باب في بيان البيوع المنهي عنها



الله سبحانه أباح لعباده البيع والشراء , ما لم يترتب على ذلك تفويت لما هو أنفع وأهم ; كأن يزاحم ذلك أداء عبادة واجبة , أو يترتب على ذلك إضرار بالآخرين .
فلا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه صلاة الجمعة بعد ندائها الثاني ; لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَفقد نهى الله سبحانه وتعالى عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها , وخص البيع لأنه من أهم ما يشتغل به المرء من أسباب المعاش , والنهي يقتضي التحريم وعدم صحة البيع , ثم قال تعالى :ذَلِكُمْ يعني : الذي ذكرت لكم من ترك البيع وحضور الجمعة ,خَيْرٌ لَكُمْ من الاشتغال بالبيع ,إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مصالح أنفسكم , وكذلك التشاغل بغير البيع عن الصلاة محرم .
وكذلك بقية الصلوات المفروضة لا يجوز التشاغل عنها بالبيع والشراء وغيرهما بعدما ينادى لحضورها في المساجد , قال تعالى :فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
وكذلك لا يصح بيع الشيء على من يستعين به على معصية الله ويستخدمه فيما حرم الله , فلا يصح بيع العصير على من يتخذه خمرا ; لقوله تعالى :وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِوذلك إعانة على العدوان .

وكذا لا يجوز ولا يصح بيع سلاح في وقت الفتنة بين المسلمين ; لئلا يقتل به مسلم , وكذا جميع آلات القتال لا يجوز بيعها في مثل هذه الحالة ; لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك , ولقوله :وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
قال ابن القيم : " قد تظاهرت أدلة الشرع على أن القصود في العقود معتبرة , وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده , وفي حله وحرمته , فالسلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلما حرام باطل ; لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان , وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله , فهو طاعة وقربة , وكذا لا يجوز بيع سلاح لمن يحاربون المسلمين أو يقطعون به الطريق , لأنه إعانة على معصية " .
ولا يجوز بيع عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه ; لما في ذلك من الصغار وإذلال المسلم للكافر , وقد قال الله تعالى :وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًاوقال النبي صلى الله عليه وسلم :" الإسلام يعلو ولا يعلى عليه "
* ويحرم بيعه على بيع أخيه المسلم كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة : أنا أعطيك مثلها بتسعة , أو أعطيك خيرا منها بثمنها , قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ولا يبع بعضكم على بيع بعض "متفق عليه , وقال صلى الله عليه وسلم :" لا يبع الرجل على بيع أخيه "متفق عليه .
وكذا يحرم شراؤه على شرائه , كأن يقول لمن باع سلعته بتسعة : أشتريها منك بعشرة . وكم يحصل اليوم في أسواق المسلمين من أمثال هذه المعاملات المحرمة , فيجب على المسلم اجتناب ذلك , والنهي عنه , وإنكاره على من فعله .
* ومن البيوع المحرمة : بيع الحاضر للبادي والحاضر : هو المقيم في المدن والقرى , والبادي : القادم من البادية أو غيرها ; لقوله صلى الله عليه وسلم :" لا يبع حاضر لباد "قال ابن عباس رضي الله عنه : " لا يكون له سمسارا ( أي : دلالا ) يتوسط بين البائع والمشتري " .
وقال صلى الله عليه وسلم :" دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض "وكما أنه لا يجوز للحاضر أن يتولى بيع سلعة البادي , كذلك لا ينبغي له أن يشتري له . والممنوع هو أن يذهب الحاضر إلى البادي ويقول له : أنا أبيع لك أو أشتري لك . أما إذا جاء البادي للحاضر , وطلب منه أن يبيع له أو يشتري له فلا مانع من ذلك .
* ومن البيوع المحرمة : بيع العينة وهو أن يبيع سلعة على شخص بثمن مؤجل , ثم يشتريها منه بثمن حال أقل من المؤجل , كأن يبيع عليه سيارة بعشرين ألفا إلى أجل , ثم يشتريها منه بخمسة عشر ألفا حالة يسلمها له , وتبقى العشرون الألف في ذمته إلى حلول الأجل ; فيحرم ذلك لأنه حيلة يتوصل بها إلى الربا , فكأنه باع دراهم مؤجلة بدراهم حالة مع التفاضل , وجعل السلعة حيلة فقط .
قال النبي صلى الله عليه وسلم :إذا تبايعتم بالعينة , وأخذتم أذناب البقر , وتركتم الجهاد , سلط الله عليكم ذلا , لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم وقال صلى الله عليه وسلم :يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع.
------------------
الملخص الفقهي
صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان