مشرف
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 98



خطبة هذا الأسبوع
السَّفَر ومفاسِدُه
الخطبة الأولى:
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ؛ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضللْ؛ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسوله. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء:1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70،71]. ألا وإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ.

أما بعدُ: فأوصيكم -عبادَ اللهِ- ونفسي بتقوى اللهِ عز وجل في كلِّ ما نأتي ونَذَر، والاستجابةِ له -سبحانه- في كلِّ ما نَهَى وأَمَر، ولُزومِ تقواهُ في الحَضَرِ والسَّفَر.
أيها الإخوةُ المؤمنون! يَكثُرُ في هذه الأيامِ الحديثُ عن السفرِ إلى الخارجِ؛ حيث يَقضي كثيرٌ مِن الناسِ إجازاتِهِمْ لِلاستِجمامِ أو النُّزهَةِ.

وتنقسمُ أغراضُ الناسِ في السفَرِ إلى أقسامٍ: إما سَفَرٌ للتجارةِ، أو للعلاجِ، أو للدعوةِ إلى اللهِ تعالى، أو لِطَلَبِ العلمِ. وهذه كلُّها أغراضٌ جائزةٌ، وقد تكونُ واجبةً -بِحسبِ الحالِ-، ولكنْ قد يضطَرُّ هؤلاءِ إلى الخروجِ مِن دِيارِ المسلمينَ إلى ديارِ الكفارِ؛ فيجبُ عليهمُ الرجوعُ إلى بلادِ المسلمينَ متى ما فَرَغُوا مما ذَهَبُوا إليه.

وهناك صِنفٌ مِن الناسِ قد يسافِرُ للخارجِ مِن أجلِ النُّزهةِ؛ وهؤلاءِ لنا معهم وَقفاتٌ نَتبَيَّنُ بَعدَها حُكمَ الإسلامِ في هذا السَّفرِ:
الوقفةُ الأولى: حُكمُ هذا السفرِ. فنقولُ: ألَيْسَ مِنَ الواجبِ عليكَ -أيها المؤمنُ- أنْ تَستَفْتيَ أهلَ العلمِ فيما أنتَ عازمٌ عليهِ؛ عَملاً بِقَوْلِه تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: مِن الآية43]؟ وقد أَفْتَى العلماءُ بتحريمِ السفرِ إلى بلادِ الكفَّارِ مِن أجلِ النُّزهةِ؛ وذلك لِما يَحصُلُ فيه مِن مَفاسدَ؛ واحدةٌ مِنها كافٍ في التَّحريمِ؛ فكيف إذا اجْتَمعتْ كلُّها أو بعضُها؟!

الوقفةُ الثانيةُ: الإقامةُ في بلادِ المشركينَ ومُساكَنَتُهُمْ ومُخالَطَتُهُم في ديارِهِمْ نَهَى عنهُ النبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهْيَ تَحريمٍ، وشَدَّدَ في ذلك، وَتَوَعَّدَ عليه. فقد صحَّ عنه -عليهِ الصلاةُ والسلامُ- أنه قال: ((أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ؟ قَالَ: ((لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا)) [أبو داود والترمذي الصحيحة : 636]، وقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ)) [أبو داود ، الصحيحة:2330]. وقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لا يَقْبَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ مُشْرِكٍ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ)) -يعني: حتى يفارقَ دِيارَ الكُفْرِ إلى دِيارِ الإسلامِ- [النسائي . صحيح سنن النسائي: (2/21، والإرواء (5/32)]. وكلُّ هذه الأحاديثِ -عِبادَ اللهِ- تَنْهَى المسلمَ مِنَ الإقامةِ في دِيارِ الكُفْرِ، وتُرَتِّبُ الوَعِيدَ الشديدَ عليه؛ وذلك لِما هُو مُتَقَرِّرٌ في الشريعةِ الإسلاميةِ أنَّ المُشابَهةَ في الأمورِ الظاهرةِ تُوجِبُ المُشابَهةَ في الأمورِ الباطنةِ؛ فَيَكْتَسِبُ المسلمُ مِن مُخالَطَتِهِ للمشركينَ عَاداتِهِمْ وأخلاقَهُمُ القَبيحةَ، بل وفي اعتِقاداتِهمُ الفاسِدةِ؛ فيَصيرُ مُساكِنُ الكافِرِ مِثْلَهُ. وكذلك؛ لأنَّ المُشاركةَ في الظاهرِ تُورِثُ نَوْعَ مَحبَّةٍ ومَودَّةٍ لَهمْ ومُوالاةٍ لَهم في الباطِنِ. مِن أجلِ ذلك: جاء الشَّرعُ بِتحريمِ السَّكَنِ مَعهم ومُخالَطَتِهِم والإقامةِ في ديارِهم. ولا يَأْمَنُ المسلمُ الذي يَذهَبُ إلى ديارِ الكُفْرِ مِن أجلِ النُّزهَةِ مِنْ أنْ يَكتسبَ شَيئاً مِن هذه المشابَهَةِ؛ فَيَهْلِكُ -والعياذُ باللهِ-. [مختصر شرح عون المعبود لحديث (من جامع المشرك أو سكن معه )].

الوقفةُ الثالثةُ: ما في السفَرِ إلى بلادِ الكفارِ مِن إضاعةِ المال الذي أمَر اللهُ بِحِفظهِ، والذي سوف يَسألكَ اللهُ عنه يومَ القيامةِ مِن أين اكتسبْتَه وفِيمَ أنْفَقْتَه.وقد نَهى النبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن إضاعَةِ المالِ [مسلم: 593]، قال العلماءُ: إضاعةُ المالِ الْمَنْهِيُّ عنها: (أَنَّهُ مَا أُنْفِقَ فِي غَيْر وَجْهِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا سَوَاءً كَانَتْ دِينِيَّةً أَوْ دُنْيَوِيَّةً) [فتح الباري].

الوقفةُ الرابعةُ: رؤيةُ المُنكراتِ العظيمةِ مِن شُربِ الخُمورِ والزِّنا والفَواحِشِ، مِن غيرِ إنكارٍ على أصحابِها! وهذا مُحَرَّمٌ. قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا؛ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)) [مسلم]. وفي لفظٍ لهُ أيضاً: قولُه -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-: " فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ "؛ حيث إنَّ المسلمَ يجبُ عليه أنْ يُغَيِّرَ المُنكَرَ بِيَدِه، فإنْ لم يَستَطِعْ فَبِلِسانِه، فإنْ لم يَستَطِعْ فَلا أَقَلَّ مِن أنْ يُغيِّرَهُ بِقَلْبِهِ فَيَكْرَهَهُ بِقَلْبِه ولا يَرضاهُ؛ فَيُؤَدِّي به ذلك إلى مُفارَقَةِ هذا الواقِعِ في المُنكَرِ، ولا يُجالِسُه، ولا يُخالِطُه حالَ تَلَبُّسِه بتلك المَعصيَةِ. أمَّا إنه يقولُ: إني مُنكِرٌ بِقَلبي؛ وهو جالسٌ مع صاحبِ المُنكَرِ ومُخالِطٌ له؛ فهذا في الحقيقةِ ليس مُنْكِراً بقلبِه، بل هذا راضٍ بالمُنكَرِ -والعياذُ باللهِ-. فهناك في دِيارِ الكُفرِ لا تستطيعُ الإنكارَ باليدِ ولا باللسانِ ولا بالقلبِ؛ لأنك أيْنَما ذهبتَ فأنتَ تَرى أمامكَ المنكراتِ، فإذا أنتَ لم تُنكِرْ بِقلبِكَ وتُفارِقِ العُصاةَ؛ فَيُخشى عليك مِنَ الدُّخولِ في هذا الحديثِ: " وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ".

الوقفةُ السادسةُ: فسادُ الأولادِ والبناتِ -خُصوصاً إذا كانوا في سِنِّ المُراهَقَةِ-. حيث إنَّهم يَرَوْنَ الفواحشَ العظيمةَ فَيتأثَّرونَ بِها، ولا يَستطيعُ الوالِدانِ مَنْعَهم مِن رُؤيَتِها، فَرُبَّما يَفْتَتِنُ الوَلدُ أو تُفْتَنُ البنتُ بِمَنْظَرٍ رَأَوْهُ، فَيَفْسُدُ دِينُهم أو تَفسدُ عقيدتُهم؛ فلا يُمكنُ بعد ذلك استِقامَتُهُما، والقُلوبُ بينَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابعِ الرحمنِ يُقَلِّبُها كيف يَشاءُ -سُبحانه-. فأيُّ جِنايَةٍ تَجنِيها على نفسِك وعلى أولادِك وبناتِكَ إنْ هُم فَسدتْ عَقيدتُهم أو فَسدتْ أخلاقُهم بِسبَبِ انخداعِهم بما عليه أولئك الكُفارُ وتَأَثُّرِهِمْ بِهم؟ وربما أدَّى به الحالُ -والعياذُ باللهِ- إلى الانسلاخِ مِن العقيدةِ وإلى الزَّيْغِ في دِينِهم؛ فتكونُ أنتَ الجانِي عليهمْ بِسبَبِ نَزْوَتِكَ ونَهَمِكَ وحُبِّكَ للسفَرِ إلى تلك البلادِ لِلنُّزْهَةِ -كما زعمتَ-. والنبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)) [البخاري ومسلم].

الوقفةُ السابعةُ: ضياعُ العُمُرِ فيما لا فائدةَ فيهِ، بل فيما فيهِ مَضَرَّةٌ عاجِلةٌ أو آجِلَةٌ، بِحيثُ يَقضِي المَرْءُ هناك بَين أماكِنِ اللَّهْوِ والغفلَةِ، وربما قَضاها فيما حَرَّمَ اللهُ عليه مِنَ المسارِحِ والمراقِصِ وغيرِها مِن أماكِنِ الفَسادِ، وربما انْشَغَلَ عنِ الصلواتِ، وقد يُضَيِّعُها أو يُؤَخِّرُها عن وَقتِها! فأيُّ ضَياعٍ لِلعُمُرِ أكثرُ مِن هذا الضياعِ؟!! والأصلُ في المسلمِ أنه لا يَجِدُ الوقتَ للنُّزهةِ وإضاعةِ الوقتِ، بل كلُّ وَقتِهِ في طاعةِ اللهِ وذِكرِه والسَّعيِ فيما يُقَرِّبُ إليه، فكيف يُضيِّعُ وقتَه فيما يكونُ حَسرةً عليه يومَ يَلقَى ربَّه عزَّ وجلَّ. قال الحسنُ -رحمه الله-: (يا ابنَ آدمَ! إنما أنتَ أيامٌ، كُلَّما ذهب يومٌ ذَهب بَعْضُكَ) [الحلية:2/148].

الوقفةُ الثامنةُ: هتكُ الحجابِ الشرعيِّ في بلادِ الكُفرِ. فتَجدُ بعضَ النساءِ تَنزِعُ حجابَها الشرعيَّ عندما تذهبُ إلى هناك، بل ربما نَزعَتْه في الطائرةِ قبل أنْ تَهبطَ، وكأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ غافلٌ عنها في تلك البلادِ التي تذهبُ إليها! وهذا مِن ضعفِ الإيمانِ -والعياذُ باللهِ-، وعدمِ الحياءِ منه جلَّ وعلا. وتجدُ وَلِيَّ أمْرِها لا يحركُ ساكِناً ولا يَغارُ على حُرمةِ أهلِه، فتَنْسَلِخُ المرأةُ مِن حيائِها وحِشْمَتِها، ويَنسلِخُ الأبُ أو الأخُ أو الزوجُ مِن غَيْرَتِه -والعياذُ باللهِ-.

أيها المؤمنون! وصِنفٌ آخَرُ مِن شبابِ المسلمينَ -ورُبَّما كُهولِهِمْ- يَذهبونَ إلى بلادِ الكُفرِ أو غيرِها مِنَ البلادِ العربيَّةِ؛ فَيَنْسَوْنَ فيها ربَّهم عالِمَ السِّرِّ والنجوى، ويَخلعونَ ثَوْبَ الإيمانِ عن قلوبِهم، فيعمَلون الفواحشَ ويَرتكِبون المُوبِقاتِ؛ مِن زِنًا وشُربٍ لِلخُمورِ ومُعاشرةٍ للنساءِ، وغيرِ ذلك مِنَ الكبائرِ، قد ذهب خوفُ اللهِ مِن قلوبِهم، وضَعفَ الإيمانُ باللهِ عز وجل في نفوسِهم، ثم يَرجِعون إلى بلادِهم مُتَلطِّخينَ بالرذيلةِ، مُنغَمِسين في أوحالِ الخطيئةِ، ألا يَخشَى هؤلاءِ مِن سوءِ الخاتمةِ فيُخْتَمُ له بِخاتمةِ السُّوءِ؟! -أعاذنا اللهُ وإياكم مِن ذلك-. كيف أمِنوا مَكرَ اللهِ عز وجل بِهم؟! فإنَّ العبدَ لا يدري متى يكونُ أجَلُه، فربما باغَتَهُ الموتُ وهو مُقارِفٌ لِذنبِه، قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَادَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ)) [الترمذيُّ]. فما الذي يُؤَمِّنُ هؤلاءِ أنْ يَخرجَ منهمُ الإيمانُ فوق رؤوسِهم بِفِعلِهم هذا، ثم لا يَجِدُ في قلبِه مكاناً يعودُ فيه؟! وذلك بسببِ الرَّانِ الذي غَطَّى القلبَ نتيجةَ كثرةِ ذنوبِه ومعاصِيهِ -والعياذُ باللهِ-.
وصِنفٌ آخَرُ مِنَ المسلمينَ لا يَستطيعون السفرَ إلى البلادِ الكافرةِ، فَيَكْتَفُون بالسفرِ إلى البلادِ العربيةِ، فيَجِدون فيها بعضَ ما تقدَّم ذِكْرُهُ، ظانِّينَ أنَّ ذلك أخفُّ شَرًّا وأهْوَنُ ضَرراً، ولكنَّ الحقيقةَ -عباد الله- أنَّ المعصيةَ هي المعصيةُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، والواقعُ يشهدُ أنَّ في بعضِ تلك البلادِ نفسَ المفاسِدِ التي ذكرناها فيما سَبَقَ!
فَلْيَتَّقِ اللهَ أولئك القومُ، ولْيَعْلَموا أنهم غَداً بين يديِ اللهِ مَوقُوفون وعن أعمالِهم مَجْزِيُّون، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.

أما مَن وَقع مِنهُ شَيءٌ مِن ذلك؛ فَلْيُبادِرْ إلى ربِّه ولْيُسْرِعْ بالتوبةِ والإنابةِ والرجوعِ إليه، مُنيباً نادِماً على ما فرَّط في جنبِ اللهِ عز وجل، واللهُ سبحانه يَقبلُ التوبةَ ويَعفو عن الزَّلَّةِ، ويفرحُ بتوبةِ عَبدِه إذا أقبلَ إليه، وانْطَرحَ بين يدَيْهِ وأقلع عن ذنْبِهِ فَلَمْ يَعُدْ إِليهِ، وعزمَ على أنْ لا يعودَ إليهِ في بَقِيَّةِ عُمُرِه، نسألُ اللهَ عز وجل أنْ يَعفوَ عنا وعن المسلمين، وأنْ يتجاوزَ عنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا وأنْ يَعصِمَنا مِن مُضِلَّاتِ الفِتنِ وأنْ يَتولانا بِرحمتِه في الدنيا والآخرةِ؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. ونستغفرُ اللهَ ونتوبُ إليه مِن كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيمُ.


الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِِ ربِّ العالمَينَ وَلِيِّ الصالِحين، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ- يقول تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف: 20]، وقال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ - مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 197-196].

فالحياةُ الحقيقيةُ هي حياةُ الإيمانِ والعملِ الصالِح؛ لذلك صحَّ عن نبيِّنا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: ((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)) [مسلم]. وهذا مَعْنَاهُ -كما قال أهلُ العلمِ -رحمهم اللهُ-: (أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَسْجُونٌ مَمْنُوعٌ فِي الدُّنْيَا مِنْ الشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ, مُكَلَّفٌ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ الشَّاقَّةِ, فَإِذَا مَاتَ اِسْتَرَاحَ مِنْ هَذَا, وَانْقَلَبَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ النَّعِيمِ الدَّائِمِ, وَالرَّاحَةِ الْخَالِصَةِ مِنَ النُّقْصَانِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّمَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَّلَ فِي الدُّنْيَا مَعَ قِلَّتِهِ وَتَكْدِيرِهِ بِالْمُنَغِّصَاتِ, فَإِذَا مَاتَ صَارَ إِلَى الْعَذَابِ الدَّائِمِ, وَشَقَاءِ الْأَبَدِ)) [شرح النووي لصحيح مسلم].

فاحْرِصْ -أيها المؤمنُ- على عُمرِكَ؛ فإنكَ مَسؤولٌ عنه يومَ القيامةِ، وطُوبَى لِمَنْ شَغَلَ وَقتَه فيما يُقَرِّبُه إلى ربِّه مِن أنواعِ الطاعاتِ والقُرُباتِ، وهَنِيئاً لِمَنْ حَجز نَفسَه ومَنَعها مِن مُقارَفَةِ السيِّئاتِ والمُحرَّمات.

نسألُ اللهَ لنا ولكم ولِلمسلمين العَفوَ والعافيةَ والمُعافاةَ الدائمةَ في الدِّينِ والدُّنيا والآخِرَةِ... إلخ.

ـــــــ
أصل الخطبة على هذا الرابط:http://www.sahab.net/forums/showthread.php?t=295531

--------------------

المصدر
http://www.morsall.com/vb/showthread.php?t=1000