إعادة قرءاة التراث لا تقل اهمية عن نشر ما أسيئ نشره سابقا اوعبث فيه، ومن بين نفائس التراث العربي كتاب مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي المتوفيسنة 654هـ/1256م والذي تناول فيه تاريخ العالم منذ بدء الخليقة حتى وفاته سنة 654هـ/1256 اي قبل وصول المغول لبغداد سنة 656هـ . والكتاب هدف للنشر لكنه لم يكتمل منذ ان بدأ باحثون بتحقيق اجزاء الكتاب امثال المرحوم احسان عباس الذي حقق السفرالاول منه، او ما قامت به السيدة جنان خليل الهموندي التي حققت السنوات الممتدة بينعامي 345هـ/447هـ ونشرتها في بغداد عن الدار الوطنية سنة1990.


اهمية كتاب مرآة الزمان الذي جاء بنظام الحوليات، دفعت الباحثين الى الاهتمام به وكان "كلودكاهن" الذي كتب مادة سبط ابن الجوزي في دائرة المعارف الاسلامية شجع على دراسةالكتاب ، مؤكدا على اهميته كمصدر لتاريخ مدينة دمشق خلال القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، ويكشف كلود كاهن أنه كان ينوي تحقيق ونشر الكتاب بمساعدة جورج مقدسي.

في عام 1947 كتب المحامي والمؤرخ العراقي عباس العزاوي مقالاً في مجلة المجمع العلمي العراقي بعنوان :"سبط ابن الجوزي القطب اليونيني اومرآة الزمان وذيله". ونشر مرآة الزمان اول مرة من قبل Jewet في جامعة شيكاغو سنة 1907 وجاءت النشرة الثانية في حيدر اباد سنة 1932 ، اما النشرة الثالثة فقدمهاالمحقق المؤرخ احسان عباس رحمه الله ونشره عن دار الشروق عام 1985 ، وهناك العمل الذي قامت به جنان الهموندي. وصدر حديثا العمل الاهم لجوليات الراسي عن المعهدالفرنسي للشرق الادنى في دمشق، مع دراسة شاملة بالفرنسية وقد اقتطعت جوليات الراسي الصفحات 270 - 324 من دراسة جنان الهموندي، وقامت بتحقيقها، لكن الراسي قدمت جهداكبيرا في أعمالها اذ انها اختارت السنوات الممتدة بين عامي 395هـ-411هـ /1004-1021م، ويختلف عمل الراسي عن الهموندي في ان الاخيرة حين قدمت عملها ونشرته كانت قد قطعتباعتمادها في التحقيق على نسخة وحيدة يتيمة من المخطوط الاصلي، في حين كشفت الراسي عن خمس نسخ جاءت متفرقة للمخطوط بين باريس وتركيا ولندن وبغداد واعتمدتها في التحقيق.

اذن، بصدور عمل جوليات الراسي الذي اعتمدت فيه منهجاً علمياً صارماً في التحقيق والدراسة والمقابلة، بين عدة نسخ، فانه بالامكان اعتبار عمل جنان الهموندي الذي ادعت فيه انه لا يوجد نسخة اخرى لمرآة الزمان فيما يخص الفترة التي حققتها، انه صار نوعاً من سقط المتاع او المفقود الذي لا يعول ارجاعه.

ينتهي الكتاب بالعام 411 هـ وهي سنة وفاة الحاكم بأمر الله الفاطمي ويبدأ باحداث العام 395هـ وهي السنة التي كانت فيها بغداد غارقة بفيضان مياه دجلة حتى ان المؤلف قال: "وفيها زادت مياه دجلة زيادة لم تعهد بحيث كان الماء على رؤوس النخل".

لايقتصر ابن الجوزي كتابه فقط على الكوارث والصراع السياسي، وانما نجده يقدم التفاتةهامة للتاريخ الاجتماعي والثقافي، كما انه يكشف عن اعيان المجتمعات، فيذكر من كان اميراً بالحج ومن خطب بهم ويعدد من توفي في كل سنة.

ارتكز ابن الجوزي لنظام التأريخ الحولي، ونجده يتخذ من السياسة واخبارها بداية لكتابة أحوال السنة،فالسياسية هي جملة التاريخ عنده، ويظهر ذلك عندما يشرح فيها ما كان جارياً من احوال بين ابن واصل وبهاء الدولة وعميد الجيوش ، او يذكر اخبار الامير ابو طاهر بن بهاءالدولة او نجده يسهب في تتبع اخبار ابن واصل حين دحره بهاء الدولة ويتوقف عند ثورةفي مصر عرفت باسم ثورة "ابو ركوة" التي يقول عنها "وانما لقب بأبي ركوة لانه كان يحمل في اسفاره ركوة على مذهب الصوفية"، ويرصد العلاقة بين السنة والشيعة في بغدادفيذكر الفتنة التي حصلت سنة 398هـ وهو لا يمر على الاخبار بدون ذكر الاسباب بل يفسرها فيقول في خبر تلك الفتنة: "وسببها ان بعض الهاشميين من اهل باب البصرة قصدابي عبدالله محمد بن النعمان فقيه الشيعة في مسجد بالكرخ ونال منه فثأر اصحابه واستفزوا اهل الكرخ".

كما يرصد احوال اهل الذمة في مصر ويبين طبيعة الاحكام التي كانت تقنن حركتهم فيفاد منه ان اهل الذمة كان لهم لباس خاص يميزهم. اذ اشترط عليهم تعليق الصلبان في صدورهم واشترط على اليهود تعليق تمثال على هيئة رأس عجل،ومنع الحاكم بأمر الله اهل الذمة ركوب الخيل والتختم في اليمين وكانوا اذا دخلواالحمامات علقوا في اعناقهم اجراساً لتميزهم عن المسلم، ويذكر ابن الجوزي بعض مشاهداته ومعايشته لاهل الذمة في القدس وبخاصة عادة اشعال القناديل والتي تعرف بعيدالنور (ص.37).

يقف ابن الجوزي عند اخبار عاشوراء في اكثر من مرة ويذكر غرائب الاحداث وعجائبها ونوازلها الكبرى من فتوح وكوارث ، وفي سنة 400 هـ يذكر ابن الجوزي ان الماء نقص في دجلة وامتنع فيها مسير السفن، وفيها بعث الحاكم بأمر الله الىمدينة الرسول ليتسلم دار جعفر بن محمد الصادق، ففتحها وأخذ ما كان فيها من كتب وأثاث، وكانت الدار حسب رواية مرآة الزمان مغلقة وخرج مع الاثاث شيوخ العلويين ولماوصلوا الى الحاكم اطلق لهم نفقات قليلة ورد عليهم السرير واخذ بقية الأثاث فانصرفواعنه ذامين له داعين عليه فشاع الفعل في البلاد فلعن الحاكم بأمر الله بعد الصلاة ،ونتيجة لخشيته من اثر ذلك شيد دار للعلم في القاهرة خلع عليها الاوقاف وقرب له العلماء وجمع الفقهاء والمحدثين وزار جامع عمرو بن العاص واظهر الميل لمذهب الامام مالكأ واقام الرواتب لمن يأوي مساجد السنة واختار لمجلسه نخبة من العلماء السنةوالاعيان واقام على ذلك ثلاث سنين.

حسب هذه الرواية يبدو أن الحاكم بأمرالله تقدم بمشروع هدنة سياسية مع اهل السنة لكنها لم تدم ولم تستمر طويلاً، ولعل ااهمية الحدث تكمن كون تلك الدار كانت تأخذ شكل الجامعة في زمن مبكر من تاريخ المسلمين.

الكاتب : مهند مبيضين

استاذ التارخ والحضارة في جامعة فيلادلفيا


************************************************** ************************************************** ****************

وللفائدة : كلام شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حول هذا الكاتب ( سبط ابن الجوزي )





قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المنهاج (4/97-9 : (( ... فهذا الرجل يذكر في مصنَّفاته أنواعاً من الغثِّ والسمين ، ويحتجُّ في أغراضه بأحاديث كثيرةٍ ضعيفةٍ وموضوعة. وكان يصنِّفُ بحسبِ مقاصد الناس ، يصنِّف للشيعة ما يناسبهم ، ليعوِّضوه بذلك . ويصنِّف على مذهب أبي حنيفة لبعض الملوك ، لينال بذلك أغراضه . فكانت طريقته طريقة الواعظ الذي قيل له : ما مذهبك ؟ قال : في أي مدينةٍ ؟ ولهذا يوجدُ في كتبه ثلبُ الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم ؛ لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة . ويوجد في بعضها تعظيم الخلفاء الراشدين وغيرهم )).