قصة دخول سُعْدى على زوجها طلحة



رضى الله عنه



"قالت: دَخََلْتُ يوماً على طلحة (عنى: ابن عبيد الله) ، فرأيت منه ثقلاً، فقلتُ له: مالكَ؟ (2)؟
قال: لا، ولَنِعْمَ حَليلة(3) المرء المسلمانت، ولكن اجتمع عندى مال، ولا أدرى كيف أصنع به؟
قالت: وما يَغُمُّكَ منه؟! ادْعُ قومك، فاقسِمْهُبينَهم.
فقال: يا غلام! علىَّ بقومى.
فسألتُ الخازن: كم قسَمَ؟
قال: أربع مئةألف"(4).
**************************
"فرأيت منه ثقلاً".
لاحَظَتْ ثِقَلَهُوتمعُّره.
لاحَظَتْ أنه فى غير سرور.
هذه الزوجة الصالحة اللبيبة التى تتابع أمور زوجها ودقائقه وتعابيروجهه.

************

"فقلتُ له: ما لكَ؟ لعلَّك رابَكَ منَّا شىءُفُنعْتِبكَ".
لم تَدَعْهُ فى غَمَّه على حاله، ولمتتركه فى ألمه، بل إنها كانت تسارع فى العلاج، وتبحثُ عن الدَّواء.
ليس ذلك فحسب، بل إنَّها قج ارتابت فى نفسها أن تكون سبب همَّهوغمَّه.
"لعلَّك رابَكَ منَّا شىءُفُنعْتِبكَ"
لعلَّى قصَّرْت معك فى واجبٍ من الواجبات؛فأرجع عن ذنبى.
لعلَّى فرَّطْتُ فى بعض أمورك؛ فأعودعن إساءتى.
وكأنَّها تقول له: كيف أتركك حزيناً ورسولالله صلى الله عليه وسلم يقول:
"والذى نفس محمد بيده؛لا تؤدى المرأة حقَّ ربَّها حتى تودَّىَ حقَّ زوجها"(5(.
فأداء حقَّكَ بابٌ لأداء حقَّ ربَّى (سبحانه(.
إنها لا تنسى قولَه صلى الله عليه وسلم: "حقُّ الزوج على زوجته: لوكانت به قَرحٌ فلَحَسَتْها، أو انتثرَ منخراه صديداً أو دماً ثم ابتَلَعَتْهُ؛ ماأدَّتْ حقَّه"(6 (.
وكأنها تخشى (رضى الله عنها) دعاءالحور العين: "لا تؤذيه قاتَلَكِ الله . . ."؛ كما فى حديث رسول الله صلى الله عليهوسلم:
قال: "لا تؤذى امرأة زوجَها فى الدُّنيا؛ إلاقالت زوجتُه من الحور العين: لا تُؤذيه قاتَلَكِ الله؛ فإنما هو عندك دخيلٌ، يوشكأن يفارقك إلينا"(7(.
كأنَّها خَشِيَتْ أن يُقال لها : لا تؤذيهِ قاتلك الله!
أتريد أخوف من هذا الدُّعاء علىنفسها؟
ذلك لأنَّها تعلم (رضى الله عنها) أنه جنَّتهاونارها؛ كما فى حديث حصين بن محصن (رضى الله عنه (
قال: حدَّثتنى عمَّتى؛ قالت: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فىبعض الحاجة، فقال: "أى هذه! أذات بعل؟".
قلتُ: نعم.
قال: "كيف انتِ له؟".
قالت: ما آلوه( إلا ما عجزتُ عنه.
قال " :فانظُرى أين انت منه؛ فإنما هو جنَّتك ونارك"(9(.
لعلَّها (رضى الله عنها) خشيت ألاَّ تجاوز صلاتها أذنيها؛ كما فىالحديث:
قال: "ثلاثةٌ لا تجاوزُ صلاتُهم آذانهم: العبدالآبق(10) حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجُها عليها ساخط، وإمامُ قوم وهم لهكارهون"(11(.
"لعلَّك رابَكَ(1) منَّا شىءُ؛فُنعْتِبكَ".
كانت تشكُّ فى نفسها أنَّها السبب فيماهو فيه من ضيق وكَرْب.
لقد اتَّهمتْ نفسها مع أنهابريئة، لا كشأن الكثير من نساء اليوم؛ يجلبن الهموم والغموم لأزواجهنَّ، ومع ذلك؛فإنهنَّ يُبــرَّئن أنفسهنَّ، ويُلْصِقْن الاتهامات بأزواجهنَّ، وأنَّهم هم أسبابالكروب، وهُنَّ بذلك يصنعنَ البلاء والمصائب وأسباب الشقاء؛ لأنَّهن لا يُفكَّرْنَفى إصلاح أنفسهن، فقد حكمْنَ مقدَّماً فى أى أمرٍ؛ على براءة أنفسهنَّ، واتهامأزواجهنَّ.
أمَّا اتهام الزَّوجة نفسها؛ فثمرتُه إصلاحنفسها وتقويم إعوجاجها، وصفاء جو الأسرة؛ بحيث تستطيع تربية الأبناء تربية صالحةنافعة، وبذلك يصلح المجعمع وتصلح الأمَّة.
وماذا إذاحصلَ ما لا ينبغى حصولُه من الزَّوجة؟
". . . فنُعْتِبَكَ".
الاعتراف بالعيب، والرجوع عن الذنبوالإساءة، لا الإصرار على ما هو عليه؛ لأنه إساء يوماً معها!
فبإصراره وإصرارها تُفتح أبواب الشقاء والعناءوالبلاء.
فلا بدَّ من الرجوع السريع عن الذنب والعيبوالإساءة.

***

"قال: لا، ولَنِعْمَ حَليلة المرء المسلم انت".
لنعم الزوجة أنت.
إنها زوجة صالحة طيَّبةمطيعة لزوجها، وإنَّه لزوج صالح وفىٌّ لزوجته، لا ينسى الجميل ولاالمعروف.
هذان مثال الزوجين الصالحين السعيديه اللذينتآلفت قلوبُها وتحابَّا وأخلصا لبعضهما، وسَعَيا لمرضاة الله (تعالى(.

***

"ولكن اجتمع عندى مال، ولا أدرى كيف أصنع به".
هذا هو سرُّ ثقله، وهذا هو سبب همُّه: اجتماع المال الكثيرعنده.
أما همومنا نحن؛ فأسبابها التفكير فى المزيدوالمزيد من جمعها، وكثير ما يكون من الحرام أيضاً.
الغموم تطاردُ كبار الأثرياء والموسرين والتجَّار، وعم يفكرون بوسائلشتَّى لزيادة أرقام مبالغهم، وهم يعلمون أنَّ هذا يأخذ من أوقاتهم، ويسلب من دينهم،ويسرق من خشوعهم.
بَيْدَ أن طلحة (رضى الله عنه) قداغتمَّ بسبب كثرة المال.
"قالت: وما يَغُمُّكَ منه؟! ادْعُ قومك، فاقسِمْهُ بينَهم".
المسألة يسيرة سهلة؛لإزالة أسباب الغموم.
"ادْعُ قومَكَ فأقسِمْهُبينَهُم".
لعلَّ نساء العصر-إلا مَن رَحِمَ اللهتعالى-يُحرَّضْنَ الأزواج ضدَّ أقاربهم، ويؤلَّبْنَهُم ضدَّهم، وأما حضُّ الأزواجعلى إنفاق الأموال لأقاربهم؛ فلا يَرِد فى بالهنَّ أبداً.
لعلَّها تنفق هى وتهدى لأقاربها ما لذَّ وطاب، ولكنَّه لو أراد شيئاُمن هذا؛ قامت تذكَّرُه بعيوبهم وذنُوبهم لتصدَّه عن الخير.
إنَّ التَّواضى بالحقَّ والتَّواصى بالصَّبر؛ لهو من أركان الربحوالفوز والنجاة، ولأشدّ ما ينبغى وجوده بين الزوجين.
لذلك رأيتَ سُعدى (رضى الله عنها) تنصحُ زوجَها أن يوزَّع المال علىقومه، ففعلَ.

***

قال: "يا غلام! علىَّ بقومى".
تنفيذ للنَّصيحةسريع.
مسارعةٌ إلى جنَّةٍ عرضها السماواتوالأرض.
مسابقةٌ إلى رضوان الله (سبحانه(.

***

"فسألت الخازن: كم قَسَم؟ قال: أربع مئة ألف".
هذا هو الدجيل الذى يبحث عن مرضاة الله (تعالى(.إنه الجيل الذى لا يضع المال فى قلبه.
إنهالجيل الذى يقدَّم الإيمان على بريق الذهب والوَرِق.
إنه الجيل الذى يسعى لإعمار آخرته.
يسعىإلى قصور وحدائق وأنهار فى الجنَّة.
فليكن هكذا سعينالنفوز ونفلح وننجح إن شاء الله.
ولتذكر كل زوجة إذا ماغضب زوجها قصة سُعدى (رضى الله عنها)، فتزيل عنه الغموم والهموم بإذنالله.

-------------------------------
(1) أى: رأيت منا ما تكره، انظر نحوه فى "النهاية".
(2) العُتبى: الرضا، والمراد: الرجوع عن الذنب والإساءة.
(3) حليله الرجل: زوجته، والرجل حليلها؛ لأنها تحّل معه ويحلمعها، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحلُ للأخر. "النهاية".
(4) رواه الطبرانى بإسناد حسن؛ كما فى "صحيحالترغيب" (رقم 912(.
(5) رواه : ابن ماجه، وأحمد، وغيرهما، وهو فى "آداب الزفاف" (ص178-الطبعةالرابعة (.
(6) رواه البزاربإسناد جيد رواته ثقات مشهورون، وابن حبان فى "صحيحه"؛ كما فى "الترغيب والترهيب". والحديث من رواية أبى سعيد الخدرى (رضى الله عنه)، وهو صحيح لغيره، يشهد له حديثاأبى هريرة وأنس بن مالك (رضى الله عنها) اللذان أوردهما الحافظ فى "الترغيب" بعدهذا الحديث. وانظر "صحيح الترغيب والترهيب" لشيخنا الألبانى (حفظه اللهتعالى(.
(7) رواه: الترمزى،وابن ماجه، وغيرهما، وهو فى "آداب الزفاف" (ص178-الطبعة الرابعة (.
( إلا: قصَّر. ما آلوه؛ إى: لا أقصر فىطاعته.
(9) رواه: ابن أبىشيبة، والنسائى، وأحمد، وغيرهم، وهو فى "آداب الزفاف" (ص179-الطبعةالرابعة (.
(10) أى: الهارب.
(11) رواه الترمذى،وإسناده حسن؛ كما فى "المشكاة" (رقم 1122(.

كتاب: من مواقف الصحابة
تأليف: حسين بن عُودةالعوايشة
دار ابن القيم دارُ ابنعفان

منقول من موقع النصيحة