / تحريم اتخاذ المساجد على القبور في المذاهب الأربعة
    - من كتاب / تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد -
    للعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله
    --------------------------


    https://www.ajurry.com/vb/attachment...1&d=1554202535


    نسخة للطبع المنزلي بالابيض والاسود
    سهلة للطبع العادي او النسخ -فوتوكوبي-

    https://www.ajurry.com/vb/attachment...2&d=1554202720

    ****
    لتحميل من رابط اخر MEDIAFIRE

    http://www.mediafire.com/file/y6dvxf...9%88%D8%B1.pdf

    نسخة للطبع المنزلي بالابيض والاسود

    http://www.mediafire.com/file/i6fpn9...%B1.%D9%85.pdf

    نص المطوية :

    تحريم اتخاذ القبور مساجد في المذاهب الاربعة
    من كتاب/ تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد
    المؤلف: الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله (المتوفى: 1420هـ)



    أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد

    1- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه:لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قالت: فلولا ذاك أبرز (*) قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا (رواه البخاري (3 / 156 و 198 و 8 / 114) ومسلم (2 / 76))

    (*) - أي كشف قبره صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ عليه الحائل والمراد دفن خارج بيته كذا في " فتح الباري "
    فائدة: قول عائشة هذا يدل دلالة واضحة على السبب الذي من أجله دفنوا النبي صلى الله عليه وسلم في بيته ألا وهو سد الطريق على من عسى أن يبني عليه مسجد فلا يجوز والحالة هذه أن يتخذ ذلك حجة في دفن غيره صلى الله عليه وسلم في البيت يؤيد ذلك أنه خلاف الأصل لأن السنة الدفن في المقابر..

    2- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. رواه البخاري (2 / 422) ومسلم وأبوعوانة أبو داود (2 / 71)

    3 و4 - و عن عائشة وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة (*) له فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: " لعنة الله على اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. تقول عائشة يحذر مثل الذي صنعوا " (رواه البخاري (1 / 422 و 6 / 386 و 8 / 116) ومسلم (2 / 67))
    (*) - ثوب خز أو صوف معلم. كذا في " النهاية "

    5 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله عليه وسلم تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة يقال لها: مارية وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: [فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه] فقال: " أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله [يوم القيامة] " (رواه البخاري (1 / 416 و 422) ومسلم (2 / 66 /))

    6 - عن جندب بن عبد الله البجلي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول:قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي فيكم خليل وإن الله عز وجل قد اتخذني خليلا كما تخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا [وإن] من كان قبلكم [كانوا] يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك.
    رواه مسلم (2 / 67 68 ) وأبو عوانة (1 / 401) والسياق له والطبراني في " الكبير " (1 / 84 / 2))


    اتخاذ المساجد على القبور من الكبائر

    بعد أن تبين لنا معنى الاتخاذ الوارد في الأحاديث المتقدمة يحسن بنا أن نقف قليلا عند هذه الأحاديث لنتعرف منها حكم الاتخاذ المذكور مسترشدين في ذلك بما ذكره العلماء حوله فأقول:
    إن كل من يتأمل في تلك الأحاديث الكريمة يظهر له بصورة لا شك فيها أن الاتخاذ المذكور يحرم بل كبيرة من الكبائر لأن اللعن الوارد فيها ووصف المخالفين بأنهم من شرار الخلق عند الله تبارك وتعالى لا يمكن أن يكون في حق من يرتكب ما ليس كبيرة كما لا يخفى مذاهب العلماء في ذلك
    وقد اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم ذلك ومنهم من صرح بأنه كبيرة وإليك تفاصيل المذاهب في ذلك:

    1 - مذهب الشافعية انه كبيرة :

    قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في " الزواجر عن اقتراف الكبائر(1 / 120) :
    الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون:
    اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانا والطواف بها واستلامها والصلاة إليها ثم ساق بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها ثم قال (ص 111) :

    [تنبيه] : عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من الأحاديث ووجه اتخاذ القبر مسجدا منها واضح لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ففيه تحذير لنا كما في رواية:
    يحذر ما صنعوا " أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك فيلعنوا كما لعنوا ومن ثم قال أصحابنا: تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركا وإعظاما ومثلها الصلاة عليه للتبرك والإعظام وكون هذا الفعل كبيرة ظاهرة من الأحاديث المذكورة لما علمت فقال بعض الحنابلة: " قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا به عين المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وابتداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها ثم إجماعا فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها والقول بالكراهة محمول على غير ذلك إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نهى عن ذلك وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ونذره. انتهى "
    هذا كله كلام الفقيه ابن حجر الهيتمي وأقره عليه المحقق الآلوسي في " روح المعاني " (5 / 31) وهو كلام يدل على فهم وفقه في الدين وقوله فيما نقله عن بعض الحنابلة:
    والقول بالكراهة محمول على غير ذلك كأنه يشير إلى قول الشافعي " وأكره أن يبنى على القبر مسجد. . " الخ كلامه الذي نقلته بتمامه فيما سبق (ص 27) وعلى هذا أتباعه من الشافعية كما في " التهذيب " وشرحه " المجموع " ومن الغريب أنهم يحتجون على ذلك ببعض الأحاديث المتقدمة مع أنها صريحة في تحريم ذلك ولعن فاعله ولو أن الكراهة كانت عندهم للتحريم لقرب الأمر ولكنها لديهم للتنزيه فكيف يتفق القول ب (الكراهة) مع تلك الأحاديث التي يستدلون بها عليها؟
    أقول هذا وإن كنت لا أستبعد حمل الكراهة في عبارة الشافعي المتقدمة خاصة على الكراهة التحريمية لأنه هو المعنى الشرعي المقصود في الاستعمال القرآني ولا شك أن الشافعي متأثر بأسلوب القرآن غاية التأثر فإذا وقفنا في كلامه على لفظ له معنى خاص في القرآن الكريم وجب حمله عليه لا على المعنى المصطلح عليه عند المتأخرين فقد قال تعالى {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} (40) وهذه كلها محرمات فهذا المعنى والله اعلم هو الذي أراده الشافعي رحمه الله بقوله المتقدم " وأكره " ويؤيده انه قال عقب ذلك: " وإن صلى إليه أجزأه وقد أساء " فإن قوله " أساء " معناه ارتكب سيئة أي حراما فإنه هو المراد بالسيئة في أسلوب القرآن أيضا فقد قال تعالى في سورة (الإسراء) بعد أن نهى عن قتل الأولاد وقربان الزنى وقتل النفس وغير ذلك: (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها) (41) أي محرما ويؤكد أن هذا المعنى هو المراد من الكراهة في كلام الشافعي في هذه المسألة أن مذهبه أن الأصل في النهي التحريم إلا ما دل الدليل على أنه لمعنى آخر كما صرح بذلك في رسالته " جماع العلم " (ص 125) ونحوه في كتابه " الرسالة " (ص 343)

    _________
    (40) - سورة الحجرات الآية 7
    (41) - سورة الإسراء الآية 38


    ومن المعلوم لدى كل من درس هذه المسألة بأدلتها أنه لا يوجد أي دليل يصرف النهي الوارد في بعض الأحاديث المتقدمة إلى غير التحريم كيف والأحاديث تؤكد أنه للتحريم كما سبق؟ ولذلك فإني أقطع بأن التحريم هو مذهب الشافعي لا سيما وقد صرح بالكراهة بعد أن ذكر حديث " قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " كما تقدم فلا غرابة إذن إن صرح الحافظ العراقي وهو شافعي المذهب بتحريم بناء المسجد على القبر كما تقدم والله أعلم

    ولهذا نقول: لقد اخطأ من نسب إلى الإمام الشافعي القول بإباحة تزوج الرجل بنته من الزنى بحجة أن صرح بكراهة ذلك والكراهة لا تنافي الجواز إذا كانت للتنزيه قال ابن القيم في " إعلام الموقعين " (1 / 4748 :

    نص الشافعي على كراهة تزوج الرجل بنته من ماء الزنى ولم يقل قط أنه مباح ولا جائز والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحله الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم وأطلق لفظ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى عقب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله} وقضى ربك إلا تعبدوا إلا إياه. . .) (42) إلى قوله} ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. . .) (43) إلى قوله} ولا تقف ما ليس لك به علم { (44) إلى آخر الآيات ثم قال:} كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها { (سورة الإسراء الآية 38 ، وفي الصحيح أن الله عزوجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ". فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولكن المتأخرين اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحاديث فغلط في ذلك وأقبح غلطا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على المعنى الاصطلاحي الحاديث "

    وبهذه المناسبة نقول : إن من الواجب على أهل العلم أن ينتبهوا للمعاني الحديثة التي طرأت على الألفاظ العربية التي تحمل معاني خاصة معروفة عند العرب هي غير هذه المعاني الحديثة لأن القرآن نزل بلغة العرب فيجب أن تفهم مفرادته وجمله في حدود ما كان يفهم العرب الذين أنزل عليهم القرآن ولا يجوز أن تفسر بهذه المعاني الاصطلاحية الطارئة التي اصطلح عليها المتأخرون وإلا وقع المفسر بهذه المعاني في الخطأ والتقول على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من حيث يشعر وقدقدمت مثلا على ذلك لفظ (الكراهة) وإليك مثالا آخر:
    لفظ (السنة) :. فإنه في اللغة الطريقة وهذا يشمل كل ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور فرضا كان أو نفلا وأما اصطلاحا فهو خاص بما ليس فرضا من هديه صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يفسر بهذا المعنى الاصطلاحي لفظ (السنة) الذي ورد في بعض الأحاديث الكريمة كقوله صلى الله عليه وسلم: ". . . وعليكم بسنتي. . . " وقوله صلى الله عليه وسلم ". . . فمن رغب عن سنتي فليس مني " ومثله الحديث الذي يورده بعض المشايخ المتأخرين في الحض على التمسك بالسنة بمعناها الاصطلاحي وهو: " من ترك سنتي لم تنله شفاعتي " فأخطأوا مرتين:
    الأولى: نسبتهم الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصل له فيما نعلم.
    الثانية: تفسيرهم للسنة بالمعنى الاصطلاحي غفلة منهم عن معناها الشرعي وما أكثر ما يخطئ الناس فيما نحن فيه بسبب مثل هذه الغفلة.

    ولهذا أكثر ما نبه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم الله على ذلك وأمروا في تفسير الألفاظ الشرعية بالرجوع إلى اللغة لا العرف وهذا في الحقيقة أصل لما يسمونه اليوم ب " الدراسة التاريخية للإلفاظ "
    ويحسن بنا ان نشير إلى أن من أهم أغراض مجمع اللغة العربية في الجمهورية العربية المتحدة في مصر " وضع معجم تاريخي للغة العربية ونشر بحوث دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وما طرأ على مدلولاتها من تغيير " كما جاء في الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون ذي الرقم (434) (1955) الخاص بشأن تنظيم مجمع اللغة العربية (انظر " مجلة المجتمع " ج 8 ص 5) . فعسى أن يقوم المجمع بهذا العمل العظيم ويعهد به إلى أيد عربية مسلمة فإن أهل مكة أدرى بشعابها وصاحب الدار أدرى بما فيها وبذلك يسلم هذا المشروع من كيد المستشرقين ومكر المستعمرين.اه

    _________
    (42) - سورة الإسراء الآية 23
    (43) - سورة الإنعام الآية 151
    (44) - سورة الإسراء الآية 36



    2- مذهب الحنفية الكراهة التحريمية

    والكراهة بهذا المعنى الشرعي قد قال به هنا الحنفية فقال الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة في كتابه " الآثار " (ص 45) : لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجدا.
    والكراهة عند الحنفية إذا أطلقت فهي للتحريم كما هو معروف لديهم وقد صرح بالتحريم في هذه المسألة ابن الملك منهم كما يأتي..


    3 - مذهب المالكية التحريم

    وقال القرطبي في تفسيره ( 10 / 38 ) بعد أن ذكر الحديث الخامس: " قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد "

    4 - مذهب الحنابلة التحريم

    ومذهب الحنابلة التحريم أيضا كما في " شرح المنتهى " (1 / 353) وغيره بل نص بعضهم على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور ووجوب هدمها فقال ابن القيم في " زاد المعاد " (3 / 22) في صدد بيان ما تضمنته غزوة تبوك من الفقه والفوائد وبعد أن ذكر قصة مسجد الضرار الذي نهى الله تبارك وتعالى نبيه أن يصلي فيه وكيف أنه صلى الله عليه وسلم هدمه وحرقه قال:
    ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيها مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه لما كان بناؤه ضررا وتفريقا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام (46) تعطيله إما بهدم أو تحريق وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق بذلك وأوجب وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكاملها يباع فيها الخمر وحرق حانوت رويشد الثقفي (47) وسماه فويسقا وحرق قصر (48 سعد لما احتجب عن الرعية،

    _________
    (46) - قلت: مفهوم هذا أن ذلك لا يجب على غير الإمام ومثله من ينوب عنه وهذا هو الذي يقتضيه النظر الصحيح لأنه لو قام به غيره لترتب على ذلك مفاسد وفتن بين المسلمين قد تكون أكبر من المصلحة التي يراد جلبها
    (47) - روى الدولابي في
    الكنى " (1 / 189) عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: رأيت عمر أحرق بيت رويشد الثقفي حتى كأنه جمرة أو حمة وكان جارنا يبيع الخمر. وسنده صحيح. ورواه عبد الرزاق عن صفية بنت ابي عبيد كما في " الجامع الكبيرة " (3 / 204 / 1) وأبو عبيد في " الأموال " (ص 103) عن ابن عمر وسنده صحيح أيضا.

    وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة (49) وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك (50) . ومنها أن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة ،كما لم يصح وقف هذا المسجد وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق فلو وضعا معا لم يجز ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز ولا تصح الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدا أو أوقد عليه سراجا (51) فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه وغربته بين الناس كما ترى "

    _________
    (48 - يعني باب القصر والقصة رواها عبد الله بن المبارك في " الزهد " (179 / 1) من " الكواكب الدراري " تفسير (575 ورقم 513 528 ط) وأحمد (رقم 390) بسند رجاله ثقات
    (49) - متفق عليه من حديث أبي هريرة وهو مخرج في " صحيج أبي داود " (557 و 558(تنبيه) : إن حديث الجمعة حديث آخر من رواية ابن مسعود مرفوعا أخرجه مسلم دون البخاري
    (50) - قلت: هذا وإن كان هو المعقول لكن السند بذلك لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم فإن فيه أبا معشر نجيح المدني وهو ضعيف لسوء حفظه بل حديثه هذا منكر كما بينته في " تخريج المشكاة " (1073) التحقيق الثاني.
    51 - يشيير إلى حديث ابن عباس " لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " رواه أبو داود وغيره ولكنه ضعيف السند وإن لهج بذكره كثير من السلفيين فالحق أحق أن يقال وأن يتبع وممن ضعفه من المتقدمين الإمام مسلم فقال في " كتاب التفصيل ":" هذا الحديث ليس بثابت وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه ولا يثبت له سماع من ابن عباس " نفله ابن رجب في " الفتح " كما في " الكواكب " (65 / 82 / 1).
    وقد بينت ضعف هذا الحديث في " الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السئ في الأمة " رقم (225) وقد ذكرت هناك أن الحديث صحيح لغيره إلا اتخاذ السرج فإنه منكر لم يأت إلا من هذا الطريق الضعيف وقد وقفت الآن على خطأ فاحش حول هذا الحديث فجاء في كتاب " القول المبين " لأحد أفاضل العلماء المعاصرين السلفيين ما نصه (ص 79) :
    وهذا الحديث وإن كان في إسناده عند أصحاب السنن مقال فإن إسناده عند الحاكم خال من هذا المقال لأن طريق الحاكم غير طريقهم
    قلت: والحديث مدراه عند الحاكم وغيره على أبي صالح عن ابن عباس وقد قال الحاكم عقبه (1 / 374) :
    أبو صالح هو باذام ولم يحتجا به
    قلت: وهو ضعيف عند جمهور الأئمة ولم يوثقه إلا العجلي وحده كما قال الحافظ في التهذيب " والعجلي معروف بتساهله في التوثيق كابن حبان ولم نجد للحديث طريقا آخرى لنشد عضده به بعد مزيد البحث عنه
    ولعل المشار إليه عني بكلامه بعض الشواهد التي ذكرتها هناك لكن هذه ليس فيها ذكر السراج أصلا فهو وهم على وهم.



    فتبين مما نقلناه عن العلماء أن المذاهب الأربعة متفقة على ما أفادته الأحاديث المتقدمة من تحريم بناء المساجد على القبور. وقد اتفاق العلماء على ذلك اعلم الناس بأقوالهم ومواضع اتفاقهم واختلافهم ألا وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد سئل رحمه الله بما نصه:
    هل تصح الصلاة على المسجد إذا كان فيه قبر والناس تجتمع فيه لصلاتي الجماعة والجمعة أم لا؟ وهل يمهد القبر أو يعمل عليه حاجز أو حائط؟ فأجاب:
    الحمد لله اتفق الأئمة أنه لا يبنى مسجد على قبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
    إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ". وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا وإن كان المسجد بني على بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما تزال صورة القبر فالمسجد الذي على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه " كذا في الفتاوى له (1 / 107 / 2 / 192)
    وقد تبنت دار الإفتاء في الديار المصرية فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه فنقلتها عنه في فتوى لها أصدرتها تنص على عدم جواز الدفن في المسجد فليراجعها من شاء في " مجلة الأزهر " (ج 112 ص 501 و 503) (52).

    وقال ابن تيمية في " الاختيارات العلمية " (ص 52) :

    ويحرم الإسراج على القبور ،واتخاذ المساجد عليها،وبينها ويتعين إزالتها ولا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين . اه
    ونقله ابن عروة الحنبلي في " الكواكب الدراري " (2 / 244 / 1) وأقره وهكذا نرى أن العلماء كلهم اتفقوا على ما دلت عليه الأحاديث من تحريم اتخاذ المساجد على القبور فنحذر المؤمنين من مخالفتهم والخروج عن طريقتهم خشية أن يشملهم وعيد قوله عز وجل} ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا { (53) و} إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد { (54)

    _________
    (52) - وفي المجلة نفسها مقال آخر في تحريم البناء على القبورمطلقا فانظر (مجلد سنة 1930 ص 359 و364)
    (53) - سورة النساء الآية 115
    (54) - سورة ق الآية 37


    تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد
    المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420هـ)
    الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت
    الطبعة: الرابعة
    من الفصل الأول والثاني.



    *****

    قال الامام الشوكاني رحمه الله (المتوفى: 1250هـ)
    في كتابه /شرح الصدور بتحريم رفع القبور(ص13 الى ص16)


    وأخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد"، وأخرج أحمد وأهل السنن من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي قال: "قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته". وفي صحيح مسلم أيضا عن ثمامة بن شفي نحو ذلك.
    وفي هذا أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف بحيث يرتفع زيادة على القدر المشروع واجبة متحتمة فمن إشراف القبور: أن يرفع سمكها أو يجعل عليها القباب أو المساجد. فإن ذلك من النهي عنه بلا شك ولا شبهة. ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لهدمها أمير المؤمنين عليا. ثم أمير المؤمنين بعث لهدمها أبا الهياج الأسدي في أيام خلافته.
    وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان من حديث جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يوطأ "
    وزاد هؤلاء المخرجون لهذا الحديث عن مسلم "وأن يكتب عليه". قال الحاكم: النهى عن الكتابة على شرط مسلم، وهي صحيحة غريبة.
    وفي هذا التصريح بالنهي عن البناء على القبور، وهو يصدق على ما بني على جوانب حفرة القبر، كما يفعله كثير من الناس من رفع قبور الموتى ذراعا فما فوقه. لأنه لا يمكن أن يجعل نفس القبر مسجدا، فذلك مما يدل على أن المراد بعض ما يقربه مما يتصل

    به، ويصدق على من بنى قريبا من جوانب القبر كذلك، كما في القباب والمساجد والمشاهد الكبيرة، على وجه يكون القبر في وسطها أو في جانب منها. فإن هذا بناء على القبر، لا يخفى ذلك على من له أدنى فهم، كما يقال: بنى السلطان على مدينة كذا، أو على قرية كذا سورا. وكما يقال: بنى فلان في المكان الفلاني مسجدا، مع أن سمك البناء لم يباشر إلا جوانب المدينة أو القرية أو المكان. ولا فرق بين أن تكون تلك الجوانب التي وقع وضع البناء عليها قريبة من الوسط، كما في المدينة الصغيرة والقرية الصغيرة والمكان الضيق، أو بعيدة في الوسط كما في المدينة الكبيرة والقرية الكبيرة والمكان الواسع، ومن زعم أن في لغة العرب ما يمنع من هذا الإطلاق فهو جاهل لا يعرف لغة العرب، ولا يفهم لسانها ولا يدري بما استعملته في كلامها.
    وإذا تقرر لك هذا علمت أن رفع القبور ووضع القباب والمساجد والمشاهد عليها قد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله تارة كما تقدم. وتارة قال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فدعا عليهم بأن يشتد غضب الله عليهم بما فعلوه من هذه المعصية. وذلك ثابت في الصحيح، وتارة نهى عن ذلك. وتارة بعث من يهدمه وتارة جعله من فعل اليهود والنصارى.
    وتارة قال: "لا تتخذوا قبري وثنا". وتارة قال: "لا تتخذوا قبري عيدا" أي: موسما يجتمعون فيه كما صار يفعله كثير من عباد القبور يجعلون لمن يعتقدون من الأموات أوقاتا معلومة يجتمعون فيها عند قبورهم، ينسكون لها المناسك، ويعكفون عليها، كما يعرف ذلك كل أحد من الناس من أفعال هؤلاء المخذولين، الذين تركوا عبادة الله الذي خلقهم ورزقهم ثم يميتهم ويحييهم وعبدوا عبدا من عباد الله، صار تحت أطباق الثرى، لا يقدر على أن يجلب لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا، كم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمره الله أن يقول: {لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً} (الأعراف: 188 . فانظر كيف قال سيد البشر وصفوة الله من خلقه بأمر ربه أنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا وكذلك قال فيما صح عنه: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا" (رواه البخاري (2753) ومسلم (206))..

    *****
    الملفات المرفقة

  • #2

    اضغط على الصورة لعرض أكبر.   الإسم:	مفاسد تعظيم القبور.jpg  مشاهدات:	0  الحجم:	158.3 كيلوبايت  الهوية:	249156
    *****
    مطوية / مفاسد تعظيم القبور واتخاذها أعيادا
    - من كتاب: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان-
    للامام ابن القيم رحمه الله تعالى


    مفاسد تعظيم القبور.الامام ابن القيم..pdf



    مفاسد تعظيم القبور.الامام ابن القيم.م..pdf

    *****
    نص المطوية :
    مفاسد تعظيم القبور واتخاذها أعيادا
    - من كتاب: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان-
    للامام ابن القيم رحمه الله تعالى
    (الفصل كاملا)

    .. ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا الله تعالى ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله تعالى وغيرة على التوحيد وتهجين وتقبيح للشرك ولكن ما لجرح بميت إيلام

    فمن مفاسد اتخاذها أعيادا :

    - الصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على ترابها وعبادة أصحابها والاستغاثة بهم وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم ، فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا وقد نزلوا عن الأكوار والدواب إذا رأوها من مكان بعيد فوضعوا لها الجباه وقبلوا الأرض وكشفوا الرءوس وارتفعت أصواتهم بالضجيج وتبا كوا حتى تسمع لهم النشيج ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد ونادوا ولكن من مكان بعيد حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين فتراهم حول القبر ركعا سجدا يبتغون فضلامن الميت ورضوانا وقد ملئوا أكفهم خيبة وخسرانا فلغير الله بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات ويرتفع من الأصوات ويطلب من الميت من الحاجات ويسأل من تفريج الكربات وإغناء ذوي الفاقات ومعافاة أولى العاهات والبليات ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى للعالمين ثم أخذوا في التقبيل والاستلام أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفدالبيت الحرام ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق وقربوا لذلك الوثن القرابين وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين فلو رأيتهم يهنىء بعضهم بعضا ويقول : أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام فيقول : لا ولو بحجك كل عام .

    هذا ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم : إذ هي فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور
    وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهي عنه لما يؤول إليه وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته والشر والضلال في معصيته ومخالفته
    ورأيت لأبي الوفاء بن عقيل في ذلك فصلا حسنا فذكرته بلفظه قال : لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال : وهم عندي كفار بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع : من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها : يا مولاي افعل بي كذا وكذا وأخذ تربتها تبركا وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداءبمن عبداللات والعزى والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف ولم يتمسح بآجرة مسجد الملموسة يوم الأربعاء ولم يقل الحمالون على جنازته : الصديق أبو بكر أو محمد وعلى أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر ولم يخرق ثيابه إلى الذيل ولم يرق ماء الورد على القبر انتهى .
    ومن جمع بين سنة رسول اللهصلى الله عليه وسلمفي القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأي أحدهما مضادا للآخر مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا
    فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلمعن الصلاة إلى القبور وهؤلاء يصلون عندها ونهى عن اتخاذها مساجد وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله تعالى ونهى عن إيقاد السرج عليها وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها ونهى أن تتخذ عيداوهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته .

    وفي صحيحه أيضا عن ثمامة بن شفي قال : كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفى صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين ويرفعونها عن الأرض كالبيت ويعقدون عليها القباب ، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه كما روى مسلم في صحيحه عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه بناء ، ونهى عن الكتابة عليها كما روى أبو داود والترمذي في سننهما عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها قال الترمذي : حديث حسن صحيح وهؤلاء يتخذون عليها الألواحويكتبون عليها القرآن وغيره .
    ونهى أن يزاد عليها غير ترابها كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا : أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر أو يكتب عليه أو يزاد عليه وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص. ونهى عمر بن عبدالعزيز أن يبنى القبر بآجر وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره
    وأوصى الأسود بن يزيد : أن لا تجعلوا على قبري آجرا ، وقال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون الآجر على قبورهم ، وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة : أن لا تضربوا علي فسطاطا
    وكره الإمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاط .
    والمقصود : أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعيادا الموقدين عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه و سلم محادون لما جاء به وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها وهو من الكبائر وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه قال أبو محمد المقدسي : ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن النبيصلى الله عليه وسلممن فعله ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام قال : ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر ولأن النبيصلى الله عليه وسلمقال : لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا متفق عليه وقالت عائشة : إنما لم يبرز قبر رسول اللهصلى الله عليه وسلملئلا يتخذ مسجدا لأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها. انتهى
    وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا ووضعوا له مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه مناسك حج المشاهد مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الاسلام ودخول في دين عباد الأصنام فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول اللهصلى الله عليه وسلموقصده : من النهي عما تقدم ذكره في القبور وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره .

    - فمنها : تعظيمها الموقع في الافتتان بها ومنها : اتخاذها عيدا ومنها : السفر إليها ومنها : مشابهة عبادة الأصنام بما يفعل عندها : من العكوف عليها والمجاورة عندها وتعليق الستور عليها وسدانتها وعبادها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد والويل عندهم لقيتمها ليلة يطفىء القنديل المعلق عليها ومنها : النذر لها ولسدنتها.

    - ومنها : اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء وينصر على الاعداء ويستنزل غيث السماء وتفرج الكروب وتقضى الحوائج وينصر المظلوم ويجار الخائف إلى غير ذلك ومنها : الدخول في لعنة الله تعالى ورسوله باتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج عليها ومنها : الشرك الأكبر الذي يفعل عندها.

    -ومنها : إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم فإنهم يؤذيهم ما يفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة كما أن المسيح يكره ما يفعله النصارى عند قبره وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم ويوم القيامة يتبرءون منهم كما قال تعالى : ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادى هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا [ الفرقان : 17 ]، قال الله للمشركين : فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا [ الفرقان : 19 ] الآية وقال تعالى:وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمى إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق الآية [المائدة : ١١٦]
    وقال تعالى : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [ سبأ : 40-41 ] .
    - ومنها : مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها .
    - ومنها : محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها

    - ومنها : التعب العظيم مع الوزر الكثير والإثم العظيم
    - ومنها : إماتة السنن وإحياء البدع .

    - ومنها : تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله فإن عباد القبور يعطونها من التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة على الموتى مالا يفعلونه في المساجد ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريب منه .
    - ومنها : أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد وخراب المساجد ودين الله الذي بعث به رسوله بضد ذلك ولهذا لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين عمروا المشاهد وأخربوا المساجد .


    - ومنها : أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور : إنما هو تذكرالآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار له وسؤال العافية له فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به وسؤاله حوائجهم واستنزال البركات منه ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك فصاروا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت ، ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله تعالى من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له .
    فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان التي شرعها الله تعالى على لسان رسولهصلى الله عليه وسلم ثم وازن بينها وبين زيارة أهل الإشراك التي شرعها لهم الشيطان واختر لنفسك .
    قالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليلتها منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد. رواه مسلم
    وفي صحيحه عنها أيضا : أن جبريل أتاه فقال : إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قالت قلت : كيف أقول لهم يا رسول الله قال : قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ، وفي صحيحه أيضا عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا : السلام على أهل الديار وفي لفظ السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية . وعن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا . رواه أحمد والنسائي.

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدا للذريعة فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه ونهاهم أن يقولوا هجرا فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله فإن زيارته غير مأذون فيها ومن أعظم الهجر : الشرك عندها قولا وفعلا ،وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زوروا القبور فإنها تذكر الموت ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة رواه الإمام أحمد، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال : السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم ونحن بالأثر رواه أحمد والترمذي وحسنه. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة رواه ابن ماجه
    وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة .
    فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وعلمهم إياها هل تجد فيها شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه .
    وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه الله : لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك
    ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر ثم دعا، فقال سلمة بن وردان : رأيت أنس بن مالك رضي الله عنه يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو، ونص على ذلك الأئمة الأربعة : أنه يستقبل القبلة وقت الدعاء حتى لا يدعو عند القبر فإن الدعاء عبادة ، وفي الترمذي وغيره مرفوعا الدعاء هو العبادة، فجرد السلف العبادة لله ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من السلام على أصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم .
    وبالجملة فالميت قد انقطع عمله فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء له وجوبا واستحبابا ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي .
    قال عوف بن مالك : صلى رسول اللهصلى الله عليه وسلمعلى جنارة فحفظت من دعائه وهو يقول : اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار حتى تمنيت أن أكون أنا الميت لدعاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ذلك الميت. رواه مسلم
    وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول في صلاته على الجنازة : اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر له رواه الامام أحمد ، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء .

    وقالت عائشة وأنس عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه رواه مسلم.
    وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول : ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه رواه مسلم ، فهذا مقصود الصلاة على الميت وهو الدعاء له والاستغفار والشفاعة فيه ومعلوم أنه في قبره أشد حاجة منه على نعشه فإنه حينئذ معرض للسؤال وغيره وقد كان النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقف على القبر بعد الدفن فيقول : سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ،فعلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن فإذا كنا على جنازته ندعو له لا ندعو به ونشفع له لا نشفع به فبعد الدفن أولى وأحرى .

    فبدل أهل البدع والشرك قولا غير الذي قيل لهم : بدلوا الدعاء له بدعائه نفسه والشفاعة له بالاستشفاع به وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر وتذكيرا بالآخرة : سؤال الميت والإقسام به على الله وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد وأوقات الأسحار ،ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعا وعملا صالحا ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون .

    فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى وهذه سنة خلفائه الراشدين وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل يمكن بشرعلى وجه الأرض أن يأتى عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع : أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلا أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم فليوقفونا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك بلى يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك بلى فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمناه من الأحاديث المرفوعة
    وأما آثار الصحابة فأكثر من أن يحاط بها وقد ذكرنا إنكار عمر رضي الله عنه على أنس رضي الله عنه صلاته عند القبر وقوله له القبر القبر .

    وقد ذكر محمد بن إسحاق في مغازيه من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار قال : حدثنا أبو العالية قال : لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأه قرأته مثل ما أقرأ القرآن فقلت لأبي العالية : ما كان فيه قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد قلت : فما صنعتم بالرجل قال : حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه فقلت : وما يرجون منه قال : كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون فقلت : من كنتم تظنون الرجل قال : رجل يقال له : دانيال فقلت : مذ كم وجدتموه مات قال : مذ ثلاثمائة سنة قلت : ما كان تغير منه شيء قال : لا إلا شعيرات من قفاه إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به ولو ظفر به المستأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يدانى هذا ولا يقاربه وأقاموا لها سدنة وجعلوها معابد أعظم من المساجد .

    فلو كان الدعاء عند القبور والصلاة عندها والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك ودعوا عنده وسنوا ذلك لمن بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم وكذلك التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من استغاث عند قبر صاحب ولا دعاه ولا دعا به ولا دعا عنده ولا استشفى به ولا استسقى به ولا استنصر به ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله بل على نقل ما هو دونه وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في غير تلك البقعة أولا يكون فإن كان أفضل فكيف خفي علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم وتظفر به الخلوف علما وعملا ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه مع حرصهم على كل خير لا سيما الدعاء فإن المضطر يتشبث بكل سبب وإن كان فيه كراهة ما فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور ثم لا يقصدونه هذا محال طبعا وشرعا
    فتعين القسم الآخر وهو أنه لا فضل للدعاء عندها ولا هو مشروع ولا مأذون فيه بقصد الخصوص بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من المفاسد ومثل هذا مما لا يشرعه الله ورسوله ألبتة بل استحباب الدعاء عندها شرع عبادة لم يشرعها الله ولم ينزل بها سلطانا.
    *******
    وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير، فروى غير واحد عن المعرور بن سويد قال : صليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [ الفيل : 1 ] و لإيلاف قريش ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال : أين يذهب هؤلاء فقيل : يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فهم يصلون فيه فقال : إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها وكذلك أرسل عمر رضي الله تعالى عنه أيضا فقطع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بل قد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة لما سألوه أن يجعل لهم شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ومتاعهم بخصوصها :
    فروى البخاري في صحيحه عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها : ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون [ الأعراف : 138 ] لتركبن سنن من كان قبلكم .
    فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله تعالى مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها فما الظن بالعكوف حول القبر والدعاء به ودعائه والدعاء عنده فأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر لو كان أهل الشرك والبدعة يعلمون .

    قال بعض أهل العلم من أصحاب مالك : فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البراء والشفاء من قبلها ويضربون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها ،ومن له خبرة بما بعث الله تعالى به رسوله وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره علم أن بين السلف وبين هؤلاء الخلوف من البعد أبعد مما بين المشرق والمغرب وأنهم على شيء والسلف على شيء كما قيل :
    سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب

    والأمر والله أعظم مما ذكرنا ،وقد ذكر البخاري في الصحيح عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت دخل على أبو الدرداء مغضبا فقلت له : مالك فقال : والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنهم يصلون جميعا ، وروي مالك في الموطأ عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال : ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة يعني الصحابة رضي الله عنهم .

    وقال الزهرى : دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت له : ما يبكيك فقال : ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت ذكره البخاري ، في لفظ آخر ما كنت أعرف شيئا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قد أنكرته اليوم .
    وقال الحسن البصري : سأل رجل أبا الدرداء رضي الله عنه فقال : رحمك الله لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا هل كان ينكر شيئا مما نحن عليه فغضب واشتد غضبه وقال : وهل كان يعرف شيئا مما أنتم عليه .
    وقال المبارك بن فضالة : صلى الحسن الجمعة وجلس فبكى فقيل له : ما يبكيك يا أبا سعيد فقال : تلومونني على البكاء ولو أن رجلا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئا مما كان عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم عليه إلا قبلتكم هذه ، وهذه هي الفتنة العظمى التي قال فيها عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير وينشأ فيها الصغير تجري على الناس يتخذونها سنة إذا غيرت قيل : غيرت السنة أو هذا منكر
    وهذا مما يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به ولا إلتفات إليه فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبي الدرداء وأنس كما تقدم ، وذكر أبو العباس أحمد بن يحيى قال : حدثني محمد بن عبيد بن ميمون حدثني عبدالله بن إسحق الجعفري قال : كان عبدالله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة قال : فتذاكروا يوما السنن فقال رجل كان في المجلس : ليس العمل على هذا فقال عبدالله : أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم الحكام فهم الحجة على السنة فقال ربيعة : أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء .اه

    (ج1/ ص190... 207)
    إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
    المؤلف :ابن قيم الجوزية رحمه الله
    الناشر : دار المعرفة - بيروت
    الطبعة الثانية ، 1395 - 1975
    تحقيق : محمد حامد الفقي
    الملفات المرفقة

    تعليق

    يعمل...
    X