الشبهة الخامسة : زعم الخوارج والمتطرفون أن خادم الحرمين الشريفين لبس الصليب، ومن لبس الصليب فهو كافر!!

وهذه الشبهة طالما استطال بها الخوارج على عامة الناس وقليلي العلم والبصيرة، وهذه الشبهة واهية لا أساس لها من الصحة ولا وجه لها.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: أن الملك فهد لم يلبس صليباً وإنما أعطي وساماً من المملكة المتحدة ، فلما لبسه تبين أن هذا الوسام يحمل صليباً حتى أنَّنَا لم نر خادم الحرمين الشريفين -حفظَهُ اللهُ ورعاهُ- لبسه بعد تلك المرة.
وقد ذكر بعض المشايخ أنَّه تكلَّم مع خادم الحرمين الشريفين -حفظَهُ اللهُ ورعاهُ- في هذا الأمر فبيَّن له خادم الحرمين الشريفين أنه لما لبس تلك القلادة لم ينتبه إلى الصليب حتى جاءه الأمير سعود الفيصل -وزير الخارجية- وهمس في أذنه بأنَّ القلادة فيها صليب ؛ فخلعها.
الوجه الثاني: أنَّ لبس الصليب له حالان :
الحال الأولى: أن يلبسه راضياً به، راضياً عما عليه عبَّاد الصليب فهو كافر .
الحال الثانية: أن لا يكون راضياً بدينهم وإنما لبسه عبثاً أو عن غير قصد فهذا محرم لا يجوز ويؤمر من فعل ذلك بخلعه.
ورد في فتاوى اللجنة الدائمة هذا السؤال: "اختلفنا في المسلم الذي يلبس الصليب شعار النصارى، فبعضنا حكم بكفره بدون مناقشة، والبعض الأخر قال: لا نحكم بكفره حتى نناقشه ونبين له تحريم ذلك وأنه شعار النصارى فإن أصرَّ على حمله حكمنا بكفره"
فأجابت اللجنة الدائمة: "التفصيل في هذا الأمر وأمثاله هو الواجب ؛ فإذا بُيِّنَ له حكم لبس الصليب وأنه شعار النصارى، ودليل على أن لابسه راض ٍ بانتسابه إليهم والرضا بما هم عليه، وأصرّ على ذلك حكم بكفره ؛ لقوله -عزَّ وجلَّ- : {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(169)، والظلم إذا أطلق يراد به: الشرك الأكبر.
وفيه أيضاً إظهار لموافقة النصارى على ما زعموه من قتل عيسى عليه الصلاة والسلام، واللهُ سبحانه قد نفى ذلك وأبطله في كتابه الكريم حيث قال -عزَّ وجلَّ- : {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ} الآية(170)
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس نائب رئيس اللجنة عضو عضو
عبد العزيز بن باز عبد الرزاق عفيفي عبد الله بن غديان عبد الله بن قعود"(171).
الوجه الثالث: أن العلماء تكلموا عن حكم من يصلي بثوب مصلَّب ، أو ساعة فيها صليب ، أو على فراش فيه صليب ولم يكفروه بذلك.
أما عن الصلاة في الثوب المصلَّب:
قال البخاري في كتاب الصلاة من صحيحه(1/123): " بابٌ: إن صلى في ثوب ٍ مُصلَّب، أو تصاوير ؛ هل تفسد صلاته ؟ وما ينهى عن ذلك"
ثم روى حديث أنس -(-: كان قـِـرامٌ(172) لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي -(- : ((أمِيطي(173) عنا قِرامَك هذا ، فإنه لا تزال تصاويره تَعْرِضُ لي في صلاتي)) .
فالإمام البخاري لم يورد حديثاً حول الصلاة في الثوب المصلَّب وإنما أورد حديثاً حول الصلاة أمام ستر فيه صور ؛ قال الحافظ ابن حجر : "فبإلحاق المصلَّب بالمصوَّر لاشتراكهما في أن كلاًّ منهما قد عُبِدَ من دون الله تعالى"
ورجح ابن حجر عدم فساد الصلاة بذلك.
وقال ابن قدامة : "قال أحمد: لا تصل إلى صورة منصوبة في وجهك . وذلك لأن الصورةَ تعبد من دون الله ، وقد روي عن عائشة قالت: كان لنا ثوب فيه تصاوير فجعلته بين يدي رسول الله -(- وهو يصلي فنهاني، أو قالت كره ذلك . رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده . ولأنَّ التصاوير تشغل الناظر إليها إليها وتذهله عن صلاته"(174) .
فلو كان مجرد لبس الصليب يخرج لابسه من الإسلام لما كان خلاف في صحة صلاته إذ لا تقبل صلاةً من كافرٍ.
وأما لبس الساعة التي فيها الصليب:
ورد في فتاوى اللجنة الدائمة هذا السؤال: "ما قولكم عن الساعة (أم صليب) هل يجوز أن نصلي بها أم لا؟".
فأجابت اللجنة الدائمة: " لا يجوز لبس الساعة أُمِّ صليب، لا في الصلاة ولا غيرها حتى يُزال الصليب بِحَكٍّ أو بوية تستره، لكن لو صلى وهي عليه فصلاته صحيحة، والواجب عليه البدار بإزالة الصليب؛ لأنه من شعار النصارى، ولا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس نائب رئيس اللجنة عضو
عبد العزيز بن باز عبد الرزاق عفيفي عبد الله بن غديان"(175)
وأما الصلاة فوق الحصير الذي رسم فوقه صليب:
ورد في فتاوى اللجنة الدائمة هذا السؤال: "هل يمكن للمسلم أن يصلي فوق الحصير الذي رسم فوقه صليب؟"
فأجابت اللجنة الدائمة: "إذا كان السؤال عن حكم صلاة وقعت فوق الحصير الذي رسم فوقه صليب فالصلاة صحيحة إن شاء الله مع الكراهية ، وإذا كان السؤال عن حكمها مستقبلا ً فعليه أن يزيل الصليب من الحصير وذلك بطمسه بما يخفي معالمه، أو بوضع رقعة ثابتة عليه، أو يبدَّل هذا الحصير بحصير ليس فيه صليب؛ لما صحَّ عن عائشة -رضي اللهُ عنه- : كان النبي -(- لا يدع شيئاً فيه تصليب إلا قضبه.
وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس نائب رئيس اللجنة عضو عضو
عبد العزيز بن باز عبد الرزاق عفيفي عبد الله بن غديان عبد الله بن قعود"(176).
وفي فتوى أخرى للجنة الدائمة : "وأما الفرش التي يكون فيها صورة الصليب بما يخفي صورته من صبغ أو خياطة أو غير ذلك"(177).
فتبين بِما سبق أن لبس الصليب محرَّم ، ومن لبسه فلا يجوز تكفيره إلا إذا تبين أنه راضٍ بدين النصارى ، ومقر لهم على عقيدتهم.
فمن يكفر من لبس الصليب مطلقاً فهو خارجي ضال.
والواجب على المسلم أن يحسِّن ظنَّه في ولي الأمر ، لا سيَّما إذا كان ولي الأمر معروفاً بنصرته لدين الإسلام ، وحرصه على أمن بلاد المسلمين والدفاع عنه كما هو حال خادم الحرمين الشريفين -حفظَهُ اللهُ ورعاهُ- (17.


(169) سورة المائدة(آية/51).
(170) سورة النساء(آية/157).
(171) فتاوى اللجنة الدائمة(2/119).
(172) قِرام: القِرام : هو الستر الرقيق وقيل: الستر الصفيق من صوف ذي ألوان . انظر: الغريب لابن قتيبة(2/453) ، والغريب لأبي عبيد(1/217) ، والنهاية في غريب الحديث والأثر(4/49) .
(173) أميطي: أي ؛ أزيلي وأبعدي .
(174) المغني لابن قدامة(3/8 تحقيق: د.عبد الله التركي، ود.عبد الفتاح محمد الحلو. ط4/ دار عالم الكتب 1419هـ-1999م.
(175) فتاوى اللجنة الدائمة(6/183).
(176) فتاوى اللجنة الدائمة(6/183-184).
(177) فتاوى اللجنة الدائمة(6/185).
(17ومن أقوال خادم الحرمين الشريفين الدالة على فضله -حفظَهُ اللهُ ورعاهُ- ما قاله في كلمة وجهها من جوار الكعبة المشرفة للمواطنين بمناسبة عيد الفطر المبارك : " أيها الإخوة في الله لا بد لنا من في هذه المناسبة الإسلامية العظيمة من وقفة صادقة نراجع فيها أعمالنا ، ونحاسب فيها أنفسنا ، ونتبصر فيها شؤون ديننا ودنيانا فكلنا يعلم أن الأمة الإسلامية تواجه اليوم أعنف التحديات من أعدائها وتمر في مرحلة دقيقة من تاريخها ، ولا نرى سبيلاً يوصلنا إلى تحقيق أمانينا والتغلب على كيد أعدائنا إلا سبيل العودة إلى الله بالتمسك بكتابه وهدي نبيه".


-----------------
للشيخ أسامة العتيبي "الحجَجُ القَويَّةُ على وُجُوبِ الدِّفاعِ عنِ الدَّولَةِ السُّعُودِيَّةِ"