البحوث العلمية
حوادث السيارات وبيان ما يترتب عليها بالنسبة لحق الله وحق عباده


هيئة كبار العلماء
بالمملكة العربية السعودية


بسم الله الرحمن الرحيم
حوادث السيارات وبيان ما يترتب عليها بالنسبة لحق الله وحق عباده

إعداد
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء


الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد


فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في الدورة التاسعة

المنعقدة بمدينة الطائف في شهر شعبان عام 1396 هـ من إدراج

موضوع حوادث السيارات من صدم ودهس وانقلاب وبيان حكم ما

يترتب على ذلك بالنسبة لحق الله وحق عباده في جدول أعمالها

بالدورة العاشرة- أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

بحثا في ذلك ضمنته ما يأتي :

1 - تصادم سيارتين مثلا أو صدم إحداهما الأخرى وبيان ما يترتب

على ذلك من أحكام .

2 - دهس سيارة ونحوها لشيء وانقلابها وبيان ما يترتب على

ذلك من أحكام .

3 - بيان ما يترتب على حوادث السيارات من العقوبات لمخالفة

نظام المرور ونحوه مما يسبب وقوع الحوادث .

4 - توزيع الجزاء على من اشتركوا في وقوع الحادث بنسبة

اعتدائهم أو خطئهم .

وفيما يلي الكلام على هذه الموضوعات إن شاء الله تعالى .


الموضوع الأول : تصادم سيارتين مثلا أو صدم إحداهما الأخرى

وبيان ما يترتب على ذلك من أحكام


تمهيد :

يحسن بنا أن نمهد بين يدي النقل عن فقهاء الإسلام في الموضوع

ببيان منشأ اختلاف الأحكام أو اختلاف الفقهاء فيها بذكر ما يأتي :

إن ما يترتب على تصادم سيارتين مثلا أو صدم إحداهما الأخرى

من الأحكام يختلف باختلاف عدة أمور :

الأول : حال القائد أو السائق من كونه عامدا أو مخطئا أو مغلوبا

على أمره في وقوع الحادث أو كونه لا يحسن القيادة .

الثاني : اختلاف الفقهاء في ضابط العمد والخطأ وشبه العمد وما

تحمله العاقلة وما لا تحمله .

الثالث : اعتبار فعل كل من الجانبين في حق نفسه وحق صاحبه

أو اعتباره في حق صاحبه فقط .

الرابع : تعدي كل من الطرفين بالنسبة للحادث أو تعدي أحدهما

دون الآخر .

الخامس : اعتبار التسبب أو المباشرة منهما أو من أحدهما أو من

غيرهما .

السادس : الاختلاف في تحقيق المناط (التطبيق) .

وفيما يلي نقول من بعض كتب الفقهاء في حكم حوادث المواصلات

وآلات النقل في زمنهم يتضح منها حكم وسائل النقل في زمننا :

جاء في [تكملة فتح القدير على الهداية] [تكملة فتح القدير] (8 / 34 . :

(وإذا اصطدم فارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية

الآخر) .

وقال زفر والشافعي : يجب على عاقلة كل واحد منهما

نصف دية الآخر ، لما روي في ذلك عن علي رضي الله عنه ،

ولأن كل واحد منهما مات بفعله وفعل صاحبه ؛ لأنه بصدمته آلم

نفسه وصاحبه فيهدر نصفه ويعتبر نصفه ، كما إذا كان الاصطدام

عمدا أو جرح كل واحد منهما نفسه وصاحبه جراحة ، أو حفرا

على قارعة الطريق بئرا فانهار عليهما يجب على كل واحد منهما

النصف فكذا هذا . ولنا أن الموت يضاف إلى فعل صاحبه ؛ لأن

فعله في نفسه مباح وهو المشي في الطريق ، فلا يصلح مستندا

للإضافة في حق الضمان كالماشي إذا لم يعلم بالبئر ووقع فيها لا

يهدر شيء من دمه ، وفعل صاحبه وإن كان مباحا لكن الفعل

المباح في غيره سبب للضمان ؛ كالنائم إذا انقلب على غيره .

وروي عن علي رضي الله عنه أنه أوجب على كل واحد

منهما كل الدية ، فتعارضت روايتاه فرجحنا بما ذكرنا . وفيما ذكر

من المسائل الفعلان محظوران فوضح الفرق . اهـ .

وقال الكاساني [بدائع الصنائع] (7 / 273) . : إذا

اصطدم فارسان فماتا فدية كل واحد منهما علىعاقلة الآخر في قول

أصحابنا الثلاثة رحمهم الله ، وعند زفر رحمه الله على عاقلة كل

واحد منهما نصف دية الآخر ، وهو قول الشافعي رحمه الله (وجه)

قول زفر أن كل واحد منهما مات بفعلين : فعل نفسه وفعل صاحبه

، وهو صدمة صاحبه وصدمة نفسه ، فيهدر ما حصل بفعل نفسه

ويعتبر ما حصل بفعل صاحبه ، فيلزم أن يكون على عاقلة كل

واحد منهما نصف دية الآخر ، كما لو جرح نفسه وجرحه أجنبي

فمات ، أن على الأجنبي نصف الدية لما قلنا ، كذا هذا .

(ولنا) ما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال مثل مذهبنا ،

ولأن كل واحد منهما مات من صدم صاحبه إياه فيضمن صاحبه ،

كمن بنى حائطا في الطريق فصدم رجلا فمات ، أن الدية على

صاحب الحائط كذا هذا . وبه تبين أن صدمه نفسه مع صدم

صاحبه إياه فيه غير معتبر ، إذ لو اعتبر لما لزم باني الحائط على

الطريق جميع الدية ؛ لأن الرجل قد مشى إليه وصدمه ، وكذلك

حافر البئر يلزمه جميع الدية وإن كان الماشي قد مشى إليها .

رجلان مدا حبلا حتى انقطع فسقط كل واحد منهما ، فإن سقطا على

ظهريهما فماتا فلا ضمان فيه أصلا ؛ لأن كل واحد منهما لم يمت

من فعل صاحبه ، إذ لو مات من فعل صاحبه لخر على وجهه ،

فلما سقط على قفاه علم أنه سقط بفعل نفسه ، وهو مده فقد مات

كل واحد منهما من فعل نفسه فلا ضمان على أحد ، وإن سقطا

على وجهيهما فماتا فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر ؛ لأنه

لما خر على وجهه علم أنه مات من جذبه ، وإن سقط أحدهما على

ظهره والآخر على وجهه فماتا جميعا فدية الذي سقط على وجهه

على عاقلة الآخر ؛ لأنه مات بفعله وهو جذبه ، ودية الذي

سقطعلى ظهره هدر ؛ لأنه مات من فعل نفسه ولو قطع قاطع الحبل

فسقطا جميعا فماتا فالضمان على القاطع ؛ لأنه تسبب في إتلافهما

، والإتلاف تسببا يوجب الضمان كحفر البئر ونحو ذلك ، صبي في

يد أبيه جذبه رجل من يده والأب يمسكه حتى مات فديته على الذي

جذبه ، ويرثه أبوه ، لأن الأب محق في الإمساك ، والجاذب متعد

في الجذب ، فالضمان عليه ، ولو تجاذب رجلان صبيا وأحدهما

يدعي أنه ابنه والآخر يدعي أنه عبده فمات من جذبهما فعلى الذي

يدعي أنه عبده ديته ، لأنه متعد في الجذب ؛ لأن المتنازعين في

الصبي إذا زعم أحدهما أنه أبوه فهو أولى به من الذي يدعي أنه

عبده ، فكان إمساكه بحق وجذب الآخر بغير حق فيضمن ، رجل

في يده ثوب تشبث به رجل فجذبه صاحب الثوب من يده ، فخرق

الثوب ضمن الممسك نصف الخرق ؛ لأن حق صاحب الثوب في

دفع الممسك وعليه دفعه بغير جذب ، فإذا جذب فقد حصل التلف

من فعلهما فانقسم الضمان بينهما ، رجل عض ذراع رجل فجذب

المعضوض ذراعه من فيه ، فسقطت أسنان العاض وذهب لحم

ذراع هذا تهدر دية الأسنان ، ويضمن العاض أرش الذراع ؛ لأن

العاض متعد في العض والجاذب غير متعد في الجذب : لأن العض

ضرر وله أن يدفع الضرر عن نفسه .

رجل جلس إلى جنب رجل فجلس على ثوبه وهو لا يعلم فقام

صاحب الثوب فانشق ثوبه من جلوس هذا عليه يضمن الجالس

نصف ذلك ؛ لأن التلف حصل من الجلوس والجذب والجالس متعد

في الجلوس ، إذ لم يكن له أن يجلس عليه فكان التلف حاصلا من

فعليهما ، فينقسم الضمان عليهما ، رجل أخذ بيد إنسان فصافحه

فجذب يده من يده فانقلب فمات فلاشيء عليه ؛ لأن الآخذ غير متعد

في الأخذ للمصافحة ، بل هو مقيم سنة وإنما الجاذب هو الذي

تعدى على نفسه ، حيث جذب يده لا لدفع ضرر لحقه من الآخذ وإن

كان أخذ يده ليعصرها فآذاه فجر يده ضمن الآخذ ديته ؛ لأنه هو

المتعدي ، وإنما صاحب اليد دفع الضرر عن نفسه بالجر ، وله ذلك

فكان الضمان على المتعدي ، فإن انكسرت يد الممسك وهو الآخذ

بالجذب لم يضمن الجاذب ، لأن التعدي من الممسك فكان جانيا

على نفسه فلا ضمان على غيره .


والله سبحانه وتعالى أعلم .

في [المدونة] [المدونة] (4 / 505) . :

(قلت) : أرأيت إذا اصطدم فارسان فقتل كل واحد منهما صاحبه ؟

(قال) مالك : عقل كل واحد منهما على قبيل صاحبه ، وقيمة كل

فرس منهما في مال صاحبه .

(قال) : أرأيت لو أن سفينة صدمت سفينة أخرى فكسرتها فغرق

أهلها ؟

(قال) : قال مالك : إن كان ذلك من الريح غلبتهم أو من شيء لا

يستطيعون حبسها منه فلا شيء عليهم ، وإن كانوا لو شاءوا أن

يصرفوها صرفوها فهم ضامنون .

وفي [بداية المجتهد] لابن رشد [بداية المجتهد]

(2 / 409) . :

اختلفوا في الفارسين يصطدمان فيموت كل واحد منهما ، فقال

مالكوأبو حنيفة وجماعة : على كل منهما دية الآخر ، وذلك على

العاقلة ، وقال الشافعي وعثمان البتي : على كل واحد منهما نصف

دية صاحبه ؛ لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل

صاحبه .

قال أحمد الدردير في [الشرح الكبير لمختصر

خليل] [الشرح الكبير لمختصر خليل] (4 / 247) . : وإن

تصادما أي : المكلفان أو غيرهما (أو تجاذبا) حبلا أو غيره ، كأن

جذب كل منهما يد صاحبه فسقطا (مطلقا) ، سواء كانا راكبين أو

ماشيين أو مختلفين أو بسفينتين على الراجح (قصدا) ، منهما

(فماتا) معا فلا قصاص لفوات محله (أو) مات (أحدهما فقط)

(فالقود) جواب للمسألتين ، وهو على حذف مضاف ، أي :

فأحكامه ثابتة بينهما وحكمه في موتهما نفيه وفي موت أحدهما

ثبوته ، ومن أحكامه أنه إذا كان أحدهما بالغا والآخر صبيا فلا

قصاص على الصبي أو كان أحدهما حرا والآخر رقيقا فلا يقتص

للرقيق من الحر ويحكم بحكم القود أيضا فيما لو قصد أحدهما

التصادم أو التجاذب دون الآخر ، وهو داخل في قوله قصدا (وحملا

عليه) أي : على القصد عند جهل الحال لا على الخطأ ، وإنما

يظهر في موت أحدهما فقط للقصاص من الحي (عكس السفينتين)

إذا تصادمتا فتلفتا أو إحداهما وجهل الحال ، فيحملان على عدم

القصد فلا قود ولا ضمان ؛ لأن جريهما بالريح وليس من عمل

أربابهما ، وهذه العلة تدل على أن المراد بعدم القصد هو العجز لا

الخطأ وهو كذلك على الراجح ، وأما الخطأ ففيه الضمان فظهر أن

لقوله : عكس السفينتين فائدة حيث حمل على العجز .

وأما المتصادمان ففي العمد القود كما قال ، وفي الخطأ الضمان .

ولو سفينتين فيهما ولا شيء في العجز ، بل هدر ولو غير

سفينتين كما أشار له بقوله (إلا لعجز حقيقي) أي : إلا أن يكون

تصادمهما لعجز حقيقي ، لا يستطيع كل منهما أن يصرف نفسه أو

دابته عن الآخر فلا ضمان ، بل هدر ، ولا يحملان عند الجهل عليه

، بل على العمد كما تقدم ، لكن الراجح أن العجز الحقيقي في

المتصادمين كالخطأ ، فيه ضمان الدية في النفس والقيم في

الأموال بخلاف السفينتين فهدر ، وحملا عند الجهل عليه ؛ لأن

جريهما بالريح كما تقدم ، (لا لخوف غرق أو ظلمة) . فخرج من

قوله : عكس السفينتين ، أي : فإنهما يحملان على العجز عند

الجهل فلا قود ولا ضمان (إلا لخوف غرق أو ظلمة) فالضمان :

أي : لا إن قدروا على الصرف فلم يصرفوا خوفا من غرق أو نهب

أو أسر أو وقوع في ظلمة حتى تلفتا أو إحداهما أو ما فيهما من

آدمي أو متاع فضمان الأموال في أموالهم ، والدية على عواقلهم ؛

لأن هذا ليس من العجز الحقيقي لقدرتهم على الصرف ، وليس لهم

أن يسلموا من الهلاك بهلاك غيرهم ، (وإلا) يكن التصادم في غير

السفينتين أو فيهما أو التجاذب قصدا ، بل خطأ (فدية كل) من

الآدميين (على عاقلة الآخر) للخطأ ، وقيمة فرسه مثلا ، وإنما

خص الفرس ؛ لأن التصادم غالبا يكون في ركوب الخيل (في مال

الآخر) لا على عاقلته ؛ لأن العاقلة لا تحمل غير الدية (كثمن العبد)

أي : قيمته لا يكون على عاقلة ؛ لأنه مال ، بل في مال الحر ،

ودية الحر في رقبة العبد حالة ، فإن تصادما فماتا فإن زادت دية

الحر على قيمة العبد لم يضمن سيده الزائد ، لأنها تعلقت برقبة

العبد ، ورقبته زالت ولو زادت قيمة العبد على دية الحر أخذ سيده

الزائد منمال الحر حالا . اهـ .


قال محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق

في شرحه [التاج والإكليل لمختصر خليل] [التاج

والإكليل لمختصر خليل] (6 / 243) . : (وإن تصادما أو تجاذبا

مطلقا قصدا فماتا أو أحدهما فالقود ) .

قال مالك : إذا اصطدم فارسان فمات الفرسان والراكبان فدية كل

واحد على عاقلة الآخر وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر .

قال مالك : ولو أن حرا وعبدا اصطدما فماتا جميعا فقيمة العبد في

مال الحر ، ودية الحر في رقبة العبد يتقاصان ، فإن كان ثمن العبد

أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد العبد في مال الحر ، وإن كانت

دية الحر أكثر لم يكن على السيد من ذلك شيء .

وقال في رجلين اصطدما وهما يحملان جرتين فانكسرتا غرم كل

واحد ما كان على صاحبه ، وإن انكسرت إحداهما غرم ذلك له

صاحبه . قال مالك في السفينتين تصطدمان فتغرق إحداهما بما

فيها فلا شيء في ذلك على أحد ؛ لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أن

النواتية لو أرادوا صرفها قدروا فيضمنوا وإلا فلا شيء عليهم .

قال ابن القاسم : ولو قدروا على حبسها إلا أن فيها هلاكهم

وغرقهم فلم يفعلوا فليضمن عواقلهم دياتهم ويضمنوا الأموال في

أموالهم ، وليس لهم أن يطلبوا نجاتهم بغرق غيرهم ، وكذلك لو

لم يروهم في ظلمة الليل وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها فهم

ضامنون لما في السفينة ودية من مات علىعواقلهم ، ولكن لو

غلبتهم الريح أو غفلوا لم يكن عليهم شيء . انتهى . من ابن

يونس بن عرفة . قال ابن شاس : وسواء كان المصطدمون

راكبين أو ماشين أو بصيرين أو ضريرين أو أحدهما ضريرا وبيده

عصا ، وإن تعمد الاصطدام فهو عمد محض فيه حكم القصاص ،

ولو كانا صبيين ركبا بأنفسهما أو أركبهما أولياؤهما فالحكم فيهما

كما في البالغين إلا في القصاص ، ولو جذبا حبلا فانقطع فتلف

فكاصطدامهما ، وإن وقع أحدهما على شيء فأتلفه ضمناه .

ابن عرفة يؤيد هذا ما في [المدونة] و[المجموعة] إن اصطدم

فرسان فمر أحدهما على صبي فقطع إصبعه ضمناه . انظر هنا في

ابن عرفة القصاص . من قتل خارجة ولم يتلفت لإثبات قوله :

أردت عمرا وأراد الله خارجة ، ومن قتل رجلا عمدا يظنه غيره

ممن لو قتله لم يكن فيه قصاص ، ومن رمى رجلا بحجر فاتقاها

المرمي عليه فقتلت آخر كما لو هرب أمام القاتل فسقط على طفل

فقتله كالأربعة الذين تعلق بعضهم ببعض وسقطوا على الأسد

فقتلهم (وحملا عليه عكس السفينتين إلا لعجز حقيقي إلا كخوف

غرق أو ظلمة) قد تقدم جميع ما نقل ابن يونس عن ابن القاسم في

اصطدام السفينتين والراكبين .

وقال ابن الحاجب : لو اصطدم فارسان عمدا فإحكام

القصاص وإلا فعلى عاقلة كل واحد دية الآخر ، ثم قال : فإن

اصطدم سفينتان فلا ضمان بشرط العجز عن الصرف والمعتبر

العجز حقيقة لا لخوف غرق أو ظلمة ، ابن عبد السلام : قول ابن

الحاجب يوهم أن حكم الفارسين مخالف لحكم السفينتين وليس

كذلك ؛ لأن الفارسين إذا جمح بهما فرساهما فكان تلفلم يضمنا إلا

أن الفرسين إذا جهل أمرهما حمل على أنهما قادران على إمساكهما

وفي السفينتين على العجز .

ابن عرفة قوله : إذا جمح الفرس ولم يقدر راكبه على صرفه أنه لا

يضمن يرد بقولها إن جمحت دابة براكبها فوطئت إنسانا فهو

ضامن وبقولها إن كان في رأس الفرس اعتزام فحمل بصاحبه

فاصطدم فصاحبه ضامن ؛ لأن سبب جمحه من راكبه وفعله به إلا

أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه

فلا ضمان عليه (وإلا فدية كل على عاقلة الآخر وفرسه في مال

الآخر كثمن العبد) .

وقال أبو إسحاق الشيرازي في [المهذب]

[المهذب] (2 / 195) . :

(فصل) : وإن اصطدم فارسان أو

راجلان وماتا وجب على كل واحد

منهما نصف دية الآخر .

وقال المزني : إن استلقى أحدهما فانكب الآخر على وجهه

وجب على المنكب دية المستلقي وهدر دمه ؛ لأن الظاهر أن

المنكب هو القاتل والمستلقي هو المقتول ، وهذا خطأ ؛ لأن كل

واحد منهما هلك بفعله وفعل صاحبه ، فهدر النصف بفعله ووجب

النصف بفعل صاحبه ، كما لو جرح كل واحد منهما نفسه وجرحه

صاحبه .

ووجه قول المزني : لا يصح ؛ لأنه يجوز أن يكون المستلقي صدم

صدمة شديدة فوقع مستلقيا من شدة صدمته . وإن ركب صبيان أو

أركبهما وليهما واصطدما وماتا فهما كالبالغين ، وإن أركبهما من

لا ولاية له عليهمافاصطدما ماتا وجب على الذي أركبهما دية كل

واحد منهما النصف بسبب ما جنى كل واحد من الصبيين على

نفسه والنصف بسبب ما جناه الآخر عليه .


وإن اصطدمت امرأتان حاملان فماتتا ومات جنيناهما كان حكمهما

في ضمانهما حكم الرجلين ، فأما الحمل فإنه يجب على كل واحدة

منهما نصف دية جنينها ونصف دية جنين الأخرى لجنايتهما

عليهما .

(فصل) : وإن وقف رجل في ملكه أو في طريق واسع

فصدمه رجل فماتا هدر دم الصادم ؛ لأنه هالك بفعل هو

مفرط فيه فسقط ضمانه ، كما لو دخل دار رجل فيها بئر

فوقع فيها .


وتجب دية المصدوم على عاقلة الصادم ؛ لأنه قتله بصدمة هو

متعد فيها ، وإن وقف في طريق ضيق فصدمه رجل وماتا وجب

على عاقلة كل واحد منهما دية الآخر ؛ لأن الصادم قتل الواقف

بصدمة هو مفرط فيها والمصدوم قتل الصادم بسبب هو مفرط فيه

وهو وقوفه في الطريق الضيق . وإن قعد في طريق ضيق فعثر به

رجل فماتا كان الحكم فيه كالحكم في الصادم ، والمصدوم وقد

بيناه .

يتبع...