بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ السَّلاَمُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَمَّا بَعْدُ:- فهذا مقال نقلته من سحاب كتبه الكاتب : [ أبو تقي الدين الجزائري ]

مسألـــة حديثيــــــة تخفـــى على الكثيـــر... الشيخ العلامـــة ناصر الديــن الألباني رحمه الله


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد:

كلمتي الآن حول حديثين اثنين جاء ذكرهما في خُطبة أخينا أبو أنس جزاه الله عليها خيراً ، وتوضيحاً لنقطة أخرى تطرق إليها ناصحاً للجماعات الأحزابية وللجماعات الإسلامية أن يجتمعوا ويتوحدوا وقد أصاب ووُفق في ذلك ، ولكن الأمر يحتاج إلى شيء من التوضيح.

أما الحديثان المُشار إليهما فهو أولهما الحديث الصحيح : (المؤمن للمؤمن كالبنيان) لفظة (المرصوص) لا أصل لها في الحديث.

الحديث الوارد في الصحيحين وكتب السنة كلها بدون لفظة (المرصوص).
(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) (1).
فلهذا وُجب التنبيه عليه لسببين اثنين:

السبب الأول: أن هو يَعز علينا جميعا بطبيعة الحال أن يقع في مثل هذا الخطأ أحد من إخواننا.
والشيء الآخر: أن هذا الخطأ عام شامل لجميع طلاب العلم ، وكتاب العلم ، إلا من عصم وقليل ما هم.

- الحديث الثاني: فهو حديث على شهرته في كتب السيرة لا إسناد له صحيح يُذكر ، ألا وهو قصة : (اذهبوا فأنتم الطلقاء) (2).

هذا الحديث في الواقع جميل تميل إليه النفس ، وذلك مما ليس بعيداً عن أخلاق الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم الذي يكفيه فخراً أن الله عز وجل أثنى عليه وسجَّل ذلك في كتابه إلى أبد الدهر ، وذلك قوله عز وجل: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُُقٍ عَظِيم) (القلم/4).

فمهما رُوي منسوبا إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم مما يتعلق بمكارم أخلاقه فذلك قِلٌّ من جُل.

ولكن هذا شيء ، وأن يُقال على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ما لم يصح فذاك شيء آخر.

مثلاً: هناك حديث في كتاب (الشفاء) للقاضي عياض: (بأن رجلاً توعد مع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أن ينتظره في مكان سمياه ، فانتظره ثلاث ليال أو ثلاثة أيام لم يحد الرسول عن ذلك المكان ، حتى جاء ، قال له: شققتَ علي ، أنا منذ ثلاثة أيام بانتظارك هنا ، فاعتذر له بعذر) (3) ، فهذا ليس غريباً عن خُلقه عليه السلام ، وعن شمائله الكريمة ، لكن هو كذاك ، لا يصح إسناده ، فلا يجوز أن يُنسب إليه صلَّى الله عليه وسلَّم ما لم يثبت من الحديث ، سواء كان هذا الحديث من قوله صلَّى الله عليه وسلَّم أو من فعله أو من تقريره ، كل هذا وذاك وذاك داخل في مُسمى الحديث النبوي.

ولذلك فهذا الحديث (اذهبوا فأنتم الطلقاء) لا يصح نسبته إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، لأنه لم يأتي له ذكر إلا في سيرة ابن إسحاق التي اختصرها ابن هشام ، والتي لا وجود لها اليوم ، إلا هذا المختصر سيرة ابن هشام.

فهذا الحديث إسناده في سيرة ابن هشام المستقاة من سيرة ابن إسحاق معضل ليس له سند متصل.

فإن ذكرت هذه القصة لنبينا صلَّى الله عليه وسلَّم كرواية فتُذكر مقرونة ببيان وضعها.

وكما قلت لكم ذلك قليل من مكارم وشمائل الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ، لكن الأمر له علاقة بالرواية عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ، ولذلك فلا ينبغي أن يُروى عنه ، إلا ما صحت نسبته إليه.

الشيخ العلامة محدث الديار الإسلامية :
محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى.

**********************
(1): البخاري: أبواب المساجد/باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره
(1/182) (حديث:467) ، وكتاب المظالم/باب نصر المظلوم (2/863) (حديث:2314) ، وكتاب الأدب/باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا
(5/2242) (حديث:5680).
- مسلم: كتاب البر والصلة والآداب/باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم (4/1999).
- الترمذي: كتاب البر والصلة عن رسول الله/باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم (4/325) (حديث:1928).
- النسائي: كتاب الزكاة/ باب أجر الخازن إذا تصدق بإذن مولاه
(5/79) (حديث:2560).
- صحيح ابن حبان: كتاب الإيمان/باب ما جاء في صفات المؤمنين
(1/467) (حديث:231). كلهم من حديث: أبي موسى.

(2): السيرة النبوية (لابن هشام): ذكر الأسباب الموجبة للسير إلى مكة وذكر فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان.
ما قاله عليه السلام على باب الكعبة :.
قال ابن إسحاق : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم......
- و‏البداية والنهاية (للإمام ابن كثير): في صفة دخوله صلى الله عليه وسلم مكة . عن ابن اسحاق.
-
(3): وقد جاء عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت علي أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك)
قال الشيخ الألباني: (ضعيف الإسناد): ضعيف أبي داود: كتاب الأدب/باب في العدة (4/299) (حديث:4996)