بسم الله الرحمن الرحيم

تحذير المصلّين
من قطع الصّفّ بالأساطين

إنّ الحمد لله ؛ نحمده ، و نستعينه ، و نستغفره .
و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، و من سيّئات أعمالنا .
من يهده الله فلا مضلّ له .
و من يُضلل فلا هادي له .
و أشهد أن لا إله إلاّ الله ؛ وحده لا شريك له .
و أشهد أنّ محمّداً عبده و رسوله .

أمّا بعد :

فإنّ أصدق الحديث كلام الله - سبحانه - ، و خير الهدي هدي محمّدٍ – صلّى الله عليه و على آله و سلّم - ، و شرّ الأمور محدثاتها ، و كلّ محدثةٍ بدعة ، و كلّ بدعةٍ ضلالة ، و كلّ ضلالةٍ في النّار .

أمّا بعد :

فإنّه وقع الخلاف في مساجد المسلمين في حكم الصّلاة في الصّفوف المقّطّعة بالسّواري ، و المنبر الطّويل ، و المدافيء ، و الأساطين ؛ فانتصر لشرعيّته ناسٌ من الحزبيّين الحركيّين ؛ فرأيت - مستعيناً بالله العظيم - أن أرقم نصيحةً للمصلّين ؛
تحذيراً من هذا الشّرّ الجسيم ، و نصرةً لسنّة خاتم المرسلين - صلّى الله و سلّم عليه و على آله و صحبه أجمعين - .

فأقول - و بربّي أصول و أجول - :

[ أوّلاً ] :

1- عن معاوية بن قُرّة بن إياسٍ الُمزنيّ ؛ عن أبيه - رضي الله عنه - ؛ قال : (( كنّا نُنهى أن نصفّ بين السّواري على عهد رسول الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم - ونُطرد عنها طرداً )) .

و في روايةٍ : (( كنّا نُنهى عن الصّلاة . . . )) .

و في أخرى : (( كنّا على عهد رسول الله - صلّى الله عليه و على آله و سلّم - نُطرد طردًا أن نقوم بين السّواري في الصّلاة )) .

- أخرجه ابن ماجه ، و ابن خزيمة ، و ابن حبّان ، والحاكم ، و الطّبرانيّ ، و البيهقيّ ، و الطّيالسيّ ، و الدّولابيّ - رحمهم الله - ، وغيرهم .

- وهو حديثٌ صحيح ؛ ثبّته ابن خزيمة , وابن حبّان , و صحّحه الحاكم , و وافقه الذهبيّ ، و شيخنا الألبانيّ - يرحمهم الله - وغيرهم .

2 - قال أنسٌ - رضي الله عنه - : (( كنّا نتّقي هذا - [ أي : الصّلاة بين السّواري ] - على عهد رسول الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم - )).

- أخرجه أحمد ، و النّسائيّ ، وأبو داود ، والتّرمذيّ ، و ابن خزيمة ، و ابن حبّان ، و الحاكم ، و عبد الرّزّاق ، و ابن أبي شيبة ، و البيهقيّ - رحمهم الله - ، وغيرهم .

- وهو حديثٌ صحيح ؛ ، ثبّته ابن خزيمة ، وابن حبّان ، و صحّحه الحاكم ، و الذّهبيّ ، و الحافظ ابن حجر ، وقال التّرمذيّ : (( حسنٌ صحيح )) ، وحسّنه السّيوطيّ ، وصحّحه شيخنا الألبانيّ ، و غيرهم - أيضا - .

- وقد جاء حديث أنسٍ - رضي الله عنه - بلفظ : (( ُنهينا أن نصلّيَ بين الأساطين )) .

- أخرجه ابن أبي شيبة - رحمه الله - ؛ وهو صحيح .

3 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - ؛ أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم - قال : (( . . . من وصل صفّاً وصله الله ، ومن قطع صفّاً قطعه الله )) .

- أخرجه أحمد ، و النّسائيّ ، و أبو داود ، و ابن خزيمة ، و الحاكم ، و البيهقيّ - رحمهم الله - ، وغيرهم .

- وهو حديثٌ صحيح ؛ ثبّته ابن خزيمة ، و صحّحه الحاكم ، والمنذريّ ، والذّهبيّ ، وابن حجر ، و السّيوطيّ ، و حسّنه النّوويّ ، و صحّحه شيخنا الألبانيّ ، و أحمد شاكر - رحمهم الله - ، وغيرهم .

[ ثانياً ] :

النّهي السّابق يفيد التّحريم ؛ لقوله - تعالى - : } وما آتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا { [ الحشر : 7 ] ؛ فكيف و قد انضاف إلى ذلك ما استفاض عن النّبيّ - صلّى الله عليه و على آله و سلّم - من الأمر بتسوية الصّفوف ، و النّهي عن قطعها ، و الدّعاء على فاعل ذلك بأن يقطعه الله - سبحانه - ، و الوعيد الشّديد على فعله ؟!.

هذا مع دعوة الإسلام إلى الاجتماع ، و التّراص الظّاهر و الباطن ، و دلالة الكتاب و السّنّة على ارتباط الظّاهر بالباطن ؛ فتفرّق الظّاهر دليلٌ على تفرّق الباطن ، و انقطاع أواصر الظّاهر دليل ذلك في الباطن ؛ و هذا لا نزاع في حرمته .

- وقد ذهب إلى حرمة هذا الأمر كثير ٌمن أهل العلم ؛ فهم :

- ثلّةٌ من فحول الأئمّة صرّحوا بوجوب تسوية الصّفوف ، و حرمة ما ينقضها - كقطع الصّفّ و نحوه - .

- و ثلّةٌ أخرى صرّحوا بالتّحريم في خصوص مسألة الصّلاة بين الأساطين و السّواري .

- فأماّ الأُوَل ؛ فمنهم : عمر - رضي الله عنه - ؛ إذ كان يضرب الأقدام لتسوية الصّفّ ؛ و ما كان ليضرب أحداً ، و يستبيح بشرةً محرّمةً على غير فرض ، و كذلك كان يفعل بلالٌ - رضي الله عنهما - ؛ يفعلانه بحضرة الصّحابة ؛ و لا ينكر عليهما أحد ، و هو قول أنسٍ - أيضاً - ، و غيرهم من الصّحابة . و هذا قول سعيدبن جُبير ، و عطاء ، و غيرهم .

- و به يقول : البخاريّ ، و ابن خزيمة ، و ابن حزم ، و شيخ الإسلام ، و ابن حجر ، و المنذريّ ، و النّوويّ ، و الشّوكانيّ ، و الصّنعانيّ ، و الألبانيّ - رحمهم الله - ، و غيرهم .

- و أمّا الثّلّة الثّانية ؛ فمنهم : أنس بن مالك ، ورُوي عن : ابن مسعود ، وحذيفة ، وابن عبّاسٍ - رضي الله عنهم - .

- ولا يُعلم لهم مخالفٌ في الصّحـــابة - كما قال ابن سيّد النّاس - رحمه الله - - .
- وذهب إلى النّهي - أيضاً - : إبراهيم النّخعيّ ، والإمام أحمد بن حنبل - و هو مذهبه - ، و إسحاق بن راهويه - رحمهم الله جميعاً - ، وطائفةٌ من أهل الحديث ؛ كالبخاريّ ، و التّرمذيّ ، و ابن خزيمة ، و ابن حبّان ، و البغويّ ، و البيهقيّ ، ، و ابن حجر ، و السّنديّ ، و المباركفوريّ ، و شرف الحقّ العظيم آباديّ ، و الألبانيّ ، وغيرهم - رحمهم الله - .

و من الفقهاء : ابن حبيب ، و ابن العربيّ ، و المحبّ الطّبريّ ، و ابن قدامة .

- وقال الشّوكاني - عفا الله عنّا و عنه - عن حديثي قرّة وأنس : (( ... و الحديثان المذكوران في الباب يدلاّن على كراهة الصّلاة بين السّواري ؛ و ظاهر حديث معاوية بن قرّة عن أبيه ، و حديث أنسٍ - الّذي ذكره الحاكم - أنّ ذلك محرّم )) .

[ ثالثاً ] :

- مثل سواري المسجد في الحكم : المدافئ ، وخِزانات المصاحف ، والمنبر الطّويل ، ونحو ذلك .

- و علّة الحكم هي القطع ؛ فأمّا الإمام ، و المنفرد ، و الصّفّ القصير - قدر ما بين السّاريتين - فلا يدخل في هذا الباب .

- و لا يحلّ لمن جاء فرداً و الصّفوف ممتلئةٌ ، و لا للجماعة إنشاء الصّفّ المقطوع بالسّواري و الأساطين .

- و لا يحلّ الالتحاق به - أيضاً - ؛ بل يصلّون في صفٍّ جديدٍ ؛ و لو كان الرّجل وحده ؛ لكنّ المنفرد إن استطاع أن يجذب رجلاً أو أكثر من الصّفّ المقطوع ليصلّوا - معه - في صفّه الجديد فإنّ ذلك يلزمه .

- و من هذا يُعلم أنّ الصّفّ الأوّل الفاضل هو أوّل صفٍّ متّصلٍ - كما قال سفيان الثّوريّ ، و غيره - ؛ و أمّا المنقطع ففي حكم الملغى .

- هذا و يخرج الحكم عن التّحريم إلى الجواز في حالة الضّرورة ؛كامتلاء المسجد ... ؛ فهنا عليه أن يتقدّم أو يتأخّر - عن الأساطين - ؛ فإمّا ... ؛ و إلاّ ... ؛ و إنّا لله و إنّا إليه راجعون ( ! ) .

[ رابعاً ] :

- أمَا و قد عرفنا حرمة الصّلاة في الصّفوف المقطّعة ؛ فهل هي ( صحيحةٌ مع الإثم ) ؛ أم أنّها باطلة ؟!.

- فأقول – سائلاً مولاي السّداد و التّوفيق - :

ليست الصّلاة في الصّفوف المقطّعة باطلة ؛ و قد ذهب إلى بطلان ذلك لمنافاته تسوية الصّفوف (( منجنيق الغرب )) ابن حزمٍ - عفا الله عنّا و عنه - ؛ و ردّ عليه ذلك ابن حجرٍ في " الفتح " ، و السّيوطيّ في " بسط الكفّ " ؛ و لا مكان - في هذه العُجالة المعدّة لتُعلّق في بعض المساجد - لنقض قوله ، و بيان وهيه .

[خامساً] :

- وبعد هذا البيان ؛ فإنّا ناقلون قول بارينا - عزّ وجلّ و علا - : { فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنةٌ أو يصيبهم عذابٌ أليم } [ النّور : 63 ] ، و قولـه - سبحانه - : { فلا و ربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهـم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليما } [ النّساء : 65 ] .

- فلا يجوز لمسلمٍ يخاف الله - عزّ و جلّ - ، ويعلم أنْ سيموت أن يقدّم عقله على دين الله - سبحانه وتعالى - ، ولا يحلّ لامرئٍ تقديم إرثه عن آبائه وأجداده ، أو تعصّبه لقول رجلٍ - أيٍّ كان - على حديث حبيبنا و هادينا محمّدٍ - عليه و على آله الصّلاة و السّلام - .

فاعجب و امتلئ عجباً ممّن يريد ( الجهاد ) ؛ و لا يستطيع مجاهدة نفسه ؛ لتنفيذ أمرٍ ، أو امتثال نهيٍ نبويّ ( !!! ) .

و لله درّ القائل :

إذا رُمـت أن تتـوخّى الهـدى .... و أن تــأتيَ الـحقّ من بابــه
فـدع كـلّ قـولٍ و من قـاله .... لقول الـنـّبيّ و أصـحـابـه
فلـن تنجُ من مـحدثات الأمور .... بـغـير الـحديث و أربـابـه

و الله أعلم .

و الحمد لله ربّ العالمين .

و كتب :
ــــــــــــ
أبو عبد الرّحمن الأثريّ
معــــاذبن يوســــــف الشّمّريّ
- وفّقه مولاه -
في : الأردن - إربد - حرسها الله - ،
في : 25 - ذو القعدة - 1418 هـ .

الرابط: http://www.alsonan.net/vb/showthread.php?t=424