ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  1
النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2009
    الدولة
    الجزار العاصمة
    المشاركات
    222

    الإعجاب بالنفس والغرور مفتاح لكل أبواب الشرور

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم .
    أما بعد:
    لقد ذم الله تعالى الإعجاب بالنفس وجعله من محبطات الأعمال ، وأن الإعجاب بالنفس لا يغني من الله شيئا ، قال سبحانه وتعالى:{{ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين }} [التوبة 25].
    وغرور المرء بشخصيته يتأتى من إعجابه بنفسه وشكله ، أو بصورته وهيئته أو علمه وعمله ودينه أو قوته وجاهه ، أو سلطانه وجماله ، وهذا كله من وحي الشيطان الذي يعدهم ويمنيهم ، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا .
    ولقد يعجل الله العقوبة للمعجب بنفسه المغرور بما عنده من الدنيا ، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :<< بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف الله به الأرض فهو يتجلجل [1] فيها إلى يوم القيامة >>[2].
    وإن الغرور والإعجاب بالنفس من المهلكات : وفي الحديث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:<< إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم >> [3] وقوله:<< أهلكهم >> جاءت بفتح الكاف على أنه فعل ماض ، بمعنى كان سببا في هلاكهم باعتلاله عليهم ، وسوء الظن بهم ، وتيئيسهم من روح الله تعالى ، وجاءت بضم الكاف أيضا ، والمعنى أشدهم وأسرعهم هلاكا بغروره وإعجابه بنفسه واتهامه لهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم ، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه وظنه أنه خير منهم .
    قال إسحاق : فقلت لمالك : ما وجه هذا ؟ قال : هذا رجل حقر الناس وظن أنه خيرا منهم فقال هذا القول فهو أهلكهم ، أي أرذلهم ، وإما رجل حزن لما يرى من النقص من ذهاب أهل الخير فقال هذا القول ، فإني أرجو أن لا يكن به بأس [4].
    وأن أبعد الناس من الدخول في دين الله ، وقبول النصيحة ، جاهل مغرور ، معجب بنفسه لأنه يرى نفسه على الصواب والناس حوله على باطل .
    والغرور هو نوع جهل بالنفي يوجب اعتقاد الفاسد صحيحا ، والرديء جيدا، وسببه وجود شبهة أوجبت له الهلاك ، وفي الأثر :<< ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه .[5]
    من أقوال السلف في العجب والغرور : قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : الهلاك في شيئين : العجب والقنوط ، وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالطلب والتشمير، والقانط لا يطلب والمعجب يظن أنه قد ظفر بمراده فلا يسعى .[6].
    وقال مطرف بن عبد الله رحمه: لأن أبيت نائما وأصبح نادما ، أحب إلي من أن أبيت قائما وأصبح معجبا .[7].
    وقال ابن القيم رحمه الله:من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه، ومن رجا الغفران مع الإصرار فهو مغرور.[8].
    أين يكثر الغرور والإعجاب بالنفس؟يكثر العجب والاغترار عند خمسة أصناف منالناس [9] وهل الناس غير هؤلاء ؟ وكل من هذه الأصناف على نوعين ، نوع غرتهم الحياة الدنيا فقالوا : النقد خير من النسيئة ، والدنيا نقد والآخرة نسيئة ، وهذا محل التلبيس عليهم ، ونوع آخر نظر إلى الآخرة فاجتمع لديهم الخوف والرجاء ، وهما سائقان يبعثان على العمل ، فسارعوا إلى العمل وما لا يبعث على العمل فهو غرور ، وهذا حال أكثر الخلق الذين غلّبوا جانب الرجاء الذي حملهم على البطالة وإيثار المعاصي.
    والعجب أن القرن الأول عملوا وخافوا، ثم أهل هذا الزمان أمنوا مع التقصير واطمأنوا، أتراهم عرفوا من كرم الله تعالى ما لم يعرفه الأنبياء والصالحون، ولو كان هذا الأمر يدرك بالمنى، فلم تعب أولئك وكثر بكاؤهم .[10].
    قال أبو محمد ابن حزم الأندلسي رحمه الله :[11] فصل في مداواة ذوي الأخلاق الفاسدة العجب . وهو فصل ماتع سأنقله باختصار .
    قال رحمه الله : ومن امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه ، فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة ، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى أنه لا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد ، وأنه أتم الناس نقصا ، وأعظمهم عيوبا ، وأضعفهم تمييزا ، وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل ، ولا عيب أشد من هذين ، لأن العاقل : هو من ميز عيوب نفسه فغالبها ، وسعى في قمعها ، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه ، إما لقلة علمه ، وتمييزه وضعف فكرته ، وإما لأنه يقدر أن عيوبه خصال [12] وهذا أشد عيوب أهل الأرض ، وفي الناس كثير يفخرون بالزنى واللياطة [13 ] والسرقة والخمر ، والظلم ، فيعجب بتأتي هذه النجوس له ، وبقوته على هذه المخازي.
    واعلم يقينا أنه لا يسلم أنسي من نقص ، حاشا الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط ، وصار من السخف والضعف والرذالة والخسة ، وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم ، بحيث لا يتخلف عنه متخلف من الأراذل ، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة ، فليتدارك نفسه بالحث عن عيوبه ، والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها ، وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة إلا الاتعاظ بما يسمع المرء منها فيجتنبها ، ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته .
    وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير لا يسوغ أصلا ، والواجب اجتنابه إلا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب ، أو على سبيل تبكيت المعجب ، فقط في وجهه لا خلف ظهره .
    ثم نقول للمعجب : ارجع إلى نفسك ،فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك .ولا تمثل بين نفسك وبين من هو أكثر عيوبا منها، فتستسهل الرذائل ، وتكون مقلدا لأهل الشر ، وقد ذم تقليد أهل الخير ؛ فكيف بتقليد أهل الشر ؟ لكن مثل بين نفسك وبين من هو أفضل منك. فحينئذ يتلف عجبك وتفيق من هذا الداء القبيح ، الذي يولد عليك الاستخفاف بالناس وسوء الظن بهم ، وفيهم بلا شك من هو خير منك ، فإذا استخففت بهم بغير حق استخفوا بك بحق لأن الله تعالى يقول :{{ وجزاء سيئة سيئةٌ مثلها }} [الشورى :40] فتولد في نفسك الاستخفاف بك ، بل على الحقيقة مع مقت الله عز وجل ، وطمس ما فيك من فضيلة.
    فإن أعجبت بعقلك ، ففكر في حل فكرة سوء تمر بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة بك ، فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ .
    وإن أعجبت بآرائك ، فتفكر في سقطاتك ولا تنسها ، وفي كل رأي قدرته صوابا فخرج بخلاف تقديرك ، وأصاب غيرك وأخطأت أنت ، فإنك إن فعلت ذلك فأقل أحوالك أن توازن سقوط رأيك بصوابه ، فتخرج لا لكَ ، ولا عليك ، والأغلب أنّ خطأك أكثر من صوابك ، وهكذا كل أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم.
    وإن أعجبت بخيرك ، فتفكر في معاصيك وتقصيرك ، وفي معايبك ووجُوهه ، فوالله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك، ويعفى على حسناتك ، فليطل همك حينئذ وأبدل من العجب نقصا لنفسك.
    وإن أعجبت بعلمك ، فاعلم أنه لا خصلة لكَ فيه ، وأنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ربك ، فلا تقابلها بما يسخطه ، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت ، ولقد أخبرني عبد الملك بن طريف - وهو من أهل العلم والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث - أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم لا يكاد يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته ، وأنه ركب البحر فمر به فيه هول شديد أنساه أكثر ما كان يحفظ ، وأخل بقوة حفظه إخلالا شديدا ، ولم يعاوده ذلك الذكاء بعد ، وأنا أصابتني علة فأفقت منها، وقد ذهب ما كنت أحفظ ، إلا ما لا قدر له يذكر ، فما عاودته إلا بعد أعوام .
    واعلم أن كثيرا من أهل الحرص يجدون في القراءة والإنكباب على الدّرس والطلب ثم لا يرزقون منه حظا ، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإنكباب وحده لكان غيره فوقه فصح أنه موهبة من الله تعالى فأي مكان للعجب هنا ؟ ما هذا إلا موضع تواضع ، وشكر لله تعالى واستزادة من نعمه ، واستعاذة من سلبها.
    ثم تفكر أيضا في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلوم ، ثم من أصناف علمك الذي تختص به والذي أعجبت بنفاذك فيه؛ أكثر ممّا تعلم ُمن ذلك ، فاجعل مكان العجب استنقاصا لنفسك واستقصارا لها فهو أولى.
    وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيرا ، فلتَهُن نفسك عندك حينئذ ، وتفكر في إخلالك بعلمك كثيرا ، وأنت لا تعمل بما علمت منه ، ولقد كان أسلم لك لو لم تكن عالما ، واعلم أن الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالا واعذر، فليسقط عجبك بالكلية .
    ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها كالشعر والفلسفة ، والعلوم التجريبية وما جرى مجراها ، وانظر حينئذ إلى من هو علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة فهون نفسك عليك .
    وإن أعجبت بشجاعتك ، فتفكر فيمن هو أشجع منك ثم أنظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى ، فيما صرفتها فإن كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق لأنك بذلت نفسك فيما ليس ثمنا لها ، وإن كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بعجبك ، ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخوخة ، وأنك إن عشت فستصير من عداد العيال وكالصبي ضعفا . وعلى أني ما رأيت العجب في طائفة أقل منه في أهل الشجاعة ، واستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها وعلوها .
    وإن أعجبت بجاهك في دنياك ، فتفكر في مخالفيك وأندادك ونظرائك ، ولعلهم أخِسّاء ، وضعفاء سُقّاط ، فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه ، ولعلهم ممن يستحى من التشبه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم في أنفسهم وأخلاقهم ، ومنابتهم ، فاستحصن بكل منزلة شاركك فيها من ذكر ، وإن كنت مالك الأرض كلها ولا مخالف عليك ، وهذا بعيد جدا في الإمكان ، فما نعلم أحدا ملك معمور الأرض كلها على قلته وضيق ساحته بالإضافة إلى غيرها ، فكيف إذا أضيف إلى ذلك الفلك المحيط ، فتفكر فيما قال ابن السماك للرشيد ، وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه فقال له : يا أمير المؤمنين ، فلو منعت هذه الشربة بكم ترضى أن تشتريها ؟ فقال له الرشيد : بمكلي كله .قال يا أمير المؤمنين ، فلو منعت خروجها منك بكم كنت ترضى أن تفتدي من ذلك ؟ قال بملكي كله . فقال يا أمير المؤمنين ، أتغتبط بملك لا يساوي بولة ، ولا شربة ماء ؟ وصدق ابن السماك رحمه الله .
    وإن كنت ملِك المسلمين كلهم ، فاعلم أن ملِك السودان وهو رجل أسود مكشوف العورة جاهل يملك أوسع من ملكك فإن قلت : أنا أخذته بحق ، فلعمري ما أخذته بحق إذا استعملت فيه رذيلة العجب ، وإذا لم تعدل فيه فاستحي من حالك في رذالة ، لا حالة يجب العجب فيها .
    وإن أعجبت بمالك ، فهذه أسوأ مراتب العجب ، فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت .
    واعلم أن عجبك بالمال حمق لأنه أحجار لا تنتفع بها إلا أن تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط ، والمال أيضا غاد ورائح وربما زال عنك ورأيته بعينه في يد غيرك ولعل ذلك يكون عدوك فالعجب بمثل هذا سخف والثقة به غرور وضعف .
    وإن أعجبت بحسنك ، ففكر فيما يولد عليك ما نستحي نحن من إتيانه ، وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك في السن وفيما ذكرنا كفاية .
    وإن أعجبت بمدح إخوانك ، ففكر في ذم أعدائك إياك ، فحينئذ ينجلي عنك العجب ، فإن لم يكن لك عدو فلا خير فيك ، ولا منزلة اسقط من منزلة من لا عدو له ، فليست إلا منزلة من له لله تعالى عنده نعمة يحسد عليها – عافانا الله – فإن استحقرت عيوبك ففكر فيها، ولو ظهرت إلى الناس ، و اطلاعهم عليها فحينئذ تخجل ، وتعرف قدر نقصك إن كان لك مسكة من تمييز .
    واعلم بأنك إن تعلمت كيفية تركيب الطبائع وتولد الخلاق من امتزاج عناصرها المحمولة في النفس، فستقف من ذلك وقوف يقين، على أن فضائلك لا خصلة لك فيها،وأنها منح من الله تعالى لو منحها غيرك لكان مثلك ، وأنك لو وكلت إلى نفسك لعجزت وهلكت فاجعل بدل عجبك بها شكرا لواهبك إياها، وإشفاقا من زوالها فقد تتغير الأخلاق الحميدة بالمرض وبالفقر ، وبالخوف ، وبالغضب وبالهرم ، وارحم من مُنعَ ما مُنحتَ ، ولا تتعرض لزوال ما بك من النعم بالمعاصي ؛ وهي الجرأة على واهبها تعالى ، وبأن تجعل لنفسك فيما وهبك خصلة أو حقا أنك استغنيت عن عصمته فتهلك عاجلا وآجلا .
    وإن أعجبت بقوة جسمك ، فتفكر أن البغل والحمار والثور أقوى منك ؛ وأحمل للثقال ، وان أعجبت بخفتك فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب ، فمن العجب العجيب إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير ناطق .
    واعلم أنّ من قدّر في نفسه عُجبا أو ظنّ لها على سائر الناس فضلا ؛ فلينظر إلى صبره عندما يدهمُهُ همٌ أو نكبةٌ أو وجعٌ أو دُمَّلٌ أو مصيبةٌ ، فإن رأى نفسه قليلة الصبر فليعلم أن جميع أهل البلاء من المجذومين ، وغيرهم من الصابرين أفضل منه على تأخر طبقتهم في التمييز ، وإن رأى نفسه صابرة فليعلم أنه لم يأت بشيء لم يسبق إليه ، بل هو إما متأخرا عنهم في ذلك أو مساوٍ لهم ولا مزيد.
    ثم لينظر إلى سيرته وعدله أو جوره فيما خوله الله من نعمة أو مال أو أتباع أو صحة أو جاه ، فإن وجد نفسه مقصرة فيما يلزمه من الشكر لواهبه تعالى ، ووجدها حائفة في العدل ، فليعلم أن أهل العدل والشكر والسيرة الحسنة من المخوّلين أكثر مما هو فيه ، وأفضل منه ، فإن رأى نفسه ملتزمة للعدل ، فالعدل بعيد عن العجب البتة ، لعلمه بموازين الأشياء ومقادير الأخلاق والتزامه التوسط الذي هو العدل بين الطرفين المذمومين، فإن أعجب فلم يعدل ،بل قد مال إلى جنابة الإفراط المذمومة .
    واعلم أن التَّعسُّفَ وسوءَ الملكةِ ، لمن خولك الله تعالى أمره من رقيق أو رعية يدلان على خساسة النفس ، ودناءة الهمة ، وضعف العقل ، لأن العاقل الرفيع النفس العالي الهمة إنما يغالب أكفاءه في القوة ، ونظراءه في المنعة ، وأما الاستطالةُ على من لا يمكنه المعارضةُ فسقوطٌ في الطبع ، ورذالة في الخلق ، وعجز ومهانة ، ومن فعل ذلك فهو بمنزلة
    من يتبجح بقتل جرد [14] ،أو بقتل برغوث أو بفرك قملة ، وحسبك بهذا ضعة وخساسة.
    والعجب أصل يتفرع عنه التيه ، والزهو والتكبر والنخوة ، والتعالي، وهذه أسماء واقعة على معان متقاربة ، ولذلك صَعُبَ الفرقُ بينها على أكثر الناس ، فقد يكون العجب لفضيلة في المعجب ظاهرة ، فمن معجب بعمله فيكفهر ويتعلق على الناس ،[أي يتفاخر عليهم] ومن معجب بعلمه فيترفع ويتعالى ، ومن معجب برأيه فيزهو على غيره ، ومن
    معجب بنفسه فيتيه ، ومن معجب بجاهه وعلو حاله فيتكبر وينتخي ، بمعنى يفتخر ويتعاظم .
    وأقل مراتب العجب أن تراه يتوفر عن الضحك في مواضع ، وعن خفة الحركات ، وعن الكلام إلا فيما لا بد له منه من أمور دنياه ، وعيب هذا أقل من عيب غيره [15] .
    علاج الغرور والإعجاب بالنفس.
    فإن قيل : فما ذكرته من مداخل الغرور والإعجاب لا يكاد يسلم منه أحد ؟ فالجواب :أن مدار الآخرة على معنى واحد وهو علاج القلب وتقويمه من هذا الداء ، ولا يعجز عن ذلك إلا من لم تصدق نيته وطغى عليه الغرور.فقد يكون العجب دفينا في نفس المعجب حتى إذا حصل على أدنى جاه أو مال ، أو علم ، أو خصلة ظهر ذلك عليه ، وعجز عقله عن قمعه وستره ..
    ولا يستطيع أن يدفع ذلك عنه إلا أن يهتم بأمر الآخرة كما يهتم بأمر الدنيا لينالها، وأكثر ، وقد فعل ذلك السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان، ويستعان على التخلص من الغرور والعجب بأربعة أشياء :
    1- العقل : وهو النور الذي يكشف به حقائق الأشياء ، والتكريم الأصلي الذي يدرك به الإنسان الحق والباطل.وعليه أن يتفكر في الآيات الكثيرة التي خاطب الله فيها العقل ، فليروض نفسه عليها ، وليقرأ ما جاء في روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان البستي فهو مفيد .
    2 - المعرفة – ويقصد بها العلم – وهي التي يعرف بها الإنسان ربه ،ونبيه ، ودينه ، ونفسه ، ودنياه ،وآخرته ، ولماذا خلق في هذا الوجود ؟فلا شك ان من عرف الحق والجزاء عليه سلبا وإيجابا ثوابا وعقابا خاف العواقب فترك الغرور والعجب بالنفس ، فازدراها واحتقرها .
    3- الاستعانة على معرفة الدنيا والآخرة بذم الدنيا وذكر الموت، فإذا حصلت هذه المعرفة ثار من القلب بمعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته ، فوقر فيه حب الله تعالى ،فتواضع وتذلل له ، وبمعرفة الآخرة حبُ شدة الرغبة فيها ، وبمعرفة الدنيا حبُ شدة الرغبة عنها فيصير أهم أمور إليه ما يوصله إلى الله تعالى ، وينفعه في الآخرة وإذا غلبت هذه الإرادة على القلب، صحت نيته في الأمور كلها واندفع الغرور، وبطل سوء ظنه بالناس .[16].
    4 – القراءة في سير السلف الصالح الماضين ، وكيف كانت معرفتهم بربهم ونبيهم ، وكيف كانت عبادتهم ، ورغبتهم الشديدة في الآخرة ، وزهدهم في الدنيا ، وصفاء سرائرهم ، وإخلاص نياتهم ، حتى مدحهم الله بذلك :{{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا }} وقال :{{ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم }} وقال تعالى {{ وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }} فمن عرف حال القوم وسار على نهجهم ونزع ما في قلبه من غل ،معترفا بسابقتهم وفضلهم ، موقرا للكبار وخاصة ذوي الفضل منهم ، معظما لحقوقهم ، محترما لمثله متجاوزا عنهم ، راحما لمن كان أصغر منه واضعا كل نصاب في نصابه ، وكل مقال في مقامه، فهذا قد عالج نفسه من العجب والغرور . والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

    الهوامش.
    1- يتجلجل : معناها يغوص في الأرض حين يخسف به – الجلجلة الحركة مع الصوت ،قال محمد فؤاد عبد الباقي اللؤلؤ والمرجان [ج3/46] يتجلجل أي يتحرك ، أو يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ، ويندفع من شق إلى شق .
    2- متفق عليه اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان [ح1351].
    3- رواه مسلم [ح 6642- 6643 ] والبيهقي في كتابه الآداب [ص227].
    4- الآداب للبيهقي [227] وآفات اللسان للقحطاني [149].
    5- أخرجه الخطيب في المشكاة [ج3/ 1416] قال الشيخ الألباني في التعليق عليه : الحديث حسن لطرقة ، وشواهده . وقال في الصحيحة :[ ج4/ 412] وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن على أقل الدرجات – إن شاء الله – وبه جزم المنذري .
    6- مختصر منهاج القاصدين [254].
    7- مختصر منهاج القاصدين [254]و [259] بتصرف .
    8- مدارج السالكين [ج2/ 58].
    9- هم العباد،وأعظمهم شيوخ الطرق،والعلماء وطلبة العلم، وخاصة رؤساء الفرق، والحكام والملوك ، والصوفية والأغنياء .
    10- مختصر منهاج القاصدين [254]و [259] بتصرف .
    11- مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل لابن حزم [47 – 72].
    12-[أي صفات حسنة ، والخصلة :الخلة ،فضيلة كانت أو رذيلة ،لكن قد غلب على الفضيلة كما في استعمال المصنف ].
    13- [ لاطة جمع لوطي ، من لاط الرجل لواطا ، ولاوط، أي: عَمِل عَمَل قوم لوط ،الذين كانوا ياتون الرجال شهوة دون النساء فهد النسبة لفعلهم ، قال الليث : لوط كان نبيا بعثه الله إلى قومه فكذبوه ، وأحدثوا ما أحدثوا ، فاشتق الناس من اسمه فعلا لمن فَعَل فِعلَ قومه .[ اللسان مادة لوط ]ولم يرد – فيما أعلم – استعمال هذه النسبة في حديث
    صحيح مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم ، لكن ثبت ذلك عن بعض الصحابة فيما قرأت ثم استعمله أئمة التفسير، والحديث ، والفقه ، واللغة وأدخلوه في مصنفاتهم ].
    14- الجرذ : نوع من الفئران .
    15- مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق والزهد في الرذائل لابن حزم ، تحقيق أبو حذيفة إبراهيم بن محمد [ص57-67] بتصرف .
    16- مختصر منهاج القاصدين للمقدسي ، تحقيق زهير الشاويش [270-271] بتصرف .


    وكتب :



    أبو بكر يوسف لعويسي



    الجزائر العاصمة / 15/1/1432هـ الموافق 21/12/2010م.

    التعديل الأخير تم بواسطة ; 22-Dec-2010 الساعة 05:06 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2006
    المشاركات
    27
    بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة الا بالله ،
    اسال الله ان يجازيك خير الجزاء على هذا الموضوع الطيب الذي يعالج كبيرة من كبائر الذنوب القلبية ، التي تهوي بالعبد من الدرجات العلى ، ثم تسقطه من ولاية المولى ، وقد ترديه ان فحش وغلب إلى نار ولظى تطهره من الأدران والران

    اعلق تعليقا ولست له بأهل ... ليس باستيفاء ولا كلاما محررا ، ولكنها من صفحات ما قرات وخواطر ما لقيت ...

    أن هناك أمور متى ما تيقنها العبد الفقير إلى الله ، في سيره إلى الله أحالت بحول الله من هذا الداء العضال الا وهو العجب والاغترار بالنفس والعمل :
    أولا : كما هو معلوم أن الدين كله : أولا اسلام ثم مرتبة الايمان ثم مرتبة الإحسان
    فالعبد يرتقي في هذه لمنازل ان اسلم او يبقى في الإسلام والايمان المجزئ ان لم يرتفع ( المسلم الذي يكون عند الله ولا اقصد التفاصيل في النفاق وووو )
    فاذا يطلق على العبد المتلبس به : المسلم - المؤمن - المحسن
    ثانيا : هناك مراتب ودرجات واحوال ومقامات في هذه الرحلة الى هذه الرفعة ، وهذا الطريق الى الصراط المستقيم
    فكما قال تعالى ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)
    فالناس ثلاث : ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخيرات ، والسابقون : درجتين : ابرار ومقربون كما ذكر ذلك ابن القيم في طريق الهجرتين
    ثالثا :وكل ما يستكمل هذا العبد هذه المقامات والأحوال ارتفع وارتقى في الدرجات وهي بين أصلين عظيمين : ( اياك نعبد واياك نستعين ) أي كما يقول تعالى ( فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) ، وطبعا العبادة تشمل ركنيها ( الاخلاص والمتابعة ) ....
    رابعا : وهناك ثلاث اركان رئيسية على العبد الناصح أي يحاسب نفسه فيها :
    1- تحقيق العبودية بالإخلاص والسنة
    2- تحقيق التقوى لله في كل شيء
    3- تحقيق الإستعانة بالله في كل شيء
    ومع ما سبق : فان هذه العبادة تتوزع على القلب ، واللسان ، والجوارح ، وهي التي تمسى عند اهل السنة بالإيمان
    ثم ان هذه كله مابين واجبات ومستحبات وكمالات ، تكون بين العبد وربه ، وتكون بين العبد وخلقه
    فالعبد الفقير الذي كما يصفه شيخ الاسلام عبد وصفه فقيرباللازم كما ان الله غني باللازم ... اذا علم هذه الدرجات والمقامات العاليات ، ثم انه لاينالها إلا باستيفاء الحقوق بينه وبين ربه ، وبينه وبين خلقه : الوالدين والزوج والذرية والاقارب والارحام والجيران والعلماء وولاة الامور وووو ، وهو في كل لحظة في ابتلاء وامتحان مرة بينه وبين ربه ومرة بينه وبين خلقه ... اللهم النجاة النجاة من هذه العقبات
    فهو اذا دائما السؤال لنفسه في تعامله مع ربه ومع خلقه ، هل حقق هذه الثلاث
    يعني هل صلى لله وقد حقق ونصح في صلاته الخشوع وووو
    هل اتقى الله في كذا وكذا
    هل استعان بالله حقا ام كما هو حال الكثير يقفز قلبه الى المخلوقين والاسباب حتى يؤدبه ربه فيلجأ بعد ذلك لرب الأسباب ، وكل نقص ينقص من درجته وهكذا ... فهو في جهاد مع نفسه والشيطان والدنيا حتى يلقى الله عز وجل ..
    فهو حقا مسكين لا يعلم اولا ، هل سينجو ام لا ، ثم لا يعلم اين هو الان مقاما عند العلي العظيم ، وكيف حاله في الطريق المستقيم ، هل التفت يمنة ويسرة في عبادة او استعانة او تقى ولا حول ولا قوة الا بالله العاصم ...
    فاذا فليوسع تصور ايمانه ويقينه ان الله فوق العرش العظيم وبينه وبين حاله وماضيه ( بسؤاته وعثراته وعوراته ) درجات قد سبقها من سبق ، فهو مسكين كل يوم يجدد ايمانه
    خامسا : هل كلما وقف على مقام ومرتبة ثبت واستكمل غيرها ام انه من ظلمه وجهله ، يكرر الله ابتلائه في كل مرة كي ينج ويفوز بهذه الدرجبة فيرتقي ولكن كثافة نفسه ولؤم طبعة تأبى الهدى فيكرر الله عليه الابتلاء ثم لا يدري اين يصل في اي الدرجات وقد وافته منيته والله يقول (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18 مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) )) نعم والله كلا لما يقض ما أمره

    سادسا : العبد الفقير الى ربه حقا ، يعلم ان العلم بالشيء غير الحال
    يعني هذه المقامات العاليات والدجات الرفيعات
    التي أعلاها بعد الإيمان مرتبة الإحسان ، والله يحب المحسنين ، ...
    والتي علق الله اغلب وعده باحوالهم : معية ومحبة وجزاء وجنة وثوابا ونصرة
    كما علق الله وعده للمتقين ...
    نعود ونقول : ان العبد الذي يعرف نفسه يعلم ان العلم غير الحال ...
    يعني انه مهما علم من المراتب والاحوال وقرا من العلم والمسائل .. لارفعة له الا ان رفعه الله بهذا ، يعني العلم قد يكون حجة له او عليه
    فليس كل من تعلم دين الله نجا بعلمه فكم من مسعر في نار جهنم بسبب علمه ، وكم من مسعر بسبب صدقته وجهاده
    تقرير وبيان ذلك كلام ابن القيم اذ يقول عندما وصف حال المقربين : ( ولكن لا تغتر ، وفرق بين العلم والحال ، واياك ان تظن أن بمجرد علم هذا الشأن قد صرت من أهله ، هيهات ! ما أظهر الفرق بين العالم بوجوه الغنى وهو فقير...) طريق الهجرتين

    سابعا : واخص به طلبة العلم لاننا في منتداهم ، ان العلم ينقسم الى قسمين اي الشرعي :
    ا- علم مقصود بنفسه 2- علم وسائل إلى المقاصد
    1- فالعلم المقصود :كعلم تفسير القران وتأويله ، وعلم فقه السنة والحديث ، وكذلك العقيدة والتوحيد ، وما يدخل فيه من اعمال القلوب ، و ما يجب معرفته من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ،2- وعلم الوسائل كمصطلح الحديث واصول الفقه و اللغة وو ، وكله فيه فضل ، وعلم المقاصد هو الأعلى قدحا وثمرة ، والوسائل هي وسائل لا يكتفى به عن العلم المقصود ، ولا يستنقص من اهميته ، ولكن اللبيب بالاشارة يفهم ..!
    فلا بد لطالب العلم ان يسأل عن عدة أمور :
    - فالعلم له معالم وأنوار - فكم من طالب علم لم ينور له علمه ، فلا يجد في نفسه لذة العبودية والتضرع والاستكانة - نعوذ بالله من الحرمان والخذلان ...
    ففي اخلاصه لله عند طلبه للعلم وكلنا يدعي الإخلاص لله عز وجل ونحفظ حديث الأعمال بالنيات كأسماءنا ، فهل هو
    1- يطلب العلم الشرعي الذي يصلح قلبه اولا وينجيه هو نفسه قبل الناس أم هو مسكين لا يبحث في العلم الا ما فيه يتسابق المتسابقون .. سواء كان اصلح لقلبه ام هو نافلة من العلم والعمل فيه قليل ... ،
    كيف تعرف هذا من نفسك : اسال نفسك
    هل لك ورد في تفسير كلام الله عز وجل ، لانك امرت بتدبره ..
    هل لك ورد في سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحديثه وهديه وسيرته لانك امرت باتباعه واقتداءه
    - وفي هذا يقول ابن القيم في الفوائد بعد ما ذكر علوم الناس ونظرتهم في العلم (( ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والايمان اللذين بهما السعادة والرفعى وفي حقيقتهما ... بل اكثرهم ليس معهم ايمان ينجي ولا علم يرفع ...) ثم قال بعد ما ذكر اصنافهم وطرقهم وغلطهم في العلم ( وقد كان علم الصحابة اللي يتذاكرون فيه غير علوم هؤلاء المختلفين الخراصين ، كما حكى الحاكم في ترجمة ابي عبد الله البخاري ، قال : كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اجتمعوا انما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم ، ليس بينهم راي ولا قياس ..)
    فان كان الجواب بنعم .. اسال نفسك :
    2- هل كلما تعلمت علما حضرته لأجل ان تقوله لطلبتك او مستمعيك ومحاضريك ، ام انك تزلزل هذا العلم في قلبك فترى حالك فيه وبؤسك في عدم العمل به وتدعو الله ان يوفقك للعمل به ، وان يكون حجة لك لا عليك ثم تعلمه غيرك نجاة لهم وانت مشفق على حالك ان يطلعوا على عورتك وتخشى من سوء حالك ان يريهم الله ذلك في الاخرة - اللهم عافنا - خاصة وان هذا العلم ثقيل والله كما قال الله عزوجل (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا )
    فهو لا يؤخذ بالراحة واللذة ، بل هو كما جاء في حديث فيه ضعف ان القران نزل بحزن ، قال إبراهيم التيمي : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا ، ذكره الامام البخاري في صحيحه .

    3- انك ان طلبته وعملت فيه ونشرته وبلغته ، هل تنتظر مدح الناس وشكرهم اولا ،
    ان اردت معرفة ذلك ، فانظر الى عينك وقلبك ، هل كلما نشرت شيئا نظرت الى اعينهم ومدى اعجابهم بك ، او انك كلما قلت وبلغت عن الله شيئا تقول ، اللهم اعف عني لو يعلمون من انا ، لما استمعوا لي ، انما انا مبلغ ورب مبلغ يسمعني اوعى مني
    4- هل ان استنقصك احد او رد عليك راد في مسالة او اختلف معك احد ، تطاير الشرر منك ، وكأنه لم يعرف حقك وقدر ... ام انك تقبل ما يقال بانه رحمة من الله لكي يعرفك عيوب نفسك وعصمة من الله حتى يحفظك من فلتات وزلات لسانك وقلمك
    ومن هنا ايقن ايها الفقير ، ان الله وحده هو الذي ذمه شين ومدحه زين كما جاء في الحديث عن البراء بن عازب : في قوله { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } قال فقام رجل فقال يا رسول الله إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال النبي صلى الله عليه و سلم ذاك الله قال هذا ) رواه احمد والترمذي وصححه الالباني
    - والله وحده يعلم احوال طلبة العلم في هذا المقام عند الاختلاف وكلنا في ابتلاء والى الله المصير والفصل بين العباد فيما كانوا فيه يختلفون -
    وهنا نكتة مهمة : كيف نحس بذم الله ونقدره ونعظمه ونهابه في قلوبنا ؟
    هو ما قص الله علينا من احوال اهل الكتاب و اهل النار
    فكم من مرة ذكر اعمالهم ثم قال ( هم الفاسقون ) ( والله لا يهدي القوم الفاسقين ) وكم من مرة قال ( فأولئك هم الظالمون ) ( لا يهدي القوم الظالمين ) وقال ( كبر مقتا ) وقال ( مجرمون ) وقال ( ولهم اللعنة ) ( فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ )
    فهذه المسميات والاوصاف التي ذم الله اهلها لم يذموا الا لسوء اعمالهم واقوالهم ونياتهم ، فيخشى بعمل من اعمالهم ، أوجاهلية من احوالهم ان نوصف بهذا الذم ، فمتى تيقن العبد هذا لا يهم ذم غيره مع مدحه سبحانه ، ولا عبرة بمدح غيره مع ذمه سبحانه ، وكيف لنا بمعرفة هذا الا بعد الموت وعند اللقاء والحساب ، عفى الله عنا ...
    5- هل اذا بحثت في مسالة وحررتها أو قمت بخير أو جاهدت بنصرة حق وووو ، تنسبها الى جهدك ومجهودك وانك انت وانت وتعبت ونصبت ... ام انك تقول ، هي من الله وبه واليه ..

    وهنا امرين مهمين :
    أولا : ليعلم ان العلم علمان : 1- علم بالله عزوجل 2- علم بدينه سبحانه ، فقد نجد ان هناك من عنده علم بالدين ولكنه جاهل بالله بقلة تقواه و خشيته وانما العلم الخشية كما قال السلف ، وقد نجد ان هناك من عنده علم بالله وليس عنده الا ما يقيم دينه و حسناته من العلم بالدين وليس عنده ما في العلم من تفاصيل بسبب اختلاف الناس وتجده تقيا مقربا لو اقسم على الله لأبره ، وخيرهم من جمع العلمين ، العلم بالله ودينه كما قرر ذلك ابن القيم في بعض كتبه - نسيت اين هو -
    اذا فبهذا نقرر انه ق يسبقك يا طالب العلم رجل عامي ليس عنده كثير مسائلك ومعرفتك بالاقوال ، ولكنه عنده علم بقدر الله عزوجل و كلامه وخطابه الذي امر بتدبره وعنده من السنة التسبيح والتكبير والتهليل مع ما يقيم اركان اسلامه وايمانه ، وسبقك ليس بهذا فقط ، بل لسلامة قلبه و لسانه و حبه لغيره ما يحب لنفسه ... فبهذا اليقين يتوقف طالب العلم من العجب والغرور بنفسه ، او ما يفعله الجاهلين من طلبة العلم انه يزدري بالعوام و غيره من الناس ويحقرهم وقد لا يسلم عليهم بحجة انهم همج رعاع وليسوا على الجادة وهو في الحقيقية لسوء خلقه وفرط جهله بقدر نفسه ... ويظن انه عند ربه اعلى منه لكثرة مسائله ولا يدري هذا الجاهل بربه انه لعله فاقه بعلمه عن ربه وخشيته وعظم شعب الإيمان في قلبه وجوارحه ، وانقياده بسهولة لأمر نبيه عليه الصلاة والسلام ....
    يقول سعيد بن المسيب (( يد الله فوق عباده ، فمن رفع نفسه وضعه الله ، ومن وضعها رفعه الله ، الناس تحت كنفه يعلمون أعمالهم ، فاذا اراد الله فضيحة عبد أخرجه من تحت كنفه ، فبدت للناس عورته )) حلية الاولياء .
    فانظر يا طالب العلم : كيف ان الله رفع سيدة نساء اهل الجنة فاطمة رضي الله عنها على نساء اهل الجنة مع من رفعها ، ورفعها حتى على نساء المؤمنين رغم انها توفت صغيرة في السن ، ما يتجاوز عمرها 29 حينما توفيت رضي الله عنها ، لماذا ؟ لانها أشبه الناس بالنبي عليه الصلاة والسلام ، رغم انها لم تعرف بكثرة روايتها عن ابيها عليه الصلاة والسلام ..
    فكيف رفعت هذه الدرجات العلى إلا بيقينها واخلاصها وصدقها وتقواها وقوة استعانتها بالله عزوجل وعظيم صبرها وشكرها وجهادها و هجرتها .. ولا يحصي احسانها وحسناتها إلا مولاها الشكور وكفى بالله حسيبا

    ثانيا: مما يدفع العجب عن النفس هو رؤيته انه من الله الخير وبه واليه
    وهو ربه وحده من ياتي بالحسنات ولا يدفعها سواه ...
    وهو مصداقا لاذكار النبي عليه الصلاة والسلام حينما يناجي ربه - ومن يتامل اذكار اليوم والليلة يعلم فقر النبي عليه الصلاة والسلام بطلب الخير ودفع الشر -
    فمثلا كان من دعاء الاستفتاح (( وجهت وجهي للذي فطر السموات ... ثم يقول :
    وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ وَأَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ..) وقال في حديث ( اللَّهُمَّ لاَ يَأْتِى بِالْحَسَنَاتِ إِلاَّ أَنْتَ وَلاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلاَّ أَنْتَ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ ». رواه ابو داود
    وفي حديث رواه الإمام أحمد (( فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك ))
    وفي حديث اخر رواه الامام احمد ((...وأشهد إنك أن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضيعة وعورة وذنب وخطيئة وإني لا أثق إلا برحمتك ..))
    فمتى ايقن العبد الفقير انه لا ياتي الحسنات من تلقاء نفسه ولا من طيبته بل هو موصوف بما أخبر الله عزوجل عنه ( وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) الاحزاب
    فاذا متى ما ايقن به لا يعجب بنفسه باذن الله لا نه مركب من جهل وظلم ، والله يعصمه بقيوميته في كل لحظة ولو وكله لخرج منه ما يقربه من العذاب والغضب والله العاصم الموفق وصدق نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بقوة التجائه ياحي ياقيوم برحمتك استغيث ، فبكمال حياته وكمال قيوميته نستغيث من شرور انفسنا وظلمات جهلنا بما ينبغي لله عزوجل في حقه وحق عباده ،فبرحمته وحده تصلح احوالنا
    يقول ابن القيم في الفوائد : (احذر بنفسك !فما اصابك بلاء قط الا منها ولا تهادنها ! فوالله ما اكرمها من لم يهنها ، ولا اعزها من لم يذلها ، ولا جبرها من لم يكسرها ، ولا اراحها من لم يتعبها ، ولا امنها من لم يخوفها ولا فرحها من لم يحزنها )
    والامر الاخر : ان يعلم انه لا نجاة من الله عزوجل ابد الا بتوبته على العبد كما هو مآل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ومآل الأنبياء والمرسلين من قبله ، ومآل اصحابه ومن تبعهم بإحسان : ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) ولابن القيم في مدارج السالكين في هذا المقام مقام التوبة كلام عظيم
    وهو اذا لا ينجو من عذاب الله عندما يسأل في الاخرة الا بتوبة الله عليه قال تعالى (( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) القصص


    وأخيرا انصح بكتب ابن القيم اولا الفوائد وطريق الهجرتين وما فوقه ، وكذلك كل كتاب سني يتحدث عن اعمال القلوب : مثل : القلوب وآفاتها لصلاح الدين علي عبد الموجود ، فهو خير زاد بعد كلام الله عزوجل في تأديب هذه النفس التي قال الله عنها بعد ما ذكر الله عز وجل العلم وذكر القراءة واداة العلم الذي هو القلم قال تعالى ( كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى ..) ، وكما سمعت مرة من احدى معلماتي عافاها وشفاها الله
    ((ان الانسان ليطغى بالعلم كما يطغى بالمال ))
    وعلامة الطغيان ان يريد بعلمه أمرين : اما علوا في الارض كرئاسة ووظيفة لذاتها ... ، واما فسادا قال تعالى (( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) القصص

    واختم كلامي بكلام ابن القيم في الفوائد :
    ( طوبى لمن أنصف ربه فاقر له بالجهل فى علمه ، والآفات فى عمله ، والعيوب فى نفسه ، والتفريط فى حقه ، والظلم فى معاملته ، فان آخذه بذنوبه ، رأى عدله وان لم يؤاخذه بها رأي فضله ، وان عمل حسنة رآها من منته ، وصدقته عليه ، فان قبلها فمنة وصدقة ثانية ، وان ردها فلكون مثلها لا يصلح ان يواجه به ، وان عمل سيئة رآها من تخليه عنه ، وخذلانه له ، وامساك عصمته عنه ، وذلك من عدله فيه ، فيرى فى ذلك فقره الى ربه ، وظلمه فى نفسه ، فان غفرها له فبمحض احسانه وجوده وكرمه
    ونكتة المسألة وسرها :
    1- انه لا يري ربه إلامحسنا ، 2- ولا يرى نفسه الا مسيئا أو مفرطا أو مقصرا فيرى كل ما يسره من فضل ربه عليه واحسانه اليه وكل ما يسوءه من ذنوبه وعدل الله فيه ) أ.هـ
    هذا والله اعلم وصلى الله على سيدنا وخليل ربنا محمد عليه الصلاة والسلام وعلى اله وصحبه وزوجاته وذريته وسلم تسليما كثيرا

    وأأسف للاطالة .... وأرجو من وجد مني خطا فلينبه فهي خواطر فيها اما لمة ملك او لمة شيطان مع نفس فيها طغيان ، ونرجو ان لا يظن بالكاتبة ظنا حسنا فهي والله من طغيانها اراها الله ما فاتها من الخير و ما علاها من الفضل و اراها شر نفسها ، تقبل الله توبتها

  3. شكر أبو عبد المصور مصطفى الجزائري يشكركم "جزاك الله خيرًا "
  4. افتراضي رد: الإعجاب بالنفس والغرور مفتاح لكل أبواب الشرور

    السلام عليكم ورحمة وبركاته

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •