منقول

محمد الهاشمي مصمودي vbmenu_register("postmenu_605476", true);
تاريخ التسجيل: Feb 2004
الدولة: الجزائر (( العاصمة ))
المشاركات: 1,387


فائدة عظيمة: (( هل يشترط للنصر تحقيق التوحيد على الأعيان؟ ))
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

------------
هل يشترط للنصر تحقيق التوحيد على الأعيان؟

قال الله عزَّ وجلَّ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ}
أخبر الله في هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلَّم وأصحابه رضي الله عنهم آمنوا بالمنزَّل إليهم من ربهم، ثم أعاد فعل الإيمان بعد ذلك، فقال: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}، فما السر في ذلك؟

والجواب يتمثل في الفوائد الآتية:

الأولى: إن الجملة الثانية تفصيل لما أجملته الأولى، فذكرت الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولعله أُخر الكلام عن اليوم الآخر إلى قوله عزَّ وجلّ: {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} على الرغم من أنه من أركان الإيمان التي كثيرا ما تقترن بالأربعة الأولى بالنظر إلى أن قوله: {بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} يدل على المنزِّل وهو الله عزَّ وجلَّ وعلى المتنزِّل به وهو المَلَك، وعلى المتنزَّل به وهو الكتاب، وعلى المتنزَّل علَيه وهو الرسول، هذه هي الأربعة، فناسب عند التفصيل ألا يخرج المفصَّل عمَّا في المجمَل، فتأمَّل هذا التطابق!

الثانية: أن الجملة الأولى فعليةٌ، وهي قوله: {آمَنَ الرَّسُولُ} الآية، والثانية اسميةٌ، وهي قوله: {كُلٌّ آمَنَ}، قال ابن القيم في ((بدائع الفوائد)) (385-387 / 2): ((الجملة الاسمية تدل على الثبوت والتقرُّر، والفعلية تدل على الحدوث والتجدُّد))، فكان في الثانية من القوة ما ليس في الأولى، فتدبر!

الثالثة: في هذه الإعادة فائدة عظيمة تستفاد من قوله عزَّ وجلَّ: {كُلٌّ آمَنَ}، قال البغوي في ((معالم التنزيل)) عند هذه الآية: ((يعني كلَّ واحد منهم، ولذلك وحَّد الفعل))، وقال أبو حيَّان في ((البحر المحيط)) عند تفسير قوله عزَّ وجلَّ من آل عمران (84): {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا} الآية، قال: ((وقال: {آمَنَّا} تنبيها على أن هذا التكليف ليس من خواصِّه، بل هو لازمٌ لكلِّ المؤمنين، قال تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ} بعد قوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} ))، ووجه الاستدلال أنَّ الله عزَّ وجلَّ كرَّر وصفهم بالإيمان؛ لأنَّه في الأول أراد وصف الرسول صلى الله عليه وسلَّم وأصحابه بالإيمان، ثمَّ وصف كلَّ واحدٍ منهم بذلك لدفع توهم الاكتفاء بصلاح عقيدة البعض دون البعض الآخر، أو تَوَهُّم أنَّ صلاح عقيدة الأغلب كاف لتحقيق النصر المذكور في الآخر، بل لا بدَّ من صلاح عقيدة كل المؤمنين خلافا لما يزعمه الحركيون الغاضون من حق الله عزَّ وجلَّ الزَّاعمون أن النصر حاصل ولو لم تسلم عقيدة الجميع، فدلَّ هذا على أنَّ استجابةَ الله لهم دعاءَهم بالنصر في قولهم: {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} مرهونة بالوصف السابق، فليت الحركيين الطامعين في النصر الزاهدين في تصحيح العقيدة عرفوا موضع هذه الكلية في قوله: {كُلٌّ}! فما أعظم هذا الكتاب لمن تدبره وغاص في معانيه لاستخراج كنوزه والإطلاع على دُرَرِه؛ فإنه ما من حرف فيه إلا وهو دالٌ على معنى شريف، عَلِمَه مَن عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه، قال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (134/14): ((ثم شهد تعالى للمؤمنين بأنهم آمنوا بما آمن به رسولهم، ثم شهد لهم جميعا بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فتضمنت هذه الشهادة إيمانهم بقواعد الإيمان الخمسة التي لا يكون أحد مؤمنا إلا بها وهي : الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ))

الرابعة: فإن قيل: إنَّ تحقيق مجتمعٍ نَزهٍ عن كل مخالفة هو ضرب من الخيال،؛ فإنه لا يُعرف قطُّ أنَّ جيلاً من المسلمين بلغ كلُّ فرد منهم الكمال، وقد كان في العصر الأنور العصر النبوي مَن حُدَّ في السرقة ومَن حُدَّ في بعض الفواحش.
والجواب أنَّه ينبغي التفريق بين ما كان من أصل الإيمان، وبين ما كان من واجباته أو مكملاته، فالأولى جاء فيها الفرض العيني بلفظ الكلِّيًّة السابقة، ولذلك أخبر الله في سورة الإسراء (22) أن مَن نقض أصل الإيمان فجعل مع الله إلهاً آخر ترَكَه مخذولا أي منهزما: {لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا} وأخبر أن الشرك سبب وقوع رعب الهزيمة في قلوب أهله، فقال: ‏{‏سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا‏} (آل عمران 151)، قال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (257/10): ((وكذلك المشرك يخاف المخلوقين، ويرجوهم، فيحصل له رعب)) واستدلَّ بالآية السابقة، ثمَّ قال: ((والخالص من الشرك يحصل له الأمن، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 82‏]‏، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بالشرك‏...))، وقال أيضا عقب هذه الآية (28/36): ((هؤلاء الموحِّدون المخلصون، ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس: لو صَحِحْتَ لم تَخَف أحدا))، وأمَّا الثانية فقد يحصل فيها شيء من التقصير من بعض المسلمين فلا يختل توازن المجتمع إذا لم يغلُب عليه، وذلك بحسب حكمة الله عزَّ وجلَّ وميزانه العادل، ولذلك جاء في هذه الآيات اعترافُ المؤمنين بالتقصير بقولهم: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا}، فهذا الاستغفار بعد آية السمع والطاعة، وهذا يغلبُ على الأحكام العمليَّة التي يقع فيها شيء من التقصير، قال ابن القيَّم في ((إغاثة اللهفان)) (185/2): ((لأنَّ العبد لا بدَّ أن يحصُلَ له نوعُ تقصير وسرف يزيله الاستغفار)).
وعلى الرغم من ضرورة تحقيق أصل الإيمان وما يتبعه، فإن المؤمنين يعترفون بالتقصير في جنب الله، لا سيما المتابعة فلذلك يسألون ربَّهم المغفرة والتجاوز عنهم، قال ابن تيميَّة رحمه الله في ((مجموع الفتاوى)) (136/14): ((ثم قالوا: {غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصيرُ} لِما علموا أنهم لم يوفوا مَقامَ الإيمانِ حقَّه مع الطاعة والانقياد الذي يقتضيه منهم، وأنهم لا بدَّ أن تميلَ بهم غلباتُ الطِباع ودواعي البشرية إلى بعض التقصير في واجبات الإيمان، وأنه لا يَلُمُّ شَعْثَ ذلك إلاَّ مغفرةُ الله تعالى لهم، سألوه غُفْرانَه الذي هو غايةُ سعادتهم، ونهايةُ كمالهم))

المصدر: صفحة116 إلى 121 من كتاب: مقاصد سورة القرة - تأليف الشيخ عبد المالك بن أحمد رمضاني حفظه الله تعالى - طبعة الدار الأثرية - عنابة - 1428هـ

------------
والله الموفق لنيل مرضاته


المصدر
http://www.sahab.net/forums/showthread.php?t=351275