استفدت من أقوال العلماء في شرحهم لمسائل الجاهلية ما يلي :
الموضوع منقول من شبكة سحاب لصاحبه "مداد القلم" بارك الله فيه، أحببت نقله لما احتوى في طياته على فوائد جمة في العقيدة جزى الله كاتبه كل خير


بسم الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه أمور خالف فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين، لما لا غنى للمسلم عن معرفتها:
فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياء
فأهم ما فيها وأشدها خطرا عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن انضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية تمت الخسارة، كما قال -تعالى-: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .


قال الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله في شرحه لها :

بسم الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
أما بعد فقال الإمام العلامة المجدد لما اندرس من معالم التوحيد في النصف الثاني من القرن الثاني عشر -رحمه الله تعالى- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه الموسوم بمسائل الجاهلية :

وأهل الجاهلية نوعان أو قسمان:

القسم الأول: الكتابيون، أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى .
والقسم الثاني: أهل الأوثان الوثنيون من العرب.
هذه المسائل التي ذكرها -رحمة الله عليه- هذه الأمور عظيمة، بيّن فيها ما خالف فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- أهلَ الجاهلية من الكتابيين والأميين.

والكتابيون: اليهود والنصارى ؛ سُموا بالكتابيين لأن الله -سبحانه وتعالى- أنزل عليهم الكتابين،

أنزل على موسى -عليه الصلاة السلام- موسى بن عمران كتاب التوراة، ولكن اليهود ضلوا وانحرفوا عن سواء السبيل.
والكتاب الثاني كتاب الإنجيل، أنزله الله على عيسى ابن مريم ولكن النصارى ضلوا، وآمن مَنْ وفقه الله بالنبيَّيْن الكريمين -عليهما الصلاة والسلام- من وفقه الله آمن، ومن انحرف من اليهود وكذلك من انحرف من النصارى فهم الضّلّال، وهم المراد بمخالفة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم.

والصنف الثاني: الأميون، وهم العرب أهل الأوثان والأصنام ؛ سُموا بالأميين لأنهم ليس عندهم كتاب ولا يقرءون ولا يكتبون،
يقال: أمي ينسب إلى أمه؛ لأن الغالب أن الأم لا تقرأ ولا تكتب، وهذا هو الغالب على العرب أنهم لا يقرءون ولا يكتبون؛ ولهذا يسمونهم بالأميين؛ ولهذا قال الله -سبحانه وتعالى- في وصف نبيه -صلى الله عليه وسلم-: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )) .

فهؤلاء، أهل الكتاب والأميون، أهل الكتاب الضلال المنحرفون من اليهود والنصارى والأميون من العرب الوثنيين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ هم الذين خالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم، وإذا تبيّن ما هم عليه من الشرك والوثنية وأمور الجاهلية تبيّن لك حسن التوحيد وفضله، وعِظم شأن الإيمان، وما منّ الله به عليك أيها المسلم من توحيد الله والإيمان به وبرسوله -صلى الله عليه وسلم- لأن الضد إنما يظهر حسنه الضد، فالضد يظهر حسنه الضد، فإذا عرفت الشرك ظهر لك حسن التوحيد والإيمان بالله -عز وجل-
كما قال الشاعر:

الضـد يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياء

فالضد إنما يظهر حسنه إذا عرفت ضده؛ فإذا عرفت الشرك عرفت فضل التوحيد ، إذا عرفت أمور الجاهلية تبيّن لك فضل التوحيد وحسنه وموافقته للعقل السليم،
وأهم ما في أمور الجاهلية ، كما بيّن الإمام -رحمه الله- عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا من أعظم المصائب وأعظم البلاء وأعظم الكفر، عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام- هذا هو الذي عليه أهل الجاهلية هذا أعظم ما هم عليه أنهم لم يصدقوا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يؤمنوا بالله وحده، وأنه المعبود بحق، وبأسمائه وصفاته، ولم يؤمنوا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وأنه رسول الله حقا، فهم كفار، كفار جاحدون لتوحيد الله عز وجل.

فالكافر هو الجاحد بتوحيد الله عز وجل،

والكفر في اللغة: الستر، فالكافر ستر حق الله -سبحانه وتعالى- ولم ينقد لشرع الله ودينه، ولم يستجب لله ولرسوله. فهو ستر الحق فسمي كافرا، ومنه الزارع، الزراع يُسمَون في اللغة كفارا؛ لأنهم يسترون البذر في الأرض، كما قال -سبحانه وتعالى- في آخر سورة الفتح: (( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ )) .

فأعظم أمور الجاهلية وأشدها عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الشرع العظيم، من الكتاب المنزل والسنة المطهرة، فهم لم يؤمنوا بألوهية الله واستحقاقه للعبادة، وأنه مستحق للعبادة وحده، وأن عبادة ما سواه باطلة، بل يعبدون الأوثان والأصنام، يعبدون الله ويعبدون معه غيره؛ فبيّن لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذا هو الشرك بعينه، وأنه لا يفيد الإنسان أن يعبد الله حتى يفرده بالعبادة.

وهذا هو معنى: لا إله إلا الله؛ فإن معناها لا معبود حق إلا الله، فلا بد من نفي وإثبات، ليس هناك توحيد إلا بنفي وإثبات، لا إله إلا الله، (لا إله ) نفي، (إلا الله) إثبات، فليس هناك توحيد ولا إيمان إلا بكفر وإيمان؛ كفر بالطاغوت وإيمان بالله، (لا إله) هذا كفر بالطاغوت، (إلا الله) هذا التوحيد، قال -سبحانه وتعالى-:(( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )) .
فلا بد من التخلية ثم التحلية، تخلية (لا إله)، وهي البراءة من كل معبود سوى الله، ثم إفراد الله بالعبادة (إلا الله)، هذا معنى لا إله إلا الله، وهذا هو معنى قول الله -سبحانه وتعالى- عن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-:(( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي )) إنني براء هذه البراءة، هذا النفي، نفي الألوهية عما سوى الله، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي هذا هو الإثبات.

فأعظم ما عليه أهل الجاهلية عدم إيمان قلوبهم بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا أعظم أمور الجاهلية وأخطرها، عدم الإيمان القلب، فإذا انضم إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الشرك من الباطل تمت الخسارة، صارت الخسارة خسارة تامة وعظيمة، فصار الجهل مركبا ومطبقا، واستحكم الضلال والانحراف، نسأل الله السلامة والعافية.

فأعظم أمور أهل الجاهلية أعظم ما هم عليه عدم إيمان القلب بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- وإذا انضم إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الشرك من الضلال والشرك والكفر والانحراف؛ فإن الخسارة تبلغ نهايتها، نسأل الله السلامة والعافية.

قال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله في شرحه لها :

الجاهلية غالب إطلاقها في الكتاب والسنة يُعنى بها الحال، وقد تطلق ويُعنى بها صاحب الحال.
•فمن الأول؛ وهو أن تطلق ويعنى بها الحال، يعني الصفة التي هي راجعة إلى نفي العلم والإغراق في الجهل بما أنزل الله جل وعلا على رسوله، هذه الجاهلية التي هي الحال والصفة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين عيّر رجلا أسود وهو بلال –بالراجح- بأمه، قال عليه الصلاة والسلام «أعَيّرتَهُ بأمّهِ؟ إِنّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليّة»، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام «ثنتان من أمتي من أمر الجاهلية»، وكذلك قول عائشة ”كان نكاح الناس في الجاهلية على أربعة أنحاء“ ونحو ذلك من الحاديث التي فيها ذكر الجاهلية، ويدل لذلك قول الله جل وعلا ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾[المائدة:50]، فإنه في هذه النصوص يعنى بالجاهلية الحال والصفة.
•وقد يراد بها ذو الحال، فيقال فلان جاهلي، كما يقال امرؤ القيس شاعر جاهلي، يريدون بذلك أنه هو الجاهلي لعيشه في تلك الفترة التي هي الجاهليه المطلقة.

والجاهلية تقسم باعتبارات:

فتارة تنقسم إلى قسمين:وهي الجاهلية المطلقة.
والجاهلية المقيدة.

وتارة تقسم إلى ثلاثة أقسام وهي:

جاهلية في المكان.
جاهلية في الزمان.
جاهلية في الأشخاص.
فالقسمة الأولى وهي الجاهلية المطلقة والمقيدة:

فنعني بالمطلقة: الكاملة من جميع الوجوه بأحد الاعتبارات الثلاث.
والمقيدة: يعني المقيدة بوجه من الوجوه، إما مقيدة بمكان، أو بزمان، أو بشخص، أو ببعض الصفات.

1-فالجاهلية في المكان تكون مطلقة ومقيدة:

فالمطلقة في بلاد الكفار؛ دار الحرب، بلاد الكفار، هذه يقال لها أمكنة جاهلية، والمكان جاهلي؛ لأجل أنها دار كفار.
وقد يكون المكان فيه جاهلية مقيدة ببعض الأمور كما هو في بلاد المسلمين، فإنه لا يزال فيهم بعض خصال الجاهلية فيكون فيهم بعض الجاهلية، تكون مقيدة ببعض الأشياء، أو مقيدة ببعض الأمكنة دون بعض، تقول البلد الفلاني من بلاد المسلمين فيه جاهلية، أو بلد أصبح جاهليا إذا رجع أهله وارتدوا عن الإسلام إلى الشرك.

2-وجاهلية الزمان أيضا مطلقة ومقيدة:

فالجاهلية في الزمان المطلقة هي ما كان قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت جاهلية مطلقة في الزمان؛ يعني كل ما كان قبل زمن الرسول صلى الله عليه وسلم -وَحَدُّهُ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم- يقال لها جاهلية بإطلاق.
والجاهلية المقيدة بالزمان هذه هي التي تكون في بعض ظهور خصال الجاهلية في وقت دون وقت، لكنها جاهلية مقيدة وليست مطلقة؛ يعني مقيدة بوقت ظهرت فيه خصال الجاهلية، فتكون مقيدة بالوقت.... ( )

فلا يصح إطلاق من أطلق (بجاهلية القرن العشرين) أو نحوها من العبارات التي يستعملها من لم يدقق، لأنه بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم انقضت الجاهلية المطلقة، ولا يزال في أمته من ينافح عن هذا الدين ويرفع رايته، فليس ثم جاهلية منسوبة إلى زمنٍ كالقرن العشرين، وإنما تكون منسوبة إلى وقت من الأوقات فيما إذا ظهرت بعض الصفات ثم يجاهدها ويظهر عليها أهل الحق بالإنكار فلا تصبح جاهليةً يعني الزمن.

فمثلا تقول القرن العشرين ظهرت فيه أنواع من الجاهليات كثيرة، لكن ما نطلق نقول: جاهلية القرن العشرين. لأن هذا إطلاق للزمن بكامله، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِه «عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرّهُمْ من خالفهم ولا مَن خَذَلَهُمْ حَتّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله وهم على ذلك» هؤلاء يبينون وينصحون.

3-القسم الثالث جاهلية في الأشخاص وهي أيضا مطلقة ومقيدة:

فالمطلقة في الكافر.
والمقيدة في شخص دون شخص، أو في شخص في بعض حاله دون بعض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر «إِنّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليّة»؛ يعني بعض خصال الجاهلية.
هذه التقسيمات التي ذكرها أهل العلم في هذا المقام.

وأهل الجاهلية والذي حدا بالشيخ في هذا الأمر العظيم يعني التصدي لجمع هذه المسائل هو ما رواه البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «أبغضُ الرجال إلى الله ثلاثةٌ: مُلحِدٌ في الحرَم, ومُبْتغٍ في الإسلام سنّةَ الجاهلية, ومُطَّلب دم امرئ بغير حقّ ليهريقَ دمَه» فمن طلب وابتغى في الإسلام سنة يعني مسألة من مسائل الجاهلية فهو داخل في قوله( أبغضُ الرجال إلى الله ثلاثةٌ) فمن ابتغى شيئا من أمر الجاهلية وطلبه أو كان فيه ولم يتركه بعد البيان له فهو داخل في هذا الوعيد الذي أخبر به عليه الصلاة والسلام.

والجاهليون الذين خالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين تذكر هذه المسائل لبيان سننهم وما كانوا عليه، قد يكونون من العرب كما ذكرت أو من أهل الكتاب أو غيرهم كما سيأتي إيضاحه في مواضعه إن شاء الله تعالى.

وذكر أهمية معرفة سنن الجاهلية؛ لأنه كما يذكر عن عمر رضي الله عنه بالخبر لم نعرف إسناده ولم نجد له إسنادا أنه قال: (( إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية )) . فإذا عرف المرء الجاهلية وعرف أنه يجب عليه أن يتباعد عنها كان أحرى له أن يكون على بينة من أمره ولا تدخله سنة من سنن الجاهلية ولا مسألة من مسائل الجاهلية .
ولهذا قال الشيخ رحمه الله في هذه الخطبة (لا غنى بالمسلم عن معرفتها) لا غنى بالمسلم عن معرفة هذه الأمور؛ لأنها أمور دخلت على المسلمين وابتغوا سنة الجاهلية عن جهل تارة، وعن علم مع عناد واستكبار تارة أخرى، وكما ذكر من قول الشاعر (وبضدها تتبين الأشياء)
وقول الشاعر الآخر قبله (فالضد يظهر حسنَه الضدُّ) وقوله هنا (فالضد يظهر حسنَه الضدُّ)
هذا من كلام عجز بيت للمنبجي أحد الشعراء المعروفين يقول في وصف شخص:
فالوجه مثل الصبح مبيضُّ والشعر مثل الليل مسودُّ
صنفان لما استجمعا حسنا والضد يظهر حسنَه الضدُّ


وأما قوله (وبضدها تتبين الأشياء) فهذا من الشعر السائر المعروف لأبي الطيب المتنبي قال

ونذيمهم وبهم عرفنا فضله وبضدها تتبين الأشياء

في قصيدة يُثني بها ويمدح بها أبا علي هارون بن عبد العزيز الكاتب أحد المتنسكة الذين مالوا إلى التصوف، وفي بعض الطبعات جُعلت وكأنها بيت واحد فتنبه لذلك.



بسم الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه أمور خالف فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما عليه أهل الجاهلية الكتابيين والأميين، لما لا غنى للمسلم عن معرفتها:
فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياء
فأهم ما فيها وأشدها خطرا عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن انضاف إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الجاهلية تمت الخسارة، كما قال -تعالى-: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .


قال الشيخ عبد العزيز الراجحي حفظه الله في شرحه لها :

بسم الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
أما بعد فقال الإمام العلامة المجدد لما اندرس من معالم التوحيد في النصف الثاني من القرن الثاني عشر -رحمه الله تعالى- الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه الموسوم بمسائل الجاهلية :

وأهل الجاهلية نوعان أو قسمان:

القسم الأول: الكتابيون، أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى .
والقسم الثاني: أهل الأوثان الوثنيون من العرب.
هذه المسائل التي ذكرها -رحمة الله عليه- هذه الأمور عظيمة، بيّن فيها ما خالف فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- أهلَ الجاهلية من الكتابيين والأميين.

والكتابيون: اليهود والنصارى ؛ سُموا بالكتابيين لأن الله -سبحانه وتعالى- أنزل عليهم الكتابين،

أنزل على موسى -عليه الصلاة السلام- موسى بن عمران كتاب التوراة، ولكن اليهود ضلوا وانحرفوا عن سواء السبيل.
والكتاب الثاني كتاب الإنجيل، أنزله الله على عيسى ابن مريم ولكن النصارى ضلوا، وآمن مَنْ وفقه الله بالنبيَّيْن الكريمين -عليهما الصلاة والسلام- من وفقه الله آمن، ومن انحرف من اليهود وكذلك من انحرف من النصارى فهم الضّلّال، وهم المراد بمخالفة النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم.

والصنف الثاني: الأميون، وهم العرب أهل الأوثان والأصنام ؛ سُموا بالأميين لأنهم ليس عندهم كتاب ولا يقرءون ولا يكتبون،
يقال: أمي ينسب إلى أمه؛ لأن الغالب أن الأم لا تقرأ ولا تكتب، وهذا هو الغالب على العرب أنهم لا يقرءون ولا يكتبون؛ ولهذا يسمونهم بالأميين؛ ولهذا قال الله -سبحانه وتعالى- في وصف نبيه -صلى الله عليه وسلم-: (( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )) .

فهؤلاء، أهل الكتاب والأميون، أهل الكتاب الضلال المنحرفون من اليهود والنصارى والأميون من العرب الوثنيين الذين يعبدون الأصنام والأوثان؛ هم الذين خالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم، وإذا تبيّن ما هم عليه من الشرك والوثنية وأمور الجاهلية تبيّن لك حسن التوحيد وفضله، وعِظم شأن الإيمان، وما منّ الله به عليك أيها المسلم من توحيد الله والإيمان به وبرسوله -صلى الله عليه وسلم- لأن الضد إنما يظهر حسنه الضد، فالضد يظهر حسنه الضد، فإذا عرفت الشرك ظهر لك حسن التوحيد والإيمان بالله -عز وجل-
كما قال الشاعر:

الضـد يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياء

فالضد إنما يظهر حسنه إذا عرفت ضده؛ فإذا عرفت الشرك عرفت فضل التوحيد ، إذا عرفت أمور الجاهلية تبيّن لك فضل التوحيد وحسنه وموافقته للعقل السليم،
وأهم ما في أمور الجاهلية ، كما بيّن الإمام -رحمه الله- عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا من أعظم المصائب وأعظم البلاء وأعظم الكفر، عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول -عليه الصلاة والسلام- هذا هو الذي عليه أهل الجاهلية هذا أعظم ما هم عليه أنهم لم يصدقوا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يؤمنوا بالله وحده، وأنه المعبود بحق، وبأسمائه وصفاته، ولم يؤمنوا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وأنه رسول الله حقا، فهم كفار، كفار جاحدون لتوحيد الله عز وجل.

فالكافر هو الجاحد بتوحيد الله عز وجل،

والكفر في اللغة: الستر، فالكافر ستر حق الله -سبحانه وتعالى- ولم ينقد لشرع الله ودينه، ولم يستجب لله ولرسوله. فهو ستر الحق فسمي كافرا، ومنه الزارع، الزراع يُسمَون في اللغة كفارا؛ لأنهم يسترون البذر في الأرض، كما قال -سبحانه وتعالى- في آخر سورة الفتح: (( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ )) .

فأعظم أمور الجاهلية وأشدها عدم إيمان القلب بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الشرع العظيم، من الكتاب المنزل والسنة المطهرة، فهم لم يؤمنوا بألوهية الله واستحقاقه للعبادة، وأنه مستحق للعبادة وحده، وأن عبادة ما سواه باطلة، بل يعبدون الأوثان والأصنام، يعبدون الله ويعبدون معه غيره؛ فبيّن لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذا هو الشرك بعينه، وأنه لا يفيد الإنسان أن يعبد الله حتى يفرده بالعبادة.

وهذا هو معنى: لا إله إلا الله؛ فإن معناها لا معبود حق إلا الله، فلا بد من نفي وإثبات، ليس هناك توحيد إلا بنفي وإثبات، لا إله إلا الله، (لا إله ) نفي، (إلا الله) إثبات، فليس هناك توحيد ولا إيمان إلا بكفر وإيمان؛ كفر بالطاغوت وإيمان بالله، (لا إله) هذا كفر بالطاغوت، (إلا الله) هذا التوحيد، قال -سبحانه وتعالى-:(( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )) .
فلا بد من التخلية ثم التحلية، تخلية (لا إله)، وهي البراءة من كل معبود سوى الله، ثم إفراد الله بالعبادة (إلا الله)، هذا معنى لا إله إلا الله، وهذا هو معنى قول الله -سبحانه وتعالى- عن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-:(( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي )) إنني براء هذه البراءة، هذا النفي، نفي الألوهية عما سوى الله، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي هذا هو الإثبات.

فأعظم ما عليه أهل الجاهلية عدم إيمان قلوبهم بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا أعظم أمور الجاهلية وأخطرها، عدم الإيمان القلب، فإذا انضم إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الشرك من الباطل تمت الخسارة، صارت الخسارة خسارة تامة وعظيمة، فصار الجهل مركبا ومطبقا، واستحكم الضلال والانحراف، نسأل الله السلامة والعافية.

فأعظم أمور أهل الجاهلية أعظم ما هم عليه عدم إيمان القلب بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- وإذا انضم إلى ذلك استحسان ما عليه أهل الشرك من الضلال والشرك والكفر والانحراف؛ فإن الخسارة تبلغ نهايتها، نسأل الله السلامة والعافية.

قال الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله في شرحه لها :

الجاهلية غالب إطلاقها في الكتاب والسنة يُعنى بها الحال، وقد تطلق ويُعنى بها صاحب الحال.
•فمن الأول؛ وهو أن تطلق ويعنى بها الحال، يعني الصفة التي هي راجعة إلى نفي العلم والإغراق في الجهل بما أنزل الله جل وعلا على رسوله، هذه الجاهلية التي هي الحال والصفة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين عيّر رجلا أسود وهو بلال –بالراجح- بأمه، قال عليه الصلاة والسلام «أعَيّرتَهُ بأمّهِ؟ إِنّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليّة»، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام «ثنتان من أمتي من أمر الجاهلية»، وكذلك قول عائشة ”كان نكاح الناس في الجاهلية على أربعة أنحاء“ ونحو ذلك من الحاديث التي فيها ذكر الجاهلية، ويدل لذلك قول الله جل وعلا ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾[المائدة:50]، فإنه في هذه النصوص يعنى بالجاهلية الحال والصفة.
•وقد يراد بها ذو الحال، فيقال فلان جاهلي، كما يقال امرؤ القيس شاعر جاهلي، يريدون بذلك أنه هو الجاهلي لعيشه في تلك الفترة التي هي الجاهليه المطلقة.

والجاهلية تقسم باعتبارات:

فتارة تنقسم إلى قسمين:وهي الجاهلية المطلقة.
والجاهلية المقيدة.

وتارة تقسم إلى ثلاثة أقسام وهي:

جاهلية في المكان.
جاهلية في الزمان.
جاهلية في الأشخاص.
فالقسمة الأولى وهي الجاهلية المطلقة والمقيدة:

فنعني بالمطلقة: الكاملة من جميع الوجوه بأحد الاعتبارات الثلاث.
والمقيدة: يعني المقيدة بوجه من الوجوه، إما مقيدة بمكان، أو بزمان، أو بشخص، أو ببعض الصفات.

1-فالجاهلية في المكان تكون مطلقة ومقيدة:

فالمطلقة في بلاد الكفار؛ دار الحرب، بلاد الكفار، هذه يقال لها أمكنة جاهلية، والمكان جاهلي؛ لأجل أنها دار كفار.
وقد يكون المكان فيه جاهلية مقيدة ببعض الأمور كما هو في بلاد المسلمين، فإنه لا يزال فيهم بعض خصال الجاهلية فيكون فيهم بعض الجاهلية، تكون مقيدة ببعض الأشياء، أو مقيدة ببعض الأمكنة دون بعض، تقول البلد الفلاني من بلاد المسلمين فيه جاهلية، أو بلد أصبح جاهليا إذا رجع أهله وارتدوا عن الإسلام إلى الشرك.

2-وجاهلية الزمان أيضا مطلقة ومقيدة:

فالجاهلية في الزمان المطلقة هي ما كان قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت جاهلية مطلقة في الزمان؛ يعني كل ما كان قبل زمن الرسول صلى الله عليه وسلم -وَحَدُّهُ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم- يقال لها جاهلية بإطلاق.
والجاهلية المقيدة بالزمان هذه هي التي تكون في بعض ظهور خصال الجاهلية في وقت دون وقت، لكنها جاهلية مقيدة وليست مطلقة؛ يعني مقيدة بوقت ظهرت فيه خصال الجاهلية، فتكون مقيدة بالوقت.... ( )

فلا يصح إطلاق من أطلق (بجاهلية القرن العشرين) أو نحوها من العبارات التي يستعملها من لم يدقق، لأنه بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم انقضت الجاهلية المطلقة، ولا يزال في أمته من ينافح عن هذا الدين ويرفع رايته، فليس ثم جاهلية منسوبة إلى زمنٍ كالقرن العشرين، وإنما تكون منسوبة إلى وقت من الأوقات فيما إذا ظهرت بعض الصفات ثم يجاهدها ويظهر عليها أهل الحق بالإنكار فلا تصبح جاهليةً يعني الزمن.

فمثلا تقول القرن العشرين ظهرت فيه أنواع من الجاهليات كثيرة، لكن ما نطلق نقول: جاهلية القرن العشرين. لأن هذا إطلاق للزمن بكامله، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِه «عَلَى الْحَقّ ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرّهُمْ من خالفهم ولا مَن خَذَلَهُمْ حَتّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله وهم على ذلك» هؤلاء يبينون وينصحون.

3-القسم الثالث جاهلية في الأشخاص وهي أيضا مطلقة ومقيدة:

فالمطلقة في الكافر.
والمقيدة في شخص دون شخص، أو في شخص في بعض حاله دون بعض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر «إِنّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليّة»؛ يعني بعض خصال الجاهلية.
هذه التقسيمات التي ذكرها أهل العلم في هذا المقام.

وأهل الجاهلية والذي حدا بالشيخ في هذا الأمر العظيم يعني التصدي لجمع هذه المسائل هو ما رواه البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «أبغضُ الرجال إلى الله ثلاثةٌ: مُلحِدٌ في الحرَم, ومُبْتغٍ في الإسلام سنّةَ الجاهلية, ومُطَّلب دم امرئ بغير حقّ ليهريقَ دمَه» فمن طلب وابتغى في الإسلام سنة يعني مسألة من مسائل الجاهلية فهو داخل في قوله( أبغضُ الرجال إلى الله ثلاثةٌ) فمن ابتغى شيئا من أمر الجاهلية وطلبه أو كان فيه ولم يتركه بعد البيان له فهو داخل في هذا الوعيد الذي أخبر به عليه الصلاة والسلام.

والجاهليون الذين خالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين تذكر هذه المسائل لبيان سننهم وما كانوا عليه، قد يكونون من العرب كما ذكرت أو من أهل الكتاب أو غيرهم كما سيأتي إيضاحه في مواضعه إن شاء الله تعالى.

وذكر أهمية معرفة سنن الجاهلية؛ لأنه كما يذكر عن عمر رضي الله عنه بالخبر لم نعرف إسناده ولم نجد له إسنادا أنه قال: (( إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية )) . فإذا عرف المرء الجاهلية وعرف أنه يجب عليه أن يتباعد عنها كان أحرى له أن يكون على بينة من أمره ولا تدخله سنة من سنن الجاهلية ولا مسألة من مسائل الجاهلية .
ولهذا قال الشيخ رحمه الله في هذه الخطبة (لا غنى بالمسلم عن معرفتها) لا غنى بالمسلم عن معرفة هذه الأمور؛ لأنها أمور دخلت على المسلمين وابتغوا سنة الجاهلية عن جهل تارة، وعن علم مع عناد واستكبار تارة أخرى، وكما ذكر من قول الشاعر (وبضدها تتبين الأشياء)
وقول الشاعر الآخر قبله (فالضد يظهر حسنَه الضدُّ) وقوله هنا (فالضد يظهر حسنَه الضدُّ)
هذا من كلام عجز بيت للمنبجي أحد الشعراء المعروفين يقول في وصف شخص:
فالوجه مثل الصبح مبيضُّ والشعر مثل الليل مسودُّ
صنفان لما استجمعا حسنا والضد يظهر حسنَه الضدُّ


وأما قوله (وبضدها تتبين الأشياء) فهذا من الشعر السائر المعروف لأبي الطيب المتنبي قال

ونذيمهم وبهم عرفنا فضله وبضدها تتبين الأشياء

في قصيدة يُثني بها ويمدح بها أبا علي هارون بن عبد العزيز الكاتب أحد المتنسكة الذين مالوا إلى التصوف، وفي بعض الطبعات جُعلت وكأنها بيت واحد فتنبه لذلك.