كانت المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي، هو بإجماع آراء الباحثين أهم كتاب في تاريخ مصر وجغرافيتها وطبوغرافية عاصمتها في العصر الإسلامي، فهو الكتاب الوحيد الذي وصل الينا ويقدم لنا- اعتمادا على المصادر الأصلية- عرضا شاملا لتاريخ مصر الإسلامية ولتأسيس ونمو عواصم مصر منذ الفتح الإسلامي حتى القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، ويعد اليوم مصدرا لا غنى عنه للمشتغلين بدراسة آثار مصر الإسلامية. فيوفر لنا الكتاب قائمة تفصيلية وأوصافا دقيقة بالقصور والجوامع والمدارس والخوانق والحارات والأخطاط والدور والحمامات والقياسر والخانات والأسواق والوكالات التي وجدت في عاصمة مصر خلال تسعة قرون. وترتكز هذه القائمة في الأساس على الملاحظات الشخصية للمقريزي وعلى مصادر لم تصل إلينا، فحفظ لنا المقريزي بذلك نقولا ذات شأن للمؤلفين القدماء الذين فقدت مؤلفاتهم اليوم».
وعن أهمية الكتاب للتاريخ المصري والدراسات التي دارت حوله... أضاف المحاضر: «وفي مصر كان هذا الكتاب من أوائل الكتب التي أخرجتها مطبعة بولاق التي أصدرت طبعة كاملة له في سنة 1270 هجري/ 1835 ميلادي، وهي نشرة لا تستحق دائماً ثقة كاملة رغم الجهد الواضح الذي بذله مصححها الشيخ محمد عبدالرحمن قطه العدوي المتوفى سنة 1281 هجري/ 1864 ميلادي، فنحن لا نعرف الأصول التي اعتمدت عليها مثل بقية الكتب التي أخرجتها مطبعة بولاق القديمة، وجاءت مليئة بالأخطاء والتصحيف والسقط الذي وجد في أصولها المعتمد عليها والتي حاول مصححها تصويبه قدر الطاقة أو الإشارة إليه. ومع ذلك فلا تزال هذه النشرة هي الأساس الذي تعتمد عليه كل الدراسات التي تتناول تاريخ عواصم مصر الإسلامية وخططها ومعالمها الأثرية في غياب أي نشرة أخرى محققة للكتاب».
وعن انشغال الدكتور أيمن السيد بدراسة المقريزي وخططه قال: «أثناء انشغالي بنشر مصادر تاريخ مصر في العصر الفاطمي التي أخرجت منها نصوصا لكل من المسبحي وابن ميسر وابن المأمون وابن الطوير وابن الصيرفي، وكذلك أثناء إعداد أطروحتي في جامعة باريس عن «تاريخ العاصمة المصرية وطبوغرافيتها في زمن الفاطميين» كان كتاب الخطط للمقريزي مصدرا لا غنى عنه لي في تقويم هذه النصوص واستكمالها، كما انه بفضل المعلومات الغنية التي وفرها لنا المقريزي والتي لا نجدها في أي مصدر آخر، لم يكن من الممكن لدراستي عن العاصمة المصرية أن تتحقق على الوجه الأكمل. وقد تمكنت من خلال هذه النصوص ومن مصادر المقريزي التي وصلت إلينا والمصادر الموازية الأخرى أن أصحح الكثير من الأخطاء والأوهام التي تسربت إلى طبعة بولاق».
وتناول المحاضر مدى تفرد كتاب المقريزي في مجال بحثه فقال: «يدخل موضوع هذا الكتاب في مجال فن كتابة الخطط، الطبوغرافيا- وهو نوع من الجغرافيا التاريخية الاقليمية- وقد عرف هذا الفن في كثير من أقطار العالم الاسلامي حيث اشتملت مقدمات الكتب التي أرخت للمدن الإسلامية مثل «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي و«تاريخ دمشق» لابن عساكر و«الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة» لابن شداد على أوصاف طبوغرافية لهذه المدن، ومع ذلك فنستطيع القول إن هذا الفن من الفنون التي اختصت بها مصر الإسلامية ونما وتطور بها على مدى تاريخها الطويل، وكان له فيها تاريخ مجيد مهد الطريق إلى الاكتمال الذي بلغه هذا الفن في مؤلف المقريزي الضخم «المواعظ والاعتبار» الذي يعد بلا جدال أكبر ممثل لنمط الخطط». وأضاف: «فالكتاب أحد مفاخر التراث العربي، فهو أشمل وأوسع كتاب كتب عن مدينة إسلامية تناول فيه مؤلفه بطريقة تدعو إلى الإعجاب الظواهر التاريخية والعمرانية والطبوغرافية للمدينة، وهو بذلك يختلف عن «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، وتاريخ مدينة دمشق للحافظ ابن عساكر؛ فهذان الكتابان- وهما أكبر ما ألف في تواريخ المدن- اتبعا منهاجا مخالفا، وكان غرض مؤلفيها هو الترجمة لمن ولد أو أقام أو دخل أو توفي في هاتين المدينتين من الخلفاء والسلاطين والعلماء والأدباء، والشعراء والفقهاء... إلخ، وهو ما فعله المقريزي في كتابه المقفى الكبير مع مقدمة في وصف المدينة وتخطيطها لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال بعمل المقريزي الذي بلغ الذروة بفن الخطط في كتابه المواعظ، كما ان المقريزي- وان لم يكن آخر المؤلفين في هذا المجال- إلا أنه أعظمهم مكانة».
وأنهى المحاضر أيمن السيد محاضرته موضحا أسبقية وريادة كتاب المقريزي في حقله قائلا: «الكتاب كتاب مؤسس في التاريخ العمراني وأول كتاب متخصص في تاريخ مدينة، لا يوجد كتاب أقدم منه فكتاب «تاريخ فلورنسة» وهو أول كتاب في تاريخ المدن في أوروبا كتب سنة 1480 ميلادي أي بعد وفاة المقريزي بنحو أربعين عاما».


المصدر: الراي العام: 8 مارس 2007 __________________


الدكتور أيمن فؤاد سيد