حوادث السيارات
وبيان ما يترتب
عليها بالنسبة لحق
الله وحق عباده

(فصل) فإن اصطدمت سفينتان وهلكتا وما فيهما " ؛ فإن كان بتفريط من

القيمين بأن قصرا في آلتهما أو قدرا على ضبطها فلم يضبطا أو سيرا في ريح

شديدة لا تسير السفن في مثلها ، فإن كانت السفينتان وما فيهما لهما وجب على

كل واحد منهما نصف قيمة سفينة صاحبه ونصف قيمة ما فيها ويهدر النصف ،

وإن كانت لغيرهما وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينته ونصف قيمة

ما فيها ونصف قيمة سفينة صاحبه ، ونصف قيمة ما فيها ، لما بيناه في الفارسين

، فإن كان في السفن رجال فهلكوا ضمن عاقلة كل واحد منهما نصف ديات

ركاب سفينته وركاب سفينة صاحبه ، فإن قصدا الاصطدام وشهد أهل الخبرة

أن مثل هذا يوجب التلف وجب على كل واحد منهما القصاص لركاب سفينته

وركاب سفينة صاحبه ، وإن لم يفرطا ففي الضمان قولان :

أحدهما : يجب كما يجب في اصطدام الفارسين إذا عجزا عن ضبط

الفرسين .

والثاني : لا يجب ؛ لأنها تلفت من غير تفريط منهما فأشبه إذا

تلفت بضاعة ، واختلف أصحابنا في موضع القولين ، فمنهم من

قال : القولان إذا لم يكن من جهتهما فعل بأن كانت السفن واقفة

فجاءت الريح فقلعتها ، فأما إذا سيرا ثم جاءت الريح فغلبتهما ثم

اصطدما وجب الضمان قولا واحدا ؛ لأن ابتداء السير كان منهما

فلزمهما الضمان كالفارسين .

وقال أبو إسحاق وأبو سعيد : القولان في الحالين ،

وفرقوا بينهما وبين الفارسين بأن الفارس يمكنه ضبط الفرس

باللجام ، والقيم لا يمكنه ضبط السفينة ، فإن قلنا : إنه يجب

الضمان كان الحكم فيه كالحكم فيه إذا فرط إلا في القصاص ، فإنه

لا يجب مع عدم التفريط ، وإن قلنا : إنه لا يجب الضمان نظرت ،

فإن كانت السفن وما فيها لهما لم يجب على كل واحد منهما ضمان

، وإن كانت السفن مستأجرة والمتاع الذي فيها أمانة كالوديعة

ومال المضاربة لم يضمن ، لأن الجميع أمانة فلا تضمن مع عدم

التفريط ، وإن كانت السفن مستأجرة والمتاع الذي فيها يحمله

بأجرة لم يجب ضمان السفن ؛ لأنها أمانة ، وأما المال فهو مال في

يد أجير مشترك ، فإن كان مع صاحبه لم يضمن ، وإن لم يكن معه

صاحبه فعلى القولين في الأجيرالمشترك وإن كان أحدهما مفرطا والآخر

غير مفرط كان الحكم في المفرط ما ذكرناه إذا كانا مفرطين ، والحكم في غير

المفرط ما ذكرناه إذا كانا غير مفرطين .

وقال الشيخ محمد الشربيني الخطيب في [شرح المنهاج] :

(فصل) فيما يوجب الشركة في

الضمان وما يذكر معه ،

إذا (اصطدما) أي : حران كاملان راكبان أو ماشيان أو راكب وماش طويل

، سواء أكانا مقبلين أو مدبرين أم أحدهما مقبلا والآخر مدبرا كما يشعر به

إطلاقه ، وإن قيد الرافعي بالمدبرين وقيد المصنف الاصطدام بقوله (بلا قصد)

كاصطدام أعميين ، أو غافلين ، أو كانا في ظلمة ليشمل ما إذا غلبتهما الدابتان ،

وسيأتي محترزه في كلامه ، واستفيد تقييد الاصطدام بالحرين من قوله (فعلى

عاقلة كل) منهما (نصف دية مخففة) أما كونه نصف دية ؛ فلأن كل واحد

هلك بفعله وفعل صاحبه فيهدر النصف ، كما لو جرحه مع جراحة نفسه ، وأما

كونها مخففة على العاقلة ، فلأنه خطأ محض ، ولا فرق في ذلك بين أن يقعا

منكبين أو مستلقيين ، أو أحدهما منكبا والآخر مستلقيا اتفق المركوبان كفرسين

أو لا كفرس وبعير وبغل اتفق سيرهما أو اختلف كأن كان أحدهما يعدو والآخر

يمشي على هينته (وإن قصدا) جميعا الاصطدام (فنصفها مغلظة) على عاقلة

كل منهما لورثة الآخر ، أما كونها نصف دية فلما مر .

وأما كونها مغلظة على العاقلة ؛ فلأن القتل حينئذ شبه عمد ؛ لأن الغالب أن

الاصطدام لا يفضي إلى الموت فلا يتحقق فيه العمد المحض ، ولذلك لا يتعلق به

القصاص إذا مات أحدهما دون الآخر (أو) قصد (أحدهما)الاصطدام دون

الآخر وماتا (فلكل) منهما (حكمه) من التخفيف والتغليظ .

(تنبيه) : محل ذلك ما إذا لم تكن إحدى الدابتين ضعيفة بحيث

قطع بأنه لا أثر لحركتها ، فإن كانت كذلك لم يتعلق بحركتها حكم

كغرز الإبرة في جلدة العقب مع الجراحات العظيمة نقله في

[الروضة] ، عن الإمام وأقره : وجزم به ابن عبد السلام ، ولا

ينافيه قول الشافعي رضي الله تعالى عنه ، سواء أكان أحد

الراكبين على فيل والآخر على كبش ، لأنا لا نقطع بأنه لا أثر

لحركة الكبش مع حركة الفيل ، ومثل ذلك يأتي في الماشيين ، كما

قاله ابن الرفعة وغيره ، والصحيح : أن على كل منهما في تركته

(كفارتين) :

إحداهما : لقتل نفسه ، والأخرى لقتل صاحبه ؛ لاشتراكهما في

إهلاك نفسين بناء على أن الكفارة لا تتجزأ وأن قاتل نفسه عليه

كفارة ، وهو الأظهر .

والثاني : على كل كفارة بناء على أنها تتجزأ (وإن ماتا مع

مركوبهما فكذلك الحكم دية وكفارة (و) يزاد على ذلك أن (في تركة

كل) منهما (نصف قيمة دابة الآخر) أي : مركوبه ؛ لاشتراكهما في

الإتلاف مع هدر فعل كل منهما في حق نفسه ، وقد يجيء التقاص

في ذلك ولا يجيء في الدية إلا أن يكون عاقلة كل منهما ورثته

وعدمت الإبل .

(فروع) لو كان مع كل من المصطدمين بيضة ، وهي ما تجعل

على الرأس فكسرت ففي [البحر] ، : أن الشافعي رضي الله تعالى

عنه قال : على كل منهما نصف قيمة بيضة الآخر ، ولو تجاذبا

حبلا لهما أو لغيرهما فانقطع وسقطا وماتا فعلى عاقلة كل منهما

نصف دية الآخر وهدر الباقي ؛ لأن كلامنهما مات بفعله وفعل

الآخر ، سواء أسقطا منكبين أم مستلقيين أم أحدهما منكبا والآخر

مستلقيا ، فإن قطعه غيرهما فماتا فديتهما على عاقلته ؛ لأنه

القاتل لهما ، وان مات أحدهما بإرخاء الآخر الحبل فنصف ديته

على عاقلته وهدر الباقي ؛ لأنه مات بفعلها ، وإن كان الحبل

لأحدهما والآخر ظالم فالظالم هدر وعلى عاقلته نصف دية المالك ،

ولو كان شخص يمشي فوقع مداسه على مؤخر مداس غيره

وتمزق لزمه نصف الضمان ؛ لأنه تمزق بفعله وفعل صاحبه

(وصبيان أو مجنونان) أو صبي ومجنون في اصطدامهما

(ككاملين) فيما سبق فيهما ومنه التغليظ بناء على أن عمدهما عمد

، وهو الأصح إن كانا مميزين ، هذا إن ركبا بأنفسهما ، وكذا إن

أركبهما وليهما لمصلحتهما وكانا ممن يضبط المركوب (وقيل)

ونص عليه في [الأم] ، (إن أركبهما الولي تعلق به الضمان) ؛ لما

فيه من الخطر وجوازه مشروط بسلامة العاقبة ، والأصح المنع كما

لو ركبا بأنفسهما .

(تنبيه) : محل الخلاف كما نقلاه عن الإمام وأقراه ما إذا أركبهما

لزينة أو لحاجة غير مهمة ، فإن أرهقت إلى إركابهما حاجة

كنقلهما من مكان إلى مكان فلا ضمان عليه قطعا ، قالا : ومحله

أيضا عند ظن السلامة فإن أركبهما الولي دابة شرسة جموحا

ضمن الولي لتعديه .

قال الأذرعي : ومحله أيضا فيمن يستمسك على الدابة فلو أركبه

دابة هادية وهو لا يستمسك عليها تعلق به الضمان .

قال ابن الرفعة : ويستثنى من عدم تضمين الولي ما إذا كانا غير

مميزين كابن سنة وسنتين فأركبهما الولي فيجب على عاقلته دية

كل منهما .

قال البلقيني : وينبغي أن يضاف إلى ما ذكره الإمام أن لا ينسب

الوليإلى تقصيره في ترك من يكون معهما ممن جرت العادة بإرساله معهما .

قال : والمراد بالولي هنا ولي الحضانة الذكر لا ولي المال ، وذلك ظاهر من قول

الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وبسط ذلك .

ثم قال : ولم أر من تعرض له .

وقال الزركشي في [التكملة] ، : يشبه أنه من له ولاية التأديب من أب

وغيره خاص وغيره .

وقال في [الخادم] ، ظاهر كلامهم والي المال . اهـ .

والأوجه كلام البلقيني (ولو أركبهما أجنبي) بغير إذن الولي ولو

لمصلحتهما (ضمنهما ودابتيهما) ؛ لتعديه بإركابهما ، وحكى ابن

المنذر فيه الإجماع .

(تنبيه) شمل إطلاقه تضمين الأجنبي ما لو تعمد الصبيان

الاصطدام وهو كذلك ، وإن قال في [الوسيط] : يحتمل إحالة الهلاك

عليهما بناء على أن عمدهما عمد ، واستحسنه الشيخان ؛ لأن هذه

المباشرة ضعيفة فلا يعول عليها كما قاله شيخي ، وقوله :

ضمنهما ودابتيهما ليس على إطلاقه ، بل الضمان الأول على

عاقلته ، والثاني عليه ، وقضية كلام الجمهور : إن ضمان المركب

بذلك ثابت ، وإن كان الصبيان ممن يضبطان الركوب وهو كذلك

وإن كان قضية نص الأم أنهما إن كانا كذلك فهما كما لو ركبا

بأنفسهما ، وجزم به البلقيني أخذا من النص المشار إليه ، وإن

وقع الصبي فمات ضمنه المركب ، كما قاله الشيخان ، وظاهره :

أنه لا فرق بين أن يكون إركابه لغرض من فروسية ونحوها أو لا ،

وهو كذلك في الأجنبي ، بخلاف الولي فإنه إذا أركبه لهذا الغرض

وكان ممن يستمسك على الدابةفإنه لا يضمنه ، وقول المتولي : لا

فرق فيه بين الولي والأجنبي خصه ابن الرفعة في الأجنبي على ما

إذا أركب بإذن- معتبر . أو اصطدم (حاملان وأسقطتا) بأن ألقتا

جنينيهما وماتتا (فالدية كما سبق) من وجوب نصفها على عاقلة

كل منهما وإهدار النصف الآخر ، لأن الهلاك منسوب إلى فعلهما

(وعلى) أي : ويجب في تركة (كل) من الحاملين (أربع كفارات

على الصحيح) بناء على الصحيح : أن الكفارة تجب على قاتل

نفسه ، وأنها لا تتجزأ ؛ فيجب كفارة لنفسها ، وثانية : لجنينها ،

وثالثة : لصاحبتها ، ورابعة : لجنينها ؛ لأنهما اشتركا في إهلاك

أربعة أنفس .

والثاني : تجب كفارتان بناء على عدم الوجوب وعلى التجزي (و)

يجب (على عاقلة كل) منهما (نصف غرتي جنينيهما) نصف غرة

لجنينها ونصف غرة لجنين الأخرى ؛ لأن الحامل إذا جنت على

نفسها فألقت جنينا وجبت الغرة على عاقلتها ، كما لو جنت على

حامل أخرى ولا يهدر من الغرة شيء بخلاف الدية فإنه يجب

نصفها ويهدر نصفها كما مر ؛ لأن الجنين أجنبي عنهما بخلاف

أنفسهما .

(تنبيه) : كلامه قد يوهم وجوب رقيق واحد نصفه لهذا ونصفه

لذلك ، وعبارة ابن يونس له أن يسلم نصف رقيق عن واحد

ونصف رقيق عن الآخر ، وعلى هذا فكان الأولى للمنصف أن

يقول : نصف غرة لهذه ونصف غرة للأخرى (أو) اصطدم (عبدان)

وماتا (فهدر) سواء ماتا معا بهذا الاصطدام أم أحدهما بعد الآخر

قبل إمكان بيعه ، وسواء اتفقت قيمتهما أم اختلفت ؛ لأن جناية

العبد تتعلق برقبته وقد فاتت .

(أو) اصطدم سفينتان وغرقتا (فكدابتين) اصطدمتا وماتتا في

حكمهماالسابق (والملاحان) فيهما تثنية ملاح ، وهو النوتي

صاحب السفينة سمي بذلك لإجرائه السفينة على الماء المالح

حكمهما (كراكبين) ماتا باصطدام في حكمهما السابق (وإن كانتا)

أي : السفينتان وما فيهما (لهما) فيهدر نصف قيمة كل سفينة

ونصف بدل ما فيها ، فإن ماتا بذلك لزم كلا منهما كفارتان كما

سبق ولزم عاقلة كل منهما نصف دية الآخر .

(تنبيه) يستثنى من كون الملاحين كالراكبين ما إذا قصد الملاحان

الاصطدام بما يعده أهل الخبرة مهلكا مغرقا فإنه يجب نصف دية كل

منهما في تركة الآخر ، بخلاف المصطدمين فإنها على العاقلة ،

ولو مات أحدهما بما صدر من المتعمد دون الآخر وجب القصاص

على الحي بناء على إيجاب القصاص على شريك جارح نفسه ولو

كان في السفينة من يقتلان به فعليهما القصاص إذا مات بذلك ،

فلو تعدد الغرقى قتل بواحد ووجب في مال كل واحد نصف ديات

الباقين وضمان الكفارات بعدد من أهلكا ، وإن كان الاصطدام لا يعد

مهلكا غالبا وقد يهلك فشبه عمد فتجب الدية مغلظة على العاقلة

ولو كان الملاحان صبيين وأقامهما الولي أو أجنبي فالظاهر كما

قال الزركشي إنه لا يتعلق به ضمان ؛ لأن الوضع في السفينة

ليس بشرط ؛ لأن العمد من الصبيين هنا هو المهلك (فإن) كانت

السفينتان لهما (وكان فيهما مال أجنبي لزم كلا) منهما (نصف

ضمانه) سواء أكان المال في يد مالكه وهو السفينة أم لا ،

لتعديهما ويتخير الأجنبي بين أخذ جميع بدل ماله من أحد الملاحين

ثم هو يرجع على الآخر . وبين أن يأخذ نصفه منه ونصفه من

الآخر ، فإن كان الملاحان رقيقين تعلق الضمان برقبتيهما (وإن

كانتا لأجنبي) والملاحان فيهما أمينين أو أجيرين للمالك (لزم كلا

نصفقيمتهما) ؛ لأن مال الأجنبي لا يهدر منه شيء ، ويتخير كل

من المالكين بين أن يأخذ جميع قيمة سفينته من ملاحه ثم يرجع

هو بنصفهما على الملاح الآخر . أو يأخذه نصفها منه ونصفهما

من الملاح الآخر ، فلو كان الملاحان رقيقين تعلق الضمان

برقبتيهما .

(تنبيه) : محل هذا التفصيل : إذا كان الاصطدام بفعلهما أو لم

يكن ، وقصرا في الضبط ، أو سيرا في ريح شديدة فإن حصل

الاصطدام بغلبة الريح فلا ضمان على الأظهر بخلاف غلبة الدابة

فإن الضبط ثم ممكن باللجام ونحوه فالقول قولهما بيمينهما عند

التنازع في أنهما غلبا ؛ لأن الأصل براءة ذمتهما وإن تعمد أحدهما

أو فرط دون الآخر فلكل حكمه وإن كانت إحداهما مربوطة فالضمان

على مجري السائرة .

وفي [المغني] ، لابن قدامة [المغني] (4/89) . رحمه الله :

(مسألة) قال : (وإذا اصطدم الفارسان فماتت الدابتان

ضمنكل واحد منهما قيمة دابة الآخر) .

وجملته: أن على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من

الآخر من نفس أو دابة أو مال سواء كانت الدابتان فرسين أو

بغلين أو حمارين أو جملين ، أو كان أحدهما فرسا والآخر غيره

سواء كانا مقبلين أو مدبرين ، وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه

وإسحاق .

وقال مالك والشافعي : على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف من

الآخر ؛ لأن التلف حصل بفعلهما ، فكان الضمان منقسما عليهما

كما لوجرح إنسان نفسه وجرحه غيره فمات منهما ، ولنا أن كل

واحد منهما مات من صدمة صاحبه وإنما هو قربها إلى محل

الجناية فلزم الآخر ضمانها ، كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة .

إذا ثبت هذا فإن قيمة الدابتين إن تساوتا تقاصا وسقطتا ، وإن

كانت إحداهما أكثر من الأخرى فلصاحبها الزيادة ، وإن ماتت إحدى

الدابتين فعلى الآخر قيمتها وإن نقصت فعليه نقصها .

يتبع....