التهكم بإسلام أعضاء مجلس الأمة مرفوض

بقلم: د. حمد بن ابراهيم العثمان
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لقد تأملت ما اثاره د. محمد عبدالغفار الشريف من شبهات وتشكيكات في العقائد مع ما جرى منه من استهزاء في تعليقاته على مداخلات الجمهور في برنامج 'الحياة عبادة'، ورأيت نصيحة العلامة صالح الفوزان حفظه الله، التي كانت كلمات يسيرة مباركة عليها نور الكتاب والسنة حصل بها المقصود من بيان الحق وكشف التلبيس والتدليس، فأحببت ان اعلق بعض التعليقات لوضع بعض الأمور في نصابها الصحيح، وهي كالآتي:

أولا: العلامة الفوزان قليل الكلام كثير البركة

كلنا لاحظ الكلام الكثير الذي القاه د. محمد عبدالغفار في برنامج 'الحياة عبادة' وكرره واضاف اليه ايضا كثيرا من الشبهات في حلقة تابعة، ثم الكلام الكثير الذي سطره في صفحة كاملة في 'الرأي العام'، وصفحتين كاملتين في 'الوطن'، وأصله بدأ من انحراف في فتياه، واستهزاء بمخالفيه، ثم توسع بعد ذلك في الانتصار لنفسه، واخذ يتناقض ويدلي بما يدل على عدم رسوخة في اهم المهمات وهي توحيد الله تبارك وتعالى، بينما نجد العلامة صالح الفوزان، وفقه الله، تكلم بغير تكلف بكلام يسير اصاب به الحق، ورد فيه الشبهات التي القاها محمد عبدالغفار، وهذا شأن البدعة والسنة منذ ظهور البدع إلى يومنا الحاضر، قال ابن ابي العز الحنفي رحمه الله: 'كلما ابتدع شخص بدعة اتسعوا في جوابها، فلذلك صار كلام المتأخرين كثيرا، قليل البركة، بخلاف كلام المتقدمين فإنه قليل كثير البركة'.

وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: 'وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا - مع أنهم أكمل الناس علما نافعا وعملا صالحا - أقل الناس تكلفا، يصدر عن احدهم الكلمة والكلمتان من الحكمة او من المعارف، ما يهدي الله بها امة، وهذا من منن الله على هذه الائمة. وتجد غيرهم يحشون الاوراق من التكلفات والشطحات، ما هو من اعظم الفضول المبتدعة، والاراء المخترعة، لم يكن لهم في ذلك سلف الا رعونات النفوس المتلقاة ممن ساء قصده في الدين'.

ثانيا: استرشد من العلامة الفوزان تواضع وارحل اليه

نصب د. محمد الشريف نفسه في رده على العلامة صالح الفوزان وكأنه نظير له، وان حاول ان يظهر خلاف ذلك من خلال الاسئلة التي طرحها، والكل يعرف الفرق بين مرتبة عالم كبير كالعلامة صالح الفوزان وبين مرتبة د. محمد عبدالغفار كطالب علم، قال ابن عبدالبر، رحمه الله: 'وقالوا: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونا متقاربين او مستويين في مرتبة واحدة من الدين والفهم والعقل والانصاف، والا فهو مراء ومكابرة'.

فتواضع يا د. محمد عبدالغفار، وارحل الى الرياض واحتسب ذلك رحلة في طلب العلم، واجلس بين يدي الشيخ جلوس التلميذ بين يدي العالم، واسأل اسئلة المسترشد، لأنه ظاهر من كلامك، ان كثيرا من الشبه عالقة في ذهنك شوشت عليك علومك، وتحتاج الى عالم صاحب سنة كالعلامة صالح الفوزان يعينك على بلوغ الحق.

ثالثا: التطرف خرج من عباءتك وليس من مجتعات البادية

د. محمد عبدالغفار مارس قلب الحقائق والتدليس على المشاهدين في تحليله لأسباب التطرف، وبيانه لمنشأ الفتاوى المتطرفة، حيث قال ما يلي: 'لاحظ ان هذه الفتاوى لا تخرج الا من مجتمع منغلق يغلب عليه طابع البداوة، وان الفتاوى التي فيها اريحية تخرج من مجتمع متحضر حضاري؟'.

فحسبي الله ونعم الوكيل، حتى التطرف والوسطية جعلتها 'بدوا - وحضرا' انا لله وانا إليه راجعون.

يا د. محمد عبدالغفار، الدين والفتاوى والعلم، قال الله، قال رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الصحابة هم اولو العرفان و'دين البادية على الفطرة ما افسدته البدع'.

والكل يعرف ان منفذ تفجيرات اوكلاهوما حضري بل واميركي اشقر وعيناه زرقاوان.

والدكتور محمد عبدالغفار هو من جملة من ساهم في احضار رموز التطرف الى بلدنا، ووظف امكانات الدولة في تقديم رموز التطرف لشباب الكويت، والادهى والامر انه صار في الفترة الاخيرة يقدمهم بدعوى تعزيز الوسطية ومحاربة التطرف.

فالدكتور محمد عبدالغفار استضاف د. صلاح الصاوي منظر فكر 'واحد يفجر والآخر يستنكر' لما كان عميدا لكلية الشريعة، والآن لما صار مسؤولا عن لجنة 'تعزيز الوسطية' استضاف هذا الرجل مرة اخرى في مؤتمر 'نحن والآخر'، عنادا لأنه قد توجه النقد اليه في ذلك من قبل، فأبى الا الانتصار لنفسه ولو على سبيل الاضرار بالوطن وامنه، وافساد مناهج وافكار الشباب، واخطر من هذا انه يفرغ الجهود والميزانيات المبذولة من الدولة في نشر التطرف عوضا عن محاربته، وكل هذا باسم محاربة التطرف وتعزيز الوسطية.

ولعلي هنا انقل شيئا من تأصيل الفكر المتطرف لصلاح الصاوي الذي يحرض د. محمد عبدالغفار على استضافته في كل موقع حكومي يشرف عليه.

يقول د. صلاح الصاوي في كتابه 'الثوابت والمتغيرات' (ص257-25، وهو يتحدث عن الاصلاح والتجديد في الحركة الاسلامية '.. عدم التورط في ادانة الفصائل الاخرى العاملة للاسلام ادانة علنية تحت شعار الغلو والتطرف، مهما تورطت هذه الفصائل في أعمال تبدو منافية للاعتدال، فان كان لابد من حديث للتعليق على بعض هذه الاعمال الفجة، فليبدأ اولا بادانة الارهاب الحكومي في قمع الاسلام، والتنكيل بدعاته، والذي كان من نتائجه الطبيعية هذه الأعمال' الى ان قال: 'ولا يبعد القول بان مصلحة العمل الاسلامي قد تقتضي أن يقوم فريق من رجاله ببعض هذه الأعمال الجهادية، ويظهر النكير عليها آخرون'.

فهؤلاء هم الذين يتحفاهم ويستضيفهم د. محمد عبدالغفار، من أصحاب النفاق الحركي السياسي 'واحد يفجر وواحد يستنكر'، والأدهى والأمر أننا لا نجد له ردا أو نقدا لا في جهاز مرئي ولا في صحافة على هؤلاء المنحرفين، ثم نراه يرسل العنان للسانة وقلمه في اثارة الشبهات وزرع الضغائن. فهذا برهان واضح ودليل ساطع على ان الرجل يتحرى نصرة نفسه ولا يتحرى الحق.

رابعا: قذف علماء الإسلام الكبار بالزندقة فتنة وشر خطير

من أخطر الأمور واعظمها جرما وخطرا وشرا وفتنة قذف مسلم بالزندقة، فكيف بقذف علماء الاسلام الكبار بالزندقة؟!

فحينئذ يتحتم على العاقل فضلا عمن ينسب نفسه الى الوسطية ان يتحرى غاية التحري انطباق حكم الزندقة على من رمي به، لان جناية ذلك خطيرة، وفيها تشجيع للأغمار من الشباب بالتهاون في اطلاق مثل هذه الاحكام الخطيرة.

فالدكتور محمد عبدالغفار علق في برنامج 'الحياة عبادة' على حديث الفرقة الناجية بقوله: 'حسن بتعدد طرقه، أما زيادة 'كلها في النار الا واحدة'، فمتفقون جماهير المحدثين ان هذه الزيادة ضعيفة، بل الامام محمد بن ابراهيم الوزير في كتابه 'العواصم والقواصم' قال: 'هذه الزيادة ضعيفة باتفاق المحدثين، بل تكلم بكلام اشد من هذا، قال: 'هذا من وضع الزنادقة' انتهى كلام د. عبدالغفار.

ولي عليه ملاحظات:

أولا: عبارة ابن الوزير نصها كما يلي: 'لا يؤمن ان تكون من دسيس الملاحدة'، فابن الوزير قال 'ملاحدة'، وعبدالغفار قال 'زنادقة' وكلا الحكمين خطير ظالم بلا ريب، ولا احسب ان د. عبدالغفار قرأ كلام ابن الوزير، لان محقق الكتاب شعيب الارناؤوط انكر عليه في حاشية تحقيقه وبين ردود علماء أهل بلد ابن الوزير من اليمنيين الذين ردوا عليه.

ثانيا: د. عبدالغفار ليته تثبت ولم يستعجل وهذا هو الورع والدين والعلم، خصوصا اذا اراد رمي راويه بالزندقة، فليته تأمل من روى الحديث بهذه اللفظة، وهل صححها احد من المتقدمين من القرون الأولى قبل ان يتفوه بكلام ابن الوزير في القرن التاسع هجري بهذا الحكم الكبير.

والحديث بهذه اللفظة رواه كبار علماء الاسلام من اولئك:

الامام احمد بن حنبل في مسنده (4/102) بلفظ 'كلها في النار الا واحدة وهي الجماعة'، وأبو داود في سننه (5/5- رقم 4597) بلفظ 'ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة'، وابن ماجه في سننه (2/1322- رقم 3993) بلفظ 'كلها في النار الا واحدة' والحاكم في المستدرك (1/12 بلفظ 'كلها في النار إلا واحدة'، وقد صححها جماعة من أهل العلم، قال الحاكم: 'هذه اسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث' ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في تخريج الكشاف ص63: 'إسناده حسن'، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة 'إسناده صحيح رجال ثقات'، والدكتور محمد عبدالغفار يقول انه يدرس احياء علوم الدين، فليته قرأ تخريج احاديث احياء علوم الدين للحافظ العراقي حيث صحح هذه اللفظة وقال: 'رواه الترمذي من حديث عبدالله بن عمرو وحسنه، وأبو داود من حديث معاوية، وابن ماجة من حديث أنس وعوف بن مالك، واسانيدها جياد'.

فهل هؤلاء العلماء الكبار وغيرهم زنادقة؟!

والحديث اذا شرح شرحا صحيحيا زال الاشكال، ولعلي اكتب مقالا في ذلك، واكتفي هنا بقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: 'لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها ولو دعا الناس اليها كافرا في الباطن، الا اذا كان منافقا، فأما من كان في قلبه الايمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع،فهذا ليس بكافر اصلا، والخوارج كانوا من اظهر الناس بدعة وقتالا للامة وتكفيرا لهم، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن ابي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين' مجموع الفتاوى (7 - 217).

خامسا: مدائن صالح واتباع المتشابه

اخبر الله ان المبتدع ومريض القلب بالشبهات يتبع المتشابه، كما قال تعالى 'فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله'، ود. محمد عبدالغفار اعترض على النصوص المحكمة الواضحة كقول علي بن ابي طالب رضي الله عنه لأبي الهياج الاسدي: 'ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تدع قبرا مشرفا الا سويته، ولا تمثالا الا طمسته' رواه مسلم، وكان من اعتراضه التعلق بالمتشابه حيث قال: 'ان النبي صلى الله عليه وسلم مر بمدائن صالح ولم يكسر الاصنام'، كذا توهم، وفاته ان مدائن صالح بلدة انزل الله بها العذاب، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن دخولها، كما قال عليه الصلاة والسلام: 'لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، اني اخشى ان يصيبكم مثل ما اصابهم فلا تدخلوا عليهم'، وفي الصحيحين في بعض الروايات ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بمنازلهم قنع رأسه وأسرع راحلته، ونهى عن دخول منازلهم.

واذا كان نبيهم صالح عليه السلام ترك هذه المدائن بعد نزول العذاب، فكيف لنا ان ندخلها لنكسر حجارتها، قال تعالى عن صالح عليه السلام: 'فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين'، قال الحافظ ابن كثير 'إخبار عن صالح عليه السلام انه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد اخذ في الذهاب عن محلتهم الى غيرها' البداية والنهاية (1/319).

ومن يثر مثل هذه الشبهات فهو في الحقيقة مضاد لدعوة الرسل جميعا، فهل ارسل الله نوحا بعد ان كان الناس على الفطرة الا لاتخاذ الناس اصناما لهم، مع انهم اولا لم يكونوا يعبدونها، ثم جاء من بعدهم فعبدوها، قال تعالى عنهم 'وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا' فقال الله 'وقد اضلوا كثيرا'.

وكذلك ما يقع من الاصنام في بعض النواحي لا يجوز ان يستدل بها احد لأن الكتاب والسنة حاكمان على اعمال الناس، لا العكس، هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فإن الانسان قد لا يحيط بحقيقة التاريخ في كل الازمنة الى يومنا الحاضر، إما لنقص علمه واما لفوات تدوين بعض الحوادث في كتب التاريخ، وهذا صنم ابي الهول في مصر ذكر المقريزي انه في سنة احدى عشرة وسبعمائة نزل امير يعرف ببلاط في نفر من الحجارين والقطاعين وكسروا الصنم، وذكر انه في زمنه ايضا شخص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء قام في نحو من سنة ثمانين وسبعمائة سار الى الاهرام وشوه وجه ابي الهول وشعثه'. المواعظ والاعتبار (1/230).

سادسا: عبدالغفار افتقد توازنه واضاع البوصلة

د.محمد عبدالغفار يبدو ان رد العلامة صالح الفوزان وقع عليه كالصاعقة فأفقده توازنه، واضاع بسببه البوصلة، ام انه هو كذلك عنده هذا الخلل الكبير في العقيدة والتوحيد.. فقد أبان د.محمد عبدالغفار عن نقص علمه في طروحاته وردوده لدرجة انه اراد التسوية بين المختلفين المفترقين، فصار يشكك في حكم الطواف بالقبور بمحاولة تسويته بمن يأتي اعضاء مجلس الامة لانجاز معاملاته الدنيوية في اروقة الوزارات فقال 'ما رأيكم بمن يسعى بين بيوت النواب والمسؤولين رغبة ورهبة وخوفا ورجاء هل هو مشرك فالدكتور محمد عبدالغفار يبدو انه لا يميز بين العبادات والمعاملات، فإتيان اعضاء مجلس الامة من باب المعاملات يا دكتور فهي معاملات دنيوية محضة، اما الطواف فإنه عبادة يا دكتور لا تكون الا بالكعبة، قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (5/413) عند قوله تعالى 'وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ان لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) (الحج: 6):

'فالطائف به معروف، وهو اخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الارض سواها'، فتأمل كلام شيخ المفسرين جيدا، وهو قوله 'فإنه لا يفعل ببقعة من الارض سواها'.

سابعا: تهويل مفضوح

بعد ان بينا فساد اعتراضه على فتيا العلامة الفوزان بمحاولة تشبيهه الطواف بالقبور بإتيان الناس لأعضاء مجلس الامة، أبين تهويله المفضوح في محاولة التأليب على فتوى العلامة الفوزان، فقد قال د.عبدالغفار 'ما رأيكم بمن يسعى بين بيوت النواب والمسؤولين رغبة ورهبة وحبا وخوفا ورجاء هو هو مشرك'، فتأمل ما اراد ان يلصق به العلامة الفوزان من قوله 'مشرك' ليؤجج المشاعر على العلامة الفوزان ويوهم بأسلوب ماكر بأنه ممن يكفر المسلمين، والعلامة الفوزان سلك طريقة الشرع في فتياه، واستعمل الفاظ الكتاب والسنة، فوصف العمل 'بالشرك' لمن تقرب بطوافه للميت ولم يقل ان فاعل ذلك 'مشرك'، وهذا نص فتياه ارجو ان يقرأها الجميع بتجرد حيث قال سماحة العلامة الفوزان حفظه الله 'الطواف حول الكعبة عبادة لله امر بها، وليست عبادة للبيت، واما الطواف بالقبر: فان قصد به عبادة الله فهو بدعة لان الله لم يأمر به، وهو وسيلة من وسائل الشرك، فما ذكره هذا القائل باطل، وان كان المقصود بالطواف حول القبر التقرب الى الميت فهو شرك اكبر'.

فالعلامة الفوزان قال 'شرك' ولم يقل عن فاعله 'مشرك' فهو عالم يعرف كيف يحترز في جوابه، خلافا للدكتور عبدالغفار حيث قال 'مشرك'!

فليس كل من وقعت منه هذه الامور العظيمة يحكم بكفره، فهناك فرق بين وصف العمل بالشرك او الكفر، ووصف العامل، فقد يكون العامل متأولا او ملبسا عليه جاهلا.

قال والدنا العلامة محمد الصالح العثيمين رحمه الله: 'وبناء على هذا يتبين حال كثيرمن المسلمين في بعض الاقطار الاسلامية، الذين يستغيثون بالاموات، وهم لا يعلمون ان هذا حرام، بل قد لبس عليهم ان هذا مما يقرب الى الله، وان هذا امر الله، وهم مقتفون للاسلام، وغيورون عليه، ويعتقدون ان ما يفعلونه من الاسلام، ولم يأت احد ينبههم، فهؤلاء معذورون لا يؤاخذون مؤاخذة المعاند الذي قال له العلماء هذا شرك، فيقول: هذا ما وجدت عليه آبائي واجدادي، فإن حكم هذا الاخير حكم من قال الله تعالى فيهم 'إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون' الشرح الممتع (6/194).

واننا لنلحظ سعي اهل البدع في رد السنن، والاحكام الشرعية بدعوى محاربة التطرف، حتى انه لم يبق من سعيهم الا ان يقولوا ان من يقول النياحة على الميت كفر هو متطرف، ثم لعلهم ان يقنعوا الولاة بذلك، وقال قال النبي صلى الله عليه وسلم 'اثنان في امتي هم بهما كفر، النياحة على الميت والطعن في الانساب) فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم 'كفر' ولم يقل فاعله كافر، لانه كفر عملي.

ثامنا: د. عبدالغفار مشكك غير ناصح

طالب العلم الناصح المخلص الصادق مع الله يوضح الحق ويرشد إليه ويدفع عنه التلبيسات وضد ذلك من يورد الشبهات والشكوك ويغطي الحق، والدكتورمحمد عبدالغفار في برنامج 'الحياة عبادة' قال: 'اهل الكتاب ما خاطبهم الله ب'كفار' وانما خاطبهم ب'يا أهل الكتاب' يعني عندهم علم سابق'، وهذا لا شك انه جناية على القرآن'، فالله في كتابه العزيز القرآن الكريم اذ ذكر اهل الكتاب نعتهم بالكفر، مباشرة ليعرف حكم الله فيهم، وليعلم الناس ان علمهم غير نافع، وهاتان آياتان على سبيل التذكرة، قال تعالى 'ان الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها ابدا'، وقال تعالى 'لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة'، واما العلم الذي عندهم والتوراة والانجيل فقد اخبر الله انهم غيروا وحرفوا وبدلوا وكتموا، قال تعالى: 'يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين'، واما من اثنى الله عليهم من اليهود والنصارى في قوله تعالى: 'ان الذين آمنوا والذين هادوا والصائبين والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون'، فهم من آمن بنبيه بشريعته غير المبدلة قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اما بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم: 'والذي نفسي بيده لا يسمع بي احد من هذه الامة من يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي الا دخل النار) رواه مسلم.

تاسعا: أي صوفية يريد عبدالغفار؟

'الصوفية' اصطلاح حادث لا وجود له في الكتاب والسنة، والواجب على اهل العلم استعمال الاصطلاحات الشرعية كالزهد، فقد جاء في الحديث الذي حسنه بعض اهل العلم: 'ازهد فيما عند الناس يحبك الناس'.

وملازمة الكتاب والسنة والزهد المشروع من الطاعات لا يسمى صوفية، وهنا لا بد من كشف اي صوفية يريد د. محمد عبدالغفار؟!

فهذا الرجل تلميعه لرموز الصوفية الغلاة المبتدعة دال على مراده عافانا الله، فهو يجاهر بمدح رأس الحلولية 'ابن عربي الطائي' وقد فعل ذلك في عام 2001 في مؤتمر بمناسبة اختيار الكويت عاصمة الثقافة العاربية في مقر الهيئة الخيرية الاسلامية العالمية، في مداخلة له واستخف بمن حذره منه، ونعت ابن عربي، بقوله: 'طود عظيم عقلا وثقافة شرعية وان كان كل انسان لا يخلو من الاخطاء'.

وحسبي هنا ان انقل كلام كبار العلماء في ابن عربي ليعرف القارئ الفرق بين احكام د. عبدالغفار واحكام العلماء الكبار الناصحين، فقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في ابن عربي: 'له الكتاب المسمى 'بفصوص الحكم' فيه اشياء كثيرة ظاهرها كفر صريح' البداية والنهاية (17/253).

وقال الحافظ الذهبي، رحمه الله، فيه: 'ومن أردأ تواليفه كتاب 'الفصوص' فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة' سير اعلام النبلاء (23/4.

عاشرا: الاستهزاء بأعضاء مجلس الامة مرفوض

الدكتور محمد الغفار في حواره مع صحيفة 'الرأي العام' بتاريخ 20/3/2006 قال لمحاوره 'من تسميهم بالاسلاميين كانوا في يوم من الايام يحرمون عضوية البرلمان - مجلس الامة، ويحرمون دخول الوزارات ويعتبرون ذلك طاغوتا واليوم يتقاتلون على هذين الامرين، وأسألهم بكل صراحة وقد سألت هذا السؤال احد اشد المتحمسين ضد حقوق المرأة، ماذا ستفعلون الآن بعد اقرار الحقوق السياسية للمرأة، هل ستمنعون نسائكم وبناتكم من التصويت، ام انكم تحلونه عاما وتحرمونه عاما' انتهى كلامه.

وهذا غاية في التهكم لا يخفى على عارف بمعنى 'تحلونه عاما وتحرمونه عاما' فهذه آية نزلت في المشركين الذين يغيرون ويؤخرون الاشهر الحرم عن تواريخها الكونية ليرتكبوا المحرمات، واعضاء مجلس الامة ومن هو خارج مجلس الامة لا يعبثون بالمحرمات على هذه الصفة التي رميتهم بها، وانما يستعملون هذه الوسائل من باب قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد وهذا موضع تختلف فيه الانظار، واخواننا اعضاء المجلس قد افتاهم كبار العلماء فهذا الاستخفاف مرفوض تماما.

واشد تهكما منه الاستهزاء بإسلام الناس حيث قال د. عبدالغفار 'من تسميهم اسلاميين'!

حادي عشر: الاستهزاء بالدعاة مرفوض

الدكتور محمد عبدالغفار في حواره مع جريدة الانباء بتاريخ 26/10/2004، استهزأ بأهل الفتيا من الدعاة الذين يظهرون في وسائل الإعلام وقال: 'بعض الدعاة اصبحت تغريهم بهرجة وسائل الاعلام المرئية فأصبحوا يفتون بما يطلبه المشاهدون، وليس ما يوجه المسلمين، مشددا على ان 'هذا خطأ كبير، لاننا لسنا برنامج 'ما يطلبه المستمعون'، ولكننا هنا لنبين دين الله بما يوافق الكتاب والسنة والمصالح العامة المشتركة للناس وإلا لأهلكنا الناس'. فهذه الجناية من د. محمد عبدالغفار.. لكي نعذره على الاقل عليها، تعين عليه ان يذكر فتاوى هؤلاء ويرد عليها من الكتاب والسنة حتى يتبين الناس أنهم ينطبق عليهم قوله فيهم 'يفتون بما يطلبه المشاهدون'، ناهيك ان من المشاهدين من يستطيع ان يعامل د. محمد عبدالغفار من جنس استهزائه، ويقول 'د. محمد عبدالغفار يفتي بما يطلبه أهل الكتاب'.

ثاني عشر: العلامة الفارقة للدكتور محمد عبد الغفار

التقيت بالعميد أ.د. محمد الطبطبائي في كلية الشريعة بعد الضجة التي اثارها د. محمد عبدالغفار في برنامج 'الحياة عبادة'، وسألته عن رأيه في كلام د. عبدالغفار في البرنامج، فأجاب 'بأنه لم يسبق إلى ذلك'.

ونظرا لأن أ.د. الطبطبائي قد عمل معه سويا لسنوات فسألته بعد ذلك سؤالا آخر، وقلت له: ما منهج د. محمد عبدالغفار؟ فأجاب: 'المضادة للسلفيين'، وكفى بالعميد الحالي شاهدا على العميد السابق.

مداخلة د. علي جمعة

لقد تأملت مداخلة د. علي جمعة فوجدتها على أنواع:
نوع هو حيدة عن الموضوع تماما كالحلف بغير الله مع أنه لم يحرر الكلام فيها تحريرا صحيحا، وفي مسائل الوسائل كذلك لم يحررها جيدا.

ونوع: تشقيق وتفريع من التطويل غير المحمود الذي تكلم فيه العلماء مباشرة لظهوره، فصار كمن يسافر من الكويت إلى أوروبا ثم يعود ليذهب الى مكة.

فإنه قد قال: 'وأما الشرك فهو صرف شيء من انواع العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى، حتى لو كان ذلك بغرض التقرب الى الله'.

فنحتاج فقط الى بيان ان الطواف عبادة خاصة بالكعبة ليقع عليها تعريف د. علي جمعة للشرك، ناهيك ان د. علي جمعة قال 'حتى لو كان بغرض التقرب إلى الله'.

قال تعالى 'وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود' (الحج: 26) قال الحافظ بن كثير 'فالطائف به معروف وهو اخص العبادات عند البيت فإنه لا يفعل ببقعة من الارض سواها'، فتأمل قوله 'من أخص العبادات' مع قوله 'فإنه لا يفعل ببقعة من الارض سواها' فينطبق على الطواف بالقبر تعريف د. علي جمعة للشرك تماما.

وكذلك قال الماوردي رحمه الله عن الطواف كما في الحاوي الكبير (4/157): 'نسك لا يقع إلا لله عز وجل'، فأفادنا أمرين: الأول: أنه عبادة، الثاني: أنه لا يقع إلا لله عز وجل.

خاتمة: خطاب لوزير الإعلام

وزارة الاوقاف جعلت البرامج الدينية بتلفزيون دولة الكويت حكرا على محبيها بدعوى محاربة التطرف، وهي التي تستضيف دعاة التطرف في مؤتمراتها، شأنها شأن قريش لما بنت الكعبة، جعلت لها بابا لتدخل من تشاء فقط تحت غطاء اللوائح، فنرجو من وزير الاعلام الذي كان له دور بارز في فك احتكار الصحف ان يفك احتكار البرامج الدينية، ونرجو من وزارة الاوقاف ان تمارس شعارها 'نحن والآخر' بصدق، وان تجعل للآخر من طلبة العلم وهم كثيرون نصيبا من البرامج الدينية في تلفزيون حكومة دولة الكويت.

والحمد لله رب العالمين

القبس في : 27/04/2006

***************************************
منقول