ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    1,594

    المحكم و المتشابه بين الراسخون في العلم و الذين في قلوبهم زيغ

    هُوَ الّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مّحْكَمَاتٌ هُنّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمّا الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ **



    المحكم و المتشابه







    قال القرطبي في تفسيره

    خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب" قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم). وعن أبي غالب قال: كنت أمشي مع أبي أمامة وهو على حمار له، حتى إذا انتهى إلى درج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة؛ فقال: ما هذه الرؤوس؟ قيل: هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق فقال أبو أمامة: كلاب النار كلاب النار كلاب النار شر قتلى تحت ظل السماء، طوبى لمن قتلهم وقتلوه - يقولها ثلاثا - ثم بكى فقلت: ما يبكيك يا أبا أمامة؟ قال: رحمة لهم، (إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه؛ ثم قرأ "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات. .." إلى آخر الآيات. ثم قرأ "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات..." [آل عمران: 105]. فقلت: يا أبا أمامة، هم هؤلاء؟ قال نعم. قلت: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إني إذا لجريء إني إذا لجريء! بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع، ووضع أصبعيه في أذنيه، قال: وإلا فصُمَّتا - قالها ثلاثا - ) ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار ولتزيدن عليهم هذه الأمة واحدةً واحدةٌ في الجنة وسائرهم في النار).

    و جاء في الدرر المنثور

    وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال {المتشابهات} آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن. ومن أجل ذلك يضل من ضل، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم، فمنها يتبع الحرورية من المتشابه قول الله (و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة الآية 44) ثم يقرؤون معها (والذين كفروا بربهم يعدلون) (الأنعام الآية 1) فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر فمن عدل بربه، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه. فهؤلاء الأئمة مشركون.

    وأخرج البخاري في التاريخ وابن جريرمن طريق ابن اسحق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال "مر أبو ياسر بن أخطب، فجاء رجل من يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو يتلو فاتحة سورة البقرة (الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه).
    فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود، فقال أتعلمون؟ والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه (الم، ذلك الكتاب) فقال: أنت سمعته قال: نعم. فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: الم تقل أنك تتلو فيما أنزل عليك (الم، ذلك الكتاب)؟ فقال: بلى، فقالوا: لقد بعث بذلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه، وما أجل أمته غيرك. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة.
    ثم قال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. (المص) قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه احدى وثلاثون ومائة. هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. (الر) قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان. هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة. هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. (المر) قال: هذه أثقل وأطول. هذه احدى وسبعون ومائتان. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.
    ثم قال: قوموا عنه. ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد. إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} ".
    وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس {فأما الذين في قلوبهم زيغ} يعني أهل الشك. فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم {وما يعلم تأويله إلا الله} قال: تأويله يوم القيامة لا يعمله إلا الله.
    وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {فيتبعون ما تشابه منه} قال: الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه {ابتغاء تأويله} وفي قوله {ابتغاء الفتنة} قال: الشبهات.


    و قال السعدي رحمه الله في تفسيره
    يخبر تعالى عن عظمته وكمال قيوميته أنه هو الذي تفرد بإنزال هذا الكتاب العظيم الذي لم يوجد ولن يوجد له نظير أو مقارب في هدايته وبلاغته وإعجازه وإصلاحه للخلق وأن هذا الكتاب يحتوي على المحكم الواضح المعاني البين الذي لا يشتبه بغيره ومنه آيات متشابهات تحتمل بعض المعاني ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها حتى تضم إلى المحكم فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم يتبعون المتشابه منه فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة وآرائهم الزائفة طلبا للفتنة وتحريفا لكتابه وتأويلا له على مشاربهم ومذاهبهم ليضلوا ويضلوا وأما أهل العلم الراسخون فيه الذين وصل العلم واليقين إلى أفئدتهم فأثمر لهم العمل والمعارف فيعلمون أن القرآن كله من عند الله وأنه كله حق محكمه ومتشابهه وأن الحق لا يتناقض ولا يختلف فلعلمهم أن المحكمات معناها في غاية الصراحة والبيان يردون إليها المشتبه الذي تحصل فيه الحيرة لناقص العلم وناقص المعرفة فيردون المتشابه إلى المحكم فيعود كله محكما ويقولون آمنا به كل من عند ربن.ا
    قال ابن كثير في تفسيره:
    يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات, هن أم الكتاب, أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد, ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم, فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس ولهذا قال تعالى {هنّ أم الكتاب} أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه {وأخر متشابهات} أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئاً آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد.
    و قال الطبري رحمه الله:
    وأما قوله: {مِنْهُ آيَاتٌ مُـحْكَمَاتٌ} فإنه يعنـي من الكتاب آيات, يعنـي بـالاَيات آيات القرآن. وأما الـمـحكمات: فإنهنّ اللواتـي قد أحكمن بـالبـيان والتفصيـل, وأثبتت حججهن وأدلتهن علـى ما جعلن أدلة علـيه من حلال وحرام, ووعد ووعيد, وثواب وعقاب, وأمر وزجر, وخبر ومثل, وعظة وعبر, وما أشبه ذلك. ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الاَيات الـمـحكمات بأنهنّ هنّ أمّ الكتاب, يعنـي بذلك أنهنّ أصل الكتاب الذي فـيه عماد الدين والفرائض والـحدود, وسائر ما بـالـخـلق إلـيه الـحاجة من أمر دينهم, وما كلفوا من الفرائض فـي عاجلهم وآجلهم. وإنـما سماهنّ أم الكتاب, لأنهنّ معظم الكتاب, وموضع مفزع أهله عند الـحاجة إلـيه, وكذلك تفعل العرب, تسمي الـجامع معظم الشيء أُمّا له, فتسمي راية القوم التـي تـجمعهم فـي العساكر أمهم, والـمدبر معظم أمر القرية والبلدة أمها. وقد بـينا ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. ووحد أمّ الكتاب, ولـم يجمع فـيقول: هنّ أمهات الكتاب, وقد قال هنّ لأنه أراد جميع الاَيات الـمـحكمات أمّ الكتاب, لا أن كل آية منهنّ أمّ الكتاب, ولو كان معنى ذلك أن كل آية منهنّ أمّ الكتاب, لكان لا شكّ قد قـيـل: هنّ أمهات الكتاب. ونظير قول الله عزّ وجلّ: {هُنّ أُمّ الكِتَابِ} علـى التأويـل الذي قلنا فـي توحيد الأم وهي خبر لـ«هُنّ» قوله تعالـى ذكره: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَـمَ وأُمّهُ آيَةً} ولـم يقل آيتـين, لأن معناه: وجعلنا جميعهما آية, إذ كان الـمعنى واحدا فـيـما جُعلا فـيه للـخـلق عبرة. ولو كان مراده الـخبر عن كل واحد منهما علـى انفراده, بأنه جعل للـخـلق عبرة, لقـيـل: وجعلنا ابن مريـم وأمه آيتـين¹ لأنه قد كان فـي كل واحد منهما لهم عبرة. وذلك أن مريـم ولدت من غير رجل, ونطق ابنها فتكلـم فـي الـمهد صبـيا, فكان فـي كل واحد منهما للناس آية......
    وأما قوله: {مُتَشَابِهَاتٌ} فإن معناه: متشابهات فـي التلاوة, مختلفـات فـي الـمعنى, كما قال جلّ ثناؤه: {وأتُوُا بِهِ مُتَشابِها} يعنـي فـي الـمنظر: مختلفـا فـي الـمطعم, وكما قال مخبرا عمن أخبر عنه من بنـي إسرائيـل أنه قال: {إنّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَـيْنَا} يعنون بذلك: تشابه علـينا فـي الصفة, وإن اختلفت أنواعه.
    فتأويـل الكلام إذا: إن الذي لا يخفـى علـيه شيء فـي الأرض ولا فـي السماء, هو الذي أنزل علـيك يا مـحمد القرآن, منه آيات مـحكمات بـالبـيان, هنّ أصل الكتاب الذي علـيه عمادك وعماد أمتك فـي الدين, وإلـيه مفزعك ومفزعهم فـيـما افترضت علـيك وعلـيهم من شرائع الإسلام, وآيات أخر هنّ متشابهات فـي التلاوة, مختلفـات فـي الـمعانـي.
    قال ابن كثير
    وقد اختلفوا في المحكم و المتشابه فروي عن السلف عبارات كثيرة:
    - فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به وعن ابن عباس أيضاً أنه قال المحكمات قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً} والاَيات بعدها. وقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} إلى ثلاث آيات بعدها ورواه ابن أبي حاتم وحكاه عن سعيد بن جبير به قال: حدثنا أبي حدّثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الاَية وهي {هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات} فقال أبو فاختة: فواتح السور,
    - وقال يحيى بن يعمر: الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام.
    - وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير: هنّ أمّ الكتاب لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب,
    - وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ,
    - و قيل في المتشابهات: المنسوخة والمقدم والمؤخر والأمثال فيه والأقسام وما يؤمن به ولا يعمل به, رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
    - وقيل هي الحروف المقطعة في أوائل السور قاله مقاتل بن حيان,
    - وعن مجاهد المتشابهات يصدق بعضها بعضاً وهذا إنما هو في تفسير قوله {كتاباً متشابهاً مثاني} هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة وصفة النار وذكر حال الأبرار وحال الفجار ونحو ذلك. وأما ههنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم,
    - وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله حيث قال منه آيات محكمات فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم الباطل ليس لهن تصريف عما وضعن عليه, قال: والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق.
    ولهذا قال تعالى {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فيتبعون ما تشابه منه} أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى: {ابتغاء الفتنة} أي الإضلال لأتباعهم إيهاماً لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} وبقوله {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} وغير ذلك من الاَيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.
    و جاء في فتح القدير
    وقد ذكر أهل العلم لورود المتشابه في القرآن فوائد: منها أنه يكون في الوصول إلى الحق مع وجودها فيه مزيد صعوبة ومشقة، وذلك يوجب مزيد الثواب للمستخرجين للحق وهم الأئمة المجتهدون، وقد ذكر الزمخشري والرازي وغيرهما وجوهاً هذا أحسنها وبقيتها لا تستحق الذكر ها هنا. قوله: "كل من عند ربنا" فيه ضمير مقدر عائد على قسمي المحكم والمتشابه: أي كله، أو المحذوف غير ضمير: أي كل واحد منهما وهذا من تمام المقول المذكور قبله. وقوله: " وما يذكر إلا أولو الألباب " أي العقول الخالصة: وهم الراسخون في العلم، الواقفون عند متشابهه، العالمون بمحكمه العاملون بما أرشدهم الله إليه في هذه الآية.










    بين الرّاسِخُينَ فِي الْعِلْمِ وَ الّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ




    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فأمّا الّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ}.

    قال الطبري

    يعنـي بذلك جل ثناؤه: فأما الذين فـي قلوبهم ميـل عن الـحقّ, وانـحراف عنه. يقال منه: زاغ فلان عن الـحقّ, فهو يزيغ عنه زَيْغا وَزَيَغانا وزَيْغُوغة وزُيُوغا, وأزاغه الله: إذا أماله, فهو يُزيغه, ومنه قوله جلّ ثناؤه: {رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا} لا تـملها عن الـحقّ {بعدَ إذْ هَدَيْتَنا}.

    وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

    5306ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, قال: ثنـي ابن إسحاق, عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {فأمّا الّذِينَ فـي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي ميـل عن الهدى.
    5307ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله: {فِـي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: شك.
    حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
    5308ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية بن صالـح, عن علـي بن أبـي طلـحة عن ابن عبـاس: {فأمّا الّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: من أهل الشك.
    5309ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مرة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: {فأمّا الّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أما الزيغ: فـالشك.
    5310ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, قال: {زَيْغٌ}: شكّ. قال ابن جريج {الّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} الـمنافقون.
    قال القرطبي
    قوله تعالى: "فأما الذين في قلوبهم زيغ" الذين رفع بالابتداء، والخبر "فيتبعون ما تشابه منه". والزيغ الميل؛ ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار. ويقال: زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد؛ ومنه قوله تعالى: "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم" [الصف: 5]. وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران. وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: "فأما الذين في قلوبهم زيغ": إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدري من هم.
    قلت: قد مر هذا التفسير عن أبي أمامة مرفوعا، وحسبك.
    و جاء في فتح القدير
    وهذه الآية تعم كل طائفة من الطوائف الخارجة عن الحق. وسبب النزول نصارى نجران كما تقدم، وسيأتي..
    قال ابن كثير
    وقوله تعالى {وابتغاء تأويله} أي تحريفه على ما يريدون،
    - وقال مقاتل بن حيان والسدي يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن،
    - وقد قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} إلى قوله {أولوا الألباب} فقال: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» هكذا وقع الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها ليس بينهما أحد وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن أيوب به ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب به وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب وكذا رواه غير واحد عن أيوب وقد رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب به, ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقينعن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي ولقبه عارم: حدثنا حماد بن زيد, حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة, عن عائشة به وتابع أيوب أبو عامر الخراز وغيره عن ابن أبي مليكة. فرواه الترمذي عن بندار, عن أبي داود الطيالسي, عن أبي عامر الخراز, فذكره وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى الأبح, عن عبد الله بن أبي مليكة, عن عائشة. ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي, كلاهما عن ابن أبي مليكة, عن عائشة به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة, فذكره. وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الاَية, ومسلم في كتاب القدر من صحيحه, وأبو داود في السنة من سننه, ثلاثتهم عن القعنبي, عن يزيد بن إبراهيم التستري, عن ابن أبي مليكة, عن القاسم بن محمد, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم, هذه الاَية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} إلى قوله: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه¹ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» لفظ البخاري. وكذا رواه الترمذي أيضاً, عن بندار عن أبي داود الطيالسي, عن يزيد بن إبراهيم به¹ وقال: حسن صحيح¹ وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة عن عائشة, ولم يذكر القاسم¹ كذا قال. وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي, حدثنا أبو الوليد الطيالسي, حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة, عن ابن أبي مليكة, عن القاسم بن محمد, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم, عن قول الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه}¹ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه, فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» .
    - وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل, حدثنا الوليد بن مسلم, عن حماد بن سلمة, عن عبد الرحمن بن القاسم, عن أبيه, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: نزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الاَية: {يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة}, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم» ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به,
    - وقال الإمام أحمد. حدثنا أبو كامل, حدثنا حماد عن أبي غالب, قال: سمعت أبا أمامة يحدث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} قال «هم الخوارج». وفي قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} قال «هم الخوارج» وقد رواه ابن مردويه من غير وجه, عن أبي غالب. عن أبي أمامة مرفوعاً فذكره, وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفاً من كلام الصحابي, ومعناه صحيح,فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج, وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين, فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة, ففاجؤوه بهذه المقالة, فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة ـ بقر الله خاصرته ـ: اعدل فإنك لم تعدل, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل, أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني». فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب, وفي رواية خالد بن الوليد, رسول الله في قتله, فقال «دعه فانه يخرج من ضئضىء هذا, أي من جنسه قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم, وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية, فأينما لقيتموهم فاقتلوهم, فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم» ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتلهم بالنهروان, ثم تشعبت منهم شعوب, وقبائل وآراء, وأهواء, ومقالات, ونحل كثيرة منتشرة, ثم نبعت القدرية, ثم المعتزلة, ثم الجهمية, وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله ؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي», أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.
    - وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى حدثنا عمرو بن عاصم, حدثنا المعتمر عن أبيه, عن قتادة, عن الحسن بن جندب بن عبد الله, أنه بلغه عن حذيفة, أو سمعه منه, يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر «إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن, ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله» لم يخرجوه.
    القول فـي قوله تعالـى: {فَـيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}.
    قال الطبري
    يعنـي بقوله جل ثناؤه: {فَـيَتّبِعُونَ ما تَشَابَهَ مِنْهُ} ما تشابهت ألفـاظه وتصرفت معانـيه بوجوه التأويلات, لـيحققوا بـادعائهم الأبـاطيـل من التأويلات فـي ذلك ما هم علـيه من الضلالة والزيغ عن مـحجة الـحق تلبـيسا منهم بذلك علـى من ضعفت معرفته بوجوه تأويـل ذلك وتصاريف معانـيه. كما:
    5311ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـي, عن ابن عبـاس: {فَـيَتّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ} فـيحملون الـمـحكم علـى الـمتشابه, والـمتشابه علـى الـمـحكم, ويـلبّسون, فلبّس الله علـيهم.
    5312ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {فَـيَتّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} أي ما تـحرف منه وتصرف, لـيصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا, لـيكون لهم حجة علـى ما قالوا وشبهة.
    5313ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد فـي قوله: {فَـيَتّبِعُونَ ما تَشَابَهَ مِنْهُ} قال: البـاب الذي ضلوا منه وهلكوا فـيه ابتغاء تأويـله.
    وقال آخرون فـي ذلك بـما:
    5314ـ حدثنـي حدثنـي به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي فـي قوله: {فَـيَتّبِعُونَ ما تَشَابَهَ مِنْهُ} يتبعون الـمنسوخ والناسخ, فـيقولون: ما بـال هذه الاَية عمل بها كذا وكذا مـجاز هذه الاَية, فتركت الأولـى وعمل بهذه الأخرى؟ هلا كان العمل بهذه الاَية قبل أن تـجيء الأولـى التـي نسخت. وما بـاله يعد العذاب من عمل عملاً يعدّ به النار وفـي مكان آخر من عمله فإنه لـم يوجب النار.
    ثم قال: وقال آخرون: بل عنى الله عزّ وجلّ بذلك كل مبتدع فـي دينه بدعة مخالفة لـما ابتعث به رسوله مـحمدا صلى الله عليه وسلم بتأويـل يتأوّله من بعض آي القرآن الـمـحتـملة التأويلات, وإن كان الله قد أحكم بـيان ذلك, إما فـي كتابه وإما علـى لسان رسوله. ذكر من قال ذلك:
    5316ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة فـي قوله: {فأمّا الّذِين فِـي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَـيَتّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاء الفِتْنَةِ}.
    وكان قتادة إذا قرأ هذه الاَية: {فأمّا الّذِينَ فِـي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قال: إن لـم يكونوا الـحرورية والسبئية فلا أدري من هم. ولعمري لقد كان فـي أهل بدر والـحديبـية الذين شهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بـيعة الرضوان من الـمهاجرين والأنصار, خبر لـمن استـخبر, وعبرة لـمن استعبر, لـمن كان يعقل أو يبصر. إن الـخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثـير بـالـمدينة والشام والعراق وأزواجه يومئذ أحياء, والله إن خرج منهم ذكر ولا أنثى حروريا قط, ولا رضوا الذي هم علـيه ولا مالئوهم فـيه, بل كانوا يحدّثون بعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ونعته الذي نعتهم به, وكانوا يبغضونهم بقلوبهم ويعادونهم بألسنتهم وتشتدّ والله علـيهم أيديهم إذا لقوهم. ولعمري لو كان أمر الـخوارج هدى لاجتـمع, ولكنه كان ضلالاً فتفرّق, وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فـيه اختلافـا كثـيرا, فقد ألاصوا هذا الأمر منذ زمان طويـل, فهل أفلـحوا فـيه يوما أو أنـجحوا؟ يا سبحان الله كيف لا يعتبر آخر هؤلاء القوم بأوّلهم؟ لو كانوا علـى هدى قد أظهره الله وأفلـحه ونصره, ولكنهم كانوا علـى بـاطل أكذبه الله وأدحضه, فهم كما رأيتهم كلـما خرج لهم قرن أدحض الله حجتهم, وأكذب أحدوثتهم, وأهرق دماءهم¹ وإن كتـموا كان قرحا فـي قلوبهم وغما علـيهم, وإن أظهروه أهراق الله دماءهم, ذاكم والله دين سوء فـاجتنبوه. والله إن الـيهود لبدعة, وإن النصرانـية لبدعة, وإن الـحرورية لبدعة, وإن السبئية لبدعة, ما نزل بهنّ كتاب ولا سنهنّ نبـيّ.
    - حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: {فأمّا الّذِينَ فـي قُلُوبِهِمْ زيْغٌ فَـيَتّبِعُون ما تَشابَه مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاء تأوِيـلِهِ} طلب القوم التأويـل فأخطأوا التأويـل, وأصابوا الفتنة, فـاتبعوا ما تشابه منه فهلكوا من ذلك. لعمري لقد كان فـي أصحاب بدر والـحديبـية الذين شهدوا بـيعة الرضوان. وذكر نـحو حديث عبد الرزاق, عن معمر, عنه.
    قال أبو جعفر: والذي يدلّ علـيه ظاهر هذه الاَية أنها نزلت فـي الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمتشابه ما أنزل إلـيه من كتاب الله إما فـي أمر عيسى, وإما فـي مدة أُكُله وأُكْل أمته, وهو بأن تكون فـي الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمتشابهه فـي مدته ومدة أمته أشبه, لأن قوله: {وما يَعْلَـمُ تأوِيـلَهُ إلاّ اللّهُ} دالّ علـى أن ذلك إخبـار عن الـمدة التـي أرادوا علـمها من قبل الـمتشابه الذي لا يعلـمه إلا الله. فأما أمر عيسى وأسبـابه, فقد أعلـم الله ذلك نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم وأمته وبـينه لهم, فمعلوم أنه لـم يعن إلا ما كان خفـيا عن الاَحاد.


    قال القرطبي
    قال شيخنا أبو العباس رحمة الله عليه: متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن؛ أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك؛ أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال.
    فهذه أربعة أقسام:
    (الأول) لا شك في كفرهم، وإن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة.
    (الثاني) الصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد.
    لثالث) اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها. وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، فيقولون أمروها كما جاءت. وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها.
    (الرابع)الحكم فيه الأدب البليغ، كما فعله عمر بصبيغ. وقال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن، لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلا إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل. فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عِسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء؛ فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل. فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبدالله صبيغ. فقال عمر رضي الله عنه: وأنا عبدالله عمر؛ ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي. وقد اختلفت الروايات في أدبه، وسيأتي ذكرها في "الذاريات". ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته. ومعنى "ابتغاء الفتنة" طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم، ويردوا الناس إلى زيغهم. وقال أبو إسحاق الزجاج: معنى "ابتغاء تأويله" أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله جل وعز أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: "هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله" أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب "يقول الذين نسوه من قبل" أي تركوه - "قد جاءت رسل ربنا بالحق" [الأعراف: 53] أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل قال: فالوقف على قوله تعالى: "وما يعلم تأويله إلا الله" أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله.


    القول فـي قوله تعالـى: {ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ}.
    قال الطبري
    اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك,
    - فقال بعضهم: معنى ذلك: ابتغاء الشرك. ذكر من قال ذلك:
    5322ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: {ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ} قال: إرادة الشرك.
    5323ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: {ابْتِغاء الفِتْنَةِ} يعنـي الشرك.
    - وقال آخرون: معنى ذلك ابتغاء الشبهات. ذكر من قال ذلك:
    5324ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: {ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ} قال: الشبهات بها أهلكوا.
    حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قوله: {ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ} الشبهات, قال: هلكوا به.
    حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد: {ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ} قال: الشبهات, قال: والشبهات ما أهلكوا به.
    5325ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ} أي اللبس.
    وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: إرادة الشبهات واللبس. فمعنى الكلام إذا: فأما الذين فـي قلوبهم ميـل عن الـحقّ وَحَيْفٌ عنه, فـيتعبون من آي الكتاب ما تشابهت ألفـاظه, واحتـمل صرفه فـي وجوه التأويلات, بـاحتـماله الـمعانـي الـمختلفة إرادة اللبس علـى نفسه وعلـى غيره, احتـجاجا به علـى بـاطله الذي مال إلـيه قلبه دون الـحقّ الذي أبـانه الله فأوضحه بـالـمـحكمات من آي كتابه.
    وهذه الاَية وإن كانت نزلت فـيـمن ذكرنا أنها نزلت فـيه من أهل الشرك, فإنه معنـيّ بها كل مبتدع فـي دين الله بدعة, فمال قلبه إلـيها, تأويلاً منه لبعض متشابه آي القرآن, ثم حاجّ به وجادل به أهل الـحقّ, وعدل عن الواضح من أدلة آيه الـمـحكمات إرادة منه بذلك اللبس علـى أهل الـحقّ من الـمؤمنـين, وطلبـا لعلـم تأويـل ما تشابه علـيه من ذلك كائنا من كان, وأيّ أصناف البدعة كان من أهل النصرانـية كان أو الـيهودية أو الـمـجوسية, أو كان سبئيا, أو حروريا, أو قدريا, أو جهميا, كالذي قال صلى الله عليه وسلم: «فإذَا رَأيْتُـمُ الّذِينَ يُجَادِلُونَ بِهِ فَهُمُ الّذِينَ عَنَى اللّهُ فَـاحْذَرُوهُمْ». وكما:
    5326ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا سفـيان, عن معمر, عن ابن طاوس, عن أبـيه, عن ابن عبـاس: وذكر عنده الـخوارج, وما يـلقون عند الفرار, فقال: يؤمنون بـمـحكمه, ويهلكون عند متشابهه. وقرأ ابن عبـاس: {وما يَعْلَـمُ تأْوِيـلَهُ إلاّ اللّهُ}... الاَية.
    وإنـما قلنا: القول الذي ذكرنا أنه أولـى التأويـلـين بقوله: {ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ} لأن الذين نزلت فـيهم هذه الاَية كانوا أهل شرك, وإنـما أرادوا بطلب تأويـل ما طلبوا تأويـله اللبس علـى الـمسلـمين والاحتـجاج به علـيهم لـيصدّوهم عما هم علـيه من الـحقّ, فلا معنى لأن يقال: فعلوا ذلك إرادة الشرك, وهم قد كانوا مشركين.
    و جاء في فتح القدير
    قوله: "ابتغاء الفتنة" أي: طلباً لتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة. قال الزجاج: معنى ابتغائهم تأويله: أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله عز وجل أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله. قال: والدليل على ذلك قوله: "هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله" أي: يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب "يقول الذين نسوه" أي تركوه "قد جاءت رسل ربنا بالحق" أي: قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل. قوله: "وما يعلم تأويله إلا الله" التأويل يكون بمعنى التفسير، كقولهم تأويل هذه الكلمة على كذا: أي تفسيرها، ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه، واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه: أي صار، وأولته تأويلاً: أي صيرته، وهذه الجملة حالية: أي يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال أن ما يعلم تأويله إلا الله.
    القول في قوله تعالى {ابتغاء تأويله}
    قال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان:
    تنبيــه
    : اعلم أن التأويل يطلق ثلاثة إطلاقات :
    الأول : هو ما ذكرنا من أنه الحقيقة التي يؤول إليها الأمر ، وهذا هو معناه في القرءَان .
    الثاني : يراد به التفسير والبيان ، ومنه بهذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في ابن عباس : « اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل » . وقول ابن جرير وغيره من العلماء ، القول في تأويل قوله تعالىٰ : كذا وكذا أي : تفسيره وبيانه . وقول عائشة الثابت في الصحيح : كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي » يتأول القرآن تعني يمتثله ويعمل به ، واللَّه تعالىٰ أعلم .
    الثالث : هو معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين ، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك ، وحاصل تحرير مسألة التأويل عند أهل الأصول أنه لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح :
    الأولى : أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك ، وهذا هو التأويل المسمى عندهم بالتأويل الصحيح ، والتأويل القريب كقوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح : « الجار أحق بصقبه » ، فإن ظاهره المتبادر منه ثبوت الشفعة للجار ، وحمل الجار في هذا الحديث على خصوص الشريك المقاسم حمل له على محتمل مرجوح ، إلا أنه دل عليه الحديث الصحيح المصرح بأنه إذا صرفت الطرق وضربت الحدود ، فلا شفعة .
    الحالة الثانية : أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلاً وليس بدليل في نفس الأمر ، وهذا هو المسمى عندهم بالتأويل الفاسد ، والتأويل البعيد ، ومثل له الشافعية ، والمالكية ، والحنابلة بحمل الإمام أبي حنيفة رحمه اللَّه المرأة في قوله صلى الله عليه وسلم : « أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ، فنكاحها باطل ، باطل » على المكاتبة ، والصغيرة ، وحمله أيضًا رحمه اللَّه لمسكين في قوله : ستين مسكنًا على المد ، فأجاز إعطاء ستين مدًا لمسكين واحد .
    الحالة الثالثة : أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لا لدليل أصلاً ، وهذا يسمى في اصطلاح الأصوليين لعبًا ، كقول بعض الشيعة : {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} ، يعني عائشة رضي اللَّه عنها ، وأشار في « مراقي السعود » إلى حد التأويل ، وبيان الأقسام الثلاثة بقوله معرفًا للتأويل : حمل لظاهر على المرجوح واقسمه للفاسد والصحيح.
    قال الطبري
    والقول الذي قاله ابن عبـاس من أن ابتغاء التأويـل الذي طلبه القوم من الـمتشابه هو معرفة انقضاء الـمدة, ووقت قـيام الساعة, والذي ذكرنا عن السدي من أنهم طلبوا وأرادوا معرفة وقت هُو جاءٍ قبل مـجيئه أولـى بـالصواب, وإن كان السدي قد أغفل معنى ذلك من وجه صرفه إلـى حصره علـى أن معناه: إن القوم طلبوا معرفة وقت مـجيء الناسخ لـما قد أحكم قبل ذلك.
    وإنـما قلنا: إن طلب القوم معرفة الوقت الذي هو جاء قبل مـجيئه الـمـحجوب علـمه عنهم وعن غيرهم بـمتشابه آي القرآن, أولـى بتأويـل قوله: {وَابْتِغاءَ تَأْوِيـلِهِ} لـما قد دللنا علـيه قبل من إخبـار الله جل ثناؤه أن ذلك التأويـل لا يعلـمه إلا الله, ولا شك أن معنى قوله: «قضينا» و«فعلنا», قد علـم تأويـله كثـير من جهلة أهل الشرك, فضلاً عن أهل الإيـمان وأهل الرسوخ فـي العلـم منهم.
    القول في قوله تعالى {و ما يعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم}
    قال ابن كثير
    وقوله تعالى {وما يعلم تأويله إلا الله} اختلف القراء في الوقف ههنا., فقيل: على الجلالة, كما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه, وتفسير تعرفه العرب من لغاتها, وتفسير يعلمه الراسخون في العلم, وتفسير لا يعلمه إلا الله, ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نَهيك وغيرهم. وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد, حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش, حدثني أبي, حدثني ضمضم بن زرعة, عن شريح بن عبيد, عن أبي مالك الأشعري, أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا, وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} الاَية, وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه» غريب جداً. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم, حدثنا أحمد بن عمرو, حدثنا هشام بن عمار, حدثنا ابن أبي حاتم, عن أبيه, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن ابن العاص, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً, فما عرفتم منه فاعملوا به, وما تشابه فآمنوا به» وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه, قال: كان ابن عباس يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله, ويقول الراسخون آمنا به, وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله, وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: إن تأويله إلا عند اللهو والراسخون في العلم يقولون آمنا به, وكذا عن أبي بن كعب, واختار ابن جرير هذا القول.
    ومنهم من يقف على قوله: {والراسخون في العلم}, وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول, وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد, وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد, عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله, وقال ابن أبي نجيح, عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به, وكذا قال الربيع بن أنس, وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر الزبير: {وما يعلم تأويله} الذي أراد ما أراد {إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به}, ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد, فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضاً, فنفذت الحجة, وظهر به العذر, وزاح به الباطل, ودفع به الكفر, وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس, فقال «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» ومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال: التأويل يطلق, ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه, ومنه قوله تعالى: {وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل} وقوله {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله} أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد, فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله عز وجل, ويكون قوله {والراسخون في العلم} مبتدأ و {يقولون آمنا به} خبره, وأما إن أريد بالتأويل المعنى الاَخر, وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله {نبئنا بتأويله} أي بتفسيره, فإن أريد به هذا المعنى, فالوقف على {والراسخون في العلم} لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار, وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه, وعلى هذا يكون قوله: {يقولون آمنا به} حالاً منهم, وساغ هذا, وأن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه, كقوله {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ـ إلى قوله ـ يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا} الاَية, وقوله تعالى: {وجاء ربك والملك صفاً صفاً} أي وجاءت الملائكة صفوفاً صفوفاً.
    وقوله إخباراً عنهم {يقولون: آمنا به}, أي المتشابه, {كل من عند ربنا} أي الجميع من المحكم, والمتشابه حق وصدق, وكل واحد منهما يصدق الاَخر ويشهد له, لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد, لقوله: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}, ولهذا قال تعالى: {وما يذكر إلا أولوا الألباب} أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة, وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عوف الحمصي, حدثنا نعيم بن حماد, حدثنا فياض الرقي, حدثنا عبد الله بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنساً وأبا أمامة وأبا الدرداء رضي الله عنهم قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, سئل عن الراسخين في العلم, فقال: «من برت يمينه, وصدق لسانه, واستقام فلبه, ومن أعفّ بطنه وفرجه, فذلك من الراسخين في العلم», وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا معمر عن الزهري, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارؤون, فقال «إنما هلك من كان قبلكم بهذا, ضربوا كتاب الله بعضه ببعض, وإنما أنزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً, فلا تكذبوا بعضه ببعض, فما علمتم منه فقولوا, وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» وتقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث من طريق هشام بن عمار, عن ابن أبي حازم, عن أبيه, عن عمرو بن شعيب به, وقد قال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير بن حرب, حدثنا أنس بن عياض, عن أبي حازم, عن أبي سلمة, قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال «نزل القرآن على سبعة أحرف, والمراء في القرآن كفر ـ قالها ثلاثاً ـ ما عرفتم منه فاعملوا به, وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه جل جلاله» وهذا إسناد صحيح, ولكن فيه علة بسبب قول الراوي «لا أعلمه إلا عن أبي هريرة», وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم, حدثنا ابن وهب, قال: أخبرني نافع بن يزيد, قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله, المتذللون لله في مرضاته, لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم, ثم قال تعالى مخبراً أنهم دعوا ربهم قائلين {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا}, أي لا تملها عن الهدي بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ, الذين يتبغون ما تشابه من القرآن, ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم, ودينك القويم, {وهب لنا من لدنك} أي من عندك {رحمة} تثبت بها قلوبنا وتجمع بهاشملنا, وتزيدنا بها إيماناً وإيقاناً, {إنك أنت الوهاب}.
    قال الطبري
    يعنـي جل ثناؤه بذلك: وما يعلـم وقت قـيام الساعة وانقضاء مدة أُكل مـحمد وأمته وما هو كائن, إلا الله, دون من سواه من البشر الذين أمّلوا إدراك علـم ذلك من قبل الـحساب والتنـجيـم والكهانة.
    وأما الراسخون فـي العلـم, فـيقولون: آمنا به كل من عند ربنا, لا يعلـمون ذلك, ولكن فضل علـمهم فـي ذلك علـى غيرهم العلـم بأن الله هو العالـم بذلك دون من سواه من خـلقه.
    واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك, وهل الراسخون معطوف علـى اسم الله, بـمعنى إيجاب العلـم لهم بتأويـل الـمتشابه, أو هم مستأنف ذكرهم بـمعنى الـخبر عنهم أنهم يقولون آمنا بـالـمتشابه, وصدّقنا أن علـم ذلك لا يعلـمه إلا الله؟ فقال بعضهم: معنى ذلك: وما يعلـم تأويـل ذلك إلا الله وحده منفردا بعلـمه. وأما الراسخون فـي العلـم فإنهم ابتدىء الـخبر عنهم بأنهم يقولون: آمنا بـالـمتشابه والـمـحكم, وأن جميع ذلك من عند الله.) ذكر من قال ذلك:
    5330ـ حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم, قال: حدثنا خالد بن نزار, عن نافع, عن ابن أبـي ملـيكة, عن عائشة, قوله: {وَالرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ} قالت: كان من رسوخهم فـي العلـم أن آمنوا بـمـحكمه ومتشابهه, ولـم يعلـموا تأويـله.
    5331ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن ابن طاوس, عن أبـيه, قال: كان ابن عبـاس يقول: {وَما يَعْلَـمُ تَأْوِيـلَهُ إلاّ اللّهُ} يقول الراسخون: آمنا به.
    5332ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي ابن أبـي الزناد, قال: قال هشام بن عروة: كان أبـي يقول فـي هذه الاَية: {وَمَا يَعْلَـمُ تَأْوِيـلَهُ إلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ} أن الراسخين فـي العلـم لا يعلـمون تأويـله, ولكنهم يقولون: {آمنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنا}.
    5333ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيـى بن واضح, قال: حدثنا عبـيد الله, عن أبـي نهيك الأسدي قوله: {وَما يَعْلَـمُ تَأْوِيـلَهُ إلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ} فـيقول: إنكم تصلون هذه الاَية وإنها مقطوعة {وَما يَعْلَـمُ تَأْويـلَهُ إلاّ اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنَا} فـانتهى علـمهم إلـى قولهم الذي قالوا.
    5334ـ حدثنا الـمثنى, قال: حدثنا ابن دكين, قال: حدثنا عمرو بن عثمان بن عبد الله بن موهب, قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: {الرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ} انتهى علـم الراسخين فـي العلـم بتأويـل القرآن إلـى أن قالوا: {آمَنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنَا}.
    5335ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا أشهب, عن مالك فـي قوله: {وَما يَعْلَـمُ تَأْوِيـلَهُ إلاّ اللّهُ} قال: ثم ابتدأ فقال: {وَالرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنا} ولـيس يعلـمون تأويـله.
    وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعلـم تأويـله إلا الله والراسخون فـي العلـم, وهم مع علـمهم بذلك ورسوخهم فـي العلـم {يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنَا}. ذكر من قال ذلك:
    5336ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, عن ابن عبـاس أنه قال: أنا من يعلـم تأويـله.
    5337ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: {وَالرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ} يعلـمون تأويـله ويقولون آمنا به.
    حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: {وَالرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ} يعلـمون تأويـله ويقولون آمنا به.
    5338ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: {وَالرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ} يعلـمون تأويـله ويقولون آمنا به.
    5339ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلـمة, عن ابن إسحاق, عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَما يَعْلَـمُ تَأْوِيـلَهُ} الذي أراد ما أراد إلا الله والراسخون فـي العلـم يقولون آمنا به. فكيف يختلف وهو قولٌ واحدٌ من رب واحد؟ ثم ردوا تأويـل الـمتشابهة علـى ما عرفوا من تأويـل الـمـحكمة التـي لا تأويـل لأحد فـيها إلا تأويـل واحد, فـاتسق بقولهم الكتاب, وصدّق بعضه بعضا, فنفذت به الـحجة, وظهر به العذر, وزاح به البـاطل, ودمغ به الكفر.
    فمن قال القول الأول فـي ذلك, وقال: إن الراسخين لا يعلـمون تأويـل ذلك, وإنـما أخبر الله عنهم بإيـمانهم وتصديقهم بأنه من عند الله, فإنه يرفع «الراسخين فـي العلـم» بـالابتداء فـي قول البصريـين, ويجعل خبره «يقولون آمنا به». وأما فـي قول بعض الكوفـيـين فبـالعائد من ذكرهم فـي «يقولون», وفـي قول بعضهم بجملة الـخبر عنهم, وهي «يقولون». ومن قال القول الثانـي, وزعم أن الراسخين يعلـمون تأويـله عطف بـالراسخين علـى اسم الله فرفعهم بـالعطف علـيه.
    والصواب عندنا فـي ذلك, أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم وهو «يقولون», لـما قد بـينا قبل من أنهم لا يعلـمون تأويـل الـمتشابه الذي ذكره الله عز وجل فـي هذه الاَية, وهو فـيـما بلغنـي مع ذلك فـي قراءة أبـيّ: «ويقول الرّاسِخُونَ فِـي العِلْـمِ» كما ذكرناه عن ابن عبـاس أنه كان يقرؤه¹ وفـي قراءة عبد الله: «إن تأويـله إلا عند الله والراسخون فـي العلـم يقولون».
    قال السعدي رحمه الله









    ... ففي هذا دليل على أن هذا من علامة أولي الألباب وأن اتباع المتشابه من أوصاف أهل الآراء السقيمة والعقول الواهية والقصود السيئة وقوله وما يعلم تأويله إلا الله إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور وما تنتهي إليه وتؤول تعين الوقوف على إلا الله حيث هو
    تعالى المتفرد بالتأويل بهذا المعنى وإن أريد بالتأويل معنى التفسير ومعرفة معنى الكلام كان العطف أولى فيكون هذا مدحا للراسخين في العلم أنهم يعلمون كيف ينزلون نصوص الكتاب والسنة محكمها ومتشابهها ولما كان المقام مقام انقسام إلى منحرفين ومستقيمين دعوا الله تعالى أن يثبتهم على الإيمان فقالوا

    و قال الشنقيطي في أضواء البيان
    ولا شك أن في القرءَان أشياء لا يعلمها إلا اللَّه كحقيقة الروح ؛ لأن اللَّه تعالىٰ يقول : {وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى} ، وكمفاتح الغيب التي نص على أنها لا يعلمها إلا هو بقوله : {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ} .

    وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ، أنها الخمس المذكورة في قوله تعالىٰ : {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ} . وكالحروف المقطعة في أوائل السور وكنعيم الجنة لقوله تعالىٰ : {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} ، وفيه أشياء يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم كقوله تعالىٰ : {فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، وقوله : {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} ، مع قوله : {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ} ، وقوله : {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} ، وكقوله : {وَرُوحٌ مّنْهُ} ، والرسوخ والثبوت . ومنه قول الشاعر :


    لقد رسخت في القلب مني مودة لليلى أبت آياتها أن تغيّرا
    التعديل الأخير تم بواسطة ; 16-Jun-2007 الساعة 06:52 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •