ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. #1

    المذنب إذا أذنب بكبيرة فإنه يكون فاسقاً مؤمناً، للشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-



    المذنب إذا أذنب بكبيرة فإنه يكون فاسقاً مؤمناً


    من شرح العقيدة السفارينية
    للشيخ
    محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ


    قال المؤلف رحمه الله تعالى :
    79- ويفسق المذنب بالكبيرة** كذا إذا أصر بالصغيرة

    80_ لا يخرج المرء من الإيمان** بموبقات الذنب والعصيان

    81- وواجب عليه أن يتوبا **من كل ما جر عليه حوبا

    82-ويقبل المولى بمحض الفصل** من غير عبدا كافرا منفصل

    83- ما لم يتب من كفره بضده** فيرتجع عن شركه وصده

    ________________

    الشرح

    قال المؤلف رحمه الله تعالى :

    ويفسق المذنب بالكبيرة كذا إذا أصر بالصغيرة

    هذا من الأحكام أيضاً ، وهو أمر مهم ؛ لأن الناس تنازعوا فيه ، فابتدعت فيه طائفتان ، وسلمت الثالثة .

    المذنب إذا أذنب بكبيرة فإنه يكون فاسقاً مؤمناً ؛ فيكون فاسقاً بمعصيته ، مؤمناً بإيمانه ، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة ، وهو المذهب الذي تؤيده النصوص ، ويؤيده النظر والعدل ؛ فالعدل أن يعامل كل إنسان بما يستحق ، فلما كان هذا الرجل مؤمناً ، لكنه فعل كبيرة ولم يتب منها ، فهو باق على إيمانه لكنه فاسق بكبيرته ،ويمكن أن نقول : إنه مؤمن ناقص الإيمان ؛ مؤمن بما معه من أصل الإيمان ، ناقص الإيمان بما اقترفه من معصيته ،وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة ، وهو المذهب الحق كما سنذكر إن شاء الله .

    وقالت الخوارج : إنه ليس بمؤمن بل هو كافر ، فإذا زنا فقد كفر ، وإذا سرق فقد كفر ، وإذا قتل نفساً بغير حق فقد كفر ، وإذا عق والديه فقد كفر ، وإذا قطع أرحامه فقد كفر ، وهكذا إذا فعل أي كبيرة صار كافراً خارجاً عن الإيمان ، فإذا كان كافراً خارجاً عن الإيمان ، فإنه إذا مات لا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلى عليه ، ولا يدفعن في مقابر المسلمين ، وحكمه في الآخرة أنه يخلد في النار .

    ووافقتهم المعتزلة على التخليد في النار ، لكن خالفتهم في الحكم في الدنيا ؛
    فقالوا - أي المعتزلة -: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار ، لكنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين ؛ لا نصفه لا بالإيمان ولا بالكفر ، فلا نقول : مؤمن - ولو بقيد النقص - ، ولا نقول : كافر - ولو بقيد أصل الإيمان - ؛ بل نقول : في منزلة بين منزلتين ، وإذا مات فإنه يعامل معاملة المسلمين ؛ لأنه لم يدخل في الكفر ، إلا أنه يخلد في النار .

    إذاً توافق الخوارج والمعتزلة في شيء وتخالفوا في شيء ؛ توافقوا في أحكام الآخرة ؛ فجعلوا فاعل الكبيرة خالداً في النار ، واختلفوا في أحكام الدنيا ؛ فحكمت الخوارج بأنه كافر ، وحكمت المعتزلة بأنه ليس بمؤمن ولا كافر - بل في منزلة بين المنزلتين .

    فعلى رأي الخوارج إذا رأينا فاعل كبيرة فلنا قتله ؛ لأنه مرتد مباح الدم ، وعلى رأي المعتزلة لا نقتله لأنه ليس بكافر ، ولا نكرمه إكرام المؤمن لأنه ليس بمؤمن .


    أما المرجئة فقالوا : إن فاعل الكبيرة مؤمن كامل الإيمان ، ولا يستحق العقاب ، وليس عليه شيء ، ولو زنا وسرق وشرب الخمر وقتل وعق وقطع وغش وكذب ، ما دام أنه مؤمن بالله فهو مؤمن كامل ، إيمانه كإيمان جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم - ونعوذ بالله - وهذا ليس بمعقول ، لكنه مذهبهم .

    ولا يخفى أن الذي يصلح ويناسب الزمان هو ما جاءت به السنة ؛ حيث المعاملة بما يستحقه فاعل الكبيرة ؛ فنقول : هو مؤمن ناقص الإيمان ، أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ، وهذا هو الحق .

    ولهذا قال المؤلف رحمه الله :

    ويفسق المذنب بالكبيرة كذا إذا أصر بالصغيرة

    لا يخرج المرء من الإيمان بموبقات الذنب والعصيان

    قال المؤلف : ( ويفسق المؤمن بالكبيرة ) ،
    والفسق في اللغة : الخروج ، ومنه فسقت الثمرة عن قشرها ، أي برزت وخرجت منه ،
    وفي الاصطلاح : فعل الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة .
    كما قال المؤلف :

    ويفسق المذنب بالكبيرة كذا إذا أصر بالصغيرة

    ( بالصغيرة ) يعني على الصغيرة ،
    فالفسق شرعاً : فعل الكبيرة أو الإصرار على الصغيرة .
    فإذا زنا المرء صار فاسقاً ، وإذا أصر على شرب الدخان صار فاسقاً ، وإذا شرب الخمر مرة واحدة فقط فهو فاسق لأن شربه كبيرة .

    والكبيرة في المعنى ضد الصغيرة ، والميزان في ذلك - كما قال بعض العلماء رحمهم الله - : ما نص الشارع على أنه كبيرة فهو كبيرة ، وما لم ينص عليه فهو صغيرة ،
    فقوله صلى الله عليه وسلم : (( اجتنبوا السبع الموبقات ) ، هذه كبائر ، وقوله : ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ) ، هذه كبائر ، فما نص الشارع على أنه كبيرة فهو كبيرة ، وما لا فلا .

    وقال بعض العلماء رحمهم الله : ما توعد عليه بلعن أو غضب فهو كبيرة.

    وقال آخرون : ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة ، واختلفوا اختلافا كبيراً .

    وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الكبيرة ما رتبت عليها عقوبة خاصة ، وأما ما نهى عنه فقط ، ولم يعين له عقوبة خاصة فهو صغيرة ، ومع ذلك يقول : إن الكبائر تتفاوت ؛ فبعضها أشد من بعض ، وقوله - رحمه الله - أقرب إلى الصواب .

    فمن فعل الكبيرة ولم يتب منها صار فاسقاً ، ومن أصر على الصغيرة -ولم يقلع عنها - صار فاسقاً .

    وقوله : ( ويفسق المذنب ) خلافاً للمرجئة ؛
    لأن المرجئة يقولون : إن المذنب لا يفسق بالكبيرة ولا بالإصرار على الصغيرة ، بل هو مؤمن كامل الإيمان ،
    قال ابن القيم مبيناً مذهبهم :

    والناس في الإيمان شيء واحد كالمشط عند تماثل الأسنان


    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى :

    لا يخرج المرء من الإيمان بموبقات الذنب والعصيان

    أي لا يخرج المرء من الإيمان بفعل الموبقات ،
    والموبقات : هي المهلكات ، وهذا رد على الخوارج والمعتزلة ؛ لأن

    الخوارج والمعتزلة يقولون : إنه يخرج من الإيمان ، لكن الفرق بينهما

    أن الخوارج قالوا : إذا خرج من الإيمان دخل في الكفر ، وليس هناك واسطة ، والمعتزلة قالوا : إذا خرج من الإيمان فهو في منزلة بين منزلتين ، كرجل سار من المدينة يريد مكة فنزل في بدر ، فصار في منزلة بين المنزلتين ؛ ليس من أهل المدينة ولا من أهل مكة ، لكن الخوارج أقرب إلى الصواب منهم حيث قالوا : ليس هناك واسطة ، كما قال الله تعالى : ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ )(يونس: الآية 32) وقال : (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ )(التوبة: الآية 66) ولم يذكر منزلة ، فالمنزلة هذه بدعة مردودة على صاحبها.

    قال رحمه الله :

    وواجب عليه أن يتوبا من كل ما جر عليه حوبا

    ( وواجب عليه ) أي على المرء المذنب ( أن يتوبا ) والألف هنا للإطلاق ، أي لإطلاق الروي ، والروي آخر البيت ، ولولا ذلك لقال : ( أن يتوب ) لأن المتحرك الأخير يوقف عليه بالسكون ، ( من كل ما جر عليه ) أي على الفاعل ، ( حوباً ) أي إثما .

    ومعنى كلام المؤلف رحمه الله أن على الإنسان أن يتوب من كل شيء حصل له به الإثم ؛ إن كان ترك واجب فبفعله ، وإن كان فعل محرم فبتركه ؛ لأن ترك الواجب يجر على الإنسان الإثم ،وفعل المحرم كذلك يجر على الإنسان الإثم .

    والدليل على وجوب التوبة قوله تعالى : ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(النور: الآية 31) وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً )(التحريم: الآية .

    وقوله : ( واجب عليه أن يتوبا ) ، أي : فوراً ؛ لأن الأصل في الواجبات الفورية ، ولأن الإنسان لا يأمن أن يموت ، فقد يأتيه الموت بغتة قبل أن يتوب ، ولو تاب عند الموت لم تنفعه التوبة ، لقوله تعالى : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ)(النساء: الآية 1 .


    وللتوبة شروط خمسة ، هي بالترتيب :
    الإخلاص ، والندم ، والإقلاع ، والعزم على ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى ، وأن تكون في وقت قبولها .

    وليتنبه هنا إلى أن من شروط قبول التوبة : العزم على ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى ،
    وليس الشرط ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى ،
    إذ لو كان الشرط ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى لكان من غلبته نفسه وعاد إلى الذنب ثانياً لم تقبل توبته الأولى ،

    لكن الشرط : العزم على ألا يعود ، فمن غلبته نفسه وعاد إلى الذنب فإن توبته الأولى مقبولة ، ولذلك أن تحقيق هذا الشرط هو العزم على ألا يعود إلى الذنب مرة أخرى .

    قال المؤلف رحمه الله :

    ويقبل المولى بمحض الفضل من غير عبد كافر منفصل

    قوله : ( ويقبل المولى بمحض الفضل ) أي يقبل الله التوبة من الإنسان ، ( بمحض الفضل ) أي بالفضل الخالص المحض ، لأن الله عز وجل هو الذي منَّ عليه أولاً بالتوبة ، فإن توفيق الله العبد للتوبة توبة ، قال الله تعالى : (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا )(التوبة: الآية 11 ،يعني ثم وفقهم للتوبة ليتوبوا ، فالله عز وجل يمن عليك بمحض الفضل أن تتوب ، ثم يمن عليك مرة أخرى بقبول التوبة ، ولو شاء ألا يقبل لم يقبل ، ولكن من فضله ورحمته عز وجل أن من تاب إلى الله تاب الله عليه .

    بل أشد من ذلك وأبلغ أنه يفرح بتوبة عبده ، ويحب توبته ؛ قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)(البقرة: الآية 222) ، ويفرح بتوبة عبده فرحاً أشد من فرح الإنسان الذي أضل راحلته وعليها طعامه وشرابه ، ثم وجدها ، فهذا فرحه لا يوصف ، ومع ذلك فالله يفرح بتوبة عبده المؤمن أشد من فرح هذا الرجل براحلته .

    قال رحمه الله :

    ........................ من غير عبد كافر منفصل

    ما لم يتب من كفره بضده ........................

    الحقيقة أن هذا الاستثناء وهو قوله : ( ما لم يتب ) ، فيه شيء من النظر ؛ لأن كل من تاب تاب الله عليه من أي ذنب كان ، وكلامنا في التوبة ، فإذا تاب تاب الله عليه ولو كان كافراً ، أما إذا مات على المعصية وهي غير كفر ، فهذه هي التي تكون تحت المشيئة ؛ إن شاء الله غفر له وإن شاء عاقبه .

    ثم إن قوله : ( من غير عبد كافر منفصل ما لم يتب ) ، ينطبق على الفاسق أيضاً ، فإن الفاسق لا يقبل الله منه حتى يتوب ، وإلا سيبقى على وصف الفسق .
    إلا إذا كان المؤلف يرد بقوله : ( يقبل المولى ) أي يقبل العبادات من غير الكافر ، فهذا له وجه ، لكنه لا يرد هذا الشيء .

    قوله : ( ما لم يتب من كفره بضده ) وضده الإسلام ، فإذا تاب من كفره بضد الكفر ، فإنه تقبل منه التوبة ، وإن تاب من كفره بكفر آخر فإنه لا يقبل منه ،
    ولذلك قال المؤلف : ( فيرتجع عن شركه وصده ) فإنه حينئذ يقبل الله منه ؛ مثل : لو تاب من نوع الكفر وبقي على النوع الآخر ، فإنه لا يقبل منه ، بل لابد أن يكفر بالجميع ، فلو كان رجل منكرا لشيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وتاب منه لكنه مشرك بالله يعبد الصنم ، فإنه لا يقبل منه حتى يؤمن بكل ما كفر به .

    ولو تاب المسلم من ذنب وهو مصر على آخره ، فإنه تقبل توبته مما تاب منه ؛ لعدم اشتراط ألا يكون مصراً على ذنب آخر ، ولعموم الآيات في القرآن الكريم ، وكذلك الأدلة من السنة ، فكلها تدل على أنه إذا تاب من الذنب تاب الله عليه .

    وقال بعض العلماء : إنه إذا كان الذنب الذي أصر عليه من جنس الذنب الذي تاب منه ، فإنها لا تقبل توبته ، وإذا كان من غير جنسه قبلت ، لكن الصحيح أنها تقبل .

    وذهب بعض العلماء إلى أن التوبة لا تقبل حتى يقلع عن جميع الذنوب ، ولذلك أضافوا شرطاً سادساً إلى الشروط الخمسة ، وهو : أن يقلع عن جميع الذنوب وليس عن الذنب الخاص ، بل عن كل الذنوب ، وبناء على هذا القول فلو تاب من ذنب وهو مصر على آخر فإنه لا تقبل توبته .

    مثال ذلك : إذا تاب رجل من الزنا لكنه يشرب الخمر ، فعلى هذا الرأي لا تقبل توبته من الزنا ؛ لأنه لو كان صادقاً ما عصى الله ، ولو كان صادقاً في التوبة والرجوع إلى الله ما عصى الله بالذنب الآخر . ولو تاب من الربا لكنه يغش الناس ، فإنه لا تقبل توبته على هذا الرأي ، ولكن الصحيح أنها تقبل.

    ولكن يقال : أما التائب التوبة المطلقة فهذا لابد لتوبته من أن يكون مقلعاً عن جميع الذنوب ، وأما التوبة الخاصة المقيدة فإنها تصح من ذنب مع الإصرار على غيره ، إذاً فالمدح بالتوبة لا يكون إلا لمن أقلع عن جميع الذنوب ، وأما التقييد فيصح من ذنب ولو مع الإصرار على آخر ، فالذي تاب من الزنا لكنه يشرب الخمر ، لا يصح أن نصفه بأنه تائب على سبيل الإطلاق ، لكن نقول : إنه تائب من الزنا - مقيداً - ، فلا يصح الوصف المطلق الذي يمدح به التائب ، وإنما يمدح بقدر ما حصل منه من توبة فقط .

    ---------------------
    المصدر

    موقع الشيخ العثيمين ـ رحمه الله ـ

    التعديل الأخير تم بواسطة ; 21-Feb-2010 الساعة 03:37 AM سبب آخر: تعديل في العنوان

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2009
    الدولة
    الأرض المقدَّسة
    المشاركات
    217

    افتراضي

    رحم الله فضيلة الشيخ العثيمين

    وجزاه عنا وعن جميع المسلمين خير الجزاء

    اللهم إني أستغفرك و أتوب إليك

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •