ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 17
  1. #1

    افتراضي خواطر وجواهر من ابن الجوزي إلى طلاب العلم..

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبعد:
    فإن كتاب صيد الخاطر للإمام ابن الجوزي درة غالية وكنز ثمين.
    قد تقول: على رسلك فإنما هو خواطر وذكريات لا تستحق كل هذا؟!
    فأقول ليس هو بخواطر بل هو خلاصة تجارب إمام بارع في كل الفنون, ومن تفئ ضلال هذا الكتاب علم صدق ما قلت.
    ففيه من الجواهر والفرائد ما يستحق بها أن تعاد قراءته المرة تلو الأخرى.
    لما كان الأمر كذلك أحببت أن أستخلص من الكتاب جواهر تختص بالعالم والمتعلم , والواقع أن كثيرا منها تعتبر قواعد منهجية يسير من خلالها طالب العلم


    * اعتمدت في العزو على طبعة : دار الهدي النبوي ودار الفضيلة , بتحقيق: أبي أنس سيد بن رجب .

    والله الموفق.

  2. #2

    افتراضي

    (1)

    * فصل :[ في علماء الدنيا و علماء الآخرة]

    تأملت التحاسد بين العلماء ، فرأيت منشأه من حب الدنيا ، فإن علماء الآخرة يتوادون و لا يتحاسدون ، كما قال عز و جل : (و لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتو)ا .
    و قال الله تعالى :( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان و لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا) .
    و قد كان أبو الدرداء : [ يدعو كل ليلة لجماعة من إخوانه ] .
    و قال الإمام أحمد بن حنبل لولد الشافعي : [ أبوك من الستة الذين أدعو لهم كل ليلة وقت السحر ] .
    و الأمر الفارق بين الفئتين : أن علماء الدنيا ينظرون إلى الرياسة فيها ، و يحبون كثرة الجمع و الثناء . و علماء الآخرة ، بمعزل من إيثار ذلك ، و قد كانوا يتخوفونه ، و يرحمون من بلي به .

    و كان النخعي ، لا يستند إلى سارية .
    و قال علقمة : أكره أن يوطأ عقبي . و يقال" علقمة" .
    و كان بعضهم ، إذا جلس إليه أكثر من أربعة ، قام عنهم .
    و كانوا يتدافعون الفتوى ، و يحبون الخمول ، ومثل القوم كمثل راكب البحر ، و قد خب ، فعنده شغل إلى أن يوقن بالنجاة .
    و إنما كان بعضهم يدعوا لبعض ، و يستفيد منه لأنهم ركب تصاحبوا فتوادوا ، فالأيام و الليالي مراحلهم إلى سفر الجنة .[41]

  3. #3

    افتراضي

    [2]

    * فصل : [ العلم بالعمل]

    لقيت مشايخ ، أحوالهم مختلفة ، في مقاديرهم في العلم .
    و كان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه ، و إن كان غيره أعلم منه .
    و لقيت جماعة من علماء الحديث يحفظون و يعرفون و لكنهم كانوا يتسامحون بغيبة يخرجونها مخرج جرح و تعديل ، و يأخذون على قراءة الحديث أجرة ، و يسرعون بالجواب لئلا ينكسر الجاه و إن وقع خطأ .
    و لقيت عبد الوهاب الأنماطي ، فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غيبة ،و لا كان يطلب أجراً على سماع الحديث ، و كنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقاق بكى و اتصل بكاؤه .
    فكان ـ و أنا صغير السن حينئذ ـ يعمل بكاؤه في قلبي ،و يبني قواعد .
    و كان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل .
    و لقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي ، فكان كثير الصمت ، شديد التحري فيما يقول ، متقناً محققاً .
    و ربما سئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه ، فيتوقف فيها حتى يتيقن .
    و كان كثير الصوم و الصمت . فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما .
    ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول .
    و رأيت مشايخ كانت لهم خلوات في انبساط و مزاح ، فراحوا عن القلوب و بدد تفريطهم ما جمعوا من العلم . فقل الانتفاع بهم في حياتهم ، و نسوا بعد مماتهم ، فلا يكاد أحد أن يلتفت إلى مصنفاتهم .
    فالله الله في العلم بالعمل ، فإنه الأصل الأكبر .
    و المسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به ، ففاته لذات الدنيا و خيرات الآخرة فقدم مفلساً على قوة الحجة عليه .[188]

  4. #4

    افتراضي

    {3}

    * فصل[ من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين]


    أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته . و من تأمل ثمرة الفقه علم أنه أفضل العلوم ، فإن أرباب المذاهب فاقوا بالفقه على الخلائق أبداً ، و إن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منه بالقرآن أو بالحديث أو باللغة .
    و اعتبر هذا بأهل زماننا ، فإنك ترى الشاب يعرف مسائل الخلاف الظاهرة فيستغني و يعرف حكم الله تعالى في الحوادث ما لا يعرفه النحرير من باقي العلماء .
    كم رأينا مبرزاً في علم القرآن أو في الحديث أو في التفسير أو في اللغة لا يعرف مع الشيخوخة معظم أحكام الشرع .
    و ربما جهل علم ما ينويه في صلاته ، على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبياً عن باقي العلوم . فإنه لا يكون فقيهاً ، بل يأخذ من كل علم بحظ ثم يتوفر على الفقه فإنه عز الدنيا و الآخرة .[210]

  5. #5

    افتراضي

    {4}

    * فصل [ الورع لطالب العلم إلى الممات]


    رأيت نفراً ممن أفنى أوائل عمره و ريعان شبابه في طلب العلم يصبر على أنواع الأذى ، و هجر فنون الراحات ، أنفة من الجهل ، و رذيلته ، و طلباً للعلم و فضيلته ، فما نال منه طرفاً رفعه عن مراتب أرباب الدنيا .
    و من لا علم له إلا بالعاجل ضاق به معاشه أو قل ما ينشده لنفسه من حظوظ ، فسافر في البلاد يطلب من الأرذال ، و يتواضع للسفلة و أهل الدناءة و المكاس و غيرهم .
    فخاطبت بعضهم و قلت :ويحك أين تلك الأنفة من الجهل التي سهرت لأجلها ، و أظمأت نهارك بسببها ، فلما ارتفعت و انتفعت عدت إلى أسفل سافلين .
    أفما بقي عندك ذرة من الأنفة تنبو بها عن مقامات الأرذال ؟
    و لا معك يسير من العلم يسير بك عن مناخ الهوى ؟
    و لا حصلت بالعلم قوة تجذب بها زمام النفس عن مراعي السوء ؟ على أنه يبين لي أن سهرك و تعبك كأنهما كانا لنيل الدنيا .
    ثم إني أراك تزعم أنك تريد شيئاً من الدنيا تستعين به على طلب العلم ، فاعلم أن التفاتك إلى نوع كسب تستغني به عن الأرذال أفضل من التزيد في علمك .
    فلو عرفت ما ينقص به دينك لم تر فيما قد عزمت عليه زيادة ، بل لعله كله مخاطرة بالنفس ، و بذل الوجه طالما صين لمن لا يصلح إلتفات مثلك إلى مثله .
    و بعيد أن تقنع بعد شروعك في هذا الأمر بقدر الكفاف ، و قد علمت ما في السؤال بعد الكفاف من الإثم .
    و أبعد منه أن تقدر على الورع في المأخوذ .
    و من لك بالسلامة و الرجوع إلى الوطن ؟ و كم رمى قفر في بواديه من هالك !
    ثم ما تحصله يفني و يبقى منه ما أعطى ، و عيب المتقين إياك ، و اقتداء الجاهلين بك .
    و يكفيك أنك عدت على ما علمت من ذم الدنيا بشينه إذ فعلت ما يناقضه ، خصوصاً و قد مر أكثر العمر .
    و من أحسن فيما مضى يحسن فيما بقي .[213]

  6. #6

    افتراضي

    {5}

    * فصل[في تعظيم حفظ العلم]


    إعلم أن المعلم يفتقر إلى دوام الدراسة ، و من الغلط الإنهماك على الإعادة ليلاً و نهاراً ، فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أياماً ثم يفتر أو يمرض .
    و قد روينا أن الطبيب دخل على أبي بكر بن الأنباري في مرض موته ، فنظر إلى مائة كتاب و قال : [ قد كنت تفعل شيئاً لا يفعله أحد ] ، ثم خرج فقال : [ ما يجيء منه شيء ] ، فقيل له : [ ما الذي كنت تفعل ؟ ] قال : [ كنت أعيد كل أسبوع عشرة آلاف ورقة ] .
    و من الغلط تحميل القلب حفظ الكثير أو الحفظ من فنون شتى ، فإن القلب جارحة من الجوارح ، و كما أن من الناس من يحمل المائة رطل ، و منهم من يعجز عن عشرين رطلاً ، فكذلك القلوب .
    فليأخذ الإنسان على قدر قوته و دونها ، فإنه إذا استنفدها في وقت ضاعت منه أوقات .
    كما أن الشره يأكل فضل لقيمات فيكون سبباً إلى منع أكلات .
    و الصواب أن يأخذ قدر ما يطيق و يعيد في وقتين من النهار و الليل ، و يرزفه القوى في بقية الزمان ، و الدوام أصل عظيم .
    فكم ممن ترك الاستذكار بعد الحفظ فضاع زمن طويل في استرجاع محفوظ قد نسي .
    و للحفظ أوقات من العمر فأفضلها الصبا و ما يقاربه من أوقات الزمان ، و أفضلها إعادة الأسحار و أنصاف النهار ، و الغدوات خير من العشيات ، و أوقات الجوع خير من أوقات الشبع .
    و لا يحمد الحفظ بحضرة خضرة و على شاطئ نهر ، لأن ذلك يلهي .
    و الأماكن العالية للحفظ خير من السوافل .
    و للخلوة أصل ، و جمع الهم أصل الأصول .
    و ترفيه النفس من الإعادة يوماً في الأسبوع ليثبت المحفوظ و تأخذ النفس قوة كالبنيان يترك أياماً حتى يستقر ثم يبني عليه .
    وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم ، و ألا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله .
    و من لم يجد نشاطاً للحفظ فليتركه ، فإن مكابرة النفس لا تصلح .
    و إصلاح المزاج من الأصول العظيمة ، فإن للمأكولات أثراً في الحفظ .
    قال الزهري : [ ما أكلت خلاً منذ عالجت الحفظ ] .
    و قيل لأبي حنيفة : بم يستعان على حفظ الفقه ؟ قال : بجمع الهم .
    و قال حماد بن سلمة : [ بقلة الغم ] .
    و قال مكحول : من نظف ثوبه قل همه ، و من طابت ريحه زاد عقله ، و من جمع بينهما زادت مروءته .
    و أختار للمبتدي في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن فإن أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعين سنة ، و هذا لأجل جمع الهم .
    فإن غلب عليه الأمر تزوج و اجتهد في المدافعة بالفعل لتتوفر القوة على إعادة العلم .
    ثم لينظر ما يحفظ من العلم ، فإن العمر عزيز ، و العلم غزير .
    و إن أقواماً يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه ، و إن كان كل العلوم حسناً ، و لكن الأولى تقديم الأهم و الأفضل .
    و أفضل ما تشاغل به حفظ القرآن ثم الفقه ، و ما بعد هذا بمنزلة تابع ، و من رزق يقظة دلته يقظته فلم يحتج إلى دليل ، و من قصد وجه الله تعالى بالعلم دله المقصود على الأحسن( و اتقوا الله و يعلمكم الله) .[225]

  7. #7

    افتراضي

    {6}

    * فصل [محنة أصحاب الهمم العلية]

    البلايا على مقادير الرجال . فكثير من الناس تراهم ساكنين راضين بما عندهم من دين و دنيا .
    و أولئك قوم لم يرادوا لمقامات الصبر الرفيعة ، أو علم ضعفهم عن مقاومة البلاء فلطف بهم .
    إنما المحنة العظمى أن ترزق همة عالية لا تقنع منك إلا بتحقيق الورع و تجويد الدين ، و كمال العلم ، ثم تبتلى بنفس تميل إلى المباحات ، و تدعي أنها تجمع بذلك همها ، و تشفي مرضها ، لتقبل مزاحه العلة على تحصيل الفضائل .
    و هاتان الحالتان كضدين ، لأن الدنيا و الآخرة ضرتان .
    و اللازم في هذا المقام مراعات الواجبات ، و ألا يفسح للنفس في مباح لا يؤمن أن يتعدى منه إعراض عن واجب ودع .
    المبتلى يصيح ، فلأن يبكي الطفل خير من أن يبكي الوالد .
    و اعلم أن فتح باب المباحات ربما جر أذى كثير في الدين فأوثق السكر قبل فتح الماء ، و البس الدرع قبل لقاء الحرب ، و تلمح عواقب ما تجني قبل تحريك اليد و استظهر في الحذر باجتناب ما يخاف منه و إن لم يتيقن .[253]

  8. #8

    افتراضي

    {7}

    * فصل[يا طالب العلم تعهد قلبك]

    رأيت الاشتغال بالفقه و سماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب ، إلا أن يمزج بالرفائق و النظر في سير السلف الصالحين.
    فأما مجرد العلم بالحلال, فليس له كبير عمل في رقة القلب, وإنما ترق القلوب بذكر رقائق الأحاديث وأخبار السلف الصالحين, لأنهم تناولوا مقصود النقل . و خرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها و المراد بها .
    و ما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة و ذوق لأني وجدت المحدثين و طلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي و تكثير الأجزاء .
    و جمهور الفقهاء في علوم الجدل و ما يغالب به الخصم .

    و كيف يرق القلب مع هذه الأشياء ؟!
    و قد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته و هديه . لا لاقتباس علمه .
    و ذلك أن ثمرة علمه هديه و سمته ، فافهم هذا و أمزج طلب الفقه و الحديث بمطالعة سير السلف و الزهاد في الدنيا ، ليكون سبباً لرقة قلبك .
    و قد جمعت لكل واحد من مشاهير الأخيار كتاباً فيه أخباره و آدابه . فجمعت كتاباً في أخبار الحسن ، و كتاباً في أخبار سفيان الثوري ، و إبراهيم بن أدهم ، و بشر الحافي ، و أحمد بن حنبل ، و معروف ، و غيرهم من العلماء و الزهاد ، و الله الموفق للمقصود . و لا يصلح العمل مع قلة العلم .
    فهما في ضرب المثل كسائق و قائد ، و النفس بينهما حرون ، و مع جد السائق و القائد ينقطع المنزل ، و نعوذ بالله من الفتور .[264]

  9. #9

    افتراضي

    {8}
    فصل [الحرص على الوقت]

    أعوذ بالله من صحبة البطالين ، لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة ، و يسمون ذلك الترددخدمة ، و يطلبون الجلوس و يجرون فيه أحاديث الناس و ما لا يعني ، و ما يتخلله غيبة .
    و هذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس ، و ربما طلبه المزور و تشوق إليه ، و إستوحش من الوحدة ، و خصوصاً في أيام التهاني و الأعياد . فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض ، و لا يقتصرون على الهناء و السلام ، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان .
    فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء ، و الواجب إنتهاؤه بفعل الخير ، كرهت ذلك و بقيت معهم بين أمرين :
    إن أنكرت عليهم و قعت وحشة لموضع قطع المألوف ، و إن تقبلته منهم ضاع الزمان.
    فصرت أدافع اللقاء جهدي ، فإذا غلب قصرت في الكلام لأتعجل الفراق ، ثم أعددت أعمالاً تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغاً , فجعلت من الاستعداد للقائهم : قطع الكاغد و بري الأقلام ، و حزم الدفاتر ، فإن هذه الأشياء لا بد منها . و لا تحتاج إلى فكر و حضور قلب ، فأرصدتها لأوقات زيارتهم , لئلا يضيع شيء من و قتي .
    نسأل الله عز وجل أن يعرفنا شرف أوقات العمر ، و ان يوفقنا لإغتنامه .

    و لقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة ، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله ، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس ، و كم تمر به من آفة و منكر .
    و منهم من يخلو بلعب الشطرنج ، و منهم من يقطع الزمان بكثرة الحوادث من السلاطين و الغلاء و الرخص ، إلى غير ذلك .
    فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر و معرفة قدر أوقات العافية إلا من و فقه و ألهمه اغتنام ذلك( و ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ).[277]

  10. #10

    افتراضي

    {9}

    * فصل[ طلب العلم أفضل من النوافل]

    سبحان من من على الخلق بالعلماء الفقهاء الذي فهموا مقصود الأمر و مراد الشارع ، فهم حفظة الشريعة ، فأحسن الله جزاءهم .
    و إن الشيطان ليتجافاهم خوفاً منهم ، فأنهم يقدرون على آذاه و هو لا يقدر على أذاهم .
    و لقد تلاعب بأهل الجهل و القليلي الفهم .
    و كان من أعجب تلاعبه ، أن حسن لأقوام ترك العلم ، ثم لم يقنعوا بهذا حتى قدحوا في المتشاغلين به .
    و هذا ـ لو فهموه ـ قدح في الشريعة ، فأن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : "بلغوا عني".، و قد قال له ربه عز وجل : ( بلغ) .
    فإذا لم يتشاغل بالعلم ، فكيف يبلغ الشريعة إلى الخلق ؟
    و لقد نقل مثل هذا عن كبار الزهاد ، كبشر الحافي ، فإنه قال لعباس بن عبد العظيم : [ لا تجالس أصحاب الحديث ] .
    و قال لإسحاق بن الضيف : [ إنك صاحب حديث ، فأحب ألا تعود إلي ] .
    ثم اعتذر فقال : [ إنما الحديث فتنة ، إلا لمن أراد الله به ، و إذا لم يعمل به فتركه أفضل ] ، و هذا عجب منه .
    من أين له أن طلابه لا يريدون الله به ، و أنهم لا يعملون به ؟
    أو ليس العمل به على ضربين : عمل بما يجب ، و ذلك لا يسع أحداً تركه .
    و الثاني : نافلة و لا يلزم .
    و التشاغل بالحديث ، أفضل من التنفل بالصوم و الصلاة .
    و ما أظنه أراد إلا طريقة في دوام الجوع و التهجد ، و ذلك شيء لا يلام تاركه .
    فإن كان يريد ألا يوغل في علوم الحديث ، فهذا خطأ ، لأن جميع أقسامه محمودة .
    أفترى لو ترك الناس طلب الحديث كان بشر يفتي ؟[302]

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •