منقول من شبكة سحاب لصاحبه:

نعيم إحسان vbmenu_register("postmenu_600954", true);


تاريخ التسجيل: Feb 2007
الدولة: الجزائر
المشاركات: 1,437


بسم الله الرحمن الرحيم

الهدى والنور 23 (1) : نصيحة الألباني للسلفيين في عدم التحاسد والتباغض والتقاطع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبدهُ ورسوله، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) ،( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) ، أما بعد ، فإن خير الكلام كلام الله ، وخير الهديُ هديُ محمد –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار، وبعد.
فمن المعلوم عندنا جميعاً قول النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- : "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة" قالوا: لمن يا رسول الله ؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" ونحن المسلمون اليوم من عامة الناس الذين يجب على كل ناصح أن يوجه النُصح إليهم، وبصورة أخص، نحنُ معشَر السلفيين الذين يمثلون جانباً كبيراً من هذا العدد الضخم من المسلمين، ويفخرون بأنّ الله تبارك وتعالى قد فضلهم على كثير من المسلمين بأن يسّر لهم فهم التوحيد، الذي هو أصلٌ يأتي في الآخرة من العذاب المقيم، هذا التوحيد الذي درسناه وعرفناه جيداً وتحققنا به عقيدة، ولكني أشعر والأسى يملأ قلبي بأن ما ترون بأنفسنا حينما وقفنا عند هذه العقيدة ولوازمها مما هو معلوم من العمل بالكتاب والسنة وعدم تحكيم غير كتاب الله وسنة نبيه –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وقد وقفنا هذا الموقف الواجب على كل مسلم من الفهم الصحيح للتوحيد والعمل بما ثبت في الكتاب والسنة فيما يتعلق في الفقه الذي تفرق إلى مذاهب شتى وطرائق قددا على مر هذه السنين الطويلة، لكن يبدو وهذا ما كررته في مناسبات كثيرة، أن هذا العالم الإسلامي -بما فيه السلفييون أنفسهم- قد شُغلوا عن ناحية هامة من هذا الإسلام الذي تبنيناه فكرياً إسلاماً عاماً شاملاً لكل شؤون الحياة، ومن ذلك السلوك والاستقامة في الطريق، فكثير منا لا يهتم بهذا الجانب من الإسلام وهو تحسين السلوك، وتحسين الأخلاق، ونقرأ في كتب السنة الصحيحة قول النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- : "إن الرجل ليُدرك بحسنِ خلقه درجةَ قائم الليلِ وصائمَ النهارِ" ونقرأ في القرآن الكريم أنه ليس من الخلق الإسلامي أن يختلف المسلمون –وبخاصة نحن السلفيون- بين أنفسِهم بأمور لا توجب الخلاف والنزاع، نقرأ في ذلك قوله تبارك وتعالى:( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ، وإن مما يؤسف حقاً أن نسمع -ليس فقط في البلاد الإسلامية- أن المسلمين يتفرقون إلى طوائف كثيرة وأحزاب عديدة، حتى وفي المعرفة القائمة بينهم وبين الكفّار المستبيحين لبعض البلاد كإخواننا مثلاً الأفغانيين، فكلنا يعلم أنهم الآن في معركة مع الشيوعيين، لكن مع الأسف، لقد انقسموا إلى طوائف وما سبب ذلك إلا الإعراض عن بعض ما جاء في الإسلام من التوجيه إلى الإتفاق ونبذ الشقاق والنزاع، والآية السابقة صريحة في ذلك، ( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) أقول هذا الاختلاف وهذا النزاع لم يقف عند حدود البلاد البعيدة عنهم، ولكنه قد وصل أيضاً إلينا نحنُ أنفسنا ونحن السلفيين الذين نزعم أننا نتمسك بالكتاب والسنة الصحيحة، و ننكر فضل الله تبارك وتعالى علينا مما تفضّل به من هدايته لنا إلى التوحيد وإلى العمل بما ثبت من الكتاب والسُّنّـة، ولكن أليس من الثابت في الكتاب والسنة أن لا نتحاسد وأن لا نتباغض وأن نكون إخواناً كما أمرنا الله عز وجل في كتابه ونبيه –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في سنته ؟! نعم ذلك مما عرفناه معرفة ولم نطبقه عملياً ، وعسى أن نطبق ذلك ونسعى إليه حثيثاً.
من المؤسف أن هناك شيء من التفرق، وشيء من التنزاع لأسباب تافهة جداً، ولذلك فيجب أن نضع نصب أعيننا ما يسمى اليوم في لغة العصر الحاضر بالتسامح الديني لكن بالمعنى الذي يُسمح به الإسلام، التسامح الديني قد توسع دائرته إلى حيث لا يسمح الإسلام، ولكن نحن نعني التسامح بالمعنى الصحيح، وذلك لأننا إذا رأينا شخصاً من غير السلفيين –فضلاً عما إذا كان من السلفيين- أن له رأياً خاصاً، أو اجتهاداً خاصاً، أو بل رأيناه فعلاً قد أخطأ فعلاً في شيء من تصرفاته، أما نبادر إلى نهره ثم إلى مقاطعته، بل يجب علينا أن نسلك طريق النُصح الذي ابتدأنا هذه الكلمة بالحديث : "الدين النصيحة ، الدين النصيحة" ، فإن نصحناه وتجاوب معنا فذلك ما نبغي، وإن لم يستجب فليس لنا عليه من سبيل، ولا يجوز لنا أن ندابره و أن نقاطعه بل علينا أن نظلّ معه نتابعه بالنصيحة ما بين الفينة والفينة، ما بين آونة وأخرى، حتى يستقيم على الجادّة.
نحن نلاحظ في كثير من جلساتنا الخاصة فضلاً عن غيرها، بأن شخصين متنازعين في مسألة كل واحد يريد أن يجرّ الموضوع إلى صالحه، فهو لا يطرحه متجرداً عن أن يكون له أو عليه كما هو المفروض أن يكون البحثُ للوصولِ إلى الحقيقةِ التي أمرنا الله تبارك وتعالى، وليس لأظهر أنا أنّي أنا المحُق وذاك هو المخطئ ، لذلك يجب أن نتذكر في هذه المناسبة بعض الآيات وبعض الأحاديث الصحيحة التي ما أظنُ أن أحداً منّا تخفى عليه علماً ولكنه تخفى عليه تطبيقاً وعملاً ، ولذلك فإني قد استحضرت استعانةً أو إعانةً لذاكرتي الضعيفة لبعض النصوص من الآيات الكريمة التي تفيدنا في هذا السبب وتعود بنا -إن شاء الله- إلى أن نكون يداً واحدةً ، وصفاً واحداً ، لا يقاطع أحدنا أحداً من إخوانه، بل يتابعه بالموعظة والنصيحة، فكلنا يعلم قول الله عز وجل: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ، التقوى هنا هي أمرٌ عام بالابتعاد عن كل مخالفة لله عز وجل ولنبيه –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ، ومن ذلك الاتباع لما أمر الله عزّ وجل ونبيه من الهدى والنور ومنه ما قدمه بين يدي الأمر بالتقوى ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) ، فينبغي محاولة الإصلاح بين الإخوة إذا ما بدر بادرة تدلُ على أن هناك يعني شيء مما يحوي بفُرقة، والفُرقة هذ ليست محصورة بمخالفة العقيدة فقط، بل بمخالفة أحكام الشريعة التي جاء بها الإسلام الكريم، فهذه آية ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) فالرحمة التي نرجوها جميعاً من الله تبارك وتعالى إنما تكون بتقوى الله عز وجل ، ومن ذلك أن يُصلح بين المختَلفين، كذلك جاء في القرآن الكريم: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) لا شك أن هذه الآية وُجهت إلى أصحاب النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مباشرةً فإنه تعالى خاطبهم بقوله:  وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا  بماذا كان الإنقاذ ؟ لا شك بإرسال النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إليهم بكتاب الله –عز وجل- وببيانه –عليه الصلاة والسلام- ، ترى هل لنا نصيب من هذه الآية ؟ نحمدُ الله أن لنا نصيباً لا يستهان به في مخاطبة الله – عز وجل – في هذه الآيةِ الكريمة، وخاصّه في وسطها، ( وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) ، ما الذي ألّف بيننا وجمعنا هنا وهناك إنما هو الإيمان بوجوب الرجوع إلى الكتاب وإلى السنة والتحاكم إليهما دائماً وأبداً، فيما إذا بدر أو ظهر ما يوحي بالإختلاف والإفتراق، كما قال تعالى في الآية التي تعرفونها جيداً: ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) ، هذا مما أنعم اللهُ تبارك وتعالى علينا وامتن بها قوله عز وجل مخاطباً إلينا بعموم النصِ، بينما خاطب الصحابة بخصوصِ النص، ألا وهو قوله: ( وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) ، كُنّا كما يعيش اليوم أكثر المسلمون وهم مسلمون، لكنهم كثيرون منهم إن لم نقل أكثرهم يصدُق فيهم قول الله تبارك وتعالى: ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) فنحن والحمدُ لله قد أنقذنا الله –عزّ وجل- من الشركِ ، بل من كلِّ أنواع الشِّرك ، فهذه من أكبر النِّعم علينا، ولكن علينا أن نُحقق تمامَ نعمةِ الله علينا بأن نتفق وأن لا نختلف، كما تأمرنا هذه الآية في مقدِمتها: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) .
مما يؤكُد، أو مما يكون سبباً للمحافظة على وحدةِ الصفِّ و وحدة الكلمة ولو صدر من هناك ما يوحي بالخلاف، قُلت آنفاً التناصح في دين الله -عز وجل- ، لكن هذه النصيحة يجب أن تكون كما أمرنا الله –عز وجل- في الآية التالية: ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)  ،  (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) هذا نقرأهُ في القرآن دائماً وأبداً ، لكننا مع الأسف كثيراً ما نخرج عن هذه الآية ولا نطبقها ، ولا ندعُ إخواننا في المشرب وفي المنهج السلفي –فضلا عن غيرهم- نادراً ما نسلك هذا السبيل وهذا الطريق الذي أمرنا الله -تبارك وتعالى- به، ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) المجادلة بالتي هي أحسن تتطلب ما قلناه آنفاً شيء من التسامح، شيء من التسامح ، وهذا التسامح يستلزم منا شيئين اثنين:
الشيء الأول :- أن نخطّر في بالنا ، أن يخطّر كل منا في باله، أنه لم ينزل عليه الوحي بما عنده من رأي، فهو ممكن أن يكون المخطئ وأن يكون الشخص الذي يجادلُه و يناقشه هو المصيب، ينبغي كل منا حينما أن يناقش صاحبه أن يستحضر هذه البدهية، أننا لسنا معصومين مهما كان كلٌ منا متعلم أو عالم، فكثير ما يتحقق قولُ العلماء: [قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل]، قد يكون العالم على خطأ والمتعلم على صواب، قد يكون المتعلم على خطأ والأميّ الذي لا يعلم يكون على صواب، وهذا الإستحضار لهذه الحقيقة مما يجعل الإنسان متأنياً متلطفاً مع صاحبه في مناقشته، وهذا أدبٌ مأخوذ من القرآن الكريم، لأن الله –عز وجل- قد ذكر في كتابه أن النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان يخاطب قومه المشركين، وشتان بين المشركين في ضلالهم وبين النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأصحابه في هداهم، مع ذلك قد أدبّه الله –عز وجل- بهذا الأدب السامي الذي عبرنا عنه بالتسامح، فقال في القرآن الكريم: ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ *قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) فهذا منتهى التسامح في أثناء المناقشة، ليس فيه أن يتنازل المسلمُ عن عقيدته، ولكن فيه افتراض أن أحد الفريقين هو على خطأ والآخر على ضلال(1)، من هذا الفريق ؟ لم يحدده هنا، لكنه دائماً وأبداً حينما يدعوهم إلى الإيمان ويقولُ لهم أنهم إن كفروا بما جاء به من عند الله –عز وجل- يقول لهم: ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) في الوقت الذي يفصح لهم بعقيدته، وبمصيرهم فيما إذا استمروا في مخالفته، يقول لهم حينما يجادلهم: ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) ، هذا خطاب النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- للمشركين، فكيف ينبغي في مخاطبةِ أحدِنا لواحد منا ؟ لا شك أنه يجب أن يتواضع له، وأن يتسامح معه وأن لا يُحمل عليه حملة شعواء فيتباعد عنه كما يتباعد العدو عن عدوه، هذه الآية هامة جداً وعلينا أن نتذكرها جيداً ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .
وهناك بعض الأحاديث الصحيحة التي أيضاً نحن بحاجة إلى أن نتذكرها عملياً وليس فقط فكراً وعلماً، وهو قوله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلمٍ أن يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاث" لماذا يهجره ؟ تباغُضاً وتحاسداً ، لا لأمر شرعي ، لا لأنه عصى الله ورسوله، وإنما أسوأ ما يقالُ أنه عصى اللهَ ورسولَه بسوء فهمِه عندي، لكن هو لم يجاهر بالمعصية، لم يعتقد أنها معصية فهو يعصي الله –عز وجل- فجاء أحدنا وقاطعه، هذه مقاطعة مشروعة لا شك ، لكن التقاطع في سبيل اختلاف الأفكار وفي المفاهيم هذا هو التدابر المنهي في أول هذا الحديث: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا" ، أيضاً هذه الخليقة أو هذا الخلق وهو التحاسد مما دبّ بين بعضِ إخواننا السلفيين، فهناك تخاصم أحياناً في بعض المواطن هالذي يتولى إلقاء الكلمة أو إلقاء الدرس هو بكر وأنا عمر !! ، لا أنا أولى لا هذاك أولى، يا جماعة اتقوا الله في أنفسكم، إذا كان هناك إنسان له شيء من المعرفة و من العلم ، وأراد أن يلقي ما يعلمه بين الناس فدعوه فليتكلم، وأعينوه على ذلك ، ولا تنظروا إلى أنفسكم بنظرات الإستعلاء والإستكبار عليه، لأنك أنت تنظر أنه دونَك في العلم وقد يعكس هو القضية، فيبدأ الشقاق ويحصل من وراء ذلك هذه الأمور التي نهى عنها –عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث الصحيح، "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلمٍ أن يهجرَ أخاهُ فوقَ ثلاث" ، هذا الهجرُ يجب قطعُه وإنهاءه، هذا الحديث في الواقع من رحمة الله –عز وجل- على عباده، لأنه لم يمنع الهجر مطلقاً، فقد أفسح المجال لبعض النفوس المريضة أن تشفي غيظها وحقدها وحسدها في ثلاثة أيام، يكفي للإنسان أن يروي غيظ نفسه في هذه الثلاثةِ أيام، سُمحَ له بذلك ولكن إذا جاوزها فقد ارتكب الحرام، وكما سيأتي في بعض الأحاديث الصحيحة، أنه بذلك أي إذا جاوز الأيام الثلاثة التي سمح له الشارع فيها بالمقاطعة فهو يستحق دخول النار، جاء في الحديث الآخر بعد قوله –عليه السلام- : "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيُعرضُ هذا ويعرضُ هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" أي إذا كان من الصعب على هذا المسلم الذي هجر أخاه ثلاثة أيام ترخصاً، ولكنه لم ينسى هذا الوعيد الشديد من النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه لا يحل له الإستمرار بعد الثلاثة أيام، فأقل ما يبدو من الهجر والوعيد المترتب على .... ، أن تحصل تتحق المودة بين المتهاجرين التي كان فيها متهاجرين فوراً مباشرةً، يكفي للخلاص من هذا الوعيد بأن يبدأ أخاه بالسلام، وبعد ذلك فالسلام يجر الكلام، والكلام يجر المودة والزيارة ونحو ذلك، وكما قيل: أول الغيثِ قطرٌ ثم ينهمر ، فلا أقل من أن يبادر المسلم أخاه الذي كان هجَره في ثلاثة أيام بالسلام في ذلك الخلاص من الوعيد من المهاجرة في الثلاثة أيام، اسمعوا هذا النص النبوي من النبي –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما فيه من الوعيد من الذي يهجرَ أخاه بغير حقٍ، قال –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "تُفتح أبوابُ الجنةِ يومُ الأثنين والخَميس، فيغفرُ لكلِ عبدٍ لا يشركُ بالله شيئا...ً" هذا نحنُ نستبشر به خيراً، لأننا نحنُ الدعاة إلى التوحيد ، ونحن الذين نرفع راية الدعوة للتوحيد، وإلى نبذ الإشراك بالله في أي نوع من أنواع الشرك، فنظن أننا دخلنا الجنة فوراً بغير حساب ولا عذاب وكما يقال اليومُ (ترانزيت) لأننا موحدون لا نشركُ بالله شيئاً، ليس الأمرُ كذلك! ، اسمع باقي الحديث و عوه وحاولوا أن تتمثلوه في منطلقكم في حياتكم، "تُفتح أبوابُ الجنةِ يومُ الأثنين والخَميس، فيغفرُ لكلِ عبدٍ لا يشركُ بالله شيئاً ، إلا رجلٌ كان بينَه وبينَ أخيه شحناء، فيقالُ: أنظروا هذين حتى يصطلحا" يعني اصبروا عليهم، لا تغفروا لهم حتى يصطلحا ويعودا إخواننا على سررٍ متقابلين، "تُفتح أبوابُ الجنةِ يومُ الأثنين والخَميس، فيغفرُ لكلِ عبدٍ لا يشركُ بالله شيئاً ، إلا رجلٌ كان بينَه وبينَ أخيه شحناء، فيقالُ: أنظروا هذين أنظروا هذين أنظروا هذين " ثم قال –عليه السلام- في حديث آخر: "ثلاثةٌ لا تُرفع صلاتُهم فوق رؤوسهم شيئاً: رجلٌ أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأةٌ باتت وزوجُها عليها ساخط، وأخوان متصارمان" أي متقاطعان ومتدابران، إذاً أمر المقاطعة والمهاجرة والمتاركة بدون مبرر شرعي سوى الإختلاف في الرأي هذا من آثاره السيئة أن الصلاة لا ترفع إلى الله ولا تقبل، كما قال تعالى: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) فصلاة هذين المتصارمين لا تُرفع إلى الله تعالى ولا تُقبل.
كثيراً ما تقع المقاطعة و المصارمة مما يخطر في بال الإنسان من الظنون والأوهام تجاه أخيه المسلم، فجاء هذا الحديث الأخير ليحذرنا وينهانا، عن أن نظنَّ بالمسلمِ ظنَّ السوءِ، فيقول –عليه الصلاة والسلام- : "إياكم والظن، فإنّ الظنَّ أكذبُ الحديث، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا ولا تباغضوا وكونوا عبادَ اللهِ إخواناً كما أمركم الله تبارك وتعالى"، في أول الحديث ينهانا عن الظن بالأخِ المسلم ويجعل ذلك بأنه أكذب الحديث، أن تقول فلان كذا وفلان كذا وليس عندك في ذلك برهان من الله –عز وجل- أولاً، ثم لو كان عندك على ذلك برهان يجيز لك أن تظنَ بأخيكَ ظنَّ السوء ، فلا يجوز لك أن تستغيبه بل عليك أن تبادر كما قلنا في أول الكلمة هذه إلى نصحه وإرشاده وتوجيهه الوجهة التي تراها أنت مطابقة للشريعة، وكثيراً ما يدفعُ سوءُ الظنِ هذا المسلم المسيئ ظنه بأخيه المسلم إلى ارتكاب هذه المخالفات التي أعقبها الرسول -عليه السلام- على المنهي من الظن بالمسلم بقوله: "ولا تحسسوا ولا تجسسوا" ، التجسس: هو تتبع أخطاء المسلم لغمزه ولمزه الطعن فيه، والتحسس بعض العلماء يقولون إنهما بمعنى واحد، لكن الحقيقة أن التحسس له معنى غير معنى التجسس لأنه لا يصح في بعض الأحيان أن نقيم لفظة التجسس مقام التحسس ، ففي القرآن الكريم قول يعقوب -عليه السلام- لبنيه: ( اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ ) فالتحسس: هو تتبع أخبار الشخص والإستماع إلى ذلك، فهنا التحسس كأنه في الحديث أخص من التجسس، التحسس يكون في الخير ويكونُ في الشر، أما التجسس فهو في الشر وحده، فالرسول –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في هذا الحديث ينهى عن الأمرين، ينهى عن تتبع أخبار الإنسان وعن التجسس عليه لأن للأمور مقاصدها، فإذا كان المقصود من التحسس الوصول إلى الخير فلا بأس فيه، أما التجسس فليس فيه خير إطلاقاً، لذلك لا يجوز المسلم أن يتحسس و أن يستمع لحديث المسلم لقصدِ تتبع الخطأ والعورة وإيقاعه فيما لا يرضاه، "ولا تجسسوا ولا تحاسدوا" لماذا يحسد الإنسان أخاه المسلم ؟ هذا أمر مع الأسف الشديد يكادُ يكون مفطورا في الإنسان، أقول يكاد لأنه لا أعتقد أن الله عز وجل خطر الإنسان على أن يحسد أخاه المسلم، ولذلك قُلت يكاد يكون مفطوراً لكثرة ما يغلب على الناس من الحسد، والحقيقة أن داء الحسد داءٌ عضال، وكثيراً ما يظهر بين الأغنياء الغنى المادي المالي، والغنى العلمي، فالغنيُّ مالاً يُحسَد من مثله، والغنيُّ علماً يُحسَدُ من مثلِه، ثم يكون ذلك سبباً لدخول البغضاء بين المتحاسدين، فيقول الرسول -عليه السلام- تأديباً لنا: " ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا ولا تباغضوا وكونوا عبادَ اللهِ إخواناً كما أمركم الله تبارك وتعالى" ، يعني في قوله تعالى: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ) .
فهذه كلمةٌ و موعظة أرجو أن ينفعنا اللهُ تبارك وتعالى بها، وأن يحقق فينا الأخوة الصادقة التي أشعر أننا بحاجة إلى تحقيقها جميعاً، نسأل الله –عز وجل- أن يعيننا على طاعته في كلَّ ما أمر، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
منقول من منتدى أبحاث و فتاوى الألباني - رحمه الله