ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 4 من 4
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    1,442

    افتراضي العنوان :التمسك بالكتاب والسنة في تاريخ ملوك المغرب ونتائجه الحسنة لشيخ محمد تقي الهلالي رحمه الله

    العنوان :التمسك بالكتاب والسنة في تاريخ ملوك المغرب ونتائجه الحسنة
    الشيخ العلامة
    محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله

    كل من نظر في تاريخ الدولة المغربية منذ نشأتها على يد إدريس الأول رحمه الله إلى دولة جلالة الحسن الثاني أيده الله وسدد خطاه، يجد أن العز والنصر والسعد والإقبال كلها مقرونة بالتمسك بالكتاب والسنة علما و تعليما وعملا وتحكيما و متابعة. وسأذكر هنا نموذجا لذلك, ليكون القارئ على بصيرة واطمئنان بالدليل القاطع والبرهان الساطع.
    قال أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، في كتاب الإستقصا أثناء الكلام في دولة أمير المؤمنين ابن علي الكومي رحمه الله في الجزء الثاني صفحة 127- مطبعة الدار البيضاء سنة 1954 م, الموافق لسنة 1374 هـ تقريبا ما نصه: ولما كانت سنة خمسين وخمسمائة أمر أمير المؤمنين عبد المومن بن علي بإصلاح المساجد وبنائها في جميع ممالكه وبتغيير المنكرات ما كانت وأمر مع ذلك بتحريق كتب الفروع ورد الناس إلى قراءة كتب الحديث واستنباط الأحكام منها وكتب بذلك إلى جميع طلبة العلم من بلاد الأندلس والعدوة فجزاه الله خيرا...

    وقول المؤلف المذكور بعد نقل هذا الخبر ( فجزاه الله خيرا) يدل على استحسانه لذلك مع أنه كان يعيش في العقد الثاني من هذا القرن الرابع عشر. ومع ذلك نعلم أن المحبين لاتباع الكتاب والسنة و نبذ آراء الرجال غير المعصومين لم يخل منهم زمان وإن كان عددهم قليلا في العصور المتأخرة. وسأنقل من كلام الإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي الذي شرح كتاب الموطأ لإمام مالك رحمه الله ثلاثة شروح شرح مطول. وشرح متوسط, وشرح مختصر. و الشرح المطول هو كتاب «التمهيد» الذي أمر بطبعه جلالة الملك الحسن الثاني وفقه الله. وقد طبع منه إلى الآن ستة من المجلدات، لا يزال طبعه جاريا ببطء شديد يتأسف له. وهذه مزية عظيمة ادخرها الله تعالى لجلالة الملك الحسن الثاني. ولم يوفق لها أي ملك قبله. وقد مضى على تأليف هذا الكتاب أكثر من تسع مائة وخمسين سنة. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. أقول سأنقل من كتاب الإمام ابن عبد البر الذي سماه جامع بيان العلم و فضله، من الأدلة وكلام الأئمة ما يؤدي ما فعله الملك عبد المؤمن بن علي رحمه الله حتى يتبين للقارئ الكريم أنه الحق المبين، الذي لا تسعد أمة مسلمة بدونه.
    قال الحافظ ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله في الصفحة 32 من الجزء الثاني بسنده المتصل إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "إنما هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن قال بعد ذلك شيئا برأيه فما أدرى أفي حسناته يجده أم في سيئاته".
    ثم روى بسنده إلى المزني والربيع بن سليمان، قالا، قال الشافعي ليس لأحد أن يقول في شيء حلال ولا حرام إلا من جهة العلم. وجهة العلم ما نص في الكتاب أو السنة أو في الإجماع أو القياس على هذه الأصول ما في معناها. قال: قال أبو عمر بن عبد البر: أما الإجماع فمأخوذ من قول الله: « ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا» لأن الاختلاف لا يصح مع هذا الظاهر. وعندي أن إجماع الصحابة لا يجوز خلافهم. والله اعلم. لأنه لا يجوز على جميعهم جهل التأويل. وفي قوله تعالى: « وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس » دليل على أن جماعتهم إذا اجتمعوا حجة على من خالفهم. كما أن الرسول حجة على جميعهم. ودلائل الإجماع من الكتاب والسنة كثيرة ليس كتابنا هذا موضعا لتقصيها. وبالله التوفيق.
    يقول كاتب هذا المقال، ويؤيد ما قاله الحافظ ابن عبد البر، في إجماع الصحابة قوله تعالى في سورة التوبة رقم 100: « والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم». وقال بعض الأئمة شعرا:
    العلم قال الله ورسولــــه
    قال الصحابة ليس خلف فيــه
    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة
    بين الرسول و بين قول فقيــه
    ثم قال أبو عمر في الجزء الثاني من الكتاب المذكور صفحة 133 باب فساد التقليد ونفيه والفرق بن التقليد والاتباع. قد ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه، فقال: « اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله». وروى عن حذيفة وغيره قالوا لم يعبدوهم من دون الله. ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم.
    وقال عدي بن حاتم، أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب فقال لي ( يا عدي الق عنك هذا الوثن من عنقك) وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية : « اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله » قال: قلت: يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا. قال بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه و يحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه. فقلت بلى، فقال تلك عبادتهم.
    ثم روى بسنده إلى أبي البختري في قوله عز و جل« اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله » قال، أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم و لكنهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه وحرامه حلاله فأطاعوهم وكانت تلك الربوبية». وقال عز وجل « وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبائكم» فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء فقالوا« إنا بما أرسلتم به كافرون».
    وفي هؤلاء و مثلهم قال الله عز جل « إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون». وقال: « إذ تبرا الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب و تقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا أو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم». وقال عز وجل عائبا لأهل الكفر وذاما لهم :" ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون وقال إنا أطعنا سادتنا و كبرائنا فأضلونا السبيلا " ومثل هذا في القرآن الكريم كثير في ذم تقليد الآباء والرؤساء وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد. ولم يمنعهم كفر أولئك في الاحتجاج بها. لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر. وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد. كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب فقلد آخر في مسألة دنياه فاخطأ وجهها كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه، و قال الله جل وعز: « وما كنا الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون». وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا، فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك، ثم روى أبو عمر بسنده إلى كثير بن عبد الله بن عمر بن عوف المزني عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: « تركت فيكم أمرين: لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله ». وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما قد ذكرناه أنه قال: « تذهب العلماء ثم تتخذ الناس رؤساء جهالا يسألون فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون» وهذا كله نفي للتقليد وإبطال له لمن فهمه وهدي لرشده.
    وعن سفيان بن عينية، قال: اضطجع ربيعة مقنعا رأسه وبكى. فقيل له ما يبكيك؟ فقال رياء ظاهر، وشهوة خفية والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم وما نهوهم عنه انتهوا وما أمروهم به ائتمروا. وقال أيوب رحمه الله: ليس تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره. وهذا كله لغير العامة فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك ، لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها. وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة والله اعلم.
    ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المرادون بقول الله عز و جل: "فاسألوا أهل إن كنتم لا تعلمون"وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه . فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه. وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لهم الفتيا وذلك والله أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم وقد نظم في التقليد وموضعه أبياتا رجوت في ذلك جزيل الأجر لما علمت أن من الناس من يسرع إليه حفظ المنظوم ويعتذر عليه المنثور وهي من قصيدة لي:
    يا سائلي عن موضع التقليد خـذ
    مني الجواب بفهم لب حاضـر
    وأصغ إلى قولي ودن بنصيحتي
    واحفظ علي بوادري و نوادري
    لا فرق بين مقلد وبهيمــــة
    تنقاد بين جنادل ودعاثـــــــر
    تبا لقاض أو لمفت لا يـــرى
    عللا ومعنى للمقال السائــــر
    فإذا اقتديت فبالكتاب و سنة المــ
    ـبعوث بالدين الحنيف الطاهــر
    ثم الصحابة عند عدمك سنـــة
    فأولاك أهل نهى وأهل بصائـر
    وكذلك إجماع الذين يلونهـــم
    من تابعيهم كابرا عن كابــــر
    إجماع أمتنا و قول نبينـــــا
    مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر
    وكذا المدينة حجة إن أجمعـوا
    متتابعين أوائلا بأواخــــــر
    وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد
    ومع الدليل فمل بفهم وافــــر
    وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس
    فرعا بفرع كالجهول الحائـــر
    والشر ما فيه – فديتك – أسوة
    فانظر ولا تحفل بزلة ماهــــر
    وأريد أن أشرح هذه الأبيات، لأن بعض القراء يعسر عليه فهمها:
    يا سائلي عن موضع التقليد خـذ
    مني الجواب بفهم لب حاضـر
    المعنى أيها السائل عن التقليد بالنسبة إلى المفتي العالم بالأدلة الشرعية والمستفتي الجاهل العامي العاجز عن معرفتها خذ مني جوابا شافيا، وتأمله بقلب وفهم حاضر غير غافل.
    وأصغ إلى قولي ودن بنصيحتي
    واحفظ علي بوادري و نوادري
    معنى أصغ، استمع، ودن بنصيحتي، اتخذها دينا تدين الله به. واحفظ علي بوادري، قال صحاب القاموس البادرة ما يبدر من حدتك في الغضب من قول أو فعل، والمراد بالبوادر هنا أقوال الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر في حدة غضبه على المفتي بالتقليد،والنوادر الفوائد التي يندر وجودها، أي يقل.
    لا فرق بين مقلد و بهيمــــة
    تنقاد بين جنادل ودعاثــــر
    يقول الحافظ لا فرق بين بهيمة يقودها صاحبها وحيث شاء لا إرادة لها ولا علم لها أين يذهب بها فكذلك المقلد الذي عجز عن معرفة الحكم وعميت بصيرته عن استنباطه من أدلة الكتاب والسنة فسأل غيره من أهل العلم فأفتاه فأخذ الفتوى وعمل بها وهو جاهل بدليلها. والجنادل جمع جندل بفتح فسكون ففتح هو ما يحمله الرجل من الحجارة قاله في القاموس والدعاثر جمع دعثور بحذف الياء وهو المكان المحفور.
    تبا لقاض أو لمفت لا يـــرى
    عللا ومعنى للمقال السائــــر
    التب والتباب الهلاك، والمراد هنا المفتي بلا دليل بل بمجرد التقلد والقاضي الذي يصدر الأحكام في الدماء والأموال و الفروج وهو لا يعلم دليها.
    فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة المــ
    ـبعوث بالدين الحنيف الطاهــر
    يقول يجب عليك أيها المفتي أو القاضي ألا تفتي ولا تقضي إلا بدليل من الكتاب والسنة أو منهما جميعا.
    ثم الصحابة عند عدمك سنـــة
    فأولاك أهل نهى وأهل بصائـر
    يقول إذا لم تجد دليلا لا في الكتاب ولا في السنة ووجدت الصحابة قد اتفقوا على حكم أو أفتى به جماعة منهم ولم يخالفهم غيرهم فإياك أن تخالف إجماعهم فإنه حجة. قال الله تعالى في سورة التوبة:« والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم». وقد تقدمت هذه الآية أما إذا اختلف الصحابة فمن بعهدهم، فالواجب بذل الجهد في الترجيح بالدليل لا بالتقليد وأراء الرجال غير المعصومين من الخطأ.
    وكذلك إجماع الذين يلونهـــم
    من تابعيهم كابرا عن كابـــر
    يقول كذلك إجماع السلف من أئمة التابعين ومن بعدهم حجة.
    إجماع أمتنا وقول نبينـــــا
    مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر
    يقول كما أن نصوص الكتاب العزيز وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة فكذلك إجماع الأمة أي إجماع علمائها الذين يحكمون بالأدلة لا المقلدين فإنهم ليسوا من العلماء كما تقدم.
    وكذا المدينة حجة أن اجمعـوا
    متتابعين أوائلا بأواخـــــر
    يقول وكذلك إجماع علماء المدينة من الصحابة والتابعين وتابعيهم إذا لم يوجد نص من الكتاب أو السنة حجة وهذا أحسن ما قيل في عمل أهل المدينة.
    وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد
    ومع الدليل فمل بفهم وافــــر
    يقول وإذا اختلف الأئمة في مسألة فابذل جهدك في ترجيح أحد القولين أو الأقوال بالدليل لا بالتقليد والتعصب.
    وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس
    فرعا بفرع كالجهول الحائـــر
    يقول : وإذا اضطررت إلى القياس عند فقدك نص القرءان أو السنة أو الإجماع فقس الفروع على الأصول، والمراد بالأصول آيات القرءان و الأحاديث الصحيحة أو الحسنة، والمراد بالفروع ما أفتى به أحد الأئمة بلا دليل . مثال ذلك، إخراج صدقة الفطر من الأرز في شرقي الهند وما بعده إلى الصين واليابان فهو فرع، و الأصل حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة متفق عليه.
    وعن أبي سعيد الخدري قال: كنا نعطيها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب متفق عليه. وفي رواية أو صاعا من لقط، قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت، أخرجه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأبي داود لا أخرج أبدا إلا صاعا، والمراد بالطعام هنا البر. وقول أبي سعيد، أما أنا فلا أخرج إلا صاعا رد على من قال في أول عهد بني أمية أن نصف صاع من بر يعدل صاعا من شعير. فقياس الأرز على هذه الأصناف في البلاد التي يكون غالب قوتها منه قياس فرع على أصل فإن المراد بزكاة الفطر إغناء المساكين عن الطواف على البيوت لسؤال الطعام. وفي البلاد التي تقدم ذكرها لا يغني المساكين ويشبعهم إلا الأرز. والأقط، هو اللبن المخيض مجففا يابسا، وشرح ذلك أن اللبن الحليب إذا كثر عند أهل البادية يجعلونه رائبا ثم يضعونه في الشكوة وهي وعاء من جلد مدبوغ لا شعر فيه ولا صوف يمخض فيها اللبن حتى تجتمع الزبدة فتخرج من اللبن و يكون معدا للشرب فإذا زاد عن الحاجة طبخ في قدر فيتميز اللبن وينعقد ويخرج ما يتولد منه من الماء فذلك اللبن المتكتل هو الأقط وإذا زاد عن الحاجة يوضع في الشمس حتى ييبس فذلك هو الأقط المذكور. في حديث أبي سعيد الخدري و في بادية نجد يقدمونه للضيف مع السمن المذاب فيكون بدلا من الخبز عندهم وإنما يعيشون باللبن المخيض المنزوع الزبدة حتى إذا جاءهم ضيف عزيز ذبحوا له شاه وطبخوا الأرز وجعلوه مع اللحم مشويا أو مطبوخا فتلك الضيافة الكبرى عندهم، وهم أقوياء الأبدان، رأيت الشيوخ البالغين من العمر ستين سنة لا يرضون أن ينيخوا البعير ليركبوه بل يثبون عليه وثبا فيجلس أحدهم على ظهره.
    والشر ما فيه – فديتك – أسوة
    فانظر ولا تحفل بزلة ماهــــر
    يقول: إن التقليد في الدين شر، فلا تقلد بأهله وإذا زل العالم المتبحر في العلم وتبين خطأ ما ذهب إليه فلا تتبعه في زلته تقليدا بل انظر في الأدلة ورجح ما رجحه الدليل. انتهى شرح القصيدة.
    ثم روى أبو عمر بن عبد البر رحمه الله بسنده المتصل عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه، ومن أفتى بفتيا عن غير تثبت فإنما إثمها على من أفتاه.
    ثم قال أبو عمر وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدم فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني رحمه الله. وأنا أورده. قال : يقال لمن حكم بالتقليد. وإن قال حكمت فيه بغير حجة قيل له فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة، قال الله عز و جل «هل عندكم من سلطان بهذا» أي من حجة بهذا، قال فإن قال أنا أعلم أني قد أصيب وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كبيرا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي.
    قيل له إذا جاز لك تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فقلد معلم معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك. فإن قال نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه. وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن أبى ذلك نقض قوله وقيل له كيف تجوز تقليد من هو أصغر منك وأقل علما ولا يجوز تقليد من هو أكبر و أكثر علما؟ وهذا متناقض. فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه. فهو أبصر بما أخذ و أعلم بما ترك قيل له وكذلك من تعلّم من معلمك فقد جمع علىم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من فوقه إلى معلمك فإن أعاد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله. والأعلى الأدنى أبدا. وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحا وفسادا.
    قال أبو عمر وقال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو به. فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا والمقلد لا علم له، ولم يختلفوا في ذلك، ومن ههنا والله أعلم، قال البختري:
    عرف العالمون فضلك بالعــ
    ــلم وقال الجهال بالتقليــد
    وأرى الناس مجمعين علــى
    فضلك من بين سيد و مسود
    أقول وصاحب الجلالة ملكنا الحسن الثاني أدام الله توفيقه للخير وأعانه عليه جدير بأن ينسج على هذا المنوال وبذلك يحي سنة جده المصطفى صلى الله عليه وسلم. ويعيد للشريعة الغراء عزها ونصرها وفي ذلك سعادة العاجل والآجل له ولشعبه ولجميع المسلمين. حينئذ ينشد قول الشاعر:
    لسنا وإن أحسابنا كرمـــت
    يوما على الأحساب نتكــــل
    نبني كما كانت أوائلنا تبنـــي
    ونفعل مثل ما فعلـــــــــــــوا
    مكناس : محمد تقي الدين الهلالي



    منقول من موقع الشيخ حفظه الله






    التعديل الأخير تم بواسطة ; 18-Jan-2014 الساعة 01:07 AM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    1,442

    افتراضي رد: العنوان :التمسك بالكتاب والسنة في تاريخ ملوك المغرب ونتائجه الحسنة لشيخ محمد تقي الهلالي رحمه الله

    نبذة مختصرة عن الخطبة : فهذه خطبة السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل المغربي العلوي, وفيها كثير من الانتصار للسُّنة ومحاربة بدع الطوائف الضالة, وهي جيش من جيوش التوحيد والسُّنة لتطهير العقول من الشرك والبدعة, وتوجيههم لاتِّباع الكتاب والسُّنة, إذ لا صلاح ولا فلاح للمسلمين إلا بذلك.

    خطبة السلطان المولى سليمان العلوي
    - رحمه الله -
    خطبة السلطان المولى سليمان العلوي


    مقدمة الخطبة
    بقلم :
    الدكتور محمد تقي الدين الحسيني الهلالي
    الحمد لله القائل ، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ، وصلي اللهم على عبدك ورسولك محمد النبي المختار ، وعلى آله وأصحابه الأبرار وعلى من اتبعهم بإحسان من المؤمنين الأخيـار .
    أما بعـد :

    فيقول أفقر العباد إلى ربه الكبير المتعالي محمد تقي الدين الحسيني الهلالي ، إن الخطبة المباركة التي أنشأها أمير المؤمنين المولى سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل الملك المغربي العلوي العظيم . هي جيش من جيوش التوحيد ، والسنة لتطهير العقول من الشرك والبدعة وتوجيههم لإتبَّاع الكتاب والسنة إذ لا صلاح ولا فلاح للمسلمين إلا بذلك وقد عنى بها العلماء المخلصين من يوم صدورها إلى يومنا هذا بالطبع والنشر والشرح لما اشتملت عليه من النصيحة للمسلمين وإبعادهم عن سلوك طريق المجرمين الذين يأكلون خير الله ويعبدون غير الله وقد صدتهم الشياطين عن التمسك بسنة سيد المرسلين وقد وفق الله جماعة من الحنفاء ذوي الغيرة على الدين إلى طبعها ونشرها تنويرا وإصلاحا لقلوب إخوانهم المسلمين جزاهم الله خير ما يجزي به المحسنين والتمَسوا منِّي أن أجعل لها مقدمة تكشف النقاب عن سبب إنشائها والغرض المراد بها فلبيت الدعوة راجيا أن ينفع الله بهذا العمل كل قارئ وسامع ويهدينـا جميعا صراطه المستقيم . ويجعلنا من الذين أنعم عليهم من النبييـن والصديقيـن والشهـداء والصالحيـن .


    سبب إنشاء هذه الخطبة وتعميمها في جميع المساجد المغربية من قبل الملك المذكور أحسن الله إليه ، وقدس روحه .

    قال صاحب "الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى" الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري ما نصه باختصار وتصرف :

    " وفي سنة ست وعشرين ومائتين وألف وجه السلطان المولى سليمان رحمه الله ولده الأستاذ الأفضل المولى أبا إسحاق إبراهيم بن سليمان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج مع الركب النبوي في جماعة من علماء المغرب وأعيانه مثل الفقيه العلامة القاضي أبي الفضل العباس بن كيران ، والفقيه المولى الأمين بن جعفر الحسني الرتبي ، والفقيه العلامة الشهير أبي عبد الله محمد العربي الساحلي ، وغيرهم من علماء المغرب وشيوخه فوصلوا إلى الحجاز وقضوا المناسك وزاروا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاروا فيه في الروضة المباركة وسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم .

    [ذكر المناظرة بين علماء المغرب وابن سعود ]

    حكى صاحب الجيش : أن المولى إبراهيم ذهب إلى الحج واستصحب معه جواب السلطان فكان سببا لتسهيل الأمر عليهم وعلى كل من تعلق بهم من الحجاج شرقا وغربا ، حتى قضوا مناسكهم على الأمن والأمان والبر والإحسان قال : حدثنا جماعة وافرة ممن حج مع المولى إبراهيم في تلك السنة أنهم ما رأوا من ذلك السلطان يعني "ابن سعود" ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة ، وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه غاية الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام ، من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر الحرام وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والأثام التي كانت تفعل بهما جهارا من غير نكير وذكروا أن حاله كحال آحاد الناس لا يتميز عن غيره بزي ولا مركوب ولا لباس وأنه لما اجتمع بالمولى إبراهيم أظهر لـه التعظيم الواجب لأهل البيت الكريم وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته ، وكان الذي تولى الكلام معه هو الفقيه القاضي أبو إسحاق إبراهيم الزداغي ، فكان من جملة ما قال ابن سعود لهم إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية .


    فأي شيء رأيتمونا خالفنا السنة ؟ وأي شيء سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا ؟


    فقال لـه القاضي : بلغنا أنكم تقولنا بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوي .


    فقال : معاذ الله إنما نقول كما قال مالك :" الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة ". فهل في هذا من مخالفة ؟


    قالوا : لا ، وبمثل هذا نحن نقول نحن أيضا .


    ثم قال القاضي : وبلغنا عنكم أنكم تقولون بعدم حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحياة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم .


    فلما سمع ذكر النبي صلى الله عليه و سلم ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه وقال : معاذ الله إنما نقول إنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره ، وكذا غيره من الأنبياء ، حياة فوق حياة الشهداء .


    ثم قال القاضي : وبلغنا أنكم تمنعون من زيارته صلى الله عليه وسلم ، وزيارة سائر الأموات مع ثبوتها في الصحاح التي لا يمكن إنكارها .


    فقال : معاذ الله أن ننكر ما ثبت في شرعنا وهل منعناكم أنتم لماَّ عرفنا أنكم تعرفون كيفيتها وآدابها وإنما نمنع منها العامة الذين يشركون العبودية بالألوهية ، من الأموات أن تقضى لهم أغراضهم التي لا يقضيها إلا الله ، وإنما سبيل الزيارة الاعتبار بحال الموتى ، وتذكير مصير الزائر إلى ما صار إليه المزور ثم يدعوا لـه بالمغفرة ويسأل الله تعالى المنفرد بالإعطاء والمنع هذا قول إمامنا أحمد بن حنبل رحمه الله ولما كان العوام في غاية البعد عن إدراك هذا المعنى منعناهم سدا للذريعة . فأي مخالفة للسنة في هذا القدر ؟ ". اهـ من الجزء الثامن صفحة 122من الكتاب المذكور (طبع دار الكتاب بالدار البيضاء ـ بالمغرب)

    قال محمد تقي الدين الهلالي :

    وسبب إيفاد السلطان المولى سليمان المذكور هذا الوفد واهتمامه به هذا الاهتمام أن الملك السعودي عبد الله ملك الدولة السعودية المشتملة على نجد والحجاز لما فتح الله له الحجاز وتوطدت دولته كتب إلى جميع ملوك المسلمين وأمرائهم يشرح لهم دعوة الدولة السعودية وعقيدتها المطابقة للكتاب والسنة وينفي عنها ما نسبه إليها فقهاء السوء في جميع البلدان من أنها تكفر المسلمين ولا تعظم النبي صلى الله عليه وسلم كما ينبغي لكل مسلم حنيف أن يفعله وقد أغرى رجال الدولة العثمانية فقهاء السوء في جميع البلاد الإسلامية التي يشملها حكمهم ، وطعنوا في الدولة العربية السعودية لأنها طهرت الحرمين الشريفين مـن الشرك والعقائد الفاسدة ومنعتهم من التسلط عليهما وعلى ما جاورهما من البلاد كنجد والعراق ، ومن جملة الملوك الذين كتب إليهم ملك الدولة السعودية عبد الله بن سعود ملك المغرب المولى سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستطع غيره من الأمراء والرؤساء أن يبعثوا وفودا إلى الحرمين للاجتماع بالملك السعودي ومعرفة ما يدعوا إليه لأنهم لم يكونوا مستقلين أحرارا أقوياء كما كان ملوك المغرب لأن الدولة العثمانية كانت مستولية على بلاد العرب ومصر و بلدان الشمال الإفريقي كلها إلا المغرب الأقصى فإنها لم تستطع أن تستولي عليه مع استيلائها على الجزائر المجاورة لـه .

    ولذلك انفرد المولى سليمان رحمه الله ملك المغرب بهذه المزية وانشأ هذه الخطبة المباركة وأمر جميع المساجد أن يخطبوا بها على الشعب المغربي لتنوير العقول وإعلان براءة الدولة وسنة رسوله . فقدس الله روحه ورحمه وسائر ملوك هذه الدولة العلوية .


