الاعتبار بآيات الله ـ استقبال العام الدراسي والعمل بالعلم لابن عثيمين رحمه الله

الحمد لله الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب والحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا من ذوي الألباب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ومنه المبتدأ وإليه المآب وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من تعبد لله وأناب صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما
أما بعد

أيها الناس اتقوا الله تعالى تبصروا في هذه الأيام والليال فإنها مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة حتى تنتهوا إلى آخر سفركم وأن كل يوم يمر بكم بل كل لحظة تمر بكم فإنها تبعدكم من الدنيا وتقربكم من الآخرة إن هذه الأيام والليال خزائن لأعمالكم محفوظة لكم شاهدة بها من خير أو شر طوبى لعبد أغتنم فرصها بما يقرب إلى الله طوبى لعبد شغلها بالطاعات واجتناب العصيان طوبى لعبد اتعظ بما فيها من تقلبات الأمور والأحوال فأستدل بذلك على ما لله فيها من الحكم البالغة والأسرار:(يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) أخواني ألم تروا إلى هذه الشمس تطلع كل يوم من مشرقها وتغرب في مغربها فإن في ذلك أعظم اعتبار إن طلوعها ثم غروبها إذا بأن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما هي طلوع ثم غروب وأدبار ألم تروا إلى القمر يطلع هلالاً صغيراً في أول الشهر كما يولد الأطفال ثم ينموا رويداً رويداً كما تنموا الأجسام حتى إذا تكامل في النمو أخذ في النقص والاضمحلال وهكذا جسم الإنسان وحياته تماماً فاعتبروا يا أولي الأبصار ألم تروا إلى هذه السنين تتجدد عاماً بعد عام يجيء أول العام فينظر الإنسان إلى آخره نظر البعيد ثم تمر الأيام سريعة كلمح البصر فإذا هو في آخر العام وهكذا عمر الإنسان يتطلع الإنسان إلى آخره تطلع البعيد فإذا به قد باغته الأجل )وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ربما يأمل الإنسان طول العمر ربما يأمل الإنسان طول العمر فيتسلى بالأماني فإذا بحبل الأمل قد أنصرم وببناء الأماني قد انهدم أيها الناس ألم تروا إلى من كان معكم وبين أيديكم من الآباء والأخوة والأبناء ألم يأخذهم الموت حتى كانوا خبراً بعد العيان بينما كانوا مخبرين وإذا هم مخبر عنهم وهكذا أنتم سيئول بكم الأمر إلى ما أل بهم إليه سوف تكونون خبراً من الأخبار بعد أن كنتم أعياناً تخبرون عن ما مضى من الأخبار أيها المسلمون إن الإنسان ليأخذ من هذه الأمور عبرة أنه ليأخذ منها عبرة ليس لأجل أن لا يأمل البقاء ولكن يأخذ منها عبرة ليغتنم فرص الليالي والأيام بطاعة الله عز وجل واجتناب معصيته حتى إذا جاءه الموت وإذا هو قد أستعد له وإذا هو قد بنى بناءً يكون فيه في أعلى عليين أيها المسلمون إن الإنسان إذا أعتاد على طاعة الله عز وجل إن الإنسان إذا أعتاد على طاعة الله عز وجل وفطم نفسه عن معصيته صار ذلك طبيعة له وسجية حتى يضيق صدره إذا فارق الطاعات وحتى يضيق صدره إذا أنتهك المعاصي فيا عباد الله اغتنموا أوقاتكم بأعمالكم الصالحة توبوا إلى الله عز وجل أقيموا ما أوجب الله عليكم من حقوق الله وحقوق عباده اجتنبوا ما حرم الله عليكم من موبقات الذنوب وما دونها لا تحتقرون المعاصي فإن المعاصي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن محقراتها وضرب لذلك مثلاً بقوم نزلوا أرضاً فذهبوا يحتطبون فجاء رجل بعود وآخر بآخر حتى أضرموا ناراً كبيراً من هذه العيدان الصغيرة وهكذا المعاصي يستصغرها الإنسان حتى تكون كبيرة من كبائر الذنوب وربما تحول بينه وبين حسن الخاتمة فيختم له بسوء الخاتمة والعياذ بالله أيها الناس إنكم في هذه الأيام ودعتم عاماً ماضياً شهيدا واستقبلتم عاماً مشرفاً جديداً فليت شعري ماذا أودعنا في العام الماضي وماذا نستقبل به هذا العام الجديد فليحاسب العاقل نفسه ولينظر في أمره فإن كان فرط في شئ من الواجبات فليتب إلى الله عز وجل وليستدرك ما فات وإن كان ظالماً لنفسه بفعل المحرمات فليقلع عنها قبل حلول الأجل والفوات وإن كان مِن مَن من الله عليه بالاستقامة فليحمد الله على ذلك وليسأله الثبات عليه إلى الممات أخواني والله ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي إنما الإيمان ما حل في القلب وصدقته الأعمال ليست التوبة مجرد قول باللسان ولكنها ندم على ما فعل من الذنوب وترك لما كان عليه من المعاصي والعيوب وإنابة إلى الله تعالى بإصلاح العمل ومراقبة علام الغيوب فحققوا أيها المسلمون الإيمان وأخلصوا التوبة مادمتم في زمن الإمكان وعظ النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال:(اغتنم خمس قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ) وعظ النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال اغتنم خمس قبل خمس أنتبه يا أخي لهذه الخمس أغتنم خمس قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك إن في الشباب عزيمة وقوة فإذا هرم الإنسان فترت العزيمة وضعفت القوة ولم يستطيع التخلص من ما شب عليه وفي الصحة انشراح ونشاط فإذا مرض الإنسان ضاق صدره وضاقت عليه نفسه وأنحط نشاطه وثقلت عليه الأعمال وفي الغنى راحة وفراغ فإذا أفتقر الإنسان قلق فكره وأنشغل بطلب العيش لنفسه وعياله وفي الحياة ميدان فسيح للأعمال فإذا مات الإنسان أنقطع عنه أوقات العمل وفات زمن الإمكان فاعتبروا أيها المسلمون بهذه المواعظ وقيسوا ما بقي من أعماركم بما مضى منها فإنما ما بقي منها سوف يمضي سريعا كما مضى ما سبق منها سريعا وأعلموا أيها المسلمون أن كل أتٍ قريب وكل شئ من الدنيا زائل:(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) لقد ذكر الله عز وجل ابتداء الخلق وانتهائه في قوله:(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) اللهم اجعلنا من المعتبرين بهذه الآيات المتقين لك يا رب العالمين القائمين بما يرضيك عنا على أحسن وجه إنك على كل شئ قدير اللهم صلى وسلم وبارك على عبدك ونبييك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين . الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخلاق الكريم الأكرم وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أيها الناس اتقوا الله تعالى عباد الله إنكم في هذه الأيام تستقبلون عاماً دراسياً جديدا وإن الإنسان لا يكون إنسان ولا يرتقي إلى الإنسانية الحقة إلا إذا كان لديه علم نافع يهتدي به في عبادته ومعاملاته في معاملته مع ربه ومعاملته مع خلقه أيها الناس احرصوا على العلم من أول دراستكم حتى لا تنفرط عليكم الأيام وحتى لا تجتمع عليكم العلوم في آخر العام وحينئذٍ تمرون بها من أجل الاختبار فقط مراً سريعاً لا يرسخ في قلوبكم تعلموا العلم فإن الله تعالى يرفع بالعلم أقواماً ويضع به آخرين من تعلم العلم فعمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم ورفعه الله تعالى درجات ومن تعلم العلم الشرعي فنبذه وراء ظهره فإن الله تعالى ينكث عليه أمره ويكون علمه عليه وبالا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:(القرآن حجة لك أو عليك ) فجعل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن دائراً بين أمرين لا ثالث لهما إما أن يكون لك وإما أن يكون عليك فمتى يكون لك ومتى يكون عليك يكون لك إذا أنت قمت بأوامره واجتنبت نواهيه وصدقت بأخباره وتلوته ترجو بذلك ثواب الله عز وجل فإن في كل حرف من القرآن حسنة بل في كل حسنة عشر حسنات ويكون حجة عليك إذا أنت وليته ظهرك ولم تمتثل أمره ولم تجتنب نهيه ولم تصدق بخبره وتركته ورائك ظهريا أيها المسلمون تعلموا العلم وأعملوا بما علمتم فإن ذلك فإن ذلك نور تهتدون به في الدنيا والآخرة وأعلموا أن الإنسان إذا استقبل العلم بجد ونشاط مع إخلاص النية لله عز وجل وتعليم الناس ما جهلوه من العلم والدعوة إلى الله تعالى بعلمه على بصيرة أعلموا أنه يكون بذلك وارث للأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام لأن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ولذلك فإن الأنبياء لا يورثون ما تركوا من المال بل ما تركوه يكون صدقة في سبيل الله عز وجل فيما يقرب إلى الله تعالى ولكنهم ورثوا ما هو أهم من المال وأعم نفعاً وأكثر شمولاً ألا وهو العلم الذي جاءوا به من عند الله إما في كلام الله عز وجل أو فيما أوحاه الله إليهم من السنة النبوية أيها المسلمون تعلموا العلم وأعملوا به وادعوا الناس به وكونوا من الذين قال الله فيهم:(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) عباد الله أعلموا أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وأعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال جل من قائل عليما:(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) اللهم صلى وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد اللهم ارزقنا محبته واتباعه ظاهراً وباطنا اللهم توفنا على ملته اللهم احشرنا في زمرته اللهم اسقنا من حوضه اللهم أدخلنا في شفاعته اللهم اجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم أرضى عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أفضل أتباع المرسلين اللهم أرضى عن أولاده الغر الميامين وعن زوجاته أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين اللهم أرضى عنا معهم وأصلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم يا رب العالمين اللهم أنصر المسلمين في كل مكان اللهم أنصر المسلمين في كل مكان اللهم أنصر المسلمين في كل مكان اللهم أنصر المسلمين الذي يجاهدون في سبيلك بألسنتهم والدعوة إليك اللهم أنصر المسلمين الذي يجاهدون في سبيلك بأموالهم وأنفسهم يا رب العالمين اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا ونحن في انتظار فريضة من فرائضك اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمارنا أخرها وخير أعمالها خواتمها وخير أيامنا وأسعدها يوم نلقاك يا رب العالمين اللهم إنا نسألك أن تولي على المسلمين خيارهم اللهم ولي على المسلمين خيارهم اللهم من كان من ولاة أمور المسلمين صغيرهم وكبيرهم غير قائم بأمرك ولا ناصح لخلقه فأهده إلى الحق أو أبدله بخير منه يا رب العالمين اللهم من أراد بالمسلمين سوء فأجعل كيده في نحره وشتت شمله وفرق جمعه وأهزم جنده وأزقه الذلة في الدنيا والصغار والخزي والعار يا رب العالمين اللهم من أراد المسلمين بسوء فأجعل كيده في نحره وشتت شمله وفرق جمعه وأهزم جنده وأزقه الذل والعار في الدنيا والآخرة يا رب العالمين اللهم إنا نسألك أن تتقبل منا إنك أنت السميع العليم اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .