ابحث في شبكة الإمام الآجري ابحث في المواقع السلفية

شكر شكر:  0
النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Sep 2005
    الدولة
    الأردن - إربد - حرسها الله - .
    المشاركات
    56

    افتراضي تيسير الغفور الودود في بيان حكم استنشاق ( البنزين ) المُتطاير في محطّات الوقود

    بسم الله الرّحمن الرّحيم

    تيسير الغفور الودود
    في بيان حكم استنشاق ( البنزين ) المُتطاير في محطّات الوقود

    الحمد لله ربّ العالمين ، و الصّلاة و السّلام على رسوله الأمين ، و على آله و صحبه الطّيّبين الطّاهرين ، و تابعيهم بإحسانٍ من أهل الحديث الأثريّين ؛ إلى يوم الدّين .
    أمّا بعد :
    فلقد ورد سؤالٌ من ساحل ( عُمان ) مفاده الاستفسار عن حكم استنشاق رائحة ( البنزين ) المُتطاير من محطّات الوقود ؛ و ذلك بالنّسبة للعاملين فيها و المارّين عليها ؛ لا سيّما و قد ثبت أنّ شمّ هذه المادّة يعمل عمل الإسكار في الجسم ؛ و (( ما أسكر كثيره فقليله حرام )) .
    فما حكم استنشاق هذه المادّة المسكرة و أمثالها بغير قصدٍ ؛ حتّى لو لم يَسْكر المُستنشق لقلّة المادّة المُستنشقة ؟.
    فقلتُ مجيبًا - مستعينًا بالله العظيم - :
    لا بدّ - قبل الإجابة - من معرفة أمورٍ ثلاثةٍ ؛ ندلف منها إلى الجواب :
    الأمر الأوّل : أنّ الخمر - شرعًا - هو ما أسكر ؛ لحديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما - عند مسلمٍ و غيره : (( كلُّ مسكرٍ خمرٌ ، و كلّ خمرٍ حرامٌ )) ؛ وهو حديثٌ (( كاد أن يكون متواترًا )) - كما قال عليٌّ القاريّ الحنفيّ - عفا الله عنّا وعنه - .
    و في حديثٍ آخر كاد أنْ يكون متواترًا - أيضًا - : (( ما أسكر كثيره ؛ فقليله حرام )) ؛ وهو مرويٌّ (( عن نحو ثمانيةٍ من الصّحابة بأسانيد ثابتة )) - كما قال إمامنا الألبانيّ - رحمه الله - في " الضّعيفة : 3 / 364 " - .
    و على هذا أهل الحديث ، و جمهور السّلف و الخلف .
    و شذّ من أهل الرّأي الأحنافُ فخالفوا الإجماع الأوّل - إلاّ محمّدًا - على الصّحيح - - ؛ وزعموا أنّ :
    الخمرَ المحرّمَ ما كان من العنب - فقط - .
    و أنّه لا يَحْرُمُ ممّا أَسْكَرَ من الأشربة من غير العنب إلاّ الحدُّ المُسكر ( ! ) .
    و ذلك لأنّ الخمر - أي الّتي من العنب - إنّما حُرّمت لعينها ؛ لا لعلّةٍ هي الإسكار تجمعها مع غيرها ؟!!! .
    و للجواب على هذه العجائب الغرائب تمتلئ كراريسُ دون نهايته ؛ و حسبي أنْ أقول :
    أوّلاً : بل حديثنا الصّحيح ( القريب من التّواتر ) السّابق قاضٍ بأنّ كلّ ما أسكر فهو خمرٌ ؛ من عنبٍ ، أو تمرٍ ، أو شعيرٍ ، أو غيره .
    و الخمرُ : ما خامر العقل ؛ فغطّاه ، و أسكره .
    فكلُّ ما كان كذلك فهو ذلك ؛ كالمخدّرات ، و القات ، والتّدخين على الجوع ؛ كالإفطار من صيامٍ على مسكرات الدّخائن ، و الأشربة الكحوليّة العصريّة المصنوعة من موادّ كيماويّةٍ غير نباتيّةٍ - أصلاً - لا عنبيّة ، و لا شعيريّة ، و لا تمريّة . . . ؛ و الّتي أكثرها يُذهب العقل و يسكره أكثر من خمر العنب بدرجات .
    بل ؛ في بلاد الكفر تخديرٌ بالأدهان .
    و لو قُدّر أنْ يُخامَرَ العقل بإسكارِ أمواجٍ ، أو أشعةٍ فهي كذلك .
    ثانيًا : لله درُّ هذا القول الشّاذ وأصحابه ( !!! ) .
    إذ كيف يعرفون الحدّ المسكر من ( الأشربة من غير العنب ) ؟!! .
    ما ضابط ذلك ؟!! .
    ذلك لا يُعرف - أصلاً - إلاّ بالوصول إلى حدّ السّكر ( ! ) .
    فلا يحرم السّكر عندهم إلاّ بعد السّكر ( ! ) .
    فهل في الشّرائع مثل هذا ؟!! .
    تحريمه - إذًا - عبثٌ ، وسفاهة ؛ لأنّه تكليف ما لا يطاق .
    و هل من شرب المجّة و الاثنتين قادرٌ - حقًّا - على التّوقّف عند ذلك الحدّ الوهميّ المظنون ؟!! .
    و هل لا يكون الإسكار إلاّ بتلك الشّربة الأخيرة الّتي ظهر السّكر عندها ؟!! .
    بل قال النّسائيّ - عليه رحمة الله – في " سننه " : (( و لا خلاف بين أهل العلم أنّ السّكر بكليّته لا يحدث على الشّربة الآخرة دون الأولى و الثّانية بعدها )) .
    ثالثًا : و أمّا أنّ الخمر حُرّمت لعينها فهذا قول الحنفيّة ، وحزب التّحرير المعاصر ؛ الّذي حقّه أن يُسمّى بـ ( فرقة التّحليل الإعتزاليّة ) ؛ أخذًا من قول ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - : (( حُرّمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها ، والسّّكر من كلّ شراب )) .
    و زعموه مرفوعًا .
    و لكنّ رفعه ضعيفٌ شاذٌّ ؛ بشهادة محدّثي الأحناف - أنفسهم - ؛ كالزّيلعي في " نصب الرّاية " .
    هذا هو الأمر الأوّل .
    و أمّا الأمر الثّاني : فهو معرفة قاعدة المكاثرة .
    فإنّ من قواعد الأصول أنْ نعلم أنّه : (( قد يحرم أصلاً ما يحلُّ فرعًا ، ويحلُّ أصلاً ما يحرم فرعًا )) .
    و هذا شيءٌ شرحته بأمثلته في كتابي " الحصن المنيع " - يسّر الله نشره - ؛ ومن ذلك :
    - النّهي عن تهجين البغال - أصلاً - ، و ركوب النّبيّ - صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم - لها - فرعًا .
    - و إباحة الأكل و الشّرب - أصلاً - ، و تحريم الإسراف فيه - فرعًا - .
    و الشّيء قد يحلُّ منفردًا ؛ فإذا انضمّ إليه شيءٌ من الحلال حَرُم .
    و قد يحرُم منفردًا ؛ فإذا انضمّ إليه شيءٌ من الحلال حلَّ .
    و قد يحرُم منفردًا ؛ و إذا انضم ّ إليه شيءٌ من الحرام حلَّ - أيضاً - ( ! ) .
    و مثال ما يحلُّ منفردًا ؛ فيحرم بانضمام الحلال إليه :
    الأنبذة و الأشربة المباحة ؛ إذا أضيف إليها من المباحات ما يخمّرها صارت خمرًا حرامًا .
    و التّفاحة و سائر المأكولات ؛ إذا أُكلت وحدها ؛ فهي على الإباحة ، فإذا انضاف إليها من مثلها ما يُتخمُ آكلها ؛ فهي الحُرمة .
    و الحرام منفردًا الحلالُ بانضمام شيءٍ من الحلال إليه ؛ مثاله :
    الماء المتنجّس الّذي هو دون القلّتين ؛ فإنّه حرامٌ شربه أو الانتفاع به - إجماعًا - ؛ فإذا زيد عليه من الماء الطّاهر ما يُكاثَر به ليصير قُلّتين فأكثر طهُر و جاز الانتفاع به - على الصّحيح - ؛ لحديث : (( إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث )) الثّابت بشواهده .
    و حتّى لو كان الماء المضاف نجسًا حرامًا - أيضًا- ؛ فإنّهما إذا صارا - معًا - قُلّتين فأكثر طَهُرا - جميعًا - ؛ ما لم يكن تغيّرٌ في ريحٍ أو طعمٍ أو لون .
    و هذا مثال الحرام منفردًا ، الّذي يحلّ بانضمام مثله إليه .
    فإذا عرفنا هذا ؛ دلفنا منه إلى الأمر الثّالث ؛ لنقول :
    الأمرُ الثّالث : أنّ الشّريعة الرّبانيّة سمحةٌ ، مبناها على اليُسر ؛ فلا يحرُم فيها ما عمّت به البلوى ممّا لا يُتحرّز منه .
    فإنّ لَهْمَ التّراب في نهار الصّيام مفطرٌ محرّمٌ - على الصّحيح - ؛ أمّا تَنَشُّقُ الغبار و الأبخرة و الرّذاذات المتطايرة عن غير قصدٍ ، و بغير عمدٍ فليس بمفطرٍ ؛ إلاّ من تقصّدٍ و تكلّف ( !!! ) .
    و ذلك مثل المرضى المتداوين بـ ( بخّاخ ) الرّبو ، ونحوه .
    فنقول : إذا كان في هذا الغاز المضغوط موادٌّ دوائيّةٌ ذات جَرْمٍ تدخل الجوف أفطرت ، و أمّا إنْ كانت غازًا - فقط - ؛ فلا .
    و عليه :
    فإنّ ما يفعله كثيرٌ من سفهاء المسلمين و فسّاقهم - اليوم - من تعمّد استنشاق هذه الموادّ النّفطيّة المسكرة محرّم - اتّفاقًا - عند علماء العصر ؛ كثيرها وقليلها .
    إلاّ أنّ من شمّ هذه الرّوائح من العاملين في ميدانها ، أو السّائرين بقرب مكانها ؛ فإنّه لا يحرم عليهم شيءٌ من ذلك لأمور :
    - الأوّل : أنّه لا يُتحرّز منها .
    - و الثّاني : أنّه (( إذا ضاق الأمر اتّسع )) .
    - و الثّالث : أنّها مُكاثرةٌ بالهواء الّذي يُخرِج كثيرَها عن الإسكار ؛ فكيف قليلها ؟!!! .
    و ذلك كمن كان يسكر من كأس خمر ؛ فصبّ هذا الكأس في بئر ماء ؛ فهل يحرم ماؤه ؟! .
    و من ظنّ أنّ حديثنا : (( ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ )) )) دليلٌ على تحريم مائه فهو غالط !!! .
    إذ من ذا الّذي يشرب ماء البئر كُلّه ليسكر ؛ حتّى يَحرُم عليه الشّربة منه و الاثنتان ؟!! .
    فإنّ المكاثرة أخرجت الكثير عن كونه مُسكرًا ؛ فكيف القليل ؟!.
    و الله - تعالى - أعلم .
    و الحمد لله ربّ العالمين .
    و كتب :
    ــــــــــــــــ
    أبو عبد الرّحمن الأثريّ
    معاذ بن يوسف الشّمّريّ
    في : الأردن - إربد - حرسها الله - .
    في : 27 - ربيع الأوّل - 1424 هـ .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •