بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أمّا بعــد:

لقد خلق الله الخلق وجعل لهم حياة يعيشون فيها، وجعل في هذه الحياة مقومات ودعائم لاستمرارية العيش فيها, فجعل منهم القوي والضعيف، والذكر والأنثى والكبير والصغير، والمستقيم والمعوج، والغني والفقير، إلى غير ذلك من الاختلافات التي لو لم توجد لَمَا كان هناك معيشة على وجه الأرض، فالأرض فيها الجبال والوديان والبحار والأنهار والأحجار, ولو كانت شيئًا واحدًا لَمَا استطاع أحد أن يعيش فيها.

لقد وضع الله-عز وجل-لهذا الاختلاف, وهذه المفارقات ما يحافظ على بقائها ودوامها, من غير أن يطغى فيها أحد على أحد, وهذا الحفظ يكون في (الملك والسلطان).

فالسلطان: هو الذي يستطيع أن يضبط هذه المقومات وهذا التفاوت في الخلق، فله الشرف الكبير في أن يخضع له الجميع، فالملك يطمع فيه الجميع، وكل شخص يسعى لينال هذا الشرف الكبير.

فجميع الناس خاضعون للسلطان، والكل تحت إمرته، ويسعى لمرضاته, وعندما يصل الحاكم إلى هذه المنزلة، فإنه يسعى جاهدًا لأن يثبت على هذه الحالة، متَّخذًا جميع الوسائل المتاحة، لئلا ينافسه أحد على هذا الشرف الذي لا يصلح أن يشاركه فيه أحد.

وحيث أن المغريات كثيرة، والشهوات أكثر، والظلم أوقع، كانت هذه السلطة فتنة يخاف منها، وشبهة يبتعد عنها، وأمانة قل من يحفظها، لذلك زهد فيها السلف وابتعدوا عنها.

إن الملك والسلطان هبة من الرحمن، قال-تعالى-: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ...)(آل عمران:26).

وهذا الإعطاء شامل للجميع: المسلم والكافر, واليهودي والنصراني، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، لكن الله-عز وجل-لا يعين صاحب الملك والسلطان إلا بشروط حددها الشرع الحكيم، منها:

ألا يطلبها، ولا يكن ذلك همه وهدفه في دعوته وإصلاحه، لأن من يسعى إليها، فإنه لا بد أن يسلك الطرق المعوجة والغير مرضية من القتل والإفساد وإراقة الدماء، وإخلال الأمن وانتشار الفوضى, والتاريخ أكبر شاهد على ذلك.

وكلذلك بدعوى الإصلاح, فإذا وصل إلى غايته ومناه, فإنه سيخرج من يقول إن هذا الإصلاح هو الفساد بعينه، فيحاول أن ينتزع الملك منه بدعوى أيضاً الإصلاح.

وهكذا فتنة الملك والسلطان مستمرة, لكن السلف-رضوان الله عليهم-منضبطون بقواعد الشرع لا بقواعد العواطف والشهوات، ليس همهم السلطة بل همهم نشر التوحيد والسنة بين الناس, اقتداء بالرسل والأنبياء، لكن أهل الملك والسلطان يظنون أنهم يسعون إلى ما يسعون إليه، كما ظن أهل الملك من آل فرعون أن موسى-عليه السلام-يريد الملك والسلطان.

قال-تعالى-: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ)(يونس:7.

والكبرياء: هو الملك والسلطان في الأرض.

لقد حذر النبي-صلى الله عليه وسلم-من فتنة الملك والسلطان, فنهى الصحابة عن التطلع إلى السلطة أو طلبها.

قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا...)[1].

وقال-صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ)[2].

وقال أيضًا لما جاءه بعضهم فقالوا: أمِّرنا على بعض ما ولاك الله، فقال: (إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ)[3].

فالسلف-رحمهم الله-يحذرون من سلوك هذا المسلك الذي يشوبه الطرق المحرمة من قتل أو تحايل أو استفتاء للقاصي والداني, (الذي يسمونه الانتخابات).

فانظر إلى الصحابة لم يطلب أحد منهم الملك والسلطان, ومن تولى منهم شيء من إمرة المسلمين, كان فيه التوفيق والإعانة من الله.

ومن الشروط التي حددها الشرع الحكيم: أن يكون الملك والسلطان عن طريق البيعة من أهل الحل والعقد لا من أهل الفسق والفجور, أو يكون عن طريق العهد أو عن طريق التنازل للغير.

ومن الشروط أيضًا: أن تكون البيعة على الكتاب والسنة، لا على الدساتير والقوانين الوضعية.

فنحن في زمان قل فيه من يُحكِّم الشريعة كاملة, سواءً كانوا من الحكام أو المحكومين, وما ذلك إلا لضعف العقيدة والتوحيد في القلوب والجوارح.

إن المتقين لا يتنافسون على الملك والسلطان؛ لأنهما لا يدومان لأحد إلا لله-عز وجل-, قال-تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ)(فاطر:13).

بل يتنافسون على العلم وطلبه؛ لأنه يدوم ويبقى للمتعلم في حياته وبعد مماته, فتكون خاتمته أحسن خاتمة, قال-تعالى-: (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)(المطففين26).

وقال-تعالى-: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)(الصافات:61).

فلا يسعى إلى الملك والسلطان إلا أصحاب الدنيا الذين ظنوا أنها ستدوم لهم، فلا تكاد تجد منهم عالِمًا فضلًا عن طالب علم، بل أكثرهم متبعين سنن أهل الكتاب في حبهم للملك والسلطان.

وهذا حال عامة رؤساء الأحزاب اليوم.

الملك لله الذي عنت الوجــــوه......وذلَّت عنــده الأربـاب

متفرد بالملــــك والسلطان قد......خسر الذين تجاذبـوه وخابوا

دعهم وزعم الملــك يوم غرورهم......فسيعلمونغدا من الكـذاب

ومن الشروط: العدل بين الرعية وعدم غشهم قال-صلى الله عليه وسلم-: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم عليه الله الجنة)[4].

قال الإمام ابن القيم-رحمه الله-في كتابه الروح:

(...وَالْفرق بَين حب الرياسة وَحب الْإِمَارَة للدعوة إِلَى الله هُوَ الْفرق بَين تَعْظِيم أَمر الله والنصح لَهُ وتعظيم النَّفس وَالسَّعْي فِي حظها، فَإِن الناصح لله الْمُعظم لَهُ الْمُحب لَهُ يحب أَن يطاع ربه فَلَا يعْصى، وَأَن تكون كَلمته هِيَ الْعليا، وَأَن يكون الدّين كُله لله، وَأَن يكون الْعباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه.

فقد نَاصح الله فِي عبوديته، وناصح خلقه فِي الدعْوَة إِلَى الله، فَهُوَ يحب الْإِمَامَة فِي الدّين، بل يسْأَل ربه أَن يَجعله لِلْمُتقين إمامًا يَقْتَدِي بِهِ المتقون كَمَا اقْتدى هُوَ بالمتقين، فَإِذا أحب هَذَا العَبْد الدَّاعِي إِلَى الله أَن يكون فِي أَعينهم جَلِيلًا وَفِي قُلُوبهم مهيبًا وإليهم حبيبًا، وَأَن يكون فيهم مُطَاعًا لكَي يأتَمُّوا بِهِ ويقتفوا أثر الرَّسُول على يَده لم يضرّهُ ذَلِك بل يحمد عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ دَاع إِلَى الله يحب أَن يطاع ويعبد ويوحد، فَهُوَ يحب مَا يكون عونًا على ذَلِك موصلا إِلَيْهِ.

وَلِهَذَا ذكر-سُبْحَانَهُ-عباده الَّذين اختصهم لنَفسِهِ وَأثْنى عَلَيْهِم فِي تَنْزِيله،وَأحسن جزاءهم يَوْم لِقَائِه، فَذكرهمْ بِأَحْسَن أَعْمَالهم وأوصافهم.

ثمَّ قَالَ: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)(الفرقان:74) فَسَأَلُوهُ أَن يُقِرَّ أَعينهم بِطَاعَة أَزوَاجهم وذرياتهم لَهُ-سُبْحَانَهُ-، وَأَن يُسِرَّ قُلُوبهم بِاتِّبَاع الْمُتَّقِينَ لَهُم على طَاعَته وعبوديته، فَإِن الإِمَام والمؤتم متعاونان على الطَّاعَة، فَإِنَّمَا سَأَلُوهُ مَا يعينون بِهِ المُتَّقِينَ على مرضاته وطاعته، وَهُوَ دعوتهم إِلَى الله بِالْإِمَامَةِ فِي الدّين الَّتِي أساسها: (الصَّبْر وَالْيَقِين)، كَمَا قَالَ-تَعَالَى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ)(السجدة:24).

وسؤالهم أَن يجعلهم أَئِمَّة لِلْمُتقين هُوَ سُؤال أَن يهْدِيهم ويوفقهم ويَمُنَّ عَلَيْهِم بالعلوم النافعة والأعمال الصَّالِحَة ظَاهرًا وَبَاطنًا الَّتِي لَاتتمّ الْإِمَامَة إِلَى بهَا.

وَتَأمل كَيفَ نسبهم فِي هَذِه الْآيَات إِلَى اسْمه الرَّحْمَن-جلَّ جَلَاله-ليعلم خلقه أَن هَذَا إِنَّمَا نالوه بِفضل رَحمته ومحض جوده ومنته.

وَتَأمل كَيفَ جعل جزاءهم فِي هَذِه السُّورَة الغرف، وَهِي: الْمنَازل الْعَالِيَة فِي الْجنَّة لَمَّا كَانَت الْإِمَامَة فِي الدّين من الرتب الْعَالِيَة، بل من أَعلَى مرتبَة يعطاها العَبْد فِي الدّين كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَيْهَا الغرفة الْعَالِيَة فِي الْجنَّة.

وَهَذَا بِخِلَاف طلب الرياسة فَإِن طلابها يسعون فِي تَحْصِيلهَا لينالوا بهَا أغراضهم من الْعُلُوّ فِي الأَرْض، وتعبد الْقُلُوب لَهُم، وميلها إِلَيْهِم، ومساعدتهم لَهُم على جَمِيع أغراضهم مَعَ كَونهم عالين عَلَيْهِم قاهرين لَهُم، فترتب على هَذَا الْمطلب من الْمَفَاسِد مَا لا يُعلمهُ إِلَّا الله من الْبَغي والحسد والطغيان والحقد وَالظُّلم والفتنة وَالْحمية للنَّفس دون حق الله، وتعظيم من حقره الله، واحتقار من أكْرمه الله، وَلَا تتمّ الرياسة الدُّنْيَوِيَّة إِلَّا بذلك، وَلَا تنَال إِلَّا بِهِ وبأضعافه من الْمَفَاسِد، والرؤساء فِي عمى عَن هَذَا، فَإِذا كشف الغطاء تبين لَهُم فَسَاد مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَا سِيمَا إِذا حشروا فِي صور الذَّر يطؤهم أهل الْموقف بأرجلهم إهانة لَهُم وتحقيرًا وتصغيرًا كَمَا صَغَّروا أَمر الله وحقروا عباده...)[5]أهــ.

ومما يجب التنبيه عليه: أن السلف مع أنهم يحذرون من فتنة الملك والسلطان, إلا أنهم لا يسعون للإطاحة بهذا الملك, بل العمل على تقويمه وإصلاحه قدر المستطاع, ومن ذلك أنهم لا ينكرون على أصحابه, إلاوفق الضوابط والشروط الشرعية.

قال ابن الجوزي-رحمه الله-: (...الجائز من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين, التعريف والوعظ, فأما تخشين القول نحو: يا ظالم, يا من لا يخاف الله, فإن كان ذلك يحرك فتنة يتعدى شرها إلى الغير لم يجز, وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء...).

قال: (...والذي أراه المنع من ذلك, لأن المقصود إزالة المنكر, وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر أكثر من فعل المنكر الذي قُصد إزالته.

قال الإمام أحمد-رحمه الله-: لا يتعرض للسلطان, فإن سيفه مسلول وعصاه.

قال: فأما ما جرى للسلف من التعرض لأمرائهم, فإنهم كانوا يهابون العلماء, فإذا انبسطوا عليهم احتملوهم في الأغلب...)[6].

(...وَكَانَ السَّلَفُ إِذَا أَرَادُوا نَصِيحَةَ أَحَدٍ، وَعَظُوهُ سِرًّا حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَهِيَ نَصِيحَةٌ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ فَإِنَّمَا وَبَّخَهُ.

وَقَالَ الْفُضَيْلُ: الْمُؤْمِنُ يَسْتُرُ وَيَنْصَحُ، وَالْفَاجِرُ يَهْتِكُ وَيُعَيِّرُ.

وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ: كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إِذَا رَأَى الرَّجُلُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئًا يَأْمُرُهُ فِيرِفْقٍ، فَيُؤْجَرُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَإِنَّ أَحَدَ هَؤُلَاءِ يَخْرِقُ بِصَاحِبِهِ فَيَسْتَغْضِبُ أَخَاهُ وَيَهْتِكُ سِتْرَهُ.

وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيِهِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا وَلَابُدَّ، فَفِي مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ نُصْحُ الذِّمِّيِّ، وَعَلَيْهِ نُصْحُ الْمُسْلِمِ...)[7].

هذا ما تيسر قوله في هذا الموضوع.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

لقراءة وتحميل الملف منسقًا:

(فتنة المُلك والسُّلطان)

كتبه:

سعد بن فتحي بن سعيد الزعتري


[1] (صحيح البخاري/ كتاب الأحكام/ باب: من لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها: 7146).

[2] (صحيح البخاري/ كتاب الأحكام/ باب: ما يكره من الحرص على الإمـارة: 714.

[3] (متفق عليه).

[4] (صحيح الجامع).

[5] (الروح للإمام ابن القيم-رحمه الله-/ المسألة الحادية والعشرون/ وهل النفس واحدة أم ثلاث؟، ص: 214-215/ ط: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع: 1415 هــ)

[6](الآداب الشرعية لابن مفلح 1/238 ).

[7] ( جامع العلوم والحكم/ الحديث السابع: (الدين النصيحة) ص: 203-204/ دار ابن كثير للطباعة والنشر والتوزيع: دمشق-بيروت/الطبعة الأولى 1429 هــ).