الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه


أما بعد :

قال شيخ الإسلام في شرح العقيدة الأصبهانية ص59:"
وكلام أئمة السنة في ذم هؤلاء وكلام متكلمة الصفاتية كالأشعري وغيره في ذلك مشهور معروف فإن قيل: فالمعتزلة لا تقر بمنكر ونكير والصراط والميزان ونحو ذلك مما ذكره هذا المصنف قيل: المعتزلة في ذلك على قولين منهم من يثبت ذلك ومنهم من ينفيه"

قال القاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلة في شرح الأصول الخمسة ص 737:" ومن جملة ما يجب الإقرار به واعتقاده الصراط ، وهو طريق بين الجنة والنار يتسع على أهل الجنة ، ويضيق على أهل النار إذا راموا المرور عليه ، وقد دل عليه القرآن قال الله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم ) فلسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف "

أقول : استدل بدليل من القرآن على إثبات الصراط لكي لا يقال له أن أخبار الصراط آحادية فكيف تؤمن بها

والآية التي استدل بها لا تدل على أن الصراط (طريق بين الجنة والنار يتسع على أهل الجنة ، ويضيق على أهل النار إذا راموا المرور عليه ) ، وإنما يعرف ذلك بدليل آخر مستقل وإن كان أصل الصراط قد تدل عليه هذه الأية


فالتناقض لازمٌ له ، ويلزمه الإيمان بما أنكره من أن الصراط أدق من الشعرة وأحد من السيف

قال مسلم في صحيحه
374- : قَرَأْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةَ الْمِصْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّفَاعَةِ ، وَقُلْتُ لَهُ : أُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، قُلْتُ لِعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ : أَخْبَرَكُمُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنَرَى رَبَّنَا ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ إِذَا كَانَ يَوْمٌ صَحْوٌ قُلْنَا : لاَ ، وَسُقْتُ الْحَدِيثَ حَتَّى انْقَضَى آخِرُهُ وَهُوَ نَحْوُ حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ ، وَلاَ قَدَمٍ قَدَّمُوهُ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ.

وقول أبي سعيد ( بلغني أن الجسر أدق من الشعرة ) ، بلاغ صحابي ولا شك أنه حجة كمراسيل الصحابة

وهنا تنبيه أخير : وهو تسمية هذه المسائل بالسمعيات من إحداثات الأشاعرة ، ويعنون بذلك أن بقية مسائل المعتقد في الإلهيات والنبوات تثبت بالعقل ، وهذه الأبواب لا تثبت إلا بالسمع ، وقد انتقد شيخ الإسلام هذا الكلام

فقال في شرح العقيدة الأصبهانية ص168:"
إن مسائل ما بعد الموت ونحو ذلك الأشعري وأتباعه ومن وافقهم من أهل المذاهب الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية يسمونها السمعيات بخلاف باب الصفات والقدر وذلك بناء على أصلين.
أحدهما: أن هذه لا تعلم إلا بالسمع والثاني: أن ما قبلها يعلم بالعقل وكثير منهم أو أكثرهم يضم إلى ذلك أصلا آخر وهو أن السمع لا يعلم صحته إلا بتلك الأصول التي يسمونها بالعقليات مثل إثبات حدوث العالم ونحو ذلك وأما محققوهم فيقولون إن العلم بحدوث العالم ليس من الأصول التي
تتوقف صحة السمع عليها بل يمكن العلم بصحة السمع ثم يعلم بالسمع خلق السموات والأرض ونحو ذلك وأما الأصلان الأولان فنازعهم فيها طوائف مثل أمر المعاد فإنه قد ذهب طوائف إلى أنه يعلم بالعقل أيضا وهذا قاله طوائف من المعتزلة ومن غير المعتزلة أيضا من أتباع الأئمة الأربعة حتى من أصحاب أحمد كابن عقيل وغيره والفلاسفة الإلهيون يثبتون معاد النفوس بالعقل وقد وافقهم على إثبات معاد الأرواح بالعقل طوائف من أهل الكلام والتصوف وغيرهم وإن كان هؤلاء يثبتون معاد الأبدان أيضا إما بالسمع وإما بالعقل.
فالمقصود أن العقل عندهم قد يعلم به أما معاد الأرواح وأما المعاد مطلقا وأما إنكار الفلاسفة لمعاد الأبدان مما اتفق أهل الملل على إبطاله"

هذا وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم