الحاكم بأمر الله هو سادس حكام الدولة العبيدية الفاطمية، التي اتخذت من عقيدة الشيعة الإسماعيلية مذهباً رسمياً، وقامت في شمال أفريقيا ومصر وبلاد الشام وأنحاء من الجزيرة العربية.

وقد حفلت كتب التاريخ، قديمها وحديثها، ببيان فساد عقيدة هذه الدولة ومسلكها، وقد كان للحاكم بأمر الله (الذي تولى الحكم خلال الفترة 386 ـ 411هـ /996ـ 1021م) نصيب الأسد من الحديث عن العبيديين ، ذلك أنه تجاوز الحدود في فساد المعتقد، والقسوة، وغرابة الأطوار.

وقد دوّن المؤرخون والباحثون مخازي هذا الحاكم، ومنها: بطشه بمساعديه ووزرائه، وقواده وحاشيته، وقتلهم الواحد تلو الآخر، لدرجة أنه عبّر عن أسفه لأن أحد وزرائه، لم يمت بسيفه، إنما مات موتة طبيعية.


ومن مخازيه أنه "كتب على المساجد والجوامع سبّ أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة" ([1]).

وبلغ من درجة بغضه للصحابة أن منع أكل الملوخية التي كان يحبها معاوية، والجرجير الذي نسبوا إلى السيدة عائشة تناولها إياه([2]).

وذكروا من بطشه أنه كان يعذب بالنار، وأنه كثيراً ما كان يقطع الألسنة والأيدي قبل القتل، كما كان يأمر بإحراق الجثث بعد القتل، وقد جاوز ظلمه ووحشيته وقسوته جميع الحدود والأعراف إلى أنه كان يتلذذ بسفك الدماء وقتل الأبرياء([3]).

لقد بلغ الحاكم بأمر الله من الظلم وفساد العقيدة مبلغاً، جعلت الإمام الذهبي يصفه في "سير أعلام النبلاء"، بأنه "فرعون زمانه"، ووصفه أ. جمال بدوي في كتابه "التفاريح" بأنه "الحاكم بأمر الشيطان".

ولم يقف فساد المعتقد عند الحاكم، بسب الصحابة والسلف، ومنع صلاة التراويح لمدة 10 سنوات، ونشره لعقائد الشيعة الإسماعيلية، ذلك أن الحاكم ـ أخزاه الله ـ أقدم على ادّعاء الألوهية، وشجع تلك "الدعوات الإلحادية التي هبّت على مصر من جانب دعاة الفرس الإسماعيليين الذين وجدوا في شخصية الحاكم واضطرابه العقلي، فرصة سانحة للكشف عن أغراضهم الخبيثة في هدم الإسلام"([4]).

وحول تأليه الحاكم، نشأت فرقة الدروز، الذين يسمون أنفسهم الموحدين! وتمحور مذهبهم وعقيدتهم حول فكرة ألوهية الحاكم بأمر الله، "أما موقف الحاكم من دعوة التأليه، فكان تأييداً ورعاية، إذ سرّه بأن يلتفّ الناس حوله، ويتوحدوا حول شخصه من خلال مذهب جديد عرف باسم التوحيد، وأطلق على أتباعه اسم الموحدين([5]).

ومما يظهر تأييد الحاكم لدعوى التأليه، حمايته لمحمد بن إسماعيل الدرزي، الذي تولى كبر هذه الدعوة، وإرساله إلى الشام لنشرها، وغضبه على أهل الفسطاط السنة في مصر لمّا جاهروا بتذمرهم من هذه الدعوة، وأرسل جنوده لمهاجمة المدينة وحرقها ونهبها([6]).

ولم تقف جرائم الحاكم عند هذا الحد، ذلك أن بعض الجغرافيين والمؤرخين القدامى أشاروا إلى جريمة لم تولها كتب التاريخ الاهتمام اللازم، وهي عزم الحاكم بأمر الله في سنة 390هـ نقل الحج إلى مصر!
وأول من أشار إلى هذه الجريمة الجغرافي أبو عبيد البكري الأندلسي، المتوفى سنة 487هـ (1094م) في كتاب المسالك والممالك ـ جغرافية مصر، فقد شيّد الحاكم بأمر الله ثلاثة مشاهد في المنطقة الواقعة بين الفسطاط والقاهرة، لينقل إليها رفات النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحبيه أبي بكر وعمر، من المدينة المنورة، وكان الهدف من هذه "الجريمة" تحويل أنظار المسلمين إلى القاهرة عاصمة العبيديين، وجعلها في درجة قداسة مكة والمدينة([7])، كما أن نبش قبري أبي بكر وعمر رضي الله عنهما يمكن أن يعبر عن الحقد الذي يكنه الشيعة لهذين الصحابيين الجليلين، خاصة وأن أحاديث الشيعة وأخبارهم ورواياتهم تؤيد ذلك([8]).

وقد كتب لهذه المحاولة الفشل بحمد الله، وحفظ الله قبر نبيه صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، من إفساد الحاكم وزمرته. وقد أكد وقوع هذه المحاولة عدد من المؤرخين بعد البكري، أبرزهم، ابن فهد المكي، المتوفى سنة 885هـ (1480م) في كتابه "إتحاف الورى بأخبار أم القرى"، والمؤرخ المصري زين الجزيري، في كتابه "الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة"، ونور الدين السمهوري في كتابه "وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى"، وتقي الدين الفاسي في "العقد الثمين".

وكما أوردها حديثاً محمد إلياس عبد الغني، في كتابه "تاريخ المسجد النبوي الشريف"، متحدثاً عن خمس محاولات عبر التاريخ لسرقة جثة النبي صلى الله عليه وسلم، اثنتان منها في عهد الحاكم العبيدي.
وتعود المحاولة الأولى إلى سنة 390هـ (100م) على الأرجح، حيث عهد الحاكم إلى أمير مكة أبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني بهذه المهمة، فمضى إلى المدينة المنورة، وأزال عنها إمرة بني الحسين، بسبب قدحهم في نسب الأئمة العبيديين([9])، وجلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحضر إليه جماعة من أهلها، بلغهم ما جاء من أجله، ومعهم قارئ يعرف بالرّكباني، فقرأ من سورة التوبة الآيات التي تدعو إلى مقاتلة أئمة الكفر الناكثين بأيمانهم، فثار الحاضرون على أبي الفتوح، وكادوا يفتكون به، ولم يمنعهم من ذلك إلاّ خوفهم من العواقب خاصة أن البلاد كان يسيطر عليها العبيديون الذين يتخذون من القاهرة مقراً لهم.

ويؤكد المؤرخون أنه لم يكد يمضي بقية النهار، حتى أرسل الله ريحاً شديدة، كادت الأرض تزلزل منها حتى دحرجت الإبل بأقتابها، والخيل بسروجها، وهلك خلق كثير من الناس.

وحاول الحاكم نبش القبر مرة أخرى، فعهد هذه المرة إلى والي الرملة، ياروختكين العضدي، الذي أشارت إليه بعض المصادر بوصفه (أحد الزنادقة)، فقام ياروختكين بإرسال رجال من شيعته، وزودهم بأموال كثيرة، ونجحوا في حفر سرداب أسفل الدور المجاورة لمنزل الرسول صلى الله عليه وسلم مقابل القبر، لكن أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم علموا بما صنع هؤلاء، وبنيتهم، فقتلوهم ومثّلوا بهم، ثم رصفوا تلك الحفرة بالحجارة وأفرغوا عليها الرصاص بحيث لا يطمع في الوصول إليها طامع أبداً([10]) .

وفي زماننا هذا قام بعض الشيعة بعمل مجسم للكعبة ويحجون له !! كما أنهم أقاموا ضريحاً للخميني على شكل الكعبة .




[1]) ـ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج 4 ص 176.
[2]) ـ اتعاظ الحنفا للمقريزي ص53 ج2.
[3]) ـ الإسماعيلية للشيخ ظهير ص 140.
[4]) ـ دولة التفاريح والتباريح ص 59.
[5]) ـ تاريخ الفاطميين لطقوش ص 279.
[6]) ـ المصدر السابق ص 279.
[7]) ـ الدولة الفاطمية في مصر ص 177، وتاريخ الفاطميين ص 280 ـ 281.
[8]) ـ انظر كتاب حقيقة الشيعة لعبد الله الموصلي ص 157ـ 158، فقد أورد بعض رواياتهم التي تتحدث عن بعض أعمال مهديهم المزعوم عندما يعود، ومنها نبش بعض القبور وإخراج الأجساد منها وإحراقها، وعلى رأسها قبر أبي بكر وعمر.
[9]) ـ نسب أئمة بني عبيد أنفسهم إلى فاطمة رضي الله عنها، وتسموا بالفاطميين، وقد ذهب معظم المؤرخين والباحثين الذين تناولوا الدولة العبيدية إلى بطلان انتسابهم إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. انظر مثلاً: الإسماعيلية تاريخ وعقائد للشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله ، ص 167 - 266.
[10]) ـ تاريخ الفاطميين ص 280، الدولة الفاطمية في مصر ص 177، 178، تاريخ المسجد النبوي الشريف.