علاقة الصوفية بالديانة الهندوكية!

هذا موضوع مستل من رسالة دكتوارة كُتبة عن الديانة الهندوسية!
التصوف يستمد أصوله من الفكر الهندوسي والأدلة على ذلك
اختلف الكتاب والمؤلفون في تحديد مصادر التصوف على أقوال:

1) فمن قائل: إن مصادر التصوف كلها إسلامية.
2) ويقال: إن التصوف لا علاقة لها بالإسلام إطلاقاً.
3) ويقال: إن التصوف وليد الأفكار المختلطة من الإسلام واليهودية والنصرانية والمانوية والمجوسية والمزدكية والهندوسية والبوذية، وقبل ذلك من الفلسفة اليونانية وآراء الأفلاطونية الحديثة.
4) ويقال: إن التصوف اسم للزهد المتطور بعد القرون المشهود لها بالخير كرد فعل للانغماس في ترف الدنيا ونعيمها، ثم تطورت ودخلت أفكار أجنبية وفلسفات غير إسلامية، وذهب إلى هذا الرأي كثيرون منهم شيخ الإسلام ابن تيمية : وغيره.
هذه معظم الأقوال في مصادر التصوف، وإن أفضل طريق للحكم على طائفة معينة وفئة خاصة من الناس هو الحكم المبني على آرائها وأفكارها التي نقلوها في كتبهم المعتمدة والرسائل الموثوق بها لديهم بذكر النصوص والعبارات التي يبني عليها الحكم، ويؤسس عليها الرأي ولا يعتمد على أقوال الآخرين ونقول الناقلين، اللهم إلا للاستشهاد على صحة استنباط الحكم واستنتاج النتيجة.

وهذه الطريقة مع صعوبتها هي الطريقة الصحيحة المستقيمة التي يقتضيها العدل والإنصاف، وعلى ذلك نقول:

إننا إذا نظرنا إلى تعاليم الصوفية الأوائل والأواخر، وأقاويلهم المنقولة منهم، والمأثورة في كتب الصوفية، القديمة والحديثة نفسها، نرى بوناً شاسعاً بينها وبين تعاليم القرآن والسنة، وكذلك لا نجد جذورها وبذورها في سيرة محمد ص ، وأصحابه الكرام، بل بعكس ذلك نراها مأخوذة مقتبسة من الرهبنة البرهمية الهندوسية، والنصرانية، وتنسك اليهودية، وزهد البوذية، والفكر الشعوبي الإيراني المجوسي عند الأوائل، والغنوصية اليونانية والأفلاطونية الحديثة لدى الذين جاءوا من بعدهم.

فالتصوف استمد أصوله من كل نحلة ودين، فلو فتّش فيه يجد الباحث فيه البرهمية والبوذية والزرادشتية، ومانوية وتجد فيه أفلاطونية وغنوصية، وتجد فيه يهودية، ونصرانية، ووثنية جاهلية.

وعلى هذا نستطيع أن نقول: إن التصوف استمد أصوله من أفكار مختلطة من أصحاب الأديان والفلسفة، تصل إلى عشرة مصادر، هي: الإسلام، واليهودية، والنصرانية، والمانوية، والمجوسية، والمزدكية، والهندوسية، والبوذية، والفلسفة اليونانية، والفلسفة الأفلاطونية.

والذي يظهر لي أن التصوف تأثر بالهندوسية أكثر من المصادر الأخرى، وذلك لما يأتي:
أولاً: تنصيص العلماء على ذلك قديماً وحديثاً:

نص كثير من العلماء على كون الديانة الهندوسية من مصادر التصوف، فمن العلماء المسلمين الذين نصوا على ذلك:

1) أبو الريحان البيروني:

إن أبا الريحان البيروني أول من عقد مقارنات في المذاهب وكشف عن هذا التشابه بين مذاهب الهنود كالڤيدانت، وبين مذاهب الصوفية، وكذلك بين يوغا باتنجل، وبين أقوال أبي يزيد البسطامي، والحلاج والشبلي فمن أقواله:

• عن التناسخ:

وإلى هذا المعنى (التناسخ) ذهب من الصوفية من قال: إن الدنيا نفس نائمة، والآخرة نفس يقظانة، وهم يجيزون حلول الحق في الأمكنة كالسماء والجماد، ويُعبّر عن ذلك بالظهور الكلي، وإذا أجازوا ذلك فيه لم يكُ لحلول الأرواح بالتردد عندهم خطر.

• ويقول عن الفناء:

وإلى مثل هذا إشارات الصوفية في العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة فإنهم يزعمون أنه يحصل له روحان، قديمة لا يجري عليها تغيرٌ واختلاف بها يعلم الغيب، ويفعل المعجز، وأخرى بشرية للتغير والتكوين.

• وعندما ذكر الاتحاد قال: ولهذا قالت الصوفية في تحديد العشق: إنه الاشتغال بالخلق عن الحق

• وعندما ذكر حال من وصل إلى حالة نر ڤانا الهندوسية، وأنه يكون قادراً على الانتقال إلى حيث أحبّ، فقال: وإلى قريب من هذا يذهب الصوفية فقد حكى في كتبهم عن بعضهم: إنه وردت علينا طائفة من الصوفية، وجلسوا بالبعد عنا وقام أحدهم يصلي، فلما فرغ التفت، وقال لي: يا شيخ تعرف ها هنا موضعاً يصلح لأن نموت فيه؟ فظننت أنه يريد النوم، فأومأتُ إلى موضع وذهب وطرح نفسه على قفاه وسكن، فقمت إليه وحركته، وإذا أنه قد برد، وقالوا: في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الكهف:84) إنه إن شاء طُويت له وإن شاء مشى على الماء والهواء يقاومانه فيه ولا تقاومه الجبال في القصد.

• وعندما تحدث عن وحدة الوجود قال: وإلى طريق پاتنجل ذهبت الصوفية في الاشتغال بالحق، فقالوا: ما دُمتَ تشير فلستَ بموحدٍ حتى يستولي الحق على إشارتك بإفنائها عنك فلا يبقى مشير ولا إشارة، ويوجد في كلامهم ما يدل على القول بالاتحاد كجواب أحدهم عن الحق : وكيف لا أتحقق من هو أنابالإنية، ولا أنا بالأينية، إن عدت فبالعودة فُرقتُ، وإن أهملتُ فبالإهمال خففتُ وبالاتحاد ألفتُ، وكقول أبي بكر الشبلي: اخلع الكل تصل إلينا بالكلية فتكون ولا تكون إخبارك عنا وفعلك فعلنا، وكجواب أبي يزيد البسطامي وقد سئل بم نلتَ ما نلت؟ إني انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها، ثم نظرتُ إلى ذاتي فإذا أنا هو، وقالوا في قول الله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ (البقرة73): إن الأمر بقتل الميت لإحياء الميت إخبارٌ أن القلب لا يحيى بأنوار المعرفة إلا بإماتة البدن بالاجتهاد حتى يبقى رَسماً لا حقيقة له وقلبكَ حقيقة ليس عليه أثر من المرسومات، وقالوا: إن بين العبد وبين الله ألفُ مقام من النور والظلمة، وإنما اجتهاد القوم في قطع الظلمة إلى النور، فلما وصلوا إلى مقامات النور لم يكن لهم رجوع.
ويمكن إجمال أوجه الشبه التي ذكرها البيروني بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية في الأمور الآتية:

مسألة الروح، وطريق الخلاص، وإلغاء التمايز ومحو الإشارة، والتناسخ، والمجاهدة.
فالبيروني يؤكد أن قول المتصوفة في كثير من معتقداتهم شبيه بقول الهندوس، وأنهم قد تأثروا بهم، وأخذوا هذه المعتقدات الباطلة من الهندوس ومن سار على نهجهم وقلدهم وتأثر بهم، يتضح هذا الحكم من كلامه الذي نقلته هنا، وفي مواضع أخرى من كتابه، حيث إنه نقل عقائد الهندوس في بعض الأشياء ثم أعقبه بذكر كلام الصوفية الذي يشابه كلام الهندوس مما يدل على أنهم تأثروا بها.

2) إحسان إلهي ظهير:

ذكر الشيخ إحسان إلهٰي ظهير : عن مصادر التصوف ومآخذه فقال:

وأما كون التصوف وتعاليمه وفلسفته، أوراده وأذكاره، وطرق الوصول إلى المعرفة, والمؤدية إلى الفناء مأخوذة مستقاة من المذاهب الهندية والمانوية والزرادشتية أيضاً فلا ينكرها منكر، ولا يردها أحد، ولا يشك فيها شاك، بل إن كبار الكتّاب عن التصوف والباحثين فيه من المستشرقين والمسلمين، وحتى الصوفية أقروا بذلك حيث لم يسعهم إلا الاعتراف بهذه الحقيقة الظاهرة الجلية التي لا يمكن تجاهلها ولا إغفالها البتة….

3) ويقول الأستاذ عبد الرحمن دمشقية:

وعلى هذا نرى أن التصوف ... قد تأثر بالاتجاه الهندي عموماً والبرهمي خصوصاً... إذن فالقول بالفناء الذي يدين به الصوفية هندي بحت، وحتى الطريقة الممهدة لحصول هذا الفناء ـ وهي طريقة الرياضة، ومخالفة الشهوة وتعذيب الجسد ـ هي طريقة هندية أخذها الصوفية عنهم.. وهذا ليس بسرّ، فالصوفية يصرحون بذلك ويشيرون إلى عبادة الهنود، ورياضاتهم ويتمثلون بها مما يؤكد أخذهم عن هذا المصدر.

ويقول: فالطريقة الرفاعية إنما أخذت تقديس الحيوانات، والإحجام عن قتلها من مبدأ أهمسا، الهندي، بل كان الرفاعي إذا مرّ أمامه خنـزير يقول له: أنعم صباحاً، وقال: لقد تأثر الرفاعي بعقيدة أهمسا الهندية، وهي الإحجام عن قتل المخلوقات أو إيذائها ولو كانت من القمل أو الجرا.

4) ويقول الأستاذ أنور الجندي:

وقد تأثر التصور الصوفي بمفاهيم الغنوصية والفلسفات اليونانية والهندية والمسيحية عليه، وكلها خارجة عن مفهوم التوحيد الخالص وبعيدة عن التصور الإسلامي وقيم الإسلام الأصيلة،... يقوم الدين الهندي والفلسفة الهندوكية على وحدة الوجود على التناسخ، وقد ذهبت الهندوكية والبوذية إلى ما يسمّى بالنرفانا .. وقد أسماه بعض الصوفية (الفناء)... ومن العناصر... الهندوكية استمدت هذه المذاهب: تعذيب النفس،.. والواقع أن أفكار الإشراق ووحدة الوجود والاتحاد والحلول مستمدة كلها من فلسفات الهند ومصر واليونان، فوحدة الوجود مذهب هندي برهمي، والأدلة على وجوده ماثلة في كتب الهنود الدينية وفي أفكارهم الفلسفية... ولا ريب أن وحدة الوجود والتناسخ مستمدة أساساً من الفكر البرهمي ... قد حمله إلى الإسلام... عددٌ من أتباع الفلسفات من أمثال محي الدين ابن عربي والحلاج والسهروردي.

ومن المستشرقين الذين نصوا على أن الديانة الهندوسية من مصادر التصوف كثيرون، منهم:

1) وليم جونز:

فقد قارن بين مذهب وحدة الوجود في التصوف ... وبين مذهب ڤيدانت، كما قارن بين قصائد جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي وبين گيت گوبندا.

ثم تلا من المستشرقين عدة أشخاص منهم:

ألفرد كريمر، ثم روزن، وجولدتسيهر، ثم مورينو، إلا أن من أهمهم: ريتشارد هورتمان وماركس هورتين، كما ذكر لنا الأستاذ أبو العلا عفيفي حيث كتب بحثه عن المشتغلين من المستشرقين في دراسة التصوف فقال: أما ريتشارد هارتمان، وماركس هورتين فنـزعتهما واحدة، وهي أن التصوف يستمد أصوله من الفكر الهندي.

2) آراء هورتن:

إن هورتن قد بذل من المجهود في إثبات هذه النظرية ما لم يبذله أي كاتب آخر، فقد كتب في سنتي 1927م، و1928م، مقالتين حاول أن يثبت في إحداهما بعد تحليل تصوف الحلاج والبسطامي والجنيد، أن التصوف... في القرن الثالث الهجري كان مشبعاً بالأفكار الهندية، وأن الأثر الهندي أظهر ما يكون في حالة الحلاج، وفي المقالة الثانية يؤيد النظرية نفسها عن طريق بحث المصطلحات الصوفية الفارسية بحثاً فيلولوجياً، وينتهي إلى أن التصوف... هو بعينه مذهب الڤيدانت الهندية.

3) آراء هورتمان:

يستند هورتمان في إثبات نفس الدعوى إلى النظر في الصوفية أنفسهم وفي مراكز الثقافة القديمة التي كانت منتشرة في بلادهم، لا إلى المصطلحات الصوفية كما فعل هورتن، وقد نشر في مسألة أصل التصوف مقالاً مهماً سنة 1916 في مجلة Dear Islam وخلاصة بحثه: أن التصوف .. مدين للفلسفة الهندية التي وصلت إليه...من جهةٍ، وللقبّالة اليهودية والرهبنة النصرانية والغنوصية والأفلاطونية الحديثة من جهة أخرى، وهو يرى: أن الذي جمع هذه العناصر كلها ومزجها مزجاً تاماً في التصوف هو أبو القاسم الجنيد البغدادي (المتوفى سنة 297ه‍(، فإليه يجب أن تتجه عناية الباحثين، أما حججه في تأييد الأصل الهندي فهي:

أولاً: أن معظم أوائل الصوفية من أصل غير عربي كإبراهيم بن أدهم، وشقيق البلخي، وأبي يزيد البسطامي، ويحيى بن معاذ الرازي.

ثانياً: أن التصوف ظهر أولاً وانتشر في خراسان.

ثالثاً: أن تركستان كانت قبل الإسلام مركز تلاقي الديانات والثقافات الشرقية والغربية، فلما دخل أهلها في الإسلام صبغوه بصبغتهم الصوفية القديمة.

رابعاً: أن المسلمين أنفسهم يعترفون بوجود الأثر الهندي.

خامساً: أن التصوف الإسلامي الأول هندي في نزعته وأساليبه، فالتسليم الكامل دون فعل الأسباب فكرة هندية الأصل، واستعمال الزهاد للمخلاة في سياحتهم، واستعمالهم للسبح عادتان هنديتان.

4) ويقول نيكلسون:

أما الفناء في عُرف أصحاب وحدة الوجود، فربما كان أشد اتصالاً بفكرة الڤيدانت وما ماثلها من الأفكار الهندوسية.

5) آر سي زاهنَرْ:

هذا المؤلف في دراساته العديدة التي يدرس فيها الديانة الهندوسية بتوسع، ويبحث في نفس الوقت العلاقات بين الهندوسية والتصوف المحسوبة على الإسلام توصّل إلى أن المتصوفة تأثرت بهذه الديانة، وقد ألف في ذلك كتاباً مستقلاً، وقارن بين أقوال أبي يزيد البسطامي والجنيد والغزالي، وبين فلسفة ڤيدانت ويرجح تأثرهم بها، ويأتي بالنصوص تلو النصوص التي تدل صراحة تأثرهم بهذه الفلسفة.

ثانياً: تصريح بعض علماء التصوف بأخذهم عن الهنود:

ويظـهر تأثر المتصوفة بالمذاهب الهندية اعتــراف كثير من المتصوفة بأنهم يأخذون من بعض الهنود، ومن ثبوت سفر كثير منهم إلى الهند، وتمني بعضهم إلى الاستقرار في الهند، فمثلاً:

هذا أبو يزيد البسطامي (261هـ)، الذي يقول عن نفسه أنه أخذ الفناء الصوفي عن أبي علي السندي، فيقول: صحبت أبا علي السندي، فكنت ألقنه ما يقيم به فرضه، وكان يعلمني التوحيد والحقائق صِرفاً.

وحكي عن أبي يزيد أنه قال: دخل علي أبو علي السندي وكان معه جرابٌ، فصبه بين يدي، فإذا هو ألوان الجواهر! فقلت له: من أين لك هذا؟ قال: وافيتُ وادياً ههنا، فإذا هي تضيءُ كالسراج! فحملتُ هذا منها، قال: فقلت له: كيف كان وقتك وقت ورودك الوادي؟ قال: كان وقتي وقت فترة من الحال الذي كنت فيه قبل ذلك، وذكر الحكاية.
وقال أبو يزيد: قال لي أبو علي السندي: كنتُ في حال: (مني، بي، لي) ثم صرتُ في حال: (منه، به، له).

فهذه القصة تنبئنا مدى تأثر أبو يزيد بالفلسفة الهندية؛ فإن المقصود بأقواله واضح؛ إذ يقصد من دقائق التوحيد وحدة الوجود، والدليل عليه الكلام الأخير، وقد ثبت أيضاً أنه كان يعلمه طريقة الذكر وهي المعروفة بمراقبة الأنفاس، والتي يسمّيه الصوفية بأنها ذكر أو عبادة العارف بالله.

فهذا من أوائل المتصوفة، فلنأخذ نموذجاً آخر من أوساطهم، فمثلاً: الحسين بن منصور الحلاّج، كان كثير السفر إلى الهند، وما ادعى الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، إلا بعد رجوعه من الهند، يذكر لنا مؤرخ الإسلام فيقول:

أخبرني حمد بن الحلاج قال: مولد أبي بطور البيضاء ومنشؤه بتستر، وتلمذ لسهل سنتين، ثم صعد إلى بغداد، كان يلبس المسوح.. فأول ما سافر من تستر إلى البصرة، .. ثم إنه خرج وغاب عنا خمس سنين، بلغ إلى ما وراء النهر، ثم رجع إلى فارس... ثم خرج إلى مكة، ... ثم قصد إلى الهند وما وراء النهر ثانياً، ... وألف لهم كتباً ثم رجع، فكانوا يكاتبونه من الهند بالمغيث، ومن بلاد ماصين وتُركستان بالمقيت، ومن خراسان بأبي عبد الله الزاهد، ومن خوزستان بالشيخ حلاج الأسرار....

فهذا دليل وحده كافٍ في بيان مصدر هذا الحلولي في دعواه بالحلول والاتحاد.

ومن المتصوفة المتفلسفة ابن سبعين، الذي كان يحب الهند، وكان يحب أن ينـزل بها، فقد نقل لنا شيخ الإسلام ابن تيمية : قال: حدثني الثقة أن ابن سبعين كان يريد الذهاب للهند، وقال: إن أرض الإسلام لا تسعه؛ لأن الهند مشركون يعبدون كل شيء حتى النبات والحيوان.

فهذه بعض الأدلة على كون الأديان الهندية من مصادر التصوف، وأن المتصوفة كانوا يستمدون كثيراً من أصولهم من هذه الأديان والملل والنحل الباطلة.

ثالثاً: نظراً لتوافق الأصول بين الهندوسية والصوفية:

يقول الشيخ إحسان إلهي ظهير : هذا والقارئ لأقوال الصوفية، والعارف بأحوالهم ورياضاتهم ومجاهداتهم يلاحظ بنفسه تشابها كبيراً بين هؤلاء وأولئك، وخاصة في تعذيب النفس، وتحمل المشاق والتجويع وحبس النفس وإماتة الشهوات، والهروب من الأهل والأولاد، والجلوس في الخلوات، ومراقبة صورة الشيخ، وطرق الذكر، وكثير من العادات والتقاليد والرسوم، حيث لا يرىٰ إلا مشابهة تامة بتلك المذاهب وأصحابها[يقصد المذاهب الهندية]، كما لا يرى فيها أي أثر للإسلام وتعاليمه، ولا ثبوت من حاملي رايته، ومتمسكي سبيله، ومتبعي طريقه.

يقول الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي:

وهنا نشأ القول بوحدة الوجود في الديانات الهندية، وأثرت هذه العقيدة على أفكار الصوفية في الهند أولاً، ثم انتقلت إلى البلاد المجاورة لها مثل تركستان، ومن هنا انتشرت في البلاد الأخرى، ومن هذا المعين يقول ابن عربي:

فما نظرت عيني إلى غير وجهـه ومـا سمعت أذني خلاف كلامه

ومما لا شك فيه أن التصوف تأثر كثيراً بالعقائد الهندية. ففكرة الاتحاد أو وحدة الوجود عند الحلاج وابن عربي وغيرهما من المتصوفين مصدرها ((ڤيدانت)) حيث ترجم في عهد المأمون في دار الحكمة، وبقي ابن عربي مدة من الزمن في الشرق بعد أن خرج من موطنه بلاد الأندلس، وكان يتلقى مبادئ التصوف من مشايخ الشرق وألف كتابه ((الفتوحات المكية)) بمكة المكرمة، وهو شبيه بتعليمات التصوف الهندي. وكان يدعي أن الحقيقة المحمدية هي شكل آخر لوحدة الوجود.

أليس قول ابن عربي: الاعتقاد بصحة كل عقيدة حتى ولو كانت عبادة الحجر والشجر. شبيه بفكرة ((الڤيدانت)) القائلة: وفي النهاية كل هذه الأفكار توصل إلى ذات الله.
وقد أكّد بعض المستشرقين أن الطريقة الأكبرية (وهي المنسوبة إلى ابن عربي الَّذي لُقِّب بالشيخ الأكبر) في الأصل تأسست في الهند على يد صاحبها محيي الدِّين ابن عربي في القرن السادس الهجري، وانتشرت بين مسلمي الهند.

ويرى الشيخ الأعظمي: أنه لا يبعد أن يكون ابن عربي أيضاً ممن خرج إلى الهند لتلقي مبادئ الفلسفة الهندية مثل شيخه في وحدة الوجود الحلاج، إلا أن هذه الدعوى تحتاج إلى إثبات.

هذا، وقد نبه الدكتور علي زيعور على بعض نقاط الالتقاء والشبه بين الأفكار الهندية والتصوف، وأهمه في رأيه هو الآتي:

• المريد الصوفي شديد التشبه بما يسميه الهنود مرحلة التلميذ ثم البادئ المتميز: أنتيفاشين، ثم أدهيكارين.

• الصوفي الفاني عن ذاته هو و ال‍غورو: كلاهما فقد الشعور بالدنيا والحس...

• المسبحة مأخوذة من الهند، أما الخرقة، الركوة، والعصا، فهي أدوات لها نفس الدلالة عند الجينية.

• النرفانا والفناء في الله مفهومان يتحققان بنفس الطرائق، ولهما نفس الغاية، مع بعض الفروقات بين تات تفام آشي (أنت هو ذاك)، وبين أنا الحق، سبحاني ما أعظم شأني.

• إن المراقبة والتأمل وضرب الإنسان نفسه، وتاپاس* هي طرائق ومكابدات متماثلة.

• مبدأ ال‍أهمسا (اللاعنف) انتقل إلى التصوف...

• التناسخ، والحلول، ووحدة الوجود، تشبه ألواناً هنديةً.

• وكذلك الأساطير المحدثة عن قوة الصوفي الخارقة، نجد لها جذوراً في الهند.

• وكذلك حلقة الذكر، وما يصاب به الوجداوي (أي صاحب الوجد) في حالة النشوة أو الانجذاب.

• الأقوال المكثفة، أو أساليب التعبير الصوفية بجمل قصيرة ومثقلة، تجد في الهند نظيرها.

• بعض أشكال السحر والشعوذة، وما يسمّى بالطب الروحاني، وكتابة التعاويذ، وما إلى ذلك من الطقوس الهندية، تأصلت في المتصوفة.

إذن، يتضح لنا بوضوح: أن التصوف يستمد أصوله من الديانة الهندوسية، ولكي نحدّد العقائد والعادات التي تأثرت بالهندوسية علينا أن نحدد أولاً عقائد المتصوفة ومبادئها حتى ينظر في مصدرها لدى المتصوفة هل هي من الأديان الهندية أم من غيرها، وفيما يلي بيان ذلك على سبيل الإجمال:

إن أعمال المتصوفة تنقسم قسمين:

الأول: وهو ما يسمّى بالمقامات والأحوال، وذلك؛ أن للتصوف غاية وهي: الوصول إلى الفناء، وللوصول إلى الفناء حدّدوا ما يسمّونه بالمقامات، والأحوال وقد اختلفوا في تحديد المقامات نوعها وعددها:

فهي عند الطوسي سبعة: التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والتوكل، والرضا الذي هو آخر المقامات.

وعند أبي طالب المكي تسعة: التوبة، والصبر، والشكر، الرجاء، والخوف، والزهد، والتوكل، والرضا، والمحبة. ولم يتفقوا على شيء فيما بعد.

وأما الأحوال: فهي حسب ما يرد على السالك، فمنهم من يعتري عليه حالة السكر، وهو الحلول، ومنهم من يعتري عليه حالة الوحدة، (وحدة الوجود)، ومنهم من يحصل على الغاية بالوصول إلى الفناء ـ كما يزعمون ـ.

وأما الثاني: فهو ما يسمّى عندهم بالطريق إلى الله، أو كيفية الوصول إلى ولاية الله، إن المسلم ليعتقد أن صلة الإنسان بربه، صلة العبد مع المولى، وأن العبد لابد وأن يبقى عابداً مادام حياً، وأنه لا أحد يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالفرائض والنوافل التي شرعها على لسان نبيه، فهو الطريق الوحيد للحصول على مرضات الله سبحانه، وأن المؤمن التقي هو الولي لله سبحانه، وأن الولاية محض عناية الله سبحانه، لا يمكن لعبد أن يحصل عليه بالمجاهدات، وأن أقصى ما يطلب من الله دخول الجنة والنجاة من النار.

والمتصوفة يختلقون طرقاً عديدةً للوصول إلى الله، ويشرعون شرائع عديدة، ويرون حصول القربة بطرق عديدة، بالمجاهدات والرياضات، كما أن كثيراً منهم ليس مطلبهم الأخير الفوز بالجنة والنار بل الوصول إلى مرتبة الفناء في الله ـ كما يدعون ـ.
وطرق الحصول على الولاية التي يحددها المتصوفة للوصول إلى الغاية التي ينشدونها يمكن أن نحددها في الأمور الآتية:

أولاً: الوسائل التي يرون أنها توصل العبد إلى ربه:

1ـ أخذ الشيخ:
2 ـ المجاهدة: ويشتمل على:
أ ـ تعذيب النفس:
ب ـ العزلة والانقطاع والخلوة.
ج ـ الذكر والمراقبة.
د ـ السياحة.
ه‍ ـ التسول وترك العمل.
و ـ إماتة الشهوات.
ز ـ التجويع. وما إلى ذلك.
ثانياً: المقدمات التي يرون أنها توصل العبد إلى ربه:
1ـ الحب.
2ـ الشوق.
ثالثاً: النتيجة التي ينتظرونها بعد الحصول على الغاية أو الفناء:
1ـ المعرفة (العلم اللدني).
2ـ إسقاط التكاليف.

فهذه جملة الأمور التي يرومها المتصوفة للوصول إلى ولاية الله، ولتكون تأثر المتصوفة بالهندوسية واضحة في هذه الأشياء أعرض في المبحث الآتي نماذج من عقائد وعادات المتصوفة مع ما يشبهها بالهندوسية، ومن الله أستمد العون والتوفيق والسداد:

المبحث الثالث: ذكر بعض عقائد وعادات وتقاليد المتصوفة المستمدة من الهندوسية
وفيه تسعة مطالب
المطلب الأول: عقيدة الحلول.
المطلب الثاني: عقيدة وحدة الوجود.
المطلب الثالث: عقيدة الاتحاد.
المطلب الرابع: عقيدة الفناء وعقيدة رفع التكاليف عن الشيخ الكامل.
المطلب الخامس: اتخاذ الشيخ والغلو في تعظيمه.
المطلب السادس: تقسيم الناس إلى الخواص والعوام.
المطلب السابع : العزلة والانقطاع.
المطلب الثامن: تعذيب النفس وتحمل المشاق والتجويع وإماتة الشهوات.
المطلب التاسع: ترك التكسب والاتكال على الناس.

-------------

منقول