بسم الله الرحمن الرحيم
--------------------------------------------------------------------------------





نصيحة إلَى فالِحٍ الحربيّ وكتّاب شبكةِ الأثري


أيها المسلمون والمسلمات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله وحده، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالحديثُ معكم هذه الليلة التي هي ليلةُ الجُمُعة الموافق: الرابع عشر من شهر رجب عامَ ستةٍ وعشرين وأربعمائة وألف، أتحدّث إليْكم عن أمرٍ أراهُ هامًّا جدًّا، وما أظنُّكم كنتُم تتصورونَه، وذلكم الأمر هو: نص النصيحة التي كتبتُها إلى الشيخ فالح - أصلح الله حالنا وحاله - بالاشتراك مع كلٍّ مِن فضيلةِ الدكتور (صالح بن سعدٍ السُّحيمي) - الأستاذ المشارك في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية - سابقًا -، والدكتور (مُلفِي بن ناعِم الصّاعِدي) - الأستاذ في كلية القرآن بالجامعة الإسلامية -.

وقبل أن أعرض عليكم النصيحة التي وجّهناها ثلاثتُنا إلى الشيخ فالحٍ - عفا الله عنا وعنه - رأيتُ أن أعرض أمورًا عِدّة:

الأمر الأول: يعلم الله أنه ليس لنا في مناصحةِ الشيخ فالِح الْحَربيّ، وكذلكم الشيخ ربيع بن هادي المدخلي - في ذلكم الوقت - مَقْصِد من المقاصد؛ وإنما قصدُنا أن تخمدَ الفِتنة، ويعود بين الأخوين المحبة، والوئام، والصفاء، واجتماع الكلمةِ على نشر السُّنة، والذبِّ عنها، وعن أهلها؛ أسْوَةً بأهلِ العلم الماضين والمعاصرين في بلدِنا المملكة العربية السعودية، وغيرها من بلاد الإسلام.

الأمر الثاني: لعلكم تذكرون أن "شبكةَ الأثري" نَشَرَتْ رسالتَنا المُتضمِّنة مناصحةَ الشيخ ربيع - حفظه الله -، ولا ندْري كيف وصلتْ إليهم، لكِنّنا جازمون أنّ هذا ضِمنَ حماقاتِهم، وطيشِهم وهَوَجِهم، وسخافاتهم؛ وإلا كَيْفَ يَنْشُرون ما لا يَسُوغُ لهم نشرُه، وقد كانت النّصيحتان سِرّيّتين، وردَدْنا عليها - أعني "شبَكةَ الأثري" - في حينه.

الأمر الثالث: أنّ المُنحازينَ إلَى الشيخِ فالح يرونَه خاليًا مِن الأخطاءِ، ولمْ يتورَّط فيما هو مخالفٌ مَسْلكَ السلفِ الصالح، والعلماءِ الربانيين الذين يَنتَهِجون الحِكْمَةَ، والموعِظةَ الحسنةَ، والمجادَلَة بالتي هي أحسن، ويَرَوْنَ أن أسلوبَه الذي يتضمنُ الجَوْرَ في الأحكامِ أسلوبًا صحيحًا، وأنه لا يستنكرُه عليه أحد!

الأمر (الرابع): أن مِنَ الناس مَن يصف الشيخ فالحًا الحربيّ بأنه عالِم وينبغي أنْ يُرجعَ إليه، إلى غير ذلك من أوصاف التبجيل والثناء. وأنا أعرفُ الشيخ فالحًا منذ أكثر مِن ثلاثين سنةً، أقولها كلمة حق: إنّ الرجلَ عنده علمٌ، وسعةُ اطّلاع، ورغم أنه عنده أهلية للتحقيقِ، ودقّةِ الاستنباط، لكن؛ هلْ أفادتِ الأمّةُ منه ذلك؟! هل ردّ الناشئةَ على ما كان يسوقُه العلماءُ من تربيةِ الناسِ عَلى فقهِ أحكامِ الله من الكتابِ، والسنةِ، وفهمِ السلف الصالح؟! وأنا أتَحَدّى هؤلاءِ أنْ يَأتُوا - دليلا على ما يَصِفونَ بهِ الشيخَ فالحًا، وأنهُ مرجعية - أتحدّاهم أن يأتوا بكتابٍ صغيرٍ أكملهُ الشيخُ فالحٌ خاليًا من السبِّ، والشتمِ، والخروجِ عن تأصيلِ أهلِ العِلم وتقعيدِهِمْ. بل ثبتَ لدينا أنه في دورة (حفر الباطن) - التي تنعقد سَنَوِيّا في جامع معاويةَ بنِ أبي سُفيان - رضي الله عنهما - بإشراف أخينا: الشيخ عبد الله بن صلفيق الظفيري - وبالتحديد في عام ثلاثة وعشرين وأربعمائة وألف -؛ نفّرأربعين طالبًا من تلكم الدورة، وهذا العدد -في ذلكم الوقت - أظنه لا ينقص عن الثلث؛ وذلكم أنه لمْ يسلكْ مَسلكَ شُرّاحِ الحديثِ والفقهاءِ الذين يستنبطونَ الأحكامَ مِن النصوصِ ويَستدِلّون لذلكَ كما يَسلكُ أهلُ العلم، وإنما أمضى الوقتَ فيما كان الناسُ في غِنًى عنه، ولمْ تُعْقد مِن أجْلهِ تِلكم الدورةُ العلميةُ ولا غيرها من الدورات.
وأما الأمر الخامس: إنّ طولَ صَمْتِنا وسُكوتِنا على ما يَصدرُ من الشيخِ فالح - عفا الله عنا وعنه - منَ الجرحِ بغيرِ مُسَوّغ، وعلى المجازفةِ في الأحكامِ هنا رجاء أن يتعقلَ، ويضبطَ لسانَه، ولكنْ دون جدوى!!

لهذه الأمور، وغيرها مما لا يسعُ المقامُ لذكره:
أحببتُ - بل أرى لزاما عليّ أن أعرضَ عليكم نصَّ تلكمُ النصيحة، التي بعثتُ بها وزميلايَ إلى الشيخِ فالحٍ - أصلحَ اللهُ حالنا وحاله، ومآلنا ومآله -. ويعلمُ اللهُ؛ أقولُ لكم - تأكيدًا على ما أسلفتُ - أنه ليسَ لي غرضٌ كشخصٍ في الشيخِ فالحٍ، كما أنه ليسَ لنَا - ثلاثتِنا - غرضٌ في الشيخِ ربيعٍ لذاتِه؛ فنحنُ لا ننحازُ إلى أحدٍ مِنَ الناسِ لذاتِه - بَعْدَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما نَنْحازُ إلى السُّنّة، فمَنْ أظْهَرَها، وناصَرَها، وذبّ عنها؛ فهو مِنّا ومِنْه. وكثيرا ما نمقتُ رجالا على سوءِ أسلوبِهِمْ، وبَذاءَةِ مَنْطِقِهمْ، وجَوْرِ أحْكامِهِمْ - وإنْ كنّا لا نُبَدِّعُهم -؛ ومِنْ أولئك الذين نمْقُتُهم - يَعلمُ الله -: الشيخُ فالحٌ بنُ نافعٍ الحَرْبيِّ.

والشيخُ صالحٌ بنُ سَعْدٍ السَحيمي - حفظه الله - هو موافقٌ لي على نشْرِ هذه النصيحةِ - أعني النصَّ الذي تَتَضَمُّنه رسالتُنا إلى الشيخِ فالحٍ؛ مناصحةً له -. وأمّا ثالثُنا - وهو الشيخُ ملفِي الصّاعِدِي -؛ فَلَمْ أتَّصِلْ به؛ لأنّه ظَهَرَ لِي مِن بَعضِ المُحادثاتِ مَعَهُ: أنه لا يُوافِقُنا على نَشْرِ تِلكمُ الرِّسالةِ؛ لأمر في نفسه، ليس من المناسب هنا أن أذكره. وبعْدَ هذه المقدمةِ وما تضمنَتْه من أمورٍ؛ فإني أعرض على مسامِعِكُم - أيُّها المسلمون والمُسْلمات! - مناصِحَتَنا للشيخ فالحٍ الحربي، ويقرأ النص عليكم: ولدي عبدُ العزيز بنُ عُبيدٍ بنِ عبدِ الله بنِ سُليمانَ الجابريّ، فليتفضلْ - بارك الله فيه -، وأسألكم - بنيّ من المسلمين والمسلمات - أن تدعوا اللهَ له أن يتقبَّلَه بقَبولٍ حَسنٍ، وأنْ يُنبتَه نباتًا حَسَنًا، وأنْ يُوَجِّهَهُ الوِجْهةَ الصّالحة-.



فتَفضّلْ يا عبد العزيز!:
[[ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم، إلى حضرةِ الأخِ في اللهِ: فضيلةِ الشيخِ فالحٍ بنِ نافعٍ الحَرْبيّ - حَفِظه اللهُ وباركَ لهُ فِي عِلمِهِ، وعُمْرِه، وعَمَلِه -: السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاته، أمّا بَعْدُ:
فيَا فضيلةَ الشيخِ! لقدْ كانَ لكمْ جُهودٌ مُبارَكةٌ مَشْكورةٌ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ النبويةِ، والذبِّ عن حِياضِها، وحِمايَة جَنابِها، وجَنابِ أهْلِها، إلى جانبِ إخْوانِكم مِن أهلِ العِلمِ والفضلِ فِي هذا البلدِ المُباركِ الذي أُسِّسَ على التوحيدِ، والسُّنّةِ. ومِنْ أولئكَ الذينَ كانوا رِدْءً لكُم، وكنتم لَهُمْ كذلك: أخوكُم الشيخُ ربيعٌ بنُ هادي المَدْخَلي، ولقدْ كانَ بينكمْ مِن الألْفَة، والأخوّةِ، والمَحبّةِ ما عرفه الخاصُّ والعامّ، وكُنّا طامِعينَ في دَوامِ ذلكَ واستمرارِه؛ لِمَا فيه مِنِ اجتماعِ الكلمةِ على السّنّةِ، ونُصْرَةِ الحقِّ وأهْلِه. إلا أنّه قد حَصَلَ بينكما خِلافٌ على بَعضِ المَسائلِ؛ استَحالَ مِن بَعْضِ الأقْلامِ إلى سَيْلٍ عارِمٍ مِن السِّبابِ، والشتائمِ، والاتّهامِ بمُخالفَةِ أصولِ أهلِ السُّنةِ والجَماعةِ؛ مِمّا أدّى إلى تَفَرُّقِ السّلفِيّين، وتَصَدّعِ صَفِّهِم - إلا مَن رحِمَ الله -، يدركُ ذلكَ مَن تابَعَهُم مِنْ خلال المَوْقِعينِ: "سحاب" و "الأثري"، وهذه النتيجةُ السيّئةُ نعتقدُ أنّكما بريئانِ مِنها، ولا تَرْضَيانِها، وقَدْ أحْبَبْنا الكتابةَ إليْكم؛ لِما لاحَظْناهُ عَلى فضِيلتِكُم، ولِما عَرَفْناه عَنكم مِن سَعَةِ الصَّدْر، وقبولِ النّصح.

وإليْكم هذه الملحوظات:
أولا: سُئلتُم: هلْ يُشترطُ بيانُ أسبابِ الجَرْح؟ فقلتُم: ما يُشترطُ هذا بالنسبةِ لأسْبابِ الجَرْح؛ بيانُ أسبابِ الجَرْحِ والتعديلِ في علم الرواية، وليسَ في كلامِ المُخالفين فِي مناهِجِهِمْ وفي سُلوكيّاتِهم.
ونقول: هذا النفيُ بإطلاقِه ِغيرُ صحيح، وما نظنُّكَ تجهلُ هذا، ولكنْ لم تكنْ العبارةُ دقيقةً شافيةً، والذي نعلمُه - كمَا تعلمُهُ أنتَ -: أنّ الحُكْمَ لا بُدّ أنْ يَستندَ إلى دليلٍ.
وها هُنا حالتان: أولاهُما: فيما يَتعلقُ بجَرحِ الرُّواةِ أو تعديلِهم؛ وهذه قَدْ فُرغَ مِنْها، ودُوِّنَتْ فيها الدواوينُ، وليسَ لنا أنْ نزيدَ على ذلك، ولا نُنقصَ مِنه، بلْ يكونُ النظر في كلامِ الأئِمّةِ، وما قعّدوه في ذلك مِن قواعدَ، وما أصّلوهُ مِن أصول.
ثانيتهما: الحُكمُ على المخالَفةِ والمُخالِف. وهذا مِنْ بابِ الفَتْوى؛ ومعلومٌ أنّ أيّةَ فتْوى لا تستَندُ على دليلٍ؛ باطلةٌ. ومِن هنا نقول: أنّ مَا يردُ من أقوالِ الناسِ وأعْمالِهمْ؛ لا بُدّ مِن عرضِه على النصِّ والإجماع، فمَا وافقَ نصًّا أو إجْماعًا؛ فهو مقبولٌ، وما كان مُخالِفا لأحدِهما أو كِليْهما؛ فهو مردودٌ. وأما المُخالفُ؛ فأحدُ رجلين: رجلٍ كان على السّنّةِ في أصولِه، لكنْ زلّتْ به القدمُ في أمرٍ ما، فهو على السّنّة كمَا كانَ مِنْ سابِقِ عَهْدِهِ، مع ردِّ مخالفَتِهِ، وعَدَمِ مُتابَعَتِه في زلَّتِه؛ فلا يَجوزُ الطعنُ فيهِ، ولا رَمْيُه بالبدعةِ؛ ما لمْ يَتّخِذْ ذلك مَنهجًا يُوالِي ويعادي عليه. ورجلٍ كان في أصولِه على البدعِ، وخالفَ الحقّ - عِنادًا -؛ فهذا مُبتدعٌ، يجبُ الحَذَرُ والتحذيرُ منه؛ ما لمْ يترتبْ على التحذيرِ منه مفسدةٌ أعظم.
وبهذا يُعلم: أنّ مَن طعنَ في واحدٍ من المشهورينَ بالسُّنّة، أو بَدَّعهُ؛ أنّ عليه أنْ يُقيمَ الدليلَ على دَعواه، وإلا عُدَّ ظالمًا له.

ثانيا: يُلاحظُ على بعضِ عباراتٍ لكمْ في وصْفِ بعضِ طلبةِ العِلْم الذين لا يَرَونَ التقليدَ شدّةٌ وقَسْوةٌ غيرُ لائقةٍ؛ نحوَ قولِكم: (هذا نسْفٌ لرسالاتِ الرسُل، ولِمَا أنزلَه اللهُ مِنَ الكُتب)، وقولِكم: (هذا يُكذِّبُ الكتابَ، والسُّنّةَ، وهذا يُكَذِّبُ الإسلامَ)، وعباراتٍ أخرى. ونقول:

1- نحنُ معكَ في أنّ رفْعَ التقليد على الإطلاق غيرُ صحيحٍ، بل نُفَصِّل كمَا فصّلَ أهلُ العلم .

2- وكان ينبغي لكَ: اختيارُعِباراتٍ مناسبةٍ للمقامِ، ليستْ فيها هذه الشدّةُ والقَسْوةُ، بعيدًا عنِ اتّهامِ المُسلمِ بتكذيبِ رِسالاتِ الرُّسُلِ، وما أنزلَ الله مِنَ الكُتب.

3- وكانَ يَنْبَغي لكَ - أيضًا -: أن تُنَبِّهَ هؤلاءِ إلى تَفْصيلِ العُلماءِ في مَسْألةِ التقليد، وعدم ضبط العبارة؛ ممّا أوقعَكم في الطّعْنِ في بَعْضِ إخْوانِكُمْ المَعروفينَ بالسُّنّة، والدّعوةِ إليْها، وقد اتّخذَ مُخالفوكُم ذلكَ سِلاحًا ضِدَّكُم؛ فألَّبُوا عليكم بذلك العامَّ والخاصَّ؛ فَنفرَ عنكم كثيرٌ مِن إخْوانِكم؛ بسببِ هذا المَسلكِ الذي أنْتم في غِنًى عنه. ولسنا مُشَنِّعينَ عليكم رَدَّ الخَطأ، وإنّمَا عَشَمُنا فيكم أن تَتفطّنوا إلى خُطورَةِ هذا الأمرِ الذي لمْ يتركْ لكمْ صَديقًا مِن إخوانِكم المَعروفين بالسُّنَّة.

رابعا: يُلاحظ على فَضِيلتِكم عدمُ التّحَفُّظ في الكلام - سواءً كانَ في الهاتفِ أو في مجالِسِكُم عند مَن يُحْسنُ الفَهمَ ومَنْ لا يُحْسِنُه، وعندَ القريبِ والبعيدِ؛ مما جَعَلَ المُصْطادِينَ في الماءِ العَكِرِ يَتلقَّفونَ تلكَ العباراتِ ويُشِيعونَها حتّى شَوّهُوا صُورتَكُم عندَ الكثير. وإنّا ندعوكَ - يا أخانا الكريم! - إلى حفظِ اللسانِ عن كثيرٍ مِنَ الأمورِ التي تضُرُّ بكمْ وبِدَعْوَتِكم، وإلى مُلاحَظَةِ الفوارقِ بَيْنَ المُسْتَمعين والمُخاطَبين، وإلى شَغْلِ طُلابِكُمْ بالعِلْمِ النافِع الذي يُرَبِّي الأجْيالَ، ويَنْفَعُ الأمَّةَ، ولَسْتُم بِغافلين عن قولِه - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا؛ يُفَقّههُ في الدِّينِ".

خامسا: سُئِلْتُم: ما أدْنى حدٍّ لمُطلقِ الإيمان؛ أي: مَرتبة الظالِم لنفْسِه، وما هو أدْنَى حدٍّ لها؟ فأجبتم: (أدْنى حدٍّ لها: الصلاة، مُخْتَلَفٌ فيها - كما ذكرتُ -، وما عداها فكَوْنُ الإنسان يَنْقُصُ إيمانُه؛ نعم، وقد لا يَبقى عندَه شيءٌ من الإيمان في أدْنى حدّ. أدْنى حَدّ كما نستطيعُ أنْ نُحَدِّدَه ...) إلى آخره.

نقول: ليْستِ العبارةُ بدقيقةٍ، ولا مُنْضَبِطة، ولا نظنُّك تَرتَضيها لو كانتْ مِن غَيرِك. ثم يُستدرك عليها ما يَأتي:

1- كانَ الواجبُ عليك استفصالَ السائلِ عن مرادِهِ بسؤالهِ؛ هل يريدُ بهِ ما يَصِحُّ بهِ الإيمانُ مِنَ العَمل، أو يُريدُ تَعريفَ الإيمان؛ فالسؤال مُحْتَمَل.

2- قولكَ: (الصلاةُ مُختَلَفٌ فيها)؛ مُجْمَل؛ فأنتَ تعلمُ أنَّ مَن تَرَكها جُحُودًا يُكفَّرُ بالإجْماعِ، وأنّ تارِكَها تَهاوُنًا وكَسَلا؛ فيه قولان لأهلِ العِلمِ: التكفِيرُ وعَدَمُه، والراجِحُ: الأول، وكان الواجبُ عليكَ البيانُ والتفصيلُ في المسألة.
أيُّها الشيخُ الفاضل! نكتبُ لكمْ هذهِ المَلحوظاتِ التي نَرى أنَّها أهمُّ ما يَجبُ التنْبيهُ عليه، ونحنُ إذْ نبعثُ إليكمْ هذه الرسالةَ؛ واثِقونَ أنّكم تُدْركونَ تَمامَ الإدْراكِ مَا آلَ إليه حالُ السّلفِيّينَ - إلا مَن رَحِمَ الله - من التّحَيُّزِ، والتّهاجُرِ، والتقاطُعِ، والمُوالاةِ، والمُعاداةِ في الأشخاص؛ وهو عَيْنُ التحَزُّبِ المَقِيتِ الذي طالَمَا حارَبْتُموه أنْتُم وأخُوكُمْ الشيخُ ربيع - من سنين عدة -. ونحن مُتَيَقِّنونَ - إن شاء الله - أنّكم وقّافُونَ عندَ الحَقِّ، لا تَسْتَنْكِفون عنه، ولا تَأنَفُونَ مِنَ الرّجوع إليه، وهذا ما عَرَفْنا عنكم، ونَحْسَبُكم كذلك، واللهُ حَسِيبُكم.

وفي الخِتامِ:
ندْعُوكم - يا فضيلةَ الشيخ! - إلى نَبْذِ الفُرْقةِ والخِلاف، وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، والسّعْيِ حَثيثًا إلى جَمْعِ الكلمةِ؛ لِما في ذلكَ من الخَيْرِ للسّلفِيين - عامّةً وخاصّةً -. ونُحيطُكُمْ عِلْمًا بأنّ هذه الكتابةَ سريةٌ للغايةِ، ولمْ يطّلِعْ عليها سِواكُم، وقدْ كتبْنا لأخيكم الشيخ ربيع ما استدركناه عليه في نصيحة سرية مماثلة. واللهُ يَحفظُكم. والسلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبَركاتُه]].

وأقول: أيها المُسلمونَ والمُسْلِمات! ليست هذه الرسالة حاويةً كلَّ ما سَلكهُ الشيخُ فالحٌ مِن الجَوْر في الأحْكامِ، وسَلاطَةِ اللسان، هذا - أعْني ما اسْتَمْعُتم إليه -؛ هو غيضٌ مِن فَيْض، وما أكثرَ البواقِع!، وما أكثرَ مَا تسلَّطَ به الشيخُ فالحٌ - عفا اللهُ عنا وعنه - بلِسانِه الذي لم يَضْبِطْه، ولمْ يحْفَظْه مِن عِباراتِ التّضليلِ، والتّفْسيق، والتّبْدِيع، بل والتكْفير- (مضيفًا) إلى تشنيعٍ، وسخريَةٍ، وتَهَكُّم -؛ طالتْ تِلْكم - أعني عباراتِ السُّخْريَةِ، والتَّهَكّم، والتَّشْنيع - علماء كبارا؛ مِنهم مَن مات وهو يذبُّ عن السُّنّة ويُناصرُها ويناصرُ أهلها ويَدْعُو إليها، ومِنهم مَن شابتْ لِحاهم وهمْ أحْياءٌ إلى اليوم، وتلكمُ البَواقِعُ التي صَدرتْ عنِ الشيخِ فالحٍ - ولا يَعرفُها كثيرٌ مِن الناسِ -؛ هي مُوَثَّقَةٌ عندنا، وهي أكثرُ مما سَمِعْتُم بكثيرٍ، وسوفَ أنْشُرُها - إن شاء الله تعالى -؛ حينَما تَدْعُو المَصْلحة إلى نَشْر ذلك.
ولكني أدعو الشيخَ فالِحًا، وأدعو "شبكةَ الأثري" أنْ يَتَعَقّلوا، وأن يَنْضَبِطوا، وأدْعو "الأثريّ" - خاصة - أن تتفرغَ لنشرِ العِلمِ والفقهِ في دين الله، وللكِتابِ، والسّنّة، وعلى فَهْمِ السلفِ الصالح. ولْيَعلموا أنه حينما ينْبَري أهلُ السُّنة الذابُّونَ عنْها مواجِهِينَ مَنْ يَتطاوَلُ على علمائِها بِبَذاءَةِ اللسانِ، والسُّخْريَةِ، والتّهكُّم، والجَوْر في الأحكامِ؛ فلنْ يَنفعَ "شبكةَ الأثري" مَن يَؤُزُّهم هنا وهناك - سواءً كان في المُحيطِ أو الخليجِ -؛ فأنِّي أدعوهُم لأن يكونُوا عُقَلاءَ، مُنْصِفِينَ، كَيِّسين، فَطِنين، وأن يَتَذَكّروا أن مِمَّن طالَهم الشيخُ فالحٌ بلسانِه، وجَوْرِ أحْكامِه؛ ستةٌ؛ ضَلَّلَ مِنهمْ مَنْ ضَلَّل، وبَدَّعَ منهم مَنْ بَدَّع، وقَدْ ردَدْتُ عليه في حِينِه بِبَيانٍ، وأظنُّ ذلك كانَ في عامِ أربعةٍ وعشرين وأربعمائة وألف.
ويا ليتَ الشيخَ فالحًا اقتصرَ على هؤلاءِ، لكنْ طالتْ بذاءةُ لسانِه، وسوءِ مَنْطِقِهِ علماءَ كبار- كما أسلفتُ لكم -، ولا آلو جُهْدًا - إن شاءَ الله - في نشرِ تِلكُم (المزالِق) عن الشيخِ فالح. وأظنه؛ أنّ ما من عاقلُ إلا ويُدرِكُ أنّ واحدةً مِنْ تلكم البواقع لو نُشِرَتْ؛ لكانتْ كافيةً في إسْقاطِ عدَالتِه، وخَيْبَةِ مَنْ يُبَجّلونَه، ويَمْنَحونَه عاطِرَ الثناء، ويَنْحازونَ إليه، ولسانُ حالِهم يقول:
وَإنْ أنا إلا مِنْ غُزَيَّةَ إنْ غَوَتْ ** غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غُزَيَّةُ أَرْشُدِ
أو قول القائل:
إذَا قالَتْ حَذامِ فَصَدِّقوهَا ** فَإنَّ القَوْلَ مَا قالتْ حَذامِ

أدْعو كلَّ مُسْلم ومسلمةٍ - يَنْشُدون السُّنَّة بحكمةٍ - إلى أن يتعقّلوا في أمْرِهم، وأن لا يَنْحازوا إلى الأشخاص لِذَواتهم، وإنما يجب عليهم أن تكونَ طُلبتُهم السُّنّة، وأن يَطلبوا - كذلكَ - مَن هُمْ أهلٌ للحِكمة، وحُسْنِ الخِطابِ، وأعِفّاء اللسان.

هذا مَا يسّر اللهُ في هذا المَقام، وما توفيقي - وإياكم - إلا بالله.

وأقول: واللهِ، وبالله، وتالله؛ إني مُشفِقٌ على الشيخِ فالحٍ لِما بَيْننا مِن القَرابةِ فِي النّسِب؛ فلوْ كُنتُ مُتَحَيِّزا؛ لَتحيّزْتُ إليه، وانْحزتُ إليه. ولكني - واللهِ - لا أعرفُ - وللهِ الحمد - سِوَى التحَيُّزُ إلى السُّنَّة، والانحيازُ إليها وإلى أهلها.

وفي الختام أدعو الشيخَ فالحًا مُجَدَّدًا - واشهدوا أيها المسلمون والمسلمات - إلى أن يتوخّى الصدقَ في القَوْل، وحُسْنَ الخِطاب، والعَدْلَ في الأحكام، كما كان العُلماءُ الربانيّون على ذلك.

وفَّقَ اللهُ الجميعَ لِما فيه مَرضاتُه، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا مُحمّد، وعلى آلِه وصَحْبِه أجْمعين.


حَرَّرَهُ أخوكُم في الله:
عبيدٌ بنٌ عبدِ الله الجابريّ
المدَرّس بالجامعةِ الإسلاميةِ سابقا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته