قال الحافظ أبو عمر يوسف إبن عبد البر القرطبي صاحب التمهيد في كتابه الماتع "جامع بيان العلم وفضله "

واحسن ما رأيت في آداب التعلم والتفقه من النظم ما ينسب إلى اللؤلؤي من الرجز وبعضهم ينسبه إلى المأمون وقد رأيت ايراد ما ذكر من ذلك لحسنه ولما رجوت من النفع به لمن طالع كتابي هذا نفعنا الله وإياه به قال :
واعلم بأن العلم بالتعلم والحفظ والاتقان والتفهم
والعلم قد يرزقه الصغير في سنة ويحرم الكبير
فإنما المرء بأصغريه ليس برجليه ولا يديه
لسانه وقلبه المركب في صدره وذلك خلق عجب
والعلم بالفهم وبالمذاكرة والدرس والفكرة والمناظرة
فرب إنسان ينال الحفظا وبورد النص ويحكي اللفظا
وماله في غيره نصيب مما حواه العالم الأديب
ورب ذي حرص شديد الحب للعلم والذكر بليد القلب
معجز في الحفظ والرواية ليست له عما روى حكاية
وآخر يعطي بلا اجتهاد حفظا لما قد جاء في الاسناد
يهزه بالقلب لا بناظره ليس بمضطر إلى قماطره
فالتمس العلم وأجمل في الطلب والعلم لا يحسن إلا بالأدب
والأدب النافع حسن السمت وفي كثير القول بعض المقت
فكن لحسن الصمت ما حييتا مقارفا تحمد ما بقيتا
وإن بدت بين أناس مسألة معروفة في العلم أو مفتعله
فلا تكن إلى الجواب سابقا حتى ترى غيرك فيها ناطقا
فكم رأيت من عجول سابق من غير فهم بالخطأ ناطق
أزرى به ذلك في المجالس عند ذوي الألباب والتنافس
والصمت فاعلم بك حقا أزين إن لم يكن عندك علم متقن
وقل إذا أعياك ذاك الأمر مالي بما تسأل عنه خبر
فذاك شطر العلم عند العلما كذاك مازالت تقول الحكما
إياك والعجب بفضل رأيكا واحذر جواب القول من خطائكا
كم من جواب أعقب الندامة فاغتنم الصمت مع السلامة
العلم بحر منتهاه يبعد ليس له حد إليه يقصد
وليس كل العلم قد حويته أجل ولا العشر ولو أحصيته
وما بقى عليك منه أكثر مما علمت والجواد يعثر
فكن لما سمعته مستفهما إن أنت لا تفهم منه الكلما
القول قولان فقول تعقله وآخر تسمعه فتجهله
وكل قول فله جواب يجمعه الباطل والصواب
وللكلام أول وآخر فافهمهما والذهن منك حاضر
لا تدفع القول ولا ترده حتى يؤديك إلى ما بعده
فربما أعيي ذوي الفضائل جواب ما يلقى من المسائل
فيمسكوا بالصمت عن جوابه عند اعتراض الشك في صوابه
ولو يكون القول في القياس من فضة بيضاء عند الناس
إذا لكان الصمت من خير الذهب فافهم هداك الله آداب الطلب
منقول من كتاب جامع بيان العلم وفضله طبعة ابن الجوزي صفحة رقم 581