    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلطان مولاي سليمان بن سيدي محمد بن عبد الله من مفاخر ملوك المسلمين في القرن الثاني عشر إذ كان علاّمة مشاركا تحريرا سلفيا مصلحا كبيرا عاملا بعلمه آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر داعيا للسنة محاربا للبدع معلما للأمة ما علمه الله منفذا فيها لأحكام الله ومن ذلك منعه للمواسم التي اعتاد المغاربة إقامتها لصالحيهم قال في " الاستقصاء ":

    " وهي جديرة بالإبطال فسقى الله ثراه وجعل في عليين مثواه ، وكتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها على حال متفقرة الوقت وحذر فيها رضي الله عنه من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة وبين فيها بعض آداب زيارة الأولياء وحذر من تغالي العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيراً ".

    ووجه خطبته المعروفة " من إنشائه وبلاغته لخطباء المساجد يخطبون بها في الجمع حذر فيها من اتباع أهل البدع وأنكر عليهم ونهى عن الاجتماع في المواسم بالإنشاد والآلات والرقص وأوعدهم بالعقوبة إن لم ينتهوا ".

    وهي خطبة جليلة دلت على مقامه رضي الله عنه في الدين ومبلغ غيرته عليه وإخلاصه لـه فما أجدرها بأن يعيد جميع خطباء المغرب الخطبة بها في كل مناسبة اقتداءاً بهذا الإمام الجليل وما أجدر الوعاظ والمدرسين أن يدرسوها للعامة ويعظوهم بها رغبة في إسماعهم كلمة الله وتبليغهم ما يجهله الكثير منهم من أحكامه التي هي من الأهمية بالمقام الأول بل ما أجدر أساتذة المدارس والواضعين لبرامج التعليم فيها أن يجعلوها من بين مواد الدراسة والحفظ للتلاميذ لينشأوا عارفين بدينهم ونقاوته مما يلصقه به أعداؤه المبتدعون مقدرين فضل أسلافهم العاملين المجدين خصوصا من كان مثل مولانا سليمان عليه من الله الرحمة والرضوان .

    وأنه مازال العلماء والمصلحون مهتبلين بهذه الخطبة مقدرين لها قدرها فهذا الفقيه الأديب اللوذعي الأريب السيد الحبيب الرشيدي لمـا سمعها مدحها ومدح منشئها بقصيدة غراء اشتملت على 40 بيتا منها :

    يا حسنها مـن خطبة أحيـا بها--==*==-- ما مات من سنن الشيوخ المجـد

    ومنها :
    فيهـا دعـا لله قومـا أعلنـوا --==*==--بالشطح والتصفيق والفعل الـردي
    جعلـوا مواسم ما لها في سنـة --==*==--أصل بأضرحـة الفحـول الزهـد
    رفضوا علوم الشرع إيغالا كمـا--==*==--جلسـوا التنقيص الشيوخ بمرصـد
    فهموا على دين النبي أضر مـن --==*==--متبوعهـم والكـل عـاد معتـد
    حتى رمـاهـم ربنـا بثواقـب--==*==--من عدل سيدنا الهمـام الأوحـد
    فأقامـهم - والله راض عنه- فـي--==*==--سجـن المهـانة بالمقـام الأبعـد

    وهذا أبو القاسم الزياني يقول فيها في " الترجمانة الكبرى التي جمعت أخبار العالم برا وبحرا ":

    " الخطبة التي لم يسمع مثلها فيما مضى من العصور ولا ذكرها ملك ولا عالم مشهور فهي سادسة خطب الخلفاء الأربع اللواتي انتفع الناس بها أجمع مع خطبة الإبريز التي أملاها عمر بن عبد العزيز ، فَمن سمع هذه الخطبة وتأملها علم عِلم اليقين وتحقق أنها برزت من قلب خالص عارف بما أعده الله في الآخرة للمتقين وأن ذلك من المواهب الربانية وفوق المواهب اللدنية وأن أمير المؤمنين ممن يقال فيه ويكون القائل قصر عما فيه ، الإمام الذي ضاهت أسرار كلامه كلام (الأحياء) وهي » قوت القلوب « إلى الأموات والأحياء وحاذى بعبارة (حكم ابن عطاء) (والتنوير) فكان ما فيها من (لطائف المنن) ما هو طبق الحديث والتفسير ".
    إلى آخره وهو ثناء طويل من نسق ما قبله فراجعه إن شئت .

    ومثلهما في المتقدمين كثير وكذلك من المتأخرين فقد ذكر جلها وأثنى عليها وعلى منشئها من أجلها فقيد السلفية والدعوة للإصلاح الديني العلامة عبد السلام السرغيني برد الله ثراه في محاضرته في " الدعوة لإقامة السنة ومحاربة البدع " التي ألقاها بالنادي الذي كان للمسامرات بالمدرسة بفاس .

    وهؤلاء علماء القرويين عندما قاموا قومتهم الموفقة ورفعوا عريضة بتأريخ 17 المحرم عام 1352لجلالة السلطان المعظم سيدي محمد بن يوسف دام الله علاه بواسطة ممثله بفاس حضرة الباشا أرفقوها بنسخة من هذه الخطبة الجليلة مستندين عليها مثنين على منشئها قدس الله روحه وهي جديرة بكل ذلك وبأكثر منه رحم الله منشئها ووفق علماءنا وولاتنا للإقتداء به والسير على منواله في القيام بواجبهم الديني من الدعوة والإرشاد فيستحقوا إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويهيئوا الأمة لتكون خير أمة أخرجت للناس قبل أن يحل عليهم الحديث الشريف » من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار « ( )ويؤدوا الأمانة التي أخذ الله ميثاقهم بتبليغها » وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه «
    وهذا ما دعانا اليوم للقيام بنشرها رغبة في حصول النفع بها بعد ممات صاحبها كما فعل بها في حياته وتسهيلا على من أراد الحصول عليها ممن يريد الدعوة إلى الله بها والله سبحانه من وراء القصد . أهـ


    نَصُّ الخُطْبَة

    الحمد لله الذي تعبدنا بالسمع والطاعة ، وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة ، وحفظ ملة نبيه الكريم ، وصفيه الرؤوف الرحيم ، من الإضاعة إلى قيام الساعة ، وجعل التأسي به انفع الوسائل النافعة أحمده حمدا ينتج اعتماد العبد على ربه وانقطاعه ، واشكره يقصر عنه لسان البراعة ، واستمد معونته بلسان المذلة والضراعة ، واصلي على محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة ، على العموم والإشاعة والرضى عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة . أما بعد ، أيها الناس شرح الله لقبول النصيحة صدوركم ، وأصلح بعنايته أموركم واستعمل فيما يرضيه آمركم ومأموركم ، فإن الله قد استرعاءنا جماعتكم وأوجب لنا طاعتكم ، وحذرنا إضاعتكم ،{ يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }، سيما فيما أمر الله به ورسوله ، أو هو محرم بالكتاب والسنة النبوية ، وإجماع الأمة المحمدية ،{ الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر }.

    ولهذا نرثي لغفلتكم ! أو عدم إحساسكم ! ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم !
    فالقوا لأمر الله آذانكم وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم ، وطهروا من دنس البدع إيمانكم واخلصوا الله إسراركم وإعلانكم ، واعلموا أن الله بفضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها ، وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها ، وكلفكم لينظر عملكم ، فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوا واعرفوا فضله عليكم وعوه ، واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون ! والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون ، وافترقوا أوزاعا ! وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعا ! فيما هو حرام كتابا وسنة وإجماعا ! وتسموا فقراء و أحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرا !

    { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا }

    وكل ذلك بدعة شنيعة ، وفعلة فظيعة ، وسبة وضيعة وسنة مخالفة لأحكام الشريعة وتلبيس وضلال ، وتدليس شيطاني وخبال زينه الشيطان لأوليائه فوقتوا له أوقاتا ! وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتا !

    وتصدى له أهل البدع من "عيساوة" و"جيلالة " وغيرهم من ذوي البدع والضلالة ، والحماقة والجهالة ، وصاروا يترقبون للهوهم الساعات ! وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات ! وكل ذلك حرام ممنوع والإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع .

    فأنشدكم الله عباد هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه سيد الشهداء موسما ؟ وهل فعل سيد الأمة أبو بكر لسيد الإرسال صلى الله عليه وعلى جميع الصحابة والآل موسما ؟ وهل تصدى لذلك أحد من التابعين رضي الله عنهم أجمعين .
    ثُم أنشدكم الله هل زخرفت على عهد رسول الله المساجد ؟!! أو زوقت أضرحة الصحابة والتابعين ؟!!

    إلا ما جد كأني بكم تقولون هذه المواسم المذكورة وزخرفت أضرحة الصالحين وغير ذلك من أنواع الابتداع ، حسبنا الإقتداء والإتباع { إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون }، وهذه المقالة قالها الجاحدون { هيهات هَيهات لما توعدون } وقد رد الله مقالتهم ، ووبخهم وما أقالهم فالعاقل من اقتدى بآبائه المهتدون وأهل الصلاح والدين ، »خير القرون قرني.. « الحديث .

    وبالضرورة أنه لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها ، فقد قبُض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعِقد الدين قد سُجِّل ، ووعْدُ الله بإكماله قد عُجِّل ، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا .
    قال عمر رضي الله عنه على منبره :" أيها الناس ، قد سننت لكم السنن ، وفرضت الفرائض وتركتم على الجادة فلا تميلوا بالناس يمينا ولا شمالا ".

    فليس في دين الله ولا فيما شرع نبي الله ، أن يتقرب بغناء ولا شطح والذكر الذي أمر الله به ، وحث عليه ومدح الذاكرين به ، هو على الوجه الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد ، فهذه طريقة الخلف ، فمن قال بغير طريقتهم فلا يستمع ، ومن سلك غير سبيلهم فلا يتبع { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } ، { قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ، وسبحان الله وما أنا من المشركين }، فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع ؟! أأمناً من مكر الله ؟! أم تلبيسا على عباد الله !؟ أم منابذة لمن النواصي بيده ؟! أم غروراً لمن الرجوع بعدُ إليه ؟! فتوبوا واعتبروا ، وغيروا المناكر واستغفروا ، فقد اخذ الله بذنب المترفين من دونهم ! وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم ، وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع ، ما بين العاصي والمداهن المطيع ! أ فيزين لكم الشيطان وكتاب الله بأيديكم ؟ أم كيف يضلكم وسنة نبيكم تناديكم !؟ فتوبوا إلى رب الأرباب ، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ، ومن أراد منكم التقرب بصدقة ، أو وفق لمعروف أو إطعام أو نفقة ، فعلى مَن ذَكر الله في كتابه ووعدكم فيهم بجزيل ثوابه ، كَذوِي الضرورة الغير الخافية والمرضى الذين لستم بأَولى منهم بالعافية ؟ ففي مثل هذا تُسَد الذرائع وفيه تُمتَثل أوامر الشرائع ،{ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله }.

    ولا يتقرب على مالك النواصي ، بالبدع والمعاصي ! بل بما يتقرب به الأولياء والصالحون ، والأتقياء المفلحون : أكل الحلال وقيام الليالي ، ومجاهد النفس في حفظ الأحوال ، بالأقوال والأفعال البطن وما حوى ، والرأس وما وعى ، وآيات تتلى ، وسلوك الطريقة المثلى ، وحج وجهاد ، ورعاية السنة في المواسم والأعياد ونصيحة تهتدى ، وأمانة تؤدى ، وخلق على خلق القرآن يحدى، وصلاة وصيام واجتناب مواقع الأثام ، وبيع النفس والمال من الله ،{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة }. الآية ، { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }. الصراط المستقيم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس الصراط المستقيم كثرة الرايات ، والاجتماع للبيات ، وحضور النساء والأحداث ، وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والإحداث ، والتصفيق والرقص ، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص ..؟

    { أفمن زين له سوء عمله فرءاه حسنا }.

    عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها ، وأناس يتبعونها ، فيسأل عنهم ويسألون عنه ..؟

    { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤ منا }

    فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئا من السلطان والخلائق أن يمنعوا هؤلاء الطوائف ، من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم ، فإياكم ثم إياكم والبدع فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية ، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية ، فمن المنقول عن الملل ، والمشهور في الأواخر والأول ، أن المناكر والبدع إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم ، وأظلم ما بينهم وبين ربهم وانقطعت عنهم الرحمات ووقعت فيهم المثلاث ، وشحت السماء وحلت النقماء وغيض الماء ، واستولت الأعداء ، وانتشر الداء ، وجفت الضروع ، ونقعت بركة الزروع ، لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد ، ويسد طرق الفوائد ، والدب مع الله ثلاثة : حفظ الحرمة بالاستسلام والإتباع ، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع ومراعاتها في الضيق والاتساع . لا ما يفعله هؤلاء الفقراء ، فكل ذلك كذب على الله وافتراء ،{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم }.

    عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال :" وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، قام إليه رجل يا رسول الله ، كأن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا أو قال أوصنا فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن ولى الله عليكم ولو كان عبدا حبشيا ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ".

    وهانحن عباد الله أرشدناكم وأنذرناكم وحذرناكم ، فمن ذهب بعد لهذه المواسم ، أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم ، فقد سعى في هلاك نفسه ، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه ، وتله الشيطان للجبين ، وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم .


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    1,442

    افتراضي رد: العنوان :التمسك بالكتاب والسنة في تاريخ ملوك المغرب ونتائجه الحسنة لشيخ محمد تقي الهلالي رحمه الله

    سلاطين المغرب الذين ناصروا دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب

    يقول صاحب " تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية ":
    لعلكم تعلمون أن الإمام سعود بن عبد العزيز- وهو الإمام الثالث من الدولة السعودية الأولى- قد بعث بعدما دخل مكة في عام 1219 هـ ، رسائل لملوك شمال أفريقيا : تونس والمغرب الأقصى وغيرهم ، يشرح فيها حقيقة التوحيد وأصول الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، صافياً نقياً من الأمور التي أدخلت عليه ، وبلغ للناس بصدق وأمانة ، عليه من ربه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وهي رسالة من ثلاث صفحات ، حسبما نشرتها مجلة ألمانية اسمها إسلاميكا Islamika ، مع دراسة باللغة الألمانية ، لما تعني الدعوة التي قاموا بها ، من أحد المستشرقين .

    وكانت هذه الرسالة بمحتواها ونصها العربي ؛ ما قام به الإمام سعود ووالده من قبله ، من عمل وفق أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم للدعوة إلى دين الله على نور من الله ؛ ليزيل ما قد يكون علق بالأذهان من أكاذيب قيلت عن الدعوة ، ونفاها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، قبل وفاته ( 1115 – 1206 هـ ) ، وفي ردوده بقوله :


    [ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ينفي الأكاذيب حول دعوته ]

    " سبحانك هذا بهتان عظيم ، وقبلنا كذب على صفوة الخلق صلى الله عليه وسلم ، كما في رسالته رحمة الله عليه لعبد الله بن سحيم وهو من المعارضين له ، وفي رسالته إلى عالم بغداد الشيخ عبد الرحمن السويدي رحمه الله تعالى : بعد أن بيّن لهذا الأخير عقيدته ، و ما يدعو الناس إليه من إخلاص العبادة لله تعالى ، وإنكار ما فشا في الناس من أمر الشرك ، من دعاء الأموات ، والالتجاء إليهم من دون الله تعالى قال : فقام بسبب هذه الدعوة من عارضنا في ذلك ، وافترى علينا الكذب – إلى أن قال : - فإني ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وغير ذلك من فرائض الله ، ونهيتهم عن الربا وشرب الخمر وأنواع المنكرات ، فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه ؛ لكونه مستحسناً عند العوام ، فجعلوا قدحهم وعداوتهم في ما آمر به من توحيد ، وأنهى عنه من الشرك ، ولبسوا على العوام : أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس ، وكبرت الفتنة جداً ، واجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله ، منها : إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه ، فضلاً على أن يفتريه ، ومنها ما ذكرتم : أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني ، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل ؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف او مجنون ؟؟!!

    وبعد أن عدد اموراً كثيرة مما نسبت إليه قال : والحاصل : أنما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك ، فكله من البهتان ، وهذا لو خفي على غيركم ما خفي عليكم .

    ثم قلت : ومن رغبة الحكام والعلماء في المغرب التقصي ، نرى الحقيقة التالية :

    تأثر بهذه الدعوة واهتم بها وبمحتواها بعد الدراسة والتعمق ، سلطان المغرب الأقصى : سيدي محمد بن عبد الله العلوي - جد الأسرة الحاكمة الآن -:
    حيث قام بمحاربة البدع في بلاده ، كما حارب تشعب الطرق الصوفية ، ودعا إلى الاجتهاد ، وإلى انتشار السنة ؛ لأنه ذلك الوقت من أقوى الحكام المسلمين ، ولان بلاده قد اكتوت بنيران : الباطنية العبيدية ، وأصحاب البدع مع تفشي البدع ، والوهابية الرستمية الخارجية الباطني ، علاوة على الغزو الصليبي للشمال الأفريقي بعد سقوط الأندلس في أيدي الإفرنج .

    وقد ذكر محمد جمعه في كتابه :" انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب " أمورا من أعمال سيدي محمد بن عبد الله العلوي ، فيما يتفق مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، و حرصهما على تنقية التوحيد من البدع والشرك مع الله .

    هذا السلطان هو الذي وصفه المؤرخ الفرنسي : شارلي جوليان ، في كتابه :" تاريخ أفريقيا الشمالية " الذي ترجمه إلى اللغة العربية : محمد مزالي والبشير بن سلامة الذي مر بنا ذكره قبل قليل .

    فقرأنا في الجزء الثاني قوله : وكان سيدي محمد ، وهو التقي الورع ، علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية ، وتأييد آل سعود لها ، وقد أعجب بعباراتها ، وكان يؤثر عنه قوله :" أنا مالكي المذهب ، وهابي العقيدة (1)" وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة بالدين والمحللة لمذهب الأشعرية ، وتهديم بعض الزوايا .

    أما مؤرخ المغرب الأقصى : أحمد الناصري ، فإنه توسع في الجزء الثامن من كتابه التاريخي :" الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى " ... فإذا هو يقول [ أحداث عام 1226 هـ ]: في هذا العام حج جماعة من المغاربة صحبة المولى إبراهيم بن السلطان المولى سليمان سلطان المغرب الذي خلف والده السلطان : سيدي محمد بن عبد الله العلوي ، فقال ابنه المولى إبراهيم ومن معه : ما رأينا من ابن سعود ما يخالف ما عرفناه من ظاهر الشريعة ، وإنما شاهدنا منه ومن أتباعه ما به الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة ، وصيام ونهي عن المنكر ، وتنقية الحرمين من الآثام .

    ثم قلت لهم : هل من شهد له ولأتباعه المولى إبراهيم بن السلطان سليمان ، ومن معه من العلماء بعد المناقشة في مكة أثناء الحج عام 1226 هـ ، حيث قال الناصري عن الطريقة المتبعة في الركب النبوي الذي جرت العادة على خروجه من فاس على هيئة بدعية من الاحتفال ، وكانت الملوك تعتني به ، وتختار له أصناف الناس من العلماء والأعيان والقاضي وشيخ الركب ، وغير ذلك مما يضاهي ركب أهل مصر والشام .

    ....

    قلت : ولكي أزيدكم ، ويستفيد منه من يطلع عليه بعدنا ، فإن الناصري في تاريخه هذا قد غطى حيّزاً كبيراً من أخبار هذه الدعوة بأكثر من عشر صفحات ، وسوف أزيدكم من قوله ، وهو من المؤرخين الموّثقين عندكم ، وتاريخه من مصادر بلادكم المهمة ...


    [ ذكر المناظرة بين علماء المغرب وابن سعود ]
    قلت : يقول الناصري عن السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي الذي بويع في فاس في حدود عام 1226 هـ ، قد كان معاصراً للإمام عبد الله بن سعود ، ووالده الإمام العالم سعود بن عبد العزيز الذي دخل مكة المكرّمة في المرة الأولى حاجاً عام 1214 هـ ، الموافق لعام 1799م ، بأنه أراد أن يتحقق من ابن سعود وما يدعو إليه ، فأرسل ابنه إبراهيم في جماعة من علماء المغرب وأعيانه ، ومعه جواب من والده فوصلوا إلى الحجاز ، وقضوا المناسك وزاروا الروضة الشريفة ، كلّ هذا على الأمن والأمان والبّر والإحسان ، ثم أردف الناصري قائلاً : حدثنا جماعة وافرة ممن حج مع المولى إبراهيم في تلك السنة ، أنهم ما رأوا من ذلك السلطان – يعني الإمام سعود – ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة ، وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه غاية الاستقامة ، والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة ، وصيام ونهي عن المنكر الحرام ، وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والآثام التي كانت بهما من غير نكير ، وأنه لما اجتمع بالشريف المولى إبراهيم ، أظهر له التعظيم الواجب لآل البيت الكريم ، و جلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته ، وكان الذي تولىّ الكلام معه الفقيه القاضي : أبو إسحاق إبراهيم الزّرعيّ ، فكان من جملة ما قاله ابن سعود لهم : إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية ، فأي شيء رأيتمونا خالفناه من السنة ، وأي شيء سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا ؟؟.

    فقال القاضي : بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي ، المستلزم بجسمية المستوي فقال له : معاذ الله ، إنما نقول كما قال الإمام مالك رحمه الله : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب .. فهل في هذا مخالفة ؟! .
    قالوا : لا .. وبمثل هذا نقول أيضاً ، ثم قال القاضي الزّرعيّ له : وبلغنا أنكم تقولون بعدم حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وحياة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم .. فلما سمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه وقال : معاذ الله ، إنما نقول أنه صلى الله عليه وسلم حيّ في قبره ، وكذا غيره من الأنبياء ، حياة فوق حياة الشهداء .


    [ خطبة المولى سليمان العصماء التي نصر فيها السنة وقمع البدعة ]
    ثم في نهاية هذا الحديث ، قال الناصري : وأقول أن المولى السلطان سليمان رحمه الله ، كان يرى شيئاً من ذلك ، ولأجله كتب رسالته المشهورة ، التي تكلم فيها عن حال متفقّرة الوقت – يعني بهم رهبنة الصوفية – وحذر فيها رضي الله عنه من الخروج على السنة ، والتّغالي في البدعة ، وبيّن فيها آداب زيارة الأولياء ، وحذّر من غلو العامة في ذلك ، وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين ، جزاه الله خيراً .

    كما قال أن المولى سليمان قد حدّد خطبة تحث على التوحيد ومحاربة البدع ، وأمر بتوزيعها على مساجد الجمعة ، كما أمر بإغلاق زوايا الصوفية .

    وبعد الحوار الذي دار في أمور كثيرة مما نسب لهم ، قال الناصري : ثم قال صاحب الجيش : هذا ما حدّث به أولئك المذكورون ، سمعنا ذلك من بعضهم جماعة ، ثم سألنا الباقي أفراداً فاتفق خبرهم على ذلك .

    .....

    أما الدكتور عباس الجراري وهو من هنا من المغرب ، ولست أدري هل اطلعتم على محاضرته عام 1399 هـ ، بجامعة الرياض ، جامعة الملك سعود حالياً التي قال فيها : إن التيار السلفي في المغرب ، قد ظهر مرة أخرى في بداية القرن الرابع عشر الهجري ، حيث وجه السلطان الحسن عام 1300 هـ ، رسالة إلى الشعب المغربي ، وقد نوّه عن هذا الناصري أيضاً

    ....

    كما برز أمامنا أن علماء المغرب برّأوا علماء الدعوة وحكام آل سعود ، الذين ناصروها إحياءً لدين الله ، وتجديداً لما اندثر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإماتة للبدعة ، عندما تناظروا معهم عام 1226 هـ ، وظهر لهم كذب ما نسب للشيخ والدعاة لدين الله .


    [ سلاطين المغرب الذين ناصروا دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ]

    وعلى هذا بان لنا أربعة من سلاطين المغرب الأقصى ، اهتموا بهذه الدعوة ، وتبنّوا نشرها في بلادهم ، وهم :-

    1- المولى السلطان : سيدي محمد بن عبد الله العلوي ، الذي كان معاصراً للإمام عبد العزيز بن محمد ، وتبّلغ رسالة الإمام سعود .

    2- المولى السلطان : سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي ، الذي أوفد العلماء مع ابنه المولى إبراهيم ، وتناقش مع الإمام سعود بن عبد العزيز ، وعلماؤه مع علماء الدعوة .

    3- المولى السلطان : إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي ، الذي تسلم زمام الأمر بعد أبيه السلطان سليمان .

    4- المولى السلطان : الحسن الأول في عام 1300 هـ ، ووقته فترة ما بين الدولة السعودية الثانية والدور الثالث لهذه الدولة ، الذي قام به الملك عبد العزيز من خمسة شوال عام 1319 هـ .

    كما أن الدكتور محمد تقي الدين الهلالي – رحمه الله – اهتم بهذه الدعوة ، وهو حسنيّ من العائلة المغربية الحاكمة ، وقد كان تيجانياً ، ثم لما عرف حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – حرص على نشرها في كل مكان ذهب إليه ، حتى استقر آخر عمره بفاس ، ثم تحول إلى الدار البيضاء ، حتى توفي رحمه الله ، وقد ألف رسالة عن التيجانية وبطلانها ، ومثله الشيخ عبد الرحمن الإفريقي الذي كان سنغالياً تيجانياً فتركها وألّف في ذم ما هم عليه . أهـ المراد منه باختصار

    ================================================== ==========================

    (1) الذي في نسختي من الإستقصا :" وكان يقول عن نفسه حسب ما صرح به في آخر كتابه الموضوع في الأحاديث المخرجة من الأئمة الأربعة : أنه مالكي مذهبا حنبلي إعتقادا "( 8/6

    منقول

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    1,442

    افتراضي رد: العنوان :التمسك بالكتاب والسنة في تاريخ ملوك المغرب ونتائجه الحسنة لشيخ محمد تقي الهلالي رحمه الله

    • [ترجمة] الملك الصالح محمد بن عبدالله العلوي سلطان العلماء وعالم السلاطين


    بسم الله الرحمن الرحيم ,الحمد لله الذي أكرم هذه الامة بسلاطين علماء جمعوا بين الولايتين الدينية المتمثلة في العلم الشرعي وما يتعلق به , والولاية الدنيوية المتعلقة بالامارة وسياسة الناس ,فجمعوا بين المكرمتين فاستحقوا ان يكونوا ممن قال الله فيهم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} قال كثير من المفسرين هم العلماء والامراء
    فكيف من جمع بين الامارة والعلم ...
    وصلى الله على نبينا محمد امام المتقين وخاتم المرسلين القائل ((خَيْرُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ يُبْغِضُونَكُمْ وَتُبْغِضُونَهُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ))
    أما بعد
    فمن نعم الله جل وعلا على هذا البلد الطيب - المغرب الحبيب - أن تولى حكمه و تداول امارته سلاطين علماء حكماء ساسوا اهله بسياسة شرعية ,ساروا في السرية وعدلوا في الاقضية,ورفعوا راية الجهاد عالية شامخة ضد اعداء الدين والملة من كفرة ومنافقين ومبتدعة مبطلين ,فكانوا حقا حماة الدين والعقيدة ,واستحقوا وصف:حامي حمى الوطن والدين
    ومن هذه السلسلة المباركة ,من ملوك هذه الدولة العلوية الشريفة - أدام الله عزها - السلطان محمد بن عبد الله العلوي
    هو:أمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الله بن اسماعيل العلوي - ويلقب بمحمد الثالث-المولد سنة:1120 هـ الموافق ل 1710 م
    سلطان المغرب الأقصى، عالم السلاطين، وسلطان العلماء في وقته، إمام جليل، وجهبذ نبيل، أحيا من العلم مآثره، وجدد الدولة العلوية بعد أن كانت داثرة، جال بنفسه في المغرب، وتقرى قبائله، وعرف دخائله، وأيقن أن الدين قد كان أن يذهب من أهله باستيلاء الجهل على بطونه وقبائله، فألف لهم تأليفه على نسق رسالة ابن أبي زيد تسهيلا على العوام، ليصلوا من ضروريات دينهم إلى المرام، وهي عندي موجودة ومن ذخائري معدودة.
    كان السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله محبا للعلماء وأهل الخير مقربا لهم لا يغيبون عن مجلسه في أكثر الأوقات وكان يحضر عنده جماعة من أعلام الوقت وأئمته منهم الفقيه العلامة المشارك أبو عبد الله محمد ابن الإمام سيدي عبد الله الغربي الرباطي والفقيه العلامة المحقق أبو عبد الله سيدي محمد المير السلاوي والفقيه الدراكة أبو عبد الله محمد الكامل الرشيدي والفقيه السيد أبو زيد عبد الرحمن المدعو بأبي خريص هؤلاء هم أهل مجلسه الذين كانوا يسردون له كتب الحديث ويخوضون في معانيها ويؤلفون له ما يستخرجه منها على مقتضى إشارته وكانت له عناية كبيرة بذلك وجلب من بلاد المشرق كتبا نفيسة من كتب الحديث لم تكن بالمغرب مثل مسند الإمام أحمد ومسند أبي حنيفة وغيرهما وألف رحمه الله في الحديث تآليف بإعانة الفقهاء الذين ذكرناهم آنفا منها كتاب مسانيد الأئمة الأربعة وهو كتاب نفيس في مجلد ضخم التزم فيه أن يخرج من الأحاديث ما اتفق على روايته الأئمة الأربعة أو ثلاثة منهم أو اثنان فإذا انفرد بالحديث إمام واحد أو رواه غيرهم لم يخرجه وهذا المنوال لم يسبق إليه رحمه الله وكان كثيرا ما يجلس بعد صلاة الجمعة في مقصورة الجامع بمراكش مع فقهائها ومن يحضره من علماء فاس وغيرهما للمذاكرة في الحديث الشريف وتفهمه ويحصل له بذلك النشاط التام وكان كثيرا ما يتأسف أثناء ذلك ويقول والله لقد ضيعنا عمرنا في البطالة ويتحسر على ما فاته من قراءة العلم أيام الشباب ولما فاته الاشتغال بفنون العلم في حال الصغر اعتكف أولا على سرد كتب التاريخ وأخبار الناس وأيام العرب ووقائعها إلى أن تملى من ذلك وبلغ فيه الغاية القصوى وكاد يحفظ ما في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني من كلام العرب وشعراء الجاهلية والإسلام ولما ولاه الله أمر المسلمين بعد وفاة والده زهد في التاريخ والأدب بعد التضلع منهما وأقبل على سرد كتب الحديث والبحث عن غريبها وجلبها من أماكنها ومجالسة العلماء والمذاكرة معهم فيها ورتب رحمه الله لذلك أوقاتا مضبوطة لا تنخرم حذا بها حذو المنصور السعدي في أوقاته المرسومة عند الفشتالي في مناهل الصفا حتى أنه كان إذا خرج لزيارة أو صيد أو نزهة أيام الربيع وأقام الأسبوع ونحوه فإذا حانت الجمعة ودخل تحرى النزول بمنازل المنصور التي كان ينزل بها وقت خروجه لزيارة أغمات ونحوها ورجوعه ويقول هذه منازل المنصور رحمه الله وهو أستاذنا في مثل هذه الأمور ومن عجيب سيرته رحمه الله أنه كان يرى اشتغال طلبة العلم بقراءة المختصرات في فن الفقه وغيره وإعراضهم عن الأمهات المبسوطة الواضحة تضييع للأعمار في غير طائل وكان ينهى عن ذلك غاية ولا يترك من يقرأ مختصر خليل ومختصر ابن عرفة وأمثالهما ويبالغ في التشنيع على من اشتغل بشيء من ذلك حتى كاد الناس يتركون قراءة مختصر خليل وإنما كان يحض على كتاب الرسالة والتهذيب وأمثالهما حتى وضع في ذلك كتابا مبسوطا أعانه عليه أبو عبد الله الغربي وأبو عبد الله المير وغيرهما من أهل مجلسه ولما أفضى الأمر إلى السلطان العادل المولى سليمان رحمه الله صار يحض الناس على التمسك بالمختصر ويبذل على حفظه وتعاطيه الأموال الطائلة والكل مأجور على نيته وقصده غير أنا نقول الرأي ما رأى السلطان سيدي محمد رحمه الله وقد نص جماعة من أكابر الأعلام النقاد مثل الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي والشيخ النظار أبي إسحاق الشاطبي والعلامة الواعية أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون وغيرهم أن سبب نضوب ماء العلم في الإسلام ونقصان ملكة أهله فيه إكباب الناس على تعاطي المختصرات الصعبة الفهم وإعراضهم عن كتب الأقدمين المبسوطة المعاني الواضحة الأدلة التي تحصل لمطالعها الملكة في أقرب مدة ولعمري لا يعلم هذا يقينا إلا من جربه وذاقه وقد تقدم لنا في صدر هذا الكتاب أن ملوك بني عبد المؤمن كانوا يحملون الناس على الرجوع في الأحكام إلى الكتاب والسنة كل ذلك اعتناء بالعلم القديم ومحافظة على أصوله والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكان السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة على مذهب الأشعرية رضي الله عنهم وكان يحض الناس على مذهب السلف من الاكتفاء بالاعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل وكان يقول عن نفسه حسبما صرح به في آخر كتابه الموضوع في الأحاديث المخرجة من الأئمة الأربعة أنه مالكي مذهبا حنبلي اعتقادا يعني أنه لا يرى الخوض في علم الكلام على طريقة المتأخرين وله في ذلك أخبار ومجريات قلت وهو مصيب أيضا في هذا فقد ذكر الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه في كتاب الإحياء إن علم الكلام إنما هو بمنزلة الدواء لا يحتاج إليه إلا عند حدوث المرض فكذلك علم الكلام لا يحتاج إليه إلا عند حدوث البدعة في قطر وقد حرر الناس القدر المحتاج إليه في حق العامة وغيرهم والمبتدئين والمنتهين والأغبياء والأذكياء بما ليس هذا محل بسطه وكان السلطان سيدي محمد رحمه الله عالي الهمة يحب الفخر ويركب سنامه ويخاطب ملوك الترك مخاطبة الأكفاء ويخاطبونه مخاطبة السادة ويمدهم بالأموال والهدايا حتى علا صيته عندهم وحسبوه أكثر منهم مالا ورجالا وكان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ويضع الأشياء مواضعها ويعرف مقادير الرجال ويؤدي حقوقهم ويتجاوز عن هفواتهم ويراعي لأهل السوابق سوابقهم ويتفقد أحوال خدامه في الصحة والمرض ولا يغفل عمن كان يعرفه قبل الملك وكان من الشجعان المذكورين في وقته يباشر الحروب بنفسه ويهزم الجيوش بهيبته وكان يقتني الرجال ويصطنعهم ويعدهم لأيام الكريهة وينادي كل واحد باسمه وقت اللقاء والحضور عنده ويوجه كل بطل منهم مع قبيلة أو كتيبة من كتائب الجند ويعمل بقواعد السياسة في الحروب وكان إذا وجه أحدا ممن يعرف نجدته وكفايته ينشد قول ابن دريد والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنا وبالجملة فقد كان رحمه الله من عظماء الملوك وخلد آثارا كثيرة بالمغرب ...ورتب للأشراف بتافيلالت في كل سنة مائة ألف مثقال سوى ما ينعم به عليهم في أيام السنة متفرقا ورتب لأهل الحرمين الشريفين وشرفاء الحجاز واليمن مائة ألف مثقال أيضا في السنة ولشرفاء المغرب مائة ألف مثقال كذلك وأما الطلبة والمؤذنون والقراء وأئمة المساجد كانت تأتيهم صلاتهم في كل عيد وأما ما كان ينفقه في الجهاد على رؤساء البحر وطبجيته وما يضيره على المراكب الجهادية والآلات الحربية التي ملأ بها بلاد المغرب فشيء لا يحصيه الحصر وأما ما أنفقه من الأموال في فكاك أسرى المسلمين فأكثر من ذلك كله حتى لم يبق ببلاد الكفر أسير لا من المغرب ولا من المشرق ولقد بلغ عددهم في سنة مائتين وألف ثمانية وأربعين ألف أسير وزيادة وأوقافه بالحرمين الشريفين وكتبه العلمية المحبسة بهما لا زالت قائمة العين والأثر إلى الآن وأما اعتناؤه بالمراكب القرصانية فقد بلغ عددها في دولته عشرين كبارا من المربع وثلاثين من الفراكط والغلائط وبلغ رؤساء البحر عنده ستين رئيسا كلها بمراكبها وبحريتها وبلغ عسكر البحرية ألفا من المشارقة وثلاثة آلاف من المغاربة ومن الطبجية ألفين وبلغ عسكره من العبيد خمسة عشر ألفا ومن الأحرار سبعة آلاف وأما عسكر القبائل الذي كان يغزو من الجند فمن الحوز ثمانية آلاف ومن الغرب سبعة آلاف وكانت له هيبة عظيمة في مشوره وموكبه يتحدث الناس بها وهابته ملوك الفرنج وطواغيتهم ووفدت عليه رسلهم بالهدايا والتحف يطلبون مسالمته في البحر بلغ ذلك رحمه الله بسياسته وعلو همته حتى عمت مسالمته أجناس النصارى كلهم إلا المسكوب فإنه لم يسالمه لمحاربته للسلطان العثماني ولقد وجه رسله وهديته إلى طنجة فردها السلطان رحمه الله وأبى من مسالمته ووظف على الأجناس الوظائف فالتزموها وكانوا يؤدونها كل سنة واستمر ذلك من بعده إلى أن انقطع في هذه السنين المتأخرة وكانوا يستجلبون مرضاته بالهدايا والألطاف وكل ما يقدرون عليه ومهما كتب إلى طاغية في أمر سارع إليه ولو كان محرما في دينه ويحتال في قضاء الأغراض منهم بكل وجه أحبوا أم كرهوا وكان أعظم طواغيتهم طاغية النجليز وطاغية الفرنسيس فكانا يأنفون من أداء الضريبة علانية مثل غيرهم من الأجناس فكان رحمه الله يستخرجها منهم وأكثر منها بوجه لطيف وكان له عدة أولاد أكبرهم أبو الحسن علي والمأمون وهشام وعبد السلام هؤلاء لربة الدار المولاة فاطمة بنت عمه سليمان بن إسماعيل ثم عبد الرحمن أمه حره هوارية من هوارة السوس ثم يزيد ومسلمة أمهما علجة من سبي الإصبنيول ثم الحسن وعمر أمهما حرة من الأحلاف ثم عبد الواحد أمه حرة من أهل رباط الفتح ثم سليمان والطيب وموسى لحرة من الأحلاف أيضا ثم الحسن وعبد القادر لحرة من الأحلاف أيضا ثم عبد الله لحرة من عرب بني حسن ثم إبراهيم لعلجة رومية ومما مدح به السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله من الشعر أرجوزة الأديب البليغ أبي العباس أحمد الونان المعروفة بالشمقمقبية التي يقول في مطلعها مهلا على رسلك حادي الأينق ولا تكلفها بما لم تطق وهذه الأرجوزة مشهورة بين الناس وهي من الشعر الفائق والنظم البديع الرائق أبان منشئها عن باع كبير وإطلاع غزير على أخبار العرب وأيامها وحكمها وأمثالها بحيث أن من حفظها وعرف مقاصدها أغنته عن غيرها من كتب الأدب

    واليك مؤلفاته بالتفصيل المطبوع منها والمخطوط:

    - "مواهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان "

    يعتبر هذا الكتاب بمثابة مقرر دراسي وضعه السلطان رحمه الله لمدرسي الكتاتيب القرآنية , مع انه نافع لغيرهم من الشيوخ والكهول والشبان
    وقد ضمنه مقدمة عقدية سلفية اقتطعها من رسالة ابن أبـي زيد القيرواني ثم أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة ثم ختمه بذكر ما ينبغي للمسلم أن يتحلى به من مكارم الأخلاق ويبتعد عنه من مساوئها
    لهذا الكتاب نسختان مخطوطتان الأولى موجودة في الخزانة العامة بالرباط ونسخة بالخزانة العامة
    طبع هذا الكتاب سنة 1414 هـ الموافق ل:1996 مـ وأشرف على طبعه وتصحيحه الأستاذ احمد العلوي العبداللوي بتقديم الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري وزير الأوقاف السابق


    -" الفتوحات الإلهية فيما اجتمع من الأحاديث النبوية الشافية من للقلوب الصدية "

    كتاب خاص بالعبادات ويسمى أيضا "الفتوحات الصغرى" توجد منه نسخة مخطوطة بالخزانة الحسنية بالرباط

    - " الفتوحات الإلهية الكبرى "
    كتاب حديثي طبع في المطبعة الملكية سنة 1364هـ بتقديم الأستاذ المدني بن الحسني

    - " الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد"

    كتاب حديثي يضم الصحيحين وموطأ مالك ومسند الشافعي ومسند احمد ومسند أبي حنيفة
    لازال مخطوطا توجد نسخة منه بالخزانة الحسنية وأخرى بخزانة القرويين وهناك نسخة بالسعودية ( ذكر الدكتور عبد الكريم الخضير أن عنده نسخة مخطوطة جيدة من هذا الكتاب(في احد دروسه -المسجلة- على صحيح البخاري) . )

    - " فتح الباري في اقتطاف أزهار المسانيد لتخريج أحاديث البخاري"
    هذا كتاب حديثي مرتب على أبواب العبادات توجد منه نسخة واحدة بالخزانة الحسنية بالرباط

    - " الفتح الرباني فيما اقتطفناه من مسانيد الأئمة وفقه الإمام الحطاب والشيخ ابن أبي زيد القيرواني "
    كتاب مرتب على ابواب الفقهطبع بالعرائش ( المغرب) مطبعة بوسكا سنة 1360 هـ بتحقيق الاستاذ فريد البستاني

    -" بغية ذوي البصائر والألباب في الدرر المنتخبة من تأليف الإمام الحطاب "
    كتاب عبادات غير مطبوع توجد نسخة منه في الخزانة الحسنية بالرباط


    - "طبق الارطاب فيما اقتطفناه من مسانيد الائمة وكتب مشاهير المالكية وفقه الامام الحطاب"
    كتاب في الفقه , توجد منه نسخة مخطوطة بالقرويين

    -" الإكسير في افتداء الأسير"

    - " الجواهر واللآلي في التنبيه على ما اشتمل عليه الإحياء للغزالي"

    - "(ترويح القوب) ديوان في الشعر"
    مطبوع بتحقيق و إشراف الأستاذة إلهام السوسي عبد اللوي

    - "بغية الطلاب المعينة قارئها على عبادة العزيز الوهاب"
    شرح لعقيدة ابن أبي زيد القيرواني . مخطوط بالخزانة الحسنية

    وفاته رحمه الله:
    وتوفي في طريقه إلى الرباط سنة 1204هـ الموافق ل 1790 م

    ــــــــــ
    مراجع:
    1- الاستقصا لتاريخ المغرب الاقصى لمؤلفه احمد بن خالد النصري
    2-الفكر السامي في تاريخ التشريع الاسلامي للحجوي
    3- كتاب مواهب المنان فيما ينبغي على المعلمين تعليمه للصبيان بتحقيق الاستاذ:احمد العلوي العبداللوي طبعة 1414 وزارة الاوقاف
    4- الاعلام للزركلي
    https://www.ajurry.com/vb/showthread.php?t=26701

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •