حكم قراءة الشاذ في الصلاة وغيرها :


اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة على قولين :


القول الأول : لا تجوز قراءة الشاذ في الصلاة وغيرها .

وإلى هذا القول ذهب الإمامان مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما ، وهو قول أكثر العلماء - مجموع الفتاوى ( 13 \ 394 ) . .


قال الفتوحي رحمه الله تعالى : ( وتكره قراءة ما صح من غير المتواتر . نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه ) شرح الكوكب المنير ( 2 \ 140 ) . .


ونقل الزركشي رحمه الله تعالى عن الشيخ السخاوي قوله : ( ولا تجوز القراءة بشيء من الشواذ لخروجها عن إجماع المسلمين وعن الوجه الذي ثبت به القرآن وهو المتواتر ، وإن كان موافقا للعربية وخط المصحف ؟ لأنه جاء من طريق الآحاد ، وإن كانت نقلته ثقات ) البحر المحيط ( 1 \ 474 ، 475 ) . .

وقال النووي رحمه الله تعالى : ( قال أصحابنا وغيرهم : تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بكل واحدة من القراءات السبع ، ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة ، لأنها ليست قرآنا ، فإن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ) المجموع ( 3 \ 392 ) . .


وقال ابن الصلاح رحمه الله تعالى : ( يشترط أن يكون المقروء به على تواتر نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا واستفاض نقله بذلك وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع ؛ لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد في الأصول ، فما لم يوجد فيه ذلك ما عدا العشرة فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارج الصلاة ، وممنوع منه ممن عرف المصادر والمعاني ومن لم يعرف ذلك ) البرهان في علوم القرآن ( 1 \ 332 ) . .


وقال ابن الحاجب رحمه الله تعالى : ( لا يجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا غيرها عالما بالعربية كان أو جاهلا ) المرجع السابق . .


وقال ابن حزم رحمه الله تعالى : ( لا يحل لأحد أن يقرأ بها ولا أن يكتبها في مصحفه ) المحلى ( 4 \ 255 ) . .
وإنما لم تجز قراءة الشاذ في الصلاة ؛ لأنه ليس بقرآن وإنما هو جار مجرى أخبار الآحاد .


قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى : ( . . . وإنما لم تجز القراءة به في الصلاة ؟ لأن ما عدا مصحف عثمان فلا يقطع عليه ، وإنما يجري مجرى السنن التي نقلها الآحاد ) التمهيد ( 8 \ 292 ) . .


وحيث لا تجوز قراءة الشاذ في الصلاة وغيرها عند أصحاب هذا القول فقد فرعوا على ذلك : عدم صحة الصلاة بتلك القراءة ، وعدم جواز الصلاة خلف من يقرأ بها .

قال الإمام مالك رحمه الله تعالى : ( من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصل وراءه ) التمهيد ( 8 \ 293 ) . .

وقال الفتوحي رحمه الله تعالى ما مؤداه : ( ما ورد غير متواتر ، وهو ما خالف مصحف عثمان ليس بقرآن ، فلا تصح الصلاة به ؛ لأن القرآن لا يكون إلا متواترا ، وهذا غير متواتر ، فلا يكون قرآنا ، فلا تصح الصلاة به على الأصح ) شرح الكوكب المنير ( 2 \ 136 ) . .

وذكر الزركشي رحمه الله تعالى في بحره المحيط نقل الشاشي عن القاضي الحسين : أن الصلاة بالقراءة الشاذة لا تصح. -البحر المحيط ( 1 \ 475 )- . .

كما نقل عن الإمام النووي رحمه الله تعالى أنه قال في فتاويه : ( الصلاة بالقراءة الشاذة تحرم ) المرجع السابق . .


وقال السرخسي رحمه الله تعالى : ( اعلم بأن الكتاب هو القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، المكتوب في دفات المصاحف ، المنقول إلينا على الأحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا ، لأن ما دون المتواتر لا يبلغ درجة العيان ولا يثبت بمثله القرآن مطلقا ، ولهذا قالت الأمة : لو صلى بكلمات تفرد بها ابن مسعود لم تجز صلاته ؟ لأنه لم يوجد فيه النقل المتواتر ، وباب القرآن باب يقين وإحاطة ، فلا يثبت بدون النقل المتواتر كونه قرآنا ، وما لم يثبت أنه قرآن فتلاوته في الصلاة كتلاوة خبر ، فيكون مفسدا للصلاة ) -أصول السرخسي ( 1 \ 279 ، 280 )- . .


القول الثاني : يجوز قراءة الشاذ في الصلاة وغيرها :

وإلى هذا القول ذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى في إحدى الروايتين عنه .


قال ابن وهب رحمه الله تعالى : ( قيل لمالك : أترى أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب : " فامضوا إلى ذكر الله " ؟


فقال : ذلك جائز . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا منه ما تيسر . . .صحيح البخاري الخصومات (2287),صحيح مسلم صلاة المسافرين وقصرها (81,سنن الترمذي القراءات (2943),سنن النسائي الافتتاح (93,سنن أبو داود الصلاة (1475),مسند أحمد بن حنبل (1/43),موطأ مالك النداء للصلاة (472).


وقال مالك : لا أرى باختلافهم في مثل هذا بأسا ، وقد كان الناس ولهم مصاحف ، والستة الذين أوصى إليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم كانت لهم مصاحف ) التمهيد ( 8 \ 292 ) . .


وقال ابن وهب رحمه الله تعالى : ( أخبرني مالك بن أنس قال : أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا : إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ - سورة الدخان الآية 44-، فجعل الرجل يقول : طعام اليتيم ، فقال له ابن مسعود : طعام الفاجر . فقلت لمالك : أترى أن يقرأ كذلك ؟ قال: نعم أرى ذلك واسعا ) -التمهيد (8 \ 292 )- .


وأيضا فقد ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- في إحدى الروايتين عنه ، وذهب إليه بعض أصحابه وبعض الشافعية مجموع الفتاوى (13 \ 394 )، -شرح الكوكب المنير (2 \ 136 - 137)- .


واحتجوا لذلك: بأن الصحابة --رضي الله تعالى عنهم-- كانوا يقرؤون بالقراءة الشاذة في الصلاة .


وكان المسلمون يصلون خلف أصحاب هذه القراءات كالحسن البصري ، وطلحة بن مصرف ، والأعمش ، وغيرهم من أضرابهم ، ولم ينكر ذلك أحد عليهم مجموع الفتاوى (13 \ 394 )، -شرح الكوكب المنير (2 \ 137 )- .


ولو لم يروا جواز ذلك لما قرءوه في الصلاة .


وحيث جوز أصحاب هذا القول قراءة الشاذ في الصلاة وغيرها ، فقد فرعوا على ذلك صحة الصلاة بالقراءة الشاذة .


قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: ( وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين ، بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإمام ، وصحت في العربية ، وصح سندها جازت القراءة بها وصحت الصلاة بها اتفاقا ، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده جازت القراءة بها ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال ) إعلام الموقعين (4 \ 263 ). .


بيان الراجح في المسألة :


من خلال استعراض رأي الفريقين القائلين بجواز قراءة الشاذ وعدمه ، يترجح لدي عدم جواز قراءة الشاذ وبخاصة في الصلاة؛ وذلك لأن القراءة الشاذة لا تسمى قرآنا على الأصح ، وإنما هي منزلة منزلة الخبر فلا يحكم لها بأنها قرآن ، ولا يجوز قراءة ما لم تثبت قراءته في الصلاة ، ولا تصح الصلاة بتلك القراءة .


وما روي عن بعض الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- أنهم كانوا يقرءون الشاذ في الصلاة لا يخرج عن أحد احتمالين:


الاحتمال الأول : أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل العرضة الأخيرة .


الاحتمال الثاني : أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل إجماعهم على المصحف العثماني .


قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: ( هذه القراءات لم تثبت متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن ثبتت فإنها منسوخة بالعرضة الآخرة ، فإنه قد ثبت في الصحاح عن عائشة وابن عباس -رضي الله عنهم- أن جبريل -عليه السلام- كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في كل عام مرة ، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين ، والعرضة الآخرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره ، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بكتابتها في المصاحف ، وكتبها أبو بكر وعمر في خلافة أبي بكر في صحف . أمر زيد بن ثابت بكتابتها ، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف وإرسالها إلى الأمصار ، وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة ) مجموع الفتاوى (13 \ 395) .


وما روي عن بعض التابعين رحمهم الله تعالى من أنهم كانوا يقرءون بالشاذ في الصلاة فذلك عن اجتهاد منهم قد قوبل باجتهاد آخر مخالف له .

****************************

الرئاسة العامة "مجلة البحوث الإسلامية